بِسْمِ ٱللَّٰهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
محرك بحث في علم الشيخ بن حنفية العابدين
منصة رقمية للبحث العلمي في تراث الشيخ
خاطرة اليوم
الخاطرة ١٦٤
أهدى إلي أخي إبراهيم بن حليمة حفظه الله كتاب (سراج المريدين) للقاضي أبي بكر بن العربي المعافري رحمه الله تعالى، وقد كنت أسمع به من حديث مؤلفه عنه، وإحالته عليه في بعض كتبه، فرأيت أن أذكر شيئا من خطبة أحد شيوخه التي وعاها، ثم أداها في مقدمة كتابه، وأظهر اهتمامه بها، وذكر ما خلفته من أثر في نفسه، وأن شيخه اقتدى فيها بما قاله ابو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته بعد مبايعته .
وقد ائتسى ابن العربي بشيخه، فقال في بداية الكتاب: "...، وإني وإن لم أكن متحليا بما أورده، ولا ضابطا على ما أعقده، فإن لي قدوة في شيخنا أبي علي الحلبي خطيب المسجد الأقصى طهره الله، حضرت عند جمعة فيه (كذا)، وقد علا على أعواد منبره فخطب: ...،
وبعد أن أورد ديباجة الخطبة أثبت قوله -وفيه بعض المبالغة-: علوت على منبركم، ولست بخيركم، والله لو كانت الذنوب منظرة لكنت أقبحكم، أو ملبسا لكنت أخشنكم، أو صارت خبرا لكنت أفظعكم، أو فغمت رائحة لكنت أتفلكم، فإن تكلمت فنفسي أخاطب، ولئن وعظت فإني للتوبة طالب، وفي الإنابة راغب، يدعو إليها النهى، ويصدف عنها الهوى".
قال ابن العربي: "ولم يبلغ في الخطبة ها هنا حتى غلب على الخلق الأنين، واستولى عليهم الخنين، وسال الدمع والذنين، وارتفع الزعق، وكثر الصعق، وقضيت الصلاة، وطارت الخطبة في الأقطار كل مطار، وسار بها الراكب أينما سار، فأنزلتها من قلبي تالية الإيمان، وأضمرتها في نفسي حاجة لم أقضها إلى الآن ..." .
***
فغمه الطيب: سد خياشيمه، أتفلكم: اكثركم تغير رائحة، يصدف: يصرف، الخنين: صوت تردد البكاء في الأنف، الذنين: المخاط الرقيق يسيل من الأنف، الزعق: الصياح .
***
ومن العبر في هذا:
* أن الخطيب يتواضع في كلامه، ويعتبر نفسه معنيا بما يخاطب به الناس، فإن "المخاطب يدخل في عموم خطابه"، بل هو أولى به منهم، وقد قال نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام لقومه: "وَمَآ أُرِيدُ أَن أُخَالِفَكُم إِلَىٰ مَآ أَنهَىٰكُم عَنهُ إِن أُرِيدُ إِلَّا ٱلاِصلَـٰحَ مَا ٱستَطَعتُ وَمَا تَوفِيقِى إِلَّا بِٱللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنِيب"، وهذا وإن لم يكن شرطا في الدعوة، فإنه من أعظم أسباب انتفاع الناس بها، كما قال ربنا موبخا بني إسرائيل: "أَتَامُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلبِرِّ وَتَنسَونَ أَنفُسَكُم وَأَنتُم تَتلُونَ ٱلكِتَـٰبَ أَفَلَا تَعقِلُونَ" .
* وفيه ما كان عليه من يحضرون حلق العلم من الاتعاظ والاعتبار بما يسمعون، ومن الاستيعاب والحفظ له، ونشره وإذاعته، في وقت لم تكن فيه وسائل التسجيل والإرسال موجودة كشأنها اليوم.
وقد ذكرت في شرح آخر أحاديث الموطإ أن أحد تلاميذ الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله هو الذي سجل شرحه لحديث أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولعله هو كل ما بقي من شرحه للموطإ مدونا مرتبا منسقا، وهو يدل على مستوى علمي متين كان عليه كاتبه، مع أنه غير معروف عند الناس!! .
