🚧   الموقع لا يزال في طور الإنجاز والمراجعة   🚧

بِسْمِ ٱللَّٰهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

محرك بحث في علم الشيخ بن حنفية العابدين

منصة رقمية للبحث العلمي في تراث الشيخ

خاطرة اليوم

الخاطرة 150
(1) أخبرني أحد إخواننا أنه أثناء إمامته في صلاة التراويح سقطت إحدى ثناياه، فصار نطقه بالسين كالثاء، فظن بعض الحاضرين ذلك ناتجا عن خلل في مكبر الصوت، ثم علموا ما جرى، وعالج سنه، فعاد ينطق بالسين كالمعتاد . العرب تسمي قلب الراء غينا والسين ثاء لثغة، وقيل اللثغة أن تعدل الحرف إلى حرف غيره، ويسمى المنتصف بذلك ألثغ . تعلم بعض العوام مما حدث مخرج حرف السين، وعلاقته بالثنايا، وقد قال أهل التجويد عن مخرجه: إنه من طرف اللسان، مع ما بين الثنايا العليا، ولنستحضر قبل ذلك وبعده منة الله على عباده بالأسنان، لا في القطع والقضم والطحن، ولكن في جمال المنظر، وسلامة النطق وصحته، وصورة الضحك وغير ذلك . من اللثغة ما هو طبع لا ينفك عنه المرء، ومنه ما سببه ما رأيت، وهو مؤثر خللا في النطق، لعدم استمكان الحروف من مخارجها. وقد قال بعضهم في رجلين خطبا فكان أحدهما أحسن مخارج حروف فمدح خطبته بقوله: صحت مخارجها وتم حروفها ** فله بذاك مزية لا تنكر . وقد كان واصل بن عطاء المعتزلي ألثغ قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء، ولا يتفطن لذلك لاقتداره، وسهولة ألفاظه، فقيل فيه: ويجعل البر قمحا في تصرفه ** وخالف الراء حتى احتال للشعر!! ولم ينطق مطرا والقول يعجله ** فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر!! يريد أنه يستبدل بكلمة البر القمح، ويحتال فلا ينطق بكلمة الشعر، ويلوذ بكلمة الغيث خوفا أن ينطق بالمطر!! ولما سقطت ثنايا عبد الملك بن مروان في الطست قال: والله لولا الخطبة والنساء ما حفلت بها"، فانظر كيف اهتم بثناياه لتحسين النطق في خطبته والتزين لنسائه، وهذا مطلوب ما أكثر المتهاونين فيه مع يسره، وقد قال ابن عباس: "إني أتزين لامراتي كما تتزين لي"... وللمنشور بقية . (2) اعلم أن مجموع أسنان الإنسان اثنان وثلاثون، منها عشرون ضرسا، واثنتا عشرة سنا، هي الثنايا، فالرباعيات (بفتح الراء)، فالأنياب، من كل صنف أربعة، وبين الأنياب والأضراس؛ الضواحك، والعرب تسمي الجميع أسنانا، ومنافعها موزعة على التجميل، وسلامة النطق، وطحن الطعام وتنعيمه، فاصبر على ما أذكره لك عن ديتها من باب (برد هذا يذهب حر هذا). لقد اختلف العلماء في دية الأسنان على مذاهب: فمنهم من اجتهد في ديتها لعدم بلوغه النص، فرأوا أن فيها حكومة (أي تحكيما)، وهؤلاء اختلفوا بناء على المفاضلة بين الأسنان والأضراس في المنفعة . ومنهم من بلغهم النص فأبقوه على عمومه واعتبروا الأضراس من جملة الأسنان، وهذا أولى المذاهب بالحق، وقد قال الله تعالى: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالألف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص" . وقد يقال إن التعبير بالسن عن المجموع لظهور الأسنان حين النطق والضحك والقطع والقضم دون الضروس، ولأنها هي التي تتعرض لما يستوجب القصاص أو الدية غالبا. ومنهم من اعتبر الأمر موضع اجتهاد في الأضراس، لظنهم عدم دخولها في مسمى الأسنان، فاجتهدوا مراعين المنفعة والجمال، فرجح كل بحسب ما تبين له، قال الزبير رضي الله عنه: "إن كان في الثنية جمال، ففي الأضراس منفعة"، وقال معاوية: "لو عرف عمر من الأضراس ما عرفت لما فضل عليها الثنايا"!! . أما النص فهو حديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده في الكتاب الذي بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل اليمن، وقد رواه مالك والشافعي مرسلا، ووصله ابن حبان والحاكم والنسائي وغيرهم، وفيه: "وفي السن خمس من الإبل"، فلم يفرق النبي صلى الله عليه وآله بين أفراد هذا الجنس بحسب المنافع، ولهذا قال: "الأسنان سواء: الثنية والضرس سواء"، وهو الأمر الذي اعتمده في دية الأصابع، مع تفاوت منافعها، فتكون دية الأسنان كلها ستين ومائة بعير، وهي زائدة على دية النفس، وهذه الزيادة سبب آخر من أسباب الاختلاف في مقدار دية الضرس، لاعتبار بعضهم بهذه في هذه . فإذا قلنا إن قيمة البعير مائتا ألف دينار كانت دية السن مليون دينار، ومنها تعرف دية مجموع الأسنان وهي اثنتان وثلاثون، ولتقارن ذلك بما تقضي به المحاكم من التعويض اليوم لتعرف تعظيم الشرع شأن الدماء. وقد اجتمعت تلك المذاهب الثلاثة فيما رواه مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى في الأضراس ببعير بعير، وقضى معاوية بن أبي سفيان بخمسة أبعرة، خمسة أبعرة، فالدية تنقص في قضاء عمر بن الخطاب، وتزيد في قضاء معاوية، فلو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين، فتلك الدية سواء، وكل مجتهد مأجور". فقول سعيد بن المسيب: الدية تنقص في قضاء عمر... الخ، يريد أن دية الأسنان تنقص عن دية النفس في قضاء عمر، وتزيد عليها فيما قضى به معاوية، فدل اختلافهما في الأضراس على انهما متفقان على دية غيرها، لعلمهما بالحديث . فعلى قول عمر تكون دية الأسنان كلها ثمانين بعيرا، فظهر أنه يفضل الثنايا والرباعيات والأنياب على الأضراس، ورويت عنه التسوية أيضا . وعلى قول معاوية تكون ديتها ستين ومائة، وهو قول ابن عباس، وقد بعث إليه مروان يقول: "أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس"؟، فأجابه ابن عباس بقوله: "لو لم تعتبر ذلك إلا بالأصابع، عقلها سواء"، احتج عليه بما يقول به، وهو تساوي الأصابع في الدية، مع تفاوت منافعها تفاوتا عظيما . وعلى قول سعيد بن المسيب تكون الدية مائة بعير، ومراده من ذلك أن لا تزيد دية مجموع الأسنان عن دية النفس، فالظاهر أن السنة لم تبلغه، وإلا ما نسب الدية بخمسة أبعرة لمعاوية. والحق أن لا تعتبر دية الأسنان بدية النفس، فإن كلا منهما أصل، والأصول لا يرد بعضها إلى بعض، ومن أمثلة ذلك اختلاف القسامة عن غيرها في قاعدة (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، واختلاف الغسل عن الوضوء في لزوم الدلك في الوضوء، وعدم لزومه في الغسل، وهو رواية عن مالك، وقد اجتمع على هذين الأصلين في الطهارة النص واللغة. 6 شوال 1440  •
الخاطرة 159
ذكر مالك في كتاب الجامع من موطئه بلاغا؛ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يخرج إلى العراق فقال له كعب الأحبار: "لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسفة الجن، وبها الداء العضال" . هذا الذي ذكره كعب عن العراق بعضه لا يعرف إلا بتوقيف، كفسقة الجن، والغالب أن يكون من الإسرائيليات، وهي كثيرة فيما أثر عنه وعن وهب بن منبه، وأخطرها عنهما ما كان في التفسير، والداء العضال هو الذي لا يرجى برؤه، ويعيي الأطباء أمره، والمقصود ما تتعذر محاولة إصلاحه من أمور الدنيا والدين، ومن أخطر ذلك البدع، وليس يلازم أن يكون هذا الذي يذكر عن العراق أو عن غيره دائما. وإذا صح أن كعبا نصح عمر بهذا، فإنه لم يأخذ بقوله، وإلا لأخلى العراق ممن نزلها من الصحابة، فإن الخوف عليهم أشد من الخوف عليه، كيف وهو المسدد المقتدى به؟ وما سلك فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجه، وقد جاء أنه نصح عمر بالصلاة في موضع من المسجد الأقصى فأبى عليه، وقال: أما علمت أن لنا صدور المساجد؟ ومهما يكن فإن الأمر كما قال سلمان لأبي الدرداء رضي الله عنهما حين دعاه إلى القدوم إلى الأرض المقدسة فأجابه بقوله: "إن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الإنسان عمله"!! ومقابل هذا صحيح أيضا. وقد روى ابن حبيب عن مطرف أن مالكا سئل عن الداء العضال في كلام كعب؛ فقال: "أبو حنيفة وأصحابه"، وذلك أنه أضل الناس بوجهين: بالإرجاء، ونقض السنن بالرأي، والعالم قد يغيب عنه الدليل فيقول بالرأي والقياس ويستمر عليه ثم يتلقاه عنه أتباعه يناضلون دونه بغير حق. وقد تلطف أبو جعفر الداودي فأحسن في توجيه هذه الرواية عن مالك، واعتذر عنه بقوله: "إن هذا الذي ذكره ابن حبيب إن كان سلم من الغلط وثبت، فقد يكون ذلك من مالك في وقت حرج، اضطره لشيء ذكر له عنه، مما أنكره، فضاق به صدره، فقال ذلك، والعالم قد يحضره ضيق صدر؛ فيتقول ما يستغفر الله منه بعد وقت، إذا زال غضبه"، انتهى بالنقل عن المنتقى، فهل عرفت في الدعاة اليوم من تراجع عن شيء علنا مما وقع فيه في إخوانه؟ أم أنهم لا يصدر عنهم غير الحق؟. أما أبو الوليد الباجي رحمه الله فقد أنكر هذا النقل فقال: "وعندي أن هذه الرواية غير صحيحة عن مالك رضي الله عنه، لأن مالكا على ما يعرف من عقله وعلمه وفضله ودينه، وإمساكه عن القول في الناس إلا بما صح عنده وثبت؛ لم يكن ليطلق على أحد من المسلمين ما لم يتحققه، ومن أصحاب أبي حنيفة عبد الله بن المبارك، وقد اشتهر إكرام مالك له وتفضيله إياه، وقد علم أن مالكا ذكر أبا حنيفة بالعلم بالمسائل، وأخذ أبو حنيفة عنه أحاديث، وأخذ عنه محمد بن الحسن الموطأ، وهو مما أروي عن أبي ذر عن عبد (الله) بن أحمد رضي الله عنه، وقد شهر تناهي أبي حنيفة في العبادة، وزهده في الدنيا، وقد امتحن وضرب بالسوط على أن يلي القضاء فامتنع، وما كان مالك ليتكلم فيه إلا بما يليق بفضله، ولا نعلم أن مالكا تكلم في أحد من أهل الرأي، وإنما تكلم في قوم من أصحاب الحديث من جهة النقل، وقد روي عنه أنه قال: أدركت بالمدينة قوما لم تكن لهم عيوب فبحثوا عن عيوب الناس فذكر الناس لهم عيوبا، وأدركت بها قوما كانت لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فسكت الناس عن عيوبهم، فمالك رحمه الله يزهد الناس عن العيوب، ومن أين يبحث عن عيوب الناس؟ وكيف يذكر الأئمة بما لا يليق بفضله؟ وقد ذكرت في كتاب فرق الفقهاء ما نقل عنه من ذلك وبينت وجهه...". ربما كان فيما وصف به الباجي مالكا رحمهما الله ما يفتقر إلى البيان مما لم يقصده، فإنه لا يعني أن مالكا لم يكن يرد ما يراه مما خالف فيه أهل العراق الحق، ويكفيك أن تقرأ باب القضاء بالشاهد واليمين في الموطإ لتقف على هذا الأدب الذي كان عليه القوم في طريق الانتصار للحق، لا لنفوسهم، وأنهم يفرقون بين هذا وبين الطعن في الناس بأسمائهم إلا في الحال التي يلزم ذلك، واعتبر بما في كتاب ترك الحيل من صحيح البخاري الذي رد فيه على الحنفية كيف كان قوله، والمقصود ما في كلام الباجي من الإنصاف، وذكر ما كان معروفا عن أبي حنيفة من الفضل والعلم والزهد في الدنيا، وتحمل الأذى في طريق الحق، ولا يصح أن يقال إن المرء يسكت عن عيوب الناس التي تسبب ضررا للأمة في دينها خوفا من أن يتحدث الناس عن عيوبه، بل المقصود الترهيب من تتبع عورات الناس، فكيف بالفرح عند الظفر بها وإذاعتها كما عليه فريق من الناس اليوم؟ وقد جاء فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم؛ يتتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله". 4 من ذي القعدة 1440 •
