خواطر إيمانية

تأملات ووقفات تربوية من فيض علم فضيلة الشيخ.

عدد الخواطر: 761

الخاطرة ١٩٦

[العرب والعدوان على غزة] معظم دول المسلمين اليوم في أدنى دركات الاهتمام بما يجري في فلسطين، والإثم لاحق كل قادر مقصر، لقد قاتلت بعض جيوشها من أجل فلسطين قبل سبعين سنة، ثم تراجعت إلى الدعم بالمال والسلاح، ثم انتقلت إلى الشجب والاستنكار، ثم إلى الصمت، وبعضها إلى التآمر في خفاء، وأخشى أن تكون بعض الدول في الطريق إلى التأييد العلني لما تقوم به دولة اليهود من تقتيل وتدمير. مضى الزمن الذي كان فيه المسلم ينسى حاله لحال أخيه كما قال القائل متأثرا بموجة القومية العربية، حتى جعل هواه هوى العرب، مع أن هذا على شره قد فقده العرب اليوم، فلا نخوة ولا شهامة، ولا عزة ولا كرامة: أيا فلسطين التي كدنا لما ** كابدته من أسى ننسى أسانا نحن يا أخت على العهد الذي ** قد رضعناه من المهد كلانا!! مكة والقدس منذ احتلما ** كعبتانا وهوى العرب هوانا قد تختلف مع أخيك في أمر أو أمور، وقد يكون عقديا أو منهجيا، وقد تخالفه فيما اختاره من طريقة التعامل مع عدوك وعدوه، وقد تأخذ عليه موقفه من سلطة بلده فيما يبدو لك، فهل هذا مسوغ لأن ينقطع بينك وبينه حبل الولاء والنصرة؟ فتسكت على ما يلحقه من تقتيل وتدمير؟ وكيف إذا صرت يغيظك ما ينبغي أن يسرك من وسائل قتاله التي تعنى في ابتكارها وتطويرها، وإدخال الرعب في قلب عدوه بها؟. ولنفرض أقصى ما يمكن فرضه، وهو ما قلته قبل ثلاثين سنة أثناء الحرب على العراق يوم سوغ بعضهم الانخراط في قتال هذا البلد إلى جانب الدول المتحالفة ضده، وعلى رأسها أمريكا وأوربا، بحجة أن نظامه بعثي (...)، فهل الأنظمة هي الشعوب؟. لنذكر -وما العهد ببعيد- أن من الأسباب المباشرة لارتماء النظام السوري في أحضان إيران وروسيا طرده من الجامعة العربية، وبعد أن خربت سوريا وصارت أثرا بعد عين، وتقاسمت الأرض فيها والنفوذ بعض دول الجوار والشرق والغرب، يجري التفكير اليوم بإلحاح لإرجاعها إلى هذه الجامعة، ولم لا ترجع وقد تحققت المقاصد التي من أجلها طردت؟!! لسنا ندري المآل الذي سيقضي إليه هذا الخذلان لأهل غزة خصوصا، ولأهل فلسطين عموما، فاللّهم سلم. 18 ربيع الأول 1441 الخاطرة : ١٩٧ [كتاب الشكوك] صالح بن عبد القدوس الأزدي كان زنديقا متكلما من أصحاب السفسطة، قتله المهدي عليها وهو شيخ كبير، وقد ذكر عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله في كتابه (تلبيس إبليس) فيما خصصه منه للحديث عن أهل السفسطة الذين ينكرون حقائق الأشياء أن ابنا لصالح هذا مات، فمضى إليه أبو الهذيل ومعه النظام يعزيانه، فكان مما قاله صالح ذاكرا سبب ما رأوه عليه من الجزع: إنما أجزع عليه لأنه لم يقرأ كتاب الشكوك!!، فقال له أبو الهذيل: وما كتاب الشكوك؟، قال: هو كتاب وضعته، من قرأه يشك فيما كان حتى قد يتوهم أنه لم يكن، وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان!! فقال له النظام: "فشك أنت في موت ابنك، واعمل على أنه لم يمت، وإن كان قد مات؛ فشك أيضا في أنه قد قرأ الكتاب وإن كان لم يقرأه. 