* وفيه أن من يحضر مجالس العلم ينتفع بها ولو كان ذا علم، وكثيرا ما ينتفع بها أكثر من المتكلم، وابن العربي يومها كان عالما، وقد قال إلله تعالى: "وَذَكِّر فَإِنَّ ٱلذِّكرَىٰ تَنفَعُ ٱلمُؤمِنِينَ"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جملة حديث: "..وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا".
27 شهر ذي القعدة 1440
الخاطرة 289
إعطاء الكافل لقبه للمكفول المجهول الأب؛ معمول به في بلادنا منذ عقود، فقد دخل نظام الحالة المدنية بعد أن صدر فيه مرسوم إثر فتوى الشيخ أحمد حماني رحمه الله، كانت الفتوى جوابا عن سؤال من إحدى المؤسسات التي لها صلة بالموضوع في مدينة حجوط ولاية تيبازة، فالمرسوم الأخير إذن ليس إحداثا لهذا الأمر كما ظن بعض الناس، وقد يكون تعديلا له .
قاس الشيخ أحمد حماني هذا الأمر على نظام الولاء المعروف في الشرع كتابا وسنة، فإن المعتق (بكسر التاء) يصير مولى للمعتق (بفتح التاء)، فيرثه عند فقد العاصب، إذ الولاء ثالث أسباب الميراث بالإجماع، كما يعطى المولى حق ولاية النكاح على المعتقة، لكن هذا الذي يترتب على الولاء بالعتق لم يقل به الشيخ ولا غيره فيما نحن فيه من نظام الكفالة، وستقف على بعض الفروق التي لا يصح معها القياس إن شاء الله .
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما الولاء لمن أعتق"، وهذا إبطال لما كانت عليه الجاهلية من نقل الولاء بالبيع والهبة، كما جاء التصريح بمنع ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب".
وقد أثارت هذه الفتوى ضجة في وسائل الإعلام ولاسيما جريدة الشعب شبه الحكومية، ونشر فيها مولود قاسم رحمه الله مقالا أغلظ فيه القول وشدد النكير على الفتوى حتى قال: هي بنت زنا لا أب لها ولا أم (!!)، كما كتب إمام مسجد قرية تاسلة المرجة بولاية البليدة رحمه الله مقالا أيد فيه فتوى الشيخ أحمد ورد على مولود قاسم، وكان في عنوان مقاله غلظة هكذا (الرد الموهوب، على الأستاذ المكلوب!)، ولم يكن المردود عليه يومئذ وزيرا!!، وقد شاركت في ذلك السجال بشيء كتبته في الجريدة المذكورة .
أما ما ينبغي أن يعتمده أهل الإسلام في هذا الأمر فهو قول الله تعالى في سياق ذكر التبني الذي أبطله الشرع بالكتاب والسنة القولية والفعلية: "ٱدعُوهُم لِأَبَائهِم هُوَ أَقسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّم تَعلَمُواْ ءَابَاءَهُم فَإِخوَانُكُم فِى ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُم" .
فمن علم أبوه نسب إليه ولا بد، ومن لم يعلم أبوه فإن كان مملوكا وأعتق فهو مولى، وقد انقطع الرق في العالم أو كاد بفضل ما شرعه الله له من الأحكام ومنها أسباب العتق بنوعيه الإجباري والاختياري وهي كثيرة، وإلا فهو أخ في الدين إن كان مسلما.
ولك أن تسأل عن الحاجة إلى إعطاء المكفول لقب الكافل؟ .
وقد قيل: إنه يسهل به حصوله على الوثائق .
فيقال: ليعطه ضابط الحالة المدنية لقبا، ويصدر بذلك حكم قصائي، فيحصل المقصود .
وقيل في استحسان هذا الأمر: إنه يخفف عن المكفول ما يقلقه وهو جهالة نسبه، فيندمج في الأسرة، ويجنب بذلك العقد النفسية!!.
فيقال: الله أعلم بخلقه، وهو أرحم بهم من أمهاتهم .