الخاطرة 138
الأزمنة أوعية الأعمال وخزائنها، ستسأل عما فيه أمضيتها، فاستودعها ما شئت تجده عند الله: "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا". لا تجعل عيشك نوما بغفلتك، فإن موتك يقظة لا تنفعك، وقد قال ربك: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"، جل الناس نيام، فإذا ماتوا استيقظوا: العيش نوم والمنية يقظة ** والمرء بينهما خيال سار زمانك فاضل إذا عمرته بصالح اعمالك، فكيف إذا انضم إلى فضل الزمن فضل العمل؟، وفاضل الأزمنة مزيد إحسان من الله لعباده، يعظم فيها أجر العاملين، عرفهم ربهم بعضها، ليتدارك المقصر تقصيره، ويستغل المشغول فراغه، فدونك الأشهر الحرم، ويوم الجمعة، وعشر ذي الحجة، والثلث الأخير من الليل، وما بين الأذان والإقامة، ووقت انتظار الصلوات، وأدبارها، وغيرها، فلا يهلك على هذا إلا هالك، قال الله تعالى: "وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو راد شكورا"، وقد أبهم الله منها ما شاء، ليعلم الحريص على الخير، فيرتقب ساعاته، ويتعرض لنفحاته، خائفا مقام ربه، مشفقا من تقصيره، مجتهدا في موافقتها كساعة الجمعة، وليلة القدر . أنت مقبل على شهر رمضان الذي ليس في الزمان مثله، ما من مسلم إلا ويعرف بعض فضله، وإن احتفاءك واهتمامك به على قدر منزلته في نفسك، فأبن عن هذه المنزلة بصالح عملك. مما قاله شيخنا عز الدين عن الوقت في قصيدة له عنوانها (كن مسلما): الوقت أغلى ما ملكت زمامه ** يمضي فيعقب مغرما أو مغنما  فاعرف نفاسته فما لك هاهنا ** عمر سواه فصنه أن يتثلما هو ما حرصت على البقاء مزايل ** بل مسرع فاحذر غدا أن تندما اعمره بالقول السديد تفز به ** ذخرا فمن رغب السعادة أقدما  واصحبه بالفعل الرشيد فمن رأى ** هول الحساب عن المفاسد أحجما  •
الخاطرة ١٤٩
يذكر الفقهاء باب الاعتكاف إثر باب الصيام اقتداء بالكتاب الكريم، فإنه مذكور بالتبع في سياق أحكام الصيام، مما يعني أنه كان معمولا به من قبل فرضه، فاجتمعت العبادتان على رقى المسلم مرتقى رفيعا من السمو النفسي، والصفاء الروحي. والاعتكاف ملازمة المسجد تعبدا لله تعالى مدة ما، هذا هو الحق، ومن الأدلة عليه عندي أن منتظر الصلاة بالقيد المذكور في الحديث الصحيح؛ هو في صلاة، ومنزلة الصلاة أعظم من منزلة الاعتكاف. في الاعتكاف يعتزل المسلم الحياة العامة، ويتفرغ لطاعة الله بالتفكر والذكر وتلاوة القرآن والصلاة، وهذا هو منطلق صلاحه، ومرجع كرامته وفضله، فإن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه. وفيه الاستكثار من الجانب الخالص الخيرية في الحياة، وترك ما عداه إلا ما هو ضروري. وأعظم ما يسهل به الاعتكاف أن يكون المعتكف صائما، إذ تقل حاجة المرء إلى الطعام والشراب، وقد اقترن اعتكاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصوم غالبا، بل بصوم رمضان نفسه. وفيه التعود على ترك بعض المباحات، فيسهل ترك المحظورات في سائر الأوقات، فهو في هذا نظير الصلاة والصوم والحج والعمرة. بل فيه ترك بعض القربات لأنها تنافيه، ومن الحكمة فيه تعود المسلم على التسليم لما في الشرع، غير واجد في نفسه حرجا، إذ يقال له: لا تعد مريضا، ولا تشيع جنازة، ولا تدخل منزلك، ولو كان ملاصقا للمسجد، فيربيه هذا على الدوران مع الشرع كيفما كان، ويبتعد به أن تتحول العبادة إلى أمر