20 ربيع الأول 1441 • الخاطرة : ١٩٨ • قال الله تعالى: "يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُم لَا يَالُونَكُم خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّم قَد بَدَتِ ٱلبَغضَاءُ مِن أَفوَاهِهِم وَمَا تُخفِى صُدُورُهُم أَكبَرُ قَد بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلاَيَـٰتِ إِن كُنتُم تَعقِلُونَ". - ما الذي حمل البرلمان الأوروبي على عقد جلسة لتدارس الوضع في الجزائر الخميس المقبل كما سمعنا؟. - لقد راهنوا -وبخاصة فرنسا- على ما يجري في بلادنا من احتجاجات طيلة أشهر تسعة، ينتظرون تحقق مُرادهم من غير كلفة ولا مؤنة، ولم يجرؤوا الا على تصريحات يمتدحون فيها الجزائريين لما تميّزت به احتجاجاتهم، فلما اقترب موعد الانتخابات شعروا بانفلات الأمر من أيديهم، فأرادوا أن يمدوا عمر الأزمة بمساندة الحراك تحت غطاء التضييق على الحُريات وسجناء السياسة والرأي. - ما الذي كانوا يرجونه؟ - خراب البلد، كما جرى في بلدان أخرى، أو تطوير النظام بطريقة ما لصالحهم. - كيف، وبعض رؤوس النظام في السجن؟. - المهم امتيازاتهم و نفوذهم، بضمان ولاء الفكر والتوجه، فتسهل المصالح والمنافع. - وهل كانوا يُعوّلون على الحراك؟ - وهل في ذلك شك؟ فإن بعض مُتزعّميه خونة، وكلاء عن فرنسا أو غيرها: ولاءً وفكرا ولغة، وقد عقد مقدموهم اجتماعات داخل البلد وخارجه وعرف ذلك. - وكيف التقى هؤلاء مع آخرين في الحراك ممن لهم مقاصد حسنة؟. - التقوا على أمور بالتدرج ابتداء من رفض العهدة الخامسة، ومعهم الغالبية، وانتهاء برفض الانتخابات، وأحسب أنهم لو بلغوا القيادة لكَفر بعضهم ببعض، ولعن بعضهم بعضا، وقد جهلوا أن الحراك (حرك) لإنجاز ما رأيناه وقد نرى غيره، ثم توهموا أنهم قادته، ثم صدقوا توهمهم، ثم كبر عليهم أن يرجعوا إلى أحجامهم: وإن سيادة الأقوام فاعلم ** لها صعداء مطلبها طويل!! أترجو أن تسود ولن تعنى؟ ** وكيف يسود ذو الدعة البخيل؟ - ما الذي منع هذا البرلمان من تدارس الوضع من قبل، وقد طال الأمد؟. - لم يجد سببا ظاهرا يستند إليه، فقد استمر الحراك بطريقة لم تعهد في أي بلد، وأحسب أن ما تميز به هو من تدبير العقلاء، بعد تيسير الله ولطفه، ولكيلا يفضح عملاءه في الداخل، وهم قلة، فينفضّ الجمع من حولهم . - هل يعني هذا أنك تمتدح الحراك ؟ . - أنا أصف واقعا، ومن دأبي أن لا أُسوّي بين المختلفين، وأن أعرف خير الخيرين، وشرّ الشرين . - ماذا عسى أن يقول إخواننا الذين يقفون مع الوكلاء الخونة في صف واحد، مع أنهم قطعا يخالفونهم في المقاصد والغايات، بعد هذا الذي يعتزمه البرلمان الأوربي؟ - سيقولون إنهم يفرقون بين التدخل الأوربي فيرفضونه، وبين الحراك فيواصلونه، لكنهم -من حيث لا يريدون- يعينونه على مبتغاه الذي يركض خلفه، وما هو ببالغه إن شاء الله، وإلى الله تصير الأمور. 28 ربيع الأول 1441 •