ويقال: وعندما يدرك المكفول حقيقة الأمر ويجد الحيز الذي يذكر اسم الأب فيه فارغا؛ فما يكون رد فعله؟، فلم لا ينشأ على الحق، فيشب على حقيقة الأمر، حتى لا يكتشف هذا الخداع بغتة ؟
ويقال في الأخير: هل يصح قياس هذا الأمر على الولاء ؟.
والجواب هو أنه قياس مع الفارق فلا يصح، ومن الفروق بينهما:
1 - أن الولاء وصف شرعي قد عرف ما يترتب على ثبوته بخلاف ما نحن فيه .
2 - وأن الولاء خاص بالمعتق، والذي نحن فيه شامل لمجموعة أو قبيلة بسبب الاشتراك في اللقب .
3 - وأن الولاء سبب من أسباب الميراث، وهذا لا ميراث فيه بالإجماع .
4 - وأن إعطاء اللقب للمكفول قد يؤول إلى توريثه من الكافل ومن غيره ممن له ذلك اللقب بعد جيل أو جيلين، وقد يعتبر محرما فيخلو ويسافر وتحرم عليه من ظنت محرما له كما لا يخفى، لاسيما مع ما يقوي ذلك من كونه في حجر الكافل، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ليلة السابع من شهر المحرم 1442
•
الخاطرة 317
في قول الله تعالى "طه مَا أَنزَلنَا عَلَيكَ ٱلقُرءَانَ لِتَشقَى إِلَّا تَذكِرَةً لِّمَن يَخشَىٰ "؛ ملاطفة لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، بنفي أن يكون أنزل القرآن عليه ليشقى به، وقصر إنزاله على أن يكون تذكيرا لمن يخشاه .
وكيف يكون فيه ما يشقى به؛ وهو منزل ممن هذا شأنه، ومن أسمائه سبحانه الرحمن، ورحمته وسعت كل شيء؟: تَنزِيلاً مِّمَّن خَلَقَ ٱلاَرضَ وَٱلسَّمَـٰوَٲتِ ٱلعُلَى ٱلرَّحمَـٰنُ عَلَى ٱلعَرشِ ٱستَوَىٰ لَهُ ۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَمَا فِى ٱلاَرضِ وَمَا بَينَهُمَا وَمَا تَحتَ ٱلثَّرَىٰ وَإِن تَجهَر بِٱلقَولِ فَإِنَّهُ ۥ يَعلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخفَى ٱللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ ٱلاَسمَاءُ ٱلحُسنَىٰ" .
أنزل الله القرآن تذكرة لمن يخشى، والعاقل لا يخلو من النظر والتأمل؛ فيصل إلى طريق الحق، أو يتوقع الخطر؛ فيجتنب ما يؤدي إليه، وقد قال الله لموسى عليه الصلاة والسلام عن فرعون: "لَّعَلَّهُ ۥ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَىٰ"، فما تذكر وما خشي.
قيل في الشقاء المنفي هو التحسر والأسى على عدم إيمان قومه، وقد نهاه الله عنه في قوله: "فَلَا تَذهَب نَفسُكَ عَلَيهم حَسَرَٲتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُ بِمَا يَصنَعُونَ"، وقال تعالى: "فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفسَكَ عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم إِن لَّم يُومِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلحَدِيثِ أَسَفًا"، وقيل هو ما ظنه المشركون الذين كان بعضهم يرقب صلاته بالليل، فيحسبها شقاء، وقالوا: "ما أنزل هذا القرأن على محمد إلا ليشقى".
وكيف تكون الصلاة شقاء لمن قال عنها "وجعلت قرة عيني في الصلاة"؟، وقال: "أرحنا بها يا بلال"، وقد فرض عليه قيام الليل في أوائل عهده بالرسالة، واقتدى به أصحابه: "يَـٰأَيُّهَا ٱلمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيلَ إِلَّا قَلِيلاً نِّصفَهُ ۤ أَوِ ٱنقُص مِنهُ قَلِيلاً َ أَو زِد عَلَيهِ وَرَتِّلِ ٱلقُرءَانَ تَرتِيلاً إِنَّا سَنُلقِى عَلَيكَ قَولاً ثَقِيلاً"، ثم خفف الله عنهم، لأن فيهم المرضى والمسافرين لطلب الرزق، والمقاتلين في سبيل الله، فقال: "فَٱقرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلقُرءَانِ"، وقال: "وَمِنَ ٱلَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحمُودًا"، وقال: "فَإِذَا فَرَغتَ فَٱنصَب وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرغَب"، وقد قام حتى تفطرت قدماه، وكثيرا ما يكون التعب راحة، والراحة تعبأ بحسب همة المرء، وما يرمى إليه كما قيل:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم !!
