🚧   الموقع لا يزال في طور الإنجاز والمراجعة   🚧

بِسْمِ ٱللَّٰهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

محرك بحث في علم الشيخ بن حنفية العابدين

منصة رقمية للبحث العلمي في تراث الشيخ

خاطرة اليوم

الخاطرة 111
قول الله تعالى: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير"، هو قاعدة تضبط علاقة المسلم بالكافر، اشتمل على نهي، ووعيد، واستثناء، وتحذير، وتذييل. * فالنهي هو عن ولاية المؤمن للكافر، والولاية باطنة وظاهرة، فالباطنة المحبة والمودة من أجل الدين، والظاهرة النصرة والعون، وقيد الدين يخرج المحبة لغيره كمحبة الولد والوالد والزوجة والشريك الكافرين لمقتض آخر . وقوله "من دون المؤمنين"، قيد في النهي، فالمنهي عنه هو ما أفضى إلى تقديم مصلحة الكفار على مصلحة المؤمنين، فمن بلغ هذه المنزلة انقطع ولاؤه للمؤمنين. وقيل ليس قيدا، لمجيء النهي مطلقا في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين"، وقوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض"، فهذا الاتخاذ محظور ولو والى فاعله المؤمنين، إذ لا يجتمع في القلب الواحد موالاة هؤلا وهؤلاء، وقد قيل: إذا والى صديقك من تعادي ** فقد عاداك وانقطع الكلام !! والظاهر أنهما منزلتان في الموالاة، أولاهما يقطع فيها بكفر الفاعل، والثانية محل نظر. * والوعيد هو "ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء"، أي فليس في شيء مهما قل من ولاية الله، أو من دينه، وهذا حكم بكفره، لأنه نفي لأي صلة له بالله، فلزم أن لا ولاية بينه وبين المسلمين، لأن كل مؤمن ولي لله، كما قال الله تعالى: "الله ولي الذين آمنوا"، وقال: "وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون"، ولم يقل فليس من المؤمنين في شيء بل نفى صلته بأصل ما يوالي عليه المؤمنون بعضهم بعضا . * والاستثناء في قوله: "إلا أن تتقوا منهم تقاة"، منقطع، أي ذاك هو حكم موالاتهم، لكن في حال الاضطرار إلى التوقي من شرهم يجوز لكم مخالفة ذلك في الظاهر بقدر ما تدفعون به ما تحذرونه منهم . * والتحذير هو قوله: "ويحذركم الله نفسه"، أي يحذركم من نفسه، وهو تشديد بلغ النهاية، إذ لم يقل يحذركم غضبه او مقته أو عقابه، وإن كان ذلك لازما لهذا الفعل البالغ السوء المخرج عن الإيمان . ومما يدخل في التحذير مجاوزة ما يدفع به الضرر قدرا ومدة، فلا يجوز أن يزاد فيه أو يستمر عليه، فإن المسلم مؤتمن على دينه، والله يعلم ما يسره وما يعلنه: "واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه". وما استثناه الله متفاوت بحسب حال أفراد المسلمين ودولهم، ولا يشك البصير بدينه أن هذا التجاوز يقع فيه اليوم معظم حكام المسلمين، وكثير من أفرادهم، لا يفتأون ينتهكون هذا النهي العقدي، ويتعدون القدر الذي قد يلجأون إليه، ثم يألفونه فيزداد تجاوزهم حتى يصير الاستثناء قاعدة، والرخصة دائمة، وينعدم الفرق بين علاقة المسلم بأخيه وعلاقته بغيره، وقد قال الله تعالى عن هذا الخلط في الولاء: "إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"، ووضع دول المسلمين شاهد صدق على هذه الفتنة والفساد. ومن أمثلة هذا التجاوز ما رأيناه قبل مدة في تطويب القساوسة في وهران، وما صحبه من تكريم للنصارى في المسجد القطب، فإن هذه العملية لم تجر من قبل إلا في دولة الفاتكان، فهل نحن في حاجة إليها أو إلى ما دونها نلتقي الشر ؟