معتاد يفعله بالتعود، لا بالقصد إلى التعبد. فالمعتكف اذا ساوى حاله في اعتكافه حاله في غيره فلا معنى لفعله، وقد امتنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المضي فيه مع اعتياده في رمضان ثم قضاه بعد حينما رأى أمهات المؤمنين نصبن أخبيتهن في المسجد، لأنه يكون كالذي في داره، وقال لهن: "البر تردن"؟! . وقد لخص ابن العربي معناه فأجاد في قوله: "الاعتكاف ملازمة المسجد بالنية، فالنية تقطع قلبه عن الدنيا وعلاقاتها، والمسجد يمنع بدنه عن الاشتغال بأشغالها".  وأكمل الاعتكاف ما كان في أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، على هذا يحمل حديث "لا اعتكاف إلا في مسجد نبي"، متى ثبت. لكن قل أن ترى من المعتكفين في المسجد الحرام من يلتزم أحكام الاعتكاف، إما للجهل بها، أو للاضطرار إلى الخروج عنها . غالب المعتكفين لا يلزمون موضعا واحدا، فهم ينتقلون بسبب البرد أو الحر، أو جلوس غيرهم في معتكفهم، أو بحثهم عن مكان ينامون فيه، وبعضهم يخرج ليتوضأ فلا يتمكن من الرجوع إلى موضعه إلا بعد ساعات، فضلا عن اشتغالهم بما يفوت عليهم المقصد من الاعتكاف، بكثرة الكلام، والمزاح، واللغو، والاشتغال بالمكالمات، وغير ذلك، وربما اتخذ بعضهم المسجد مسكنا لا معتكفا!!. ولمالك كلام مهم في الموطإ بين فيه ما ظنه سببا لقلة اعتكاف الصحابة، لأنه يشبه الوصال، لأن ليله ونهاره سواء، قال: "ولم أر من أدركت ممن اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن". والظاهر أن الناس كانوا يعرفون أحكام الاعتكاف، فقل فيهم خوفا من عدم التزامها، وجهل من بعدهم ذلك فكثر فيهم، وكما قيل: "ويل للشجي من الخلي"!! . مكة •
الخاطرة 131
لعلك قد أعياك ما يجري في بلدك، وشغلك ما يتناهى منه إلى بصرك وسمعك، ثم تبرمت بهذا الحال الذي فتح فيه علم السياسة على غالب الناس، فغدوا خبراء عارفين، ومراقبين محنكين، ومحللين مستوعبين، وصار بعضهم كالعرافين المتكهنين، فلا يضيقن صدرك، إن كنت قد صنعت ما تراه حقا، ونصحت بما تعلمه نافعا، فإن الحق لا يعرف بالكثرة، فإن كان بك حاجة إلى ملجإ مما أنت فيه فهو تعلم دينك، والتمسك به، والجد في الدعوة إليه، غير مفرط في موقع ظفرت به، اعمد إلى حيث يكثر من يبلغهم صوتك، فقد بعث الأنبياء في القرى والمدن لأنها أيسر في البلاغ، وهم قدوة الدعاة، ومورثو العلماء، لقد تبين من أحداث بلدك قصور تأثير الدعوة في شؤون الأمة العامة، وفي الحكم بخاصة، فتدارك هذا في مستقبلك، وليبرم الدعاة أمرهم، على هيئة تجمعهم. سواء عليك أرأيت ثمار جهدك، أم حصل القطاف بعد ذهابك، فإنه "لكل أجل كتاب"، فإن أكرم الخلق على الله أنبياؤه، فاقرأ ما قاله لخاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم مريحا له من عناء ارتقاب ما قدر: "وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب"، وقال: "فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون"، وقال: "لست عليهم بمصيطر"، إن رأيت أملك في الإصلاح بعيد المنال، فتجاوز باستشرافك واقعك، وتخط بيقينك حاجز محيطك، فمهما رأيته فارا من الله، فامض أنت في الفرار إليه، استيقن حكم الله الذي تعلمه، يقينك بقدره الذي تجهله، فإنه زادك العقدي الذي يزكو على الإنفاق، ومددك الذي ليس بعده إملاق . •

كلمة تعريفية

نسعى من خلال هذا الموقع إلى تيسير الوصول إلى تراث فضيلة الشيخ بن حنفية العابدين - حفظه الله - وتصنيف دروسه وفتاواه في قوالب حديثة تتيح للمتعلم والباحث الاستفادة القصوى من المحتوى الصوتي والنصي المتاح.