وقيل: وإذا كانت النفوس كبارا ** تعبت في مراده الأجسام
وقيل:لولا المشقة ساد الناس كلهم * الجود يفقر والإقدام قتال".
وروى أحمد في المسند عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث به إلى اليمن قال: "إياي والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين".
الشقاء كله نصيب من أعرض عن ذكر الله، والسعادة كلها عاقبة من أقبل عليه، وهما أعظم مقاصد سورة طه، أما ما فيها من قصص موسى وهارون وآدم والسحرة والسامري فنماذج لفريقي السعادة والشقاوة، من المقبلين على ذكر الله والمعرضين عنه .
والشقاء هو "المعاناة وخلاف السهولة والسعادة"، وهذه الأمور تحصل بعمل الجسم، وبالغم والهم، وفي السورة من هذا النوع الذي لا يكاد يسلم منه حي؛ قول الله تعالى لآدم عليه الصلاة والسلام: "فَقُلنَا يَـٰـَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوجِكَ فَلَا يُخرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلجَنَّةِ فَتَشقَىٰ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضحَىٰ ".
ونفي الجوع والعطش والعري والضحو الذي هو حر الشمس عن الجنة؛ منبئ بأن الدنيا بخلافها، ولم يقل الله تعالى له إن هذه الأمور ستحصل إذا خرجت من الجنة، فما كل الناس يناله ذلك في الدنيا، وحصولها وعدمه؛ لا تأثير له في الآخرة التي فيها الشقاء الأعظم الأدوم لمن أعرض عن ذكر الله، وهو الأجدر بأن يحذر ويجتنب ... يتبع .
•
الخاطرة 300
"مَعذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُم وَلَعَلَّهُم يَتَّقُونَ (8).
لقن الله تعالى عباده المؤمنين في كتابه جملة من الأدعية، فإذا دعوه بها مخلصين مخبتين ضمن لهم الإجابة، كما في الحديث الصحيح عن خواتم سورة البقرة، وقوله في أعقاب ما ارتضاه لعباده من الدعاء في سورة آل عمران: "فَٱستَجَابَ لَهُم رَبُّهُم"، وقوله في خواتم سورة الفرقان: "قُل مَا يَعبَؤُاْ بِكُم رَبِّى لَولَا دُعَاؤُكُم"، وأخبر عن استجابة أدعية أنبيائه.
ونحن ندعوه سبحانه وتعالى مفتقرين إليه منيبين خاضعين موقنين بالإجابة أن يصرف عن بلادنا وسائر بلدان المسلمين كل سوء.
- "رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَّسِينَا أَو أَخطَأنَا رَبَّنَا وَلَا تَحمِل عَلَينَا إِصرًا كَمَا حَمَلتَهُ ۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ وَٱعفُ عَنَّا وَٱغفِر لَنَا وَٱرحَمنَا أَنتَ مَولَانَا فَٱنصُرنَا عَلَى ٱلقَومِ ٱلكَـٰفِرِينَ" .
-"رَبَّنَا لَا تُزِغ قُلُوبَنَا بَعدَ إِذ هَدَيتَنَا وَهَب لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَومٍ لَّا رَيبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخلِفُ ٱلمِيعَادَ".
-"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلاِيمَـٰنِ أَن امِنُواْ بِرَبِّكُم فَـَٔامَنَّا رَبَّنَا فَٱغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّر عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلاَبرَارِ رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخزِنَا يَومَ ٱلقِيَـٰمَةِ إِنَّكَ لَا تُخلِفُ ٱلمِيعَادَ" .