، أرى أن بلدي من أقدر الدول على الاستقلال فيما يقدم عليه من الأعمال، لو توفر استقلال الفكر والقصد، وقد استمعت إلى بعض رجال الدولة يشيدون بقبول البابا إجراء ذلك العمل في الجزائر كأنه منة منه وفضل . ورأينا قبل يومين استقبال البابا في الإمارات والحفاوة التي حظي بها، وحشد عشرات الآلاف لاستقباله، وجمع الناس له لإقامة أول قداس في منطقة الخليج، وهذا تعظيم للكفار قد يستتبع تعظيم الكفر، والعلماء على أن ما يعد تعظيما للكفار في العرف يحرم، على أن كثيرا من الدول غيرت طريقة الاستقبال وتخلت عن الشكليات المصاحبة لها في استقبال رؤساء الدول، فكيف بما نحن فيه، والله الهادي . 2 جمادى الثانية 1440
الخاطرة 458
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقات". رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم والبيهقي. يؤخذ من الحديث ومن غيره أمور أذكر بعضها: * زكاة الفطر واجبة. * اقترنت هي والأضحية بالعيدين؛ ليعم السرور المسلمين. * الحكمة من زكاة الفطر أمور: * جبر خلل الصوم بسبب اللغو والرفث. * نفع الفقير بسد حاجته يوم العيد. * تكافل لا مثيل له إذ يخرج المسلم ما زاد عن قوت يومه. * بل يخرج بعض الصاع إن قدر عليه. * من رحمة الله اشتراع ما يجبر به خلل العبادة. * تعدد علة الحكم. * وصف (طعمة) مناسب لما فرضت فيه، فغيره استثناء. * يدل على إخراجها من كل ما كان طعاما من الأقوات. * تخرج عن الأنفس وتعطى لها. * لا تقاس على زكاة المال. * يخرجها الغني والفقير، لحاجة كل إلى التطهير. * مصرفها المساكين لا غير. * مذهب مالك قصرها عليهم. * تخصيص عموم (الصدقات) في آية مصارف الزكاة الثمانية. * تعليق وجوبها على الفطر. * في تفسير الفطر قولان: غروب الشمس وطلوع الفجر. * الإذن في تقديمها يوما ويومين لتجمع أو مطلقا. * نهاية وقتها هو ما قبل صلاة العيد. * قد يكون في إخراجها قبل الصلاة طمأنة للمعطى فيها. * صيرورتها صدقة عامة إن أخرجت بعد الصلاة. * القول بامتداد وقتها يوم العيد كله مرجوح. * ترتبها في الذمة إن لم تخرج في الوقت المطلوب. قال ابن القيم رحمه الله عن مصرفها: "وكان من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم تخصيص المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من أصحابه.."، انتهى، والعلم عند الله. يوم الثامن والعشرين من شهر رمضان 1444
الخاطرة 88
إعراض المشتغلين بالدعوة عن الكتابة في الأمور السياسية بالقيود الشرعية متى كانوا قادرين؛ ليس محمودا.  إن التواطؤ على هذا إقرار ضمني بإخراج السياسة من الدين، وهذا باطل، وإن كان هو الغالب على فهوم كثير من الناس، وعلى سلوك معظم الدعاة، وهو مطلب العلمانيين الذين حققوا منه معظم ما يبتغون، وما يزالون يفعلون.  إن في كل شيء حكما عرفه من عرفه، وجهله من جهله، وهذه الأحكام شرعت لإصلاح الحياة، وبلوغ سعادة ما بعد الحياة: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط".  والغرض من وجود الحاكم خليفة عاما كان أو في قطر هو "خلافة النبوة لحراسة الدين وسياسة الدنيا"، كما قال الماوردي رحمه الله ̖، وكون حال المسلمين على خلاف هذا لا يبيح السكوت والتسليم، بل يلزم معه البيان والتوضيح.  وفي هذا المعنى جاء قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون...الحديث".  فما كان الأنبياء في بني إسرائيل يقومون به ومنهم داود وسليمان ويوسف وموسى عليهم الصلاة والسلام، وما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم صار إلى من يتولى أمر المسلمين من الحكام.  ولو قدرنا عدم ذكر الخلفاء في الحديث فكيف يكون في الرسالات المحدودة المكان والزمان ما لا يكون في الدين الذي هو خاتم الأديان، الصالح لكل زمان ومكان؟ ومن أنكر هذا فقد خلع ربقة الإيمان.  لهذا فإن هذه الكتابة لازمة فيما أرى، وهي من جملة العلم اللازم بيانه، وعدم كتمانه، هي دعوة إلى الحق، وتصحيح للخطإ، وفتح الباب لصنع قاعدة في الرأي العام، تعرف حقائق دينها، وتتعود على الرجوع إليه ولو في القليل من أمورها، فلا يموت في الأمة فقه السياسة الشرعية، كما يعمل له كثير من الناس، إما بإقامة الديموقراطية والعلمانية والدولة المدنية، وإما بالسكوت الذي هو كالتسليم بهذا الأمر الذي قد يشترك في ترسيخه من يأباه ويعتقد أنه باطل من حيث لا يدري.  وحاجتنا إلى هذه الكتابة ليست التنظير العام، وبيان صلاحية الإسلام، فإن البحوث النظرية قد بلغت حد التخمة، وهي تمضي في خط مواز للحياة الناكبة المخالفة لها في السياسة الداخلية والخارجية على السواء، وفي معظم المجالات.  الكتابة عن نظام الحكم في الإسلام في مختلف الميادين كان في عهود قيادة الإسلام للحياة، حيث كان العلماء يؤلفون في الأحكام السلطانية ليجري عليها الحكام، وقد يطلب الحكام ذلك منهم.  أما اليوم وقد صارت معظم دول المسلمين إلى قوانين وضعية فحاجتنا ماسة إلى نقد هذا الواقع في الجزئيات بالاعتماد على المنظور الشرعي، وذكر ما ينبغي أن يكون، مع الابتعاد عن التهريج والتهييج.  ولا يصح أن يحتج بأن هذه الكتابة لا تأثير لها، فإن الواقع يتغير بتغير النفوس، والعلم لا يهلك إلا إذا كان سرا، كما قال عمر بن عبد العزيز، وقد قال الله ̖تعالى: "إن ا̖لله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "، ولأن هذا المبدأ لو اعتمد مانعا ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر.  قد يحجم المرء عن الكتابة لخوفه من استغلال بعض المعلقين ما يكتبه، فيفرغون مخبوء صدورهم، وقد يكون ضغائن أو دسائس، ويلصقون بما يكتب ما وعته رؤوسهم من الأفكار، ونفوسهم من الميول إزاء الأفراد والدول بمناسبة وبدونها، وهذا لا ينبغي أن يكون مانعا لمن له القدرة على بيان الحق ونصح المسلمين.  وخروج الناس بالكلام عن المقصود منه ليس بالجديد، وإسرافهم في الباطل ليس عذرا في السكوت، فقد قال الله تعالى: "أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين".  كتبت منشورا مؤرخا في غرة ذي الحجة 1439 بعد أن أعلن ترامب خروجه من الاتفاق النووي مع إيران ثم عدلت عن نشره لما قدرته حينئذ، وقد استودعته بعض إخواني، حتى إذا قرأت ما قاله رئيس أمريكا في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 16 محرم برح الخفاء وزال السر، وصار الظن يقينا.  قال: "إنه سيرفع الحماية العسكرية عن الدول المنتجة للنفط إذا لم تخفض سعر البترول"!! ومن المقطوع أنه إنما يريد بعض هذه الدول، التي يزعم أنه يحميها من إيران، ومن العجب أني سمعت بمسعى جديد لإنشاء حلف في منطقة الخليج، فيا ̖لله للمسلمين!! مما قلته في تلك الخاطرة: عسر علي أن أصدق أن أمريكا تفرض على دولة إيران عقوبات اقتصادية لتحافظ على أمن دول المنطقة، وتمنع تدخل إيران في شؤونها محبة في شعوبها!!  وقلت: لا يمكن منع إيران من أن تصبح دولة نووية، حتى ولو أعيدت صياغة الاتفاق النووي كما تريده أمريكا، بل قد تكون هذه المقاطعة مما يدفعها إلى المضي في طريق امتلاك تلك الأسلحة.  وأقول الآن: ها هي ذي وسائط التجسس والأقمار الصناعية تكشف ما قيل إنه مخزون هذه الدولة من المواد الذرية مما يرجح هذا الذي قلته، ومثل إيران في ذلك كوريا الشمالية التي أبدت هذه المرونة المفاجئة في معاملة أمريكا، فليس، فليس ذلك منهما إلا التقاط للأنفاس، واستراحة مقاتل كما يقولون. ومما قلته: لا يساورني أدنى شك أن العقوبات الاقتصادية التي فرضها الرئيس الأمريكي على دولة إيران سيعقبها ابتزاز للدول السنية لم يسبق له مثيل.  ومما ختمت به وهو المقصود من المنشور أريد به الخير للمسلمين: "ولهذا فالخير لدول الخليج أن تبحث عن طريقة أخرى لتصحيح علاقاتها والحفاظ على أستقرارها، ولتتخذ من الإجراءات ما تصون به خصوصيتها ومنهجها، فإن هذا -وا̖لله- خير من الاستنصار بأمريكا، أو استعدائها، فقد كدت أجزم أن الدول الكبرى ترى اليوم مصالحها مرتبطة بمناطق التوتر والاضطراب، فهي إما تصنعه، وإما أن تذكيه.
الخاطرة 94
قال الله تعالى: "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين". هذه آثارنا تدل علينا ** فانظروا بعدنا إلى الآثار!! حي الأحباس (الأوقاف) نواته بنايات ذات هندسة معمارية إسلامية، من الحجارة المنحوتة، يقع به المسجد المحمدي الذي بني في عهد محمد الخامس رحمه الله ابتداء من سنة 1355 (1934م)، وبه (درب العدول)، وهم أشخاص اعتمدتهم الدولة يتولون توثيق عقود النكاح، وفي أطرافه عدد كبير من المكتبات. جئت إلى هذا الحي لأبحث عن أقارب لي في موضع مجاور هو درب السلطان، أقام به جدهم ابن عم أبي منذ 1365(1945)، وقد زارهم والدي رحمه الله أكثر من مرة، فيسر الله لي قبل تحقيق تلك الصلة؛ صلة أخرى لم تكن في الحسبان. ذلك أن من سكان هذا الحي (الدا مولاي علي بليزيد) المشهور "بعلي ما شاء الله"، لكثرة ذكره هذه الجملة رحمه الله، كان له محل تجاري في هذا الحي، وهو من جماعة التبليغ، طوف في بلدان كثيرة عدة أشهر، ثم ترك هذه الجماعة لشيء رآه. حدثنا ابنه عبد الصمد الذي جلسنا معه في علية دكان أبيه وقتا طويلا أنه كان ذا عناية عظيمة بالدعوة عمليا، مهتما بتبليغ ما يسمعه في الدروس بالمسجد المحمدي إلى الناس طيلة الأسبوع، فهدى الله بهذه الطريقة على يده خلقا كثيرا، وكان يكره التصوير كراهة شديدة، ليس له إلا صورة بطاقة التعريف التي ما زالت عند ابنه. من أهل العلم الذين التقى بهم واستضافهم الشيخ أبو بكر جابر الجزائري، أقام في بيته مدة منذ سنة 1973، حيث كان الشيخ يلقي دروسا في المسجد المحمدي، وأخبرنا أنه كان يستقبل القبلة أثناء الدرس خلاف ما يفعل الناس، وهو الذي تولى طبع كتابه (منهاج المسلم) أول مرة، وتولى هو وزوجته توزيعه سرا، وقد حدثتنا بذلك زوجته بالهاتف، كما تولى طبع كتاب (المزدكية هي أصل الإشتراكية) لمؤلفه الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله بدار الكتاب. ومن أهل العلم الذين زاروه الشيخ تقي الدين الهلالي رحمه الله، ومما ذكره عنه أنه كان يرى أن وقت الفجر عند الفلكيين متقدم على وقته الشرعي، فلما سمع الشيخ أبو بكر جابر بذلك انتدب الرجل المذكور مع شخص آخر وراقب الثلاثة طلوع الفجر فوجدوه مطابقا لتوقيت الفلكيين، فنادى عليهما في المسجد خلال الدرس ليشهدا بما علما أمام الناس!! ومنهم أبو الحسن علي الندوي رحمه الله، وقد ذكره في كتاب له سماه (أسبوعان في المغرب الأقصى). ومنهم المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله حين جاء المغرب للاستفادة من مكتبة الرباط، فلما سمع الملك الحسن الثاني رحمه الله بذلك قرر أن يستقبله بصفة رسمية، فأبى الشيخ ذلك، واكتفى بأن تسهل له الاستفادة من المكتبة، وحصل للوسيط حرج عظيم بسبب رفض الشيخ. استفدت هذه الأخبار - يزيد بعض رواتها على بعض - من عبد الصمد بن مولاي علي، ومن زوجته أم عبد الصمد، ومن ابن بنتها، ومن إمام المسجد المحمدي الشيخ محمد عبد الشكور وهو إمام به منذ صفر 1440
الخاطرة رقم 16 [رفع إشكال في سورة الرحمن]
النعمة هي الحالة الحسنة التي يكون عليه العبد بما يمن الله تعالى به عليه من المال والولد والعيش والعلم والحلم والصبر وغير ذلك، وهي كثيرة لا تحصى، منها الظاهر الذي يعرفه الناس ويرونه، ومنها الباطن الذي لا يعرفونه، أو يتفاوتون في معرفته، كما قال الله تعالى: "وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة"، وقال: "وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها"، ومعظم النعم ينساها الناس بحكم الاعتياد فلا يتفطنون لها إلا إذا افتقدوها. ومن النعم ما يعده الناس ضرا وشرا، وهو نفع وخير، كما قال الله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون"، وقال: "فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا"، فما كان من هذا القبيل تكليفا كان المطلوب حمل النفس عليه، ومجاهدتها على التزامه، وهذا معنى التكليف لأن فيه كلفة تقوى بابتعاد النفوس عما فطرت عليه، وما كان من غير هذا فعلاجه هو الصبر عليه بعد التوقي ومراعاة سنن الله في خلقه. وقد تميزت سورة الرحمن عن غيرها بافتتاحها باسم الله الرحمن، وبالتعقيب على النعم المذكورة فيها واحدا وثلاثين مرة هكذا: "فبأي آلاء ربكما تكذبان"، والآلاء جمع ألي هي النعم، وهي كلها من رحمة الله العامة بخلقه، أو من رحمته الخاصة بالمتقين من عباده. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه السورة: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم: كنت كلما أتيت على قوله: "فبأي آلاء ربكما تكذبان"؛ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد". والمقصود هل من جملة النعم قوله تعالى: "كل من عليها فان وببقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام"؟ وما جاء بعده من قوله تعالى: "كل يوم هو في شأن"، و"سنفرغ لكم أيها الثقلان"، ومن انشقاق السماء، وعقاب المجرمين، وغير ذلك؟ يقول بعضهم إن ذلك التعقيب تكرير، لأن الفناء ليس نعمة!! ويقول آخرون: ان الآلاء في هذا ومثله هي قدرة الله تعالى على فعل ذلك.. والحق أن ذلك من أجلّ النعم، والأمر في بعضها ظاهر، أما الفناء فمقدمة لا بد منها، به يستوي الخلق في الموت، ويظهر به المحق من المبطل، وينقلب هذا بالثواب، ويبوء الآخر بالعقاب، ويرى المؤمنون ربهم، ويمتاز المجرمون، ويعرف المنافقون، وتبلى السرائر، ويتسلى به المظلوم المحزون، ويشمل العدل الإلهي المكلفين كلهم، وكيف لا يكون نعمة وبه تنتهي الدنيا، وهي سجن المؤمن وجنة الكافر؟

كلمة تعريفية

نسعى من خلال هذا الموقع إلى تيسير الوصول إلى تراث فضيلة الشيخ بن حنفية العابدين - حفظه الله - وتصنيف دروسه وفتاواه في قوالب حديثة تتيح للمتعلم والباحث الاستفادة القصوى من المحتوى الصوتي والنصي المتاح.