الخاطرة ١٩٥

[اشتقاق الامّعة..] في كتب اللغة أن الإمعة -بكسر الهمزة وشد الميم- لغة في الإمع، والتاء فيه للمبالغة، فهو الذي يتبع كل ناعق، ويقول لكل أحد: أنا معك، لأنه لا رأي له يرجع إليه. وفي مقاييس اللغة: "الهمزة والعين والميم ليس بأصل، والذي جاء فيه رجل إمعة، وهو الضعيف الرأي، القائل لكل أحد أنا معك". لكن قال بعضهم: "استأمع صار إمعة، ورجال إمعون"، وهذا قد يكون اشتقاقا من الإمع على سبيل القياس، وقد اختلف في جريانه على لغة العرب. ولا نظير للإمع في الوزن إلا إمر، وتلحقة التاء أيضا، وهو الأحمق الضعيف الذي يوافق كل إنسان على ما يريده، ومثله في المعنى الكمع بكسر الكاف وفتح الميم كما في تهذيب اللغة ولسان العرب. وقد روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "اغد عالما أو متعلما، ولا تغد إمعة بين ذلك"، قال ابن القيم في إعلام الموقعين: "فأخرج الإمعة وهو المقلد من زمرة العلماء والمتعلمين، وهو كما قال رضي الله عنه، فإنه لا مع العلماء، ولا مع المتعلمين للعلم والحجة...". وعنه أيضا: "كنا نعد الإمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام، فيذهب معه بغيره، وهو فيكم اليوم المحقب دينه الرجال". وتولى الخطيب البغدادي في كتابه (التطفيل وحكايات الطفيليين) بيان معنى المحقب فقال: "يعني المتبع دينه آراء الرجال، من غير نظر في دليل، ولا طلب لحجة، وهو مأخوذ من الحقيبة التي تعلق على الفرس، فكذلك هذا يعلق دينه على غيره تقليدا لا اجتهادا". وفي حلية الأولياء لأبي نعيم عن ابن مسعود قال: "لا يكونن أحدكم إمعة"، قالوا: وما الإمعة"؟، قال: يقول أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطن أحدكم نفسه على إن كفر الناس أن لا يكفر"، أشار إلى أن التقليد قد يصل بصاحبه إلى الكفر من حيث لا يدري، فإن المعاصي والبدع بريد الكفر، وليس قصد ابن مسعود تخفيف التقليد فيما دونه. 16 ربيع الأول 1441  •

الخاطرة ١٩٤

[يحيى بن يعمر والحجاج] من أمثلة قول كلمة الحق عند السلطان الجائر ما جاء في تاريخ دمشق، قال عاصم بن بهدلة: اجتمعوا عند الحجاج، فذكر الحسين بن علي رضي الله عنهما، فقال الحجاج: "لم يكن من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم"، وعنده يحيى بن يعمر، فقال: كذبت أيها الأمير! فقال: "لتأتيني على ما قلت ببينة ومصداق من كتاب الله أو لأقتلنك"! قال: "وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ وَكَذَلِكَ نَجزِى ٱلمُحسِنِينَ. وَزَكَرِيَّا وَيَحيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِليَاسَ‌ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ"، فأخبر الله أن عيسى من ذرية آدم بأمه، والحسين بن علي من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمه"، قال: "صدقت، فما حملك على تكذيبي في مجلسي"؟ قال: "أما أخذ الله على العلماء لتبيننه للناس ولا تكتمونه"؟، قال الله تعالى: "فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم وَٱشتَرَواْ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلاً‌"، فنفاه إلى خراسان. العاشر شهر ربيع الأول 1441 •