-"وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَب لَنَا مِن اَزوَٲجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَٱجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا"
- وقال آمرا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: "قل ربِّ ٱحكُم بِٱلحَقِّ وَرَبُّنَا ٱلرَّحمَـٰنُ ٱلمُستَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ".
ليلة 15 من شهر ربيع الأول 1442 - الموافق
•
•
الخاطرة 303
(2) (تكملة) ...
ومن أساليب حكام فرنسا لثني المسلمين عن مقاطعة منتجاتها التضييق على الجالية المسلمة في أراضيها، ومنهم الجزائريون، وأحكام الله قائمة ثابتة، لا تتغير باعتقاد الناس، ولا بتركهم لها، أو استثقالها، ولا بما يرونه من المصالح في مخالفتها .
المغرورون المفتونون ببلاد الغرب يصفونها بأرض الحريات، بل يقولون إن ما هم فيه خير مما في بلاد المسلمين، ومنهم من يتخذ منها موقعا يقاوم منه الفساد والظلم في بلاده، فاهمس في أذنه: إن إقامتك هناك من الفساد لأنك عاص لربك، فأنى لك أن تفلح في محاربة الفساد، وأنت مقيم في أرضه ؟، ثق أنهم ما سكتوا عنك إلا لأنك تخدمهم خدمة ما هم يعرفونها، قال ربنا عز وجل: "وَلَن تَرضَىٰ عَنكَ ٱليَهودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهم".
من جملة الأحكام التي تناساها معظم الناس قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى ناراهما"، رواه أبو داود والترمذي عن جرير رضي الله عنه. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله"، رواه أبو داود عن سمرة رضي الله عنه .
وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"، رواه أحمد وأبو داود عن معاوية رضي الله عنه .
والمقصود الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين، ومن بلاد البدعة إلى بلاد السنة متى استطاع من خشي على نفسه الفتنة .
كثير من أهل العلم لا يكاد يتعرض لبيان حكم هذه الإقامة، لما يرى فيها من التعقيد الناشئ عن كثرة المسلمين في هذه البلاد، فيؤثر ترك الكلام على هذا الحكم، حتى الإفتاء به صار كالمستغرب عند بعضهم! وما يقضيه الله تعالى من الأحداث كثيرا ما يكون سببا في رجوع الناس إلى حكمه والوقوف على بعض ما فيه من الحكم والمصالح العاجلة.
حكم الله ينبغي أن يبين، بل متى سئل العالم عن حكم له صلة بالإقامة في هذه البلاد؛ فالمطلوب أن لا يكتفي بذكر العزيمة أو الرخصة، بل يذكر بالحكم الذي نشأ السؤال عن الإخلال به نصحا للمسلمين، وهو كغيره منوط بالقاعدة الشرعية العامة، وهي الاستطاعة .
وعلل منع إقامة المسلم في بلاد الكفار معروفة عند أهل العلم، منها التشبه بهم في الأمور الظاهرة، والتأثر بأخلاقهم الرديئة، والتعود على باطلهم، وسريان محبتهم إلى النفوس حتى تقارب مرتبة الولاء الذي هو الفاصل العقدي بين المؤمنين وغيرهم، وبعض هذه الأمور عليها كثير من المسلمين في بلاد الإسلام عن طريق وسائل الاتصال التي جعلت العالم كالبيت الواحد، مشفوعة بالجهل، والهزائم النفسية، وولوع المغلوب بتقليد الغالب، لكن هذا لا يشفع للقادر منهم على الهجرة، وأقل ما نراه من مساوئ هذه المساكنة أن المسلمين يصيرون كالرهائن يقايضون بهم دينهم كما نراه اليوم.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله مبينا خطر التشبه بالكفار رابطا ذلك بمساكنتهم ومرافقتهم: "المشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة، المشابهة في الهدي الظاهر؛ توجب مناسبة وائتلافا، وإن بعد الزمان والمكان، وهذا أمر محسوس، فمرافقتهم ومساكنتهم ولو قليلا؛ سبب لنوع من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط؛ علق الحكم به، وأدير التحريم عليه، فمساكنتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، فيصير مساكن الكافر مثله، وأيضا المشاركة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا مما يشهد به الحس، فإن الرجلين إذا كانا من بلد واجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم بموجب الطبع، وإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة فكيف بالمشابهة في الأمور الدينية، فالموالاة للمشركين تنافي الإيمان: "وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ ۥمِنهُم"، انتهى .
25 من شهر ربيع الأول
1 - النص: قال الله تعالى: إِنَّ هَـٰذِهِۤ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَٲحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُم فَٱعبُدُونِ وَتَقَطَّعُواْ أَمرَهُم بَينَهُم كُلٌّ إِلَينَا رَٲجِعُون فَمَن يَعمَل مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُومِنٌ فَلَا كُفرَانَ لِسَعيِهِۦ وَإِنَّا لَهُ ۥ كَـٰتِبُونَ وَحَرَٲمٌ عَلَىٰ قَريَةٍ أَهلَكنَـٰهَا أَنَّهُم لَا يَرجِعُونَ".
وقال: "يَـٰأَيُّها ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعمَلُواْ صَـٰلِحًا إِنِّى بِمَا تَعمَلُونَ عَلِيمٌ وإِنَّ هَـٰذِهِۦ أُمَّتُكُم أُمَّةً وَٲحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُم فَٱتَّقُونِ فَتَقَطَّعُواْ أَمرَهُم بَينَهُم زُبُرًا كُلُّ حِزبِ بِمَا لَدَيهِم فَرِحُونَ".
2 - مركز الاهتمام: التفرق في الدين واتخاذ نظم الحكم .
3 - الخلاصة: دين الأنبياء واحد هو الإسلام، والاههم واحد، فليعبدوه وحده، وليتقوا عقابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا خبر الله وأمره، لكن الناس سارعوا إلى تقطيع الدين بالتفرق فيه، واتخاذ كتب غير التي أنزلها عليهم، فأشبه فعلهم الشركاء يقسمون متاعهم، كل جماعة فرحة بما عندها من الأهواء والآراء، ومن عمل الصالحات وآمن فلا يضيره تفرقهم بل سعيه مشكور، وعمله مكتوب محفوظ يجزى عليه .
4 - التفصيل:
"إِنَّ هَـٰذِهِۦ" الإشارة إلى أمر ذهني متقرر، هو ما اتفقت عليه رسالات الله تعالى من الخضوع له والانقياد، وهو الإسلام.
"أُمَّتُكُم أُمَّةً وَٲحِدَةً"، الأمة هي الملة والشريعة، أي أن دين الأنبياء واحد. " وَأَنَا رَبُّكُم فَٱعبُدُونِ"، دينكم واحد والهكم واحد فاعبدوه.
" وَتَقَطَّعُواْ أَمرَهُم بَينَهُم"، تفرقوا في الدين متعاونين عليه، كالشركاء يتوزعون ما يشتركون فيه، وفي سياق آخر "فَتَقَطَّعُواْ"، حصل التقطع سريعا بعد تبليغ الرسل ونهيهم عن التفرق، كما حصل في هذه الملة من أمر الخوارج والشيعة والفدرية في أواخر الخلافة الراشدة، وينطبق هذا الوصف على كثير ممن يدعون الإسلام اليوم من العلمانيين والحداثيين والقرآنيين كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر أو ذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه"، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟" ويخرج بالتقطع الاختلاف الذي لا تفترق به الأمة، كغالب ما بين علماء المسلمين المجتهدين.
أطلق التقطع تارة، وقيد بـ "زُبُرًا" تارة أخرى ليشمل كل ما خالف الحق من الآراء والأهواء، مكتوبة كانت أو غير مكتوبة، أي جعلوا دينهم الواحد كتبا متعددة، أو اتبعوا كتبا محرفة مبدلة كفعل النصارى واليهود.
قرئ قوله "زُبُرًا"بمضمومتين، جمع زَبور بفتح الزاي، وهو الكتاب، وقرئ بضم الزاي وفتح الباء جمع زُبَرة بالضم وهي القطعة كما في قوله تعالى: "ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلحَدِيدِ"، شبه ما صنعه المتفرقون في الدين بالشيء يجعل قطعا مستقلة!! بل إن فعل التقطع يفيد هذا المعنى.
وذكر كلمة الزبر بدل الكتب تلتقي مع ما قاله الراغب ناقلا عن بعضهم: "الزبور اسم للكتاب المقصور على الحكم العقلية، دون الأحكام الشرعية، والكتاب لما يتضمن الأحكام والحكم، ويدل على ذلك أن زبور داود عليه السلام لا يتضمن شيئا من الأحكام"!!
قلت: قد فقدا معا فيما اصطنعه الناس من المواثيق والنظم فلا حكم ولا أحكام، وأين حكم الأنبياء من زبالة الأفكار؟، ويؤيد ما ذكره الراغب عطف الكتب على الزبر - وهو يقتضي المغايرة -في قوله تعالى: "فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَد كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبلِكَ جَاءُو بِٱلبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلكِتَـٰب المنير".
"كُلُّ حِزبِ بِمَا لَدَيهِم فَرِحُونَ"، هذا الفرح هو الذي قال الله عنه: "فَلَمَّا جَاءَتهُم رُسُلُهُم بِٱلبَيِّنَـٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلعِلم".
"كُلٌّ إِلَينَا رَٲجِعُون"، كل المتفرقين في الدين يرجعون إلينا ثم نبعثهم فيلقون جزاءهم.
"فَمَن يَعمَل مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰت"، قل عمله أو كثر. "وَهُوَ مومِنٌ"، بما يلزم الإيمان به. "فَلَا كُفرَانَ لِسَعيِهِۦ"، فلا جحود لعمله، وسماه سعيا دلالة على جده واهتمامه وإخلاصه لربه كالمراد من السعي في قوله: " وَمَن أَرَادَ ٱلاَخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعيَهَا وَهُوَ مومِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعيُهُم مَّشكُورًا".
"وَإِنَّا لَهُ ۥ كَـٰتِبُون"َ، وإنا لسعيه كاتبون، فلا يضيع منه شيء، فمن تمسك بالحق عند افتراق الناس لا يضره تفرفهم.
"وَحَرَٲمٌ عَلَىٰ قَريَةٍ أَهلَكنَـٰهَا أَنَّهُم لَا يَرجِعُونَ"، هذا تحريم قدري، أي أن من أهلكهم الله من القرى لا يرجعون إلى الحياة، فحرف (لا) صلة للتأكيد، أي حرام رجوعهم، أو المراد نفي رجوعهم عن الكفر إلى الإيمان، أي محتم عدم رجوع من أراد الله إهلاكهم إلى الإيمان، وهو المختار بالنظر إلى السياق.
ليلة 26 ربيع الأول 1442
•
أقسام المنصة
الدروس العلمية
مجموعة من السلاسل العلمية والدروس الفقهية المسجلة.
تصفح القسم
الفتاوى الشرعية
إجابات الشيخ على تساؤلات المستفتين في مختلف الأبواب.
تصفح القسم
فوائد ونقاط مهمة
نقاط مفيدة وملاحظات مهمة من دروس وتوجيهات الشيخ.
تصفح القسم
المؤلفات والكتب
تحميل وقراءة مؤلفات الشيخ بن حنفية العابدين بصيغة PDF.
تصفح القسم
خواطر إيمانية
تأملات ووقفات إيمانية وتربوية لفضيلة الشيخ.
تصفح القسم
عن الشيخ بن حنفية العابدين
عن الشيخ
عن الشيخ
تصفح القسم
مواقع و تطبيقات الشيخ
روابط المواقع والتطبيقات الرسمية للشيخ بن حنفية العابدين.
تصفح القسم
كلمة تعريفية
نسعى من خلال هذا الموقع إلى تيسير الوصول إلى تراث فضيلة الشيخ بن حنفية العابدين - حفظه الله - وتصنيف دروسه وفتاواه في قوالب حديثة تتيح للمتعلم والباحث الاستفادة القصوى من المحتوى الصوتي والنصي المتاح.