الخاطرة ١٩٣

[عن مظاهرات لبنان والعراق] فرق كبير بين إقرار وجود الطوائف والقوميات والديانات المختلفة في الدولة الواحدة، بحيث تحتفظ بخصائصها في نطاق تلك الدولة، وهو ما يقوم عليه نظام الحكم في الإسلام، وقد ظهر ذلك أول ما ظهر غداة هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه إلى المدينة، وكتابته تلك الوثيقة المعروفة التي بينت حقوق الساكنين بها وواجباتهم. [لا أدري إن كان يستقيم هذا الربط بين الفقرتين] في مقابل هذا تلك النظم القائمة علي الطوائف والقوميات والتحالفات الحزبية المبنية على توزيع الحصص في الهيآت وإسناد المسؤوليات، فهذه لا يستقيم حالها في الغالب إلا بغض الطرف عن الفساد كي تستمر دواليب الحكم، فإن سلمت من هذا أثرت عليها تدخلات الدول التي لها نفوذ فيها، وقد يجتمع عليها الأمران كما في لبنان والعراق. وما يجري اليوم في هاتين الدولتين من المظاهرات والاحتجاجات بعد أن استشرى فيهما الفساد هو دليل على توجههما إلى حكم بعيد عن تقاسم السلطات بالاعتماد على تلك الأسس. ومما يستغرب أن كثيرا من أفراد الطوائف والديانات في هاتين الدولتين تناست أو تخففت من خصائصها وولاءاتها محليا وإقليميا من أجل استعادة مصالحها المالية والمعيشية التي أضرت بها أنظمة الطوائف. وأعظم الأضرار التي تعانيها الدولتان أتتهما من النفوذ الإيراني المؤثر بقوة في لبنان، فإن حزب الله يشكل دولة داخل الدولة بقوته العسكرية والتنظيمية، أما في العراق فبحكم الأغلبية الشيعية التي تمسك بالجهاز التنفيذي، مع ترك رئاسة البرلمان الشكلية للسنة، ومثلها رئاسة الجمهورية للأكراد، بناء على الدستور الذي هندسه بريمر الأمريكي حاكم العراق بعد احتلال أمريكا له. أحسب أن الخاسر الأكبر مما يجري في الدولتين هو إيران التي بنت سياستها الخارجية على تصدير ثورتها بشتى الطرق والوسائل ولاسيما إلى العراق وسوريا والبحرين وشرق السعودية واليمن، وقد أعانها على بسط نفوذها في بعض هذه الدول حكومات سنية، فهل بدأ نفوذ هذه الدولة في التراجع بعد أربعين سنة من التمدد؟. 9 ربيع الأول 1441  • •

الخاطرة ١٩٢

[عن المترشحين للانتخابات الرئاسية] قال: ما ترى في المترشحين الخمسة للانتخابات الرئاسية؟. قلت: لا يبلغون ما كنت أرجوه، لكنهم نتاج ما عندنا فلا عجب، فلا تكن من الحالمين. قال: ما لنا لا نرى آخرين نظن أنهم خير من هؤلاء؟. قلت: من منعهم؟ أليست هذه هي الديمقراطية التي بحت بها حناجرهم، وكفرنا بها؟. قال: الشك في نزاهة الانتخابات، وخوفهم من الإملاءات، أو غير ذلك من التعلات. قلت: ماذا نفعل؟، أنظل هكذا حتى تتوفر النزاهة ويؤمن الخوف إن صدقت هذه الظنون؟. قال: وهل تعرف هؤلاء المترشحين؟. قلت: أعرف بعضا وأجهل بعضا. قال: وكيف تختار من لا تعرف؟ ألست كالشاهد الذي لا يعرف ما يشهد عليه؟. قلت: سيعرفون بعرضهم برامجهم خلال الحملة الانتخابية. قال: لكن الكلام يسير سهل، والوفاء بالوعود عسير صعب. قلت: ما المانع أن تعتمد مقاييس يكون بها كل مترشح صالحا للمسؤولية كحد أدنى؟. قال: هذا يتناقض مع مبدإ المساواة بين المواطنين فيما أعطاه لهم الدستور من حقوق. قلت: ويتفق مع المصلحة التي تبنى عليها أعمال العقلاء، فهلا عدل هذا الدستور. قال: كيف نقلل المخاطر المترتبة على هذا الأمر الذي يفوت اختيار الأفضل؟. قلت: ينتخب من جعل على رأس برنامجه الاهتمام بدين الأمة ولغتها والتحرر من التبعية. قال: ذكر هذه الأمور خطر على المترشح في الداخل والخارج!!. قلت: أليس مسلما؟ أليس الإسلام هو دين الدولة؟ وما معنى المبادئ الإسلامية التي يفترض أن تقوم عليها الدولة، واعتاد بعض الحكام تزيين الكلام بها؟. اللهم إن هذا الذي نحياه هو قدرك وقضاؤك، وهذا الذي نعامل به واقعنا -ونحن ننكره- هو مما عقلناه من دينك وشرعك، فقد جعلت دينك الذي ارتضيته لنا صالحا لكل زمان ومكان، وهو حال أمتنا في عمومها، كما جعلته مصلحا في كل زمان ومكان، فقنا شر الأولى، وأكرمنا أن ندرك الثانية. الجزائر العاصمة - السابع من شهر ربيع الأول 1441

الخاطرة ١٩١

[شأن الصلاة] حاجةُ المؤمن إلى مناجاة ربه بالصلاة بالغة الأهمية، لصلاح قلبه، ومغفرة ذنوبه. جُعلت الصلاة فرضا ونفلا مسبّبا ومطلقا. فرض الله خمسين صلاة ثم خففها فجعلها خمسا فهي الحد الأدنى لهذه المناجاة. أخلى منها نصف النهار الأول لاشتغال الناس بأعمال الحياة. وأخلى منها عامة الليل لحاجة الناس إلى النوم. شرع الله صلاتين لا نظير لهما في طول وقتهما في نصف النهار الأول وفي الليل. صلاة الضّحى التي هي أوسع نوافل النهار وقتا وحكمة توقيتها بينة. صلاة الليل فإنها أوسع نوافل الليل وقتا وحكمة توقيتها بينة. فسبحان الحكيم العليم. وكتبه بن حنفية العابدين يوم 4 ربيع الأول 1441.

الخاطرة ١٩٠

[اغتنم وقتك] لاتُضيّعن من عمرك شيئا، فأحسن أحوال محياتك أنها عاجل ناقص، قد يفوت بعض الآجل الكامل: "وَمَا هَـٰذِهِ ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَآ إِلَّا لَهوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلاَخِرَةَ لَهِىَ ٱلحَيَوَانُ لَو كانُواْ يَعلَمُونَ". إنّ قدمك لا تزول حتى تسأل عما أفنيت فيه عمرك. حاذِرْ أن تكون في زمرة المغبونين في صحتك وفراغك. إن استطعت أن لا يضيع وقتك من موتك إلى مبعثك فافعل. قد يكون ما يلحقك بعد الموت أكثر ممّا قدمته. عُمرك قد يضاعف أضعافا كثيرة بالصدقة الجارية. دونك ما أرشدك إليه نبيك صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". وها هي ذي بعض التفاصيل: "سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورّث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته". وقال: "الدّال على الخير كفاعله". وقال: "من دعا إلى هدى فله مثل أجر فاعله من غير أن ينقص من أجورهم شيئا". ألا تجد في هذا كله ما تقدر عليه؟. إن غفلت فتدارك أمرك في لحظات عمرك الأخيرة: "إن الله تصدّق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم". وكتبه ابن حنفية العابدين يوم الثاني من ربيع الأول 1441.

الخاطرة ١٨٩

[أسلوب الاحتباك] الاحتباك من الحبك، وهو الإحكام والتحسين، وحبك الثوب هو سدّ ما بين خيوطه من الفرج، وفي اصطلاح أهل البلاغة: هو نوعٌ من أنواع البديع، يذكر أحد الضّدّين في الجملة الأولى، ويذكر ضدّه أو لازمه في الثانية، ويحذف من الثانية ما ذكر ضده أو لازمه في الأولى، وقد يكون بين المحذوف والمذكور علاقة غير ما سلف. وهو من أساليب العرب لاختصار الكلام بحذف ما يعلم، والاكتفاء بما لا يلتبس المقصود منه، فتؤدّى المعاني الكثيرة بالعبارة الوجيزة، ومن آثاره الانتباه إلى المحذوف من الطرفين، فيحصل تدبر صورة الكلام، وهو مقدمة لفهم معناه. ولم يكن هذا النوع من البديع معروفا مشاعا قبل عهد الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي رحمه الله (ت:911)، فقد قال في شرحه على نظمه المسمى (عقود الجمان في المعاني والبيان): "وهو نوع لطيف لم ينتبه إليه أحد من أهل هذا الفن، ولا ذكره أصحاب البديعيات، ولم نقف على أحد تعرض لذكره إلا رفيق الأعمى في شرح بديعيته..." ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: "مَن يَهدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلمُهتَدِى‌ وَمَن يُضلِل فَأُوْلَـٰئكَ هُمُ ٱلخَـٰسِرُونَ"، أي من يهد الله فهو المهتدي الفائز، ومن يضلل فهو الضال الخاسر، وساغ الحذف لملازمة الخسران للضلال، والفوز للهدى. ومنه قوله تعالى: "وَءَاخَرُونَ ٱعتَرَفُواْ بِذُنُوبِهم خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّه أَن يَتُوبَ عَلَيهم"، والتقدير خلطوا عملا صالحا بسيء، وعملا سيئا بصالح. ومنه قوله تعالى: "فَذَالِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلحَقُّ فَمَاذَا بَعدَ ٱلحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ"، أي فما ذا بعد الحق إلا الباطل، وما ذا بعد الهدى إلا الضلال، وساغ الحذف لمُلازمة الهدى للحق، والضلال للباطل، فكأنه هو. ومنه قول الله تعالى: "وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَولَآ أُنزِلَ عَلَيهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ‌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ"، فحذف (هاد)من الأولى، و(منذر) من الثانية، أي إنما أنت منذر وهاد، ولكل قوم منذر وهاد، واختير ذكر المنذر في الأولى بدل الهادي، لأنه مقام تحدٍّ وإنذار للمتعنتين، وللسجعة. ومنه قوله سبحانه: "تَٱللَّهِ لَقَد أَرسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيطَـٰنُ أَعمَـٰلَهُم فَهُوَ وَلِيُّهمُ ٱليَومَ وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ"، فمرجع الضمير في قوله: " وَلِيُّهمُ"، ليس هو "أُمَمٍ"، بدليل قوله "ٱليَومَ"، لكن لما ساوى أقوام الرسل المتقدمون هؤلاء في إنكار الحق تشابهوا، فجعل المتأخرون كالمتقدمين، والتقدير تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فكان وليهم، كما زين لهؤلاء أعمالهم فهو وليهم. ومنه قوله تعالى: "قُل إِنِّى لَآ أَملِكُ لَكُم ضَرًّا وَلَا رَشَدًا"، والضر يقابله النفع، والرشد يقابله الغي، أي لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا. وقيل إن منه قوله تعالى: "لَا يَرَونَ فِيها شَمسًا وَلَا زَمهَرِيرًا"، والمقصود أن شدة الحر تؤذي، وشدة البرد تؤذي، فوقاهم الله شرّهما، وقيل إن فيها احتباكا، أي لا يرون فيها شمسا ولا قمرا، ولا حرّا ولا زمهريرا، وهو البرد المفظع، فضوء الجنة دائم ليس من القمر ولا من الشمس، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الضياء في المختارة مرفوعا: "ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الاسماء"، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الشمس والقمر مكوّران يوم القيامة". لكن تواطأ كثير من المفسرين على ذكر ما ذهب إليه ثعلب من أن الزمهرير هو القمر في لغة طيئ، فقد روى الثعلبي في تفسيره عن أحمد بن عمران السويدي قال: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلب وسئل عن قوله تعالى: "لَا يَرَونَ فِيها شَمسًا وَلَا زَمهَرِيرًا"، فذكره، وثعلب إمام في اللغة، ثقة في النقل، لكن قد يكون البيت الذي استشهد به منتحلا، و"زهر" في آخره معناه ظهر، وهو رواية، والبيت هو: وليلة ظلامها قد اعتكر ** قطعتها والزمهرير ما زهر. وكتبه بن حنفية العابدين 23 شهر صفر 1441.

الخاطرة ١٨٨

[المسلمون في بلاد الكفر] - من المفكّرين والسياسيين الفرنسيين من صار يُطالب بإعادة النظر في مبادئ الثورة الفرنسية التي قامت عليها دولتهم، ولا يفتؤون يتبجّحون بها، من الحرية والعدالة وغيرها، لأن أوضاع بلدهم تغيّرت بكثرة الجاليات، فيلزم حمايتها مما يرونه فسادا وتفكيكا لمجتمعهم المفكّك، والكثير مما هم فيه هو الفساد ذاتُه. فإذا كانت فرنسا وأمثالها من الدّول تحمي نفسها من مظاهر الإسلام الفردية التي شرعها الله وارتضاها لخلقه، فكيف بالدول الإسلامية تسعى قصدا أو جهلا في إفساد مجتمعاتها بتقليد الغرب والتمكين لقيمه؟، ولا تضع في حُسبانها أن هذا الفساد الذي تنشره أو تشجّعه أو تسكت عليه أعظم خطرا من غيره، مما يصرف له الاهتمام؟، ثم كيف تُلام الدّولة إذا منعت فتح الكنائس من غير مراعاة لما سنّته من نُظم وقوانين، والحال أن هذه النظم لا تستثني إقامة المساجد في بلاد المسلمين؟، وهذا لو سلِمت تلك الكنائس من المكر والدّسائس. شركة السكة الحديدية الفرنسية (SNCF ) - وفيها كثير من العمال المسلمين - بعثت تعليمة لفروع إداراتها تتضمن ما يلي: * منع الصلاة في أماكن العمل ولو في أوقات راحة العمال. * منع وضع السّجادات في مواضع العمل. * اعتبار ترك الرجل مصافحة المرأة قرينة على انتمائه المخوف، لا فرق بين أن يكون الداعي هو الاعتقاد الديني أو غيره، وهذا حتى لا يظن عن المستهدفين هم المسلمون. ومتى ثبتت المخالفة أُحيل العامل على اللجنة المختصة ويمكن أن يطرد. وقد ذكرت سابقا بعض ما حصل في جامعة مدينة سيرجي CERGY بضواحي باريس الدائرة 95، فقد طلبت الإدارة من الأساتذة إشعارها بأسماء الطلاب الذين تظهر عليهم علامات التّطرّف الخفيفة !!، ومنها: * لبس القميص أو (الجلاّبة). * إعفاء اللحية وقصّ الشارب، هكذا والله بالتفصيل كأنهم يقرؤون الحديث. * توقّف الطالب عن شرب الخمر وتحريه أكل اللحم الحلال، ومعنى ذلك أن الطالب المسلم يحال بينه وبين أن يتوب من المعاصي، معصيته مكسب لهم فلا ينبغي أن يخسروه. * تقصير الثوب إلى نصف الساق!، هكذا والله. * اهتمام الطالب بالسّياسة الدّاخلية والخارجية. ولما رأى القائمون على الجامعة أن هذه الأمور تتنافى مع مبادئهم صدر عن الإدارة إعتذار مضمونه أن القصد ليس تصنيف الناس، ولكنه الحفاظ على النّظام أو نحو هذا الكلام. علّق أحد إخواننا المقيمين في فرنسا -وقانا الله وإياهم شر هذه الفتن- على كلام لي يخص حكم إقامة المسلم في بلاد غير المسلمين بأن حديث "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى نارهما"، (رواه أبو داود والترمذي عن جابر) قال: إنه ضعيف!!. قلت: المسلم هو الذي يسلم لأحكام الله تعالى ولو لم تظهر له فيها المصلحة، ولا وقف على الحكمة والعلة، وإلا ما كان ممتثلا مأجورا، فإن العقلاء من الناس يتبعون ما يرونه مصلحة، كلٌّ حسب تقديره. إن التذكير بأحكام الله لا يعني التثريب على المخالف بقدر ما يقصد به الدعوة إلى التسليم لها، والتحفّز لإقامتها حسب الاستطاعة، ومن وقف عند حد المعصية مُقرّا بها؛ خير ممن ضمّ إليها إنكار كونها معصية، فجمع بين الشّرّيْن، كما قال الله تعالى: "‌فَمَن أَظلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنهَا‌ سَنَجزِى ٱلَّذِينَ يَصدِفُونَ عَن ءَايَـٰتِنَا سُوءَ ٱلعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصدِفُونَ"، وقال: "وَهُم يَنهَونَ عَنهُ وَيَنـئَونَ عَنهُ‌". ومما يناسب المقام قول القائل: فأشربها وأزعمها حراما ** وأرجو عفو رب ذي امتنان ويشربها ويزعمها حلالا ** وتلك على الشقي خطيئتان. وكتبه بن حنفية العابدين يوم 21 شهر صفر 1441.

الخاطرة ١٨٧

[من صور الفساد المالي التي لا يُعبأ بها] هذه بعض صور الفساد المالي التي لا يُعبأ بها، وهي غيض من فيض يعرفه مثلي البعيد عن أروقة الحكم، فكيف بمن يمارسونه؟. لقد عمدت السلطة إلى جلب السّلم الاجتماعي والسياسي بالمال منذ أكثر من عقدين، فاتجهت إلى صرف الشباب عن الاشتغال ب(المضار) كما تراها هي، أو كما هي في الواقع، فاعتمدت صيغا لم تُعرف من قبل، أوّلها ظهورا هو تشغيل الشباب، ثم صيغة ما قبل التشغيل، فالشبكة الاجتماعية، ثم أحدثت الوكالة الوطنية لتشغيل الشباب، وأردفت بوكالة أخرى، وكثرت الهيئات والصور التي عن طريقها يُصرف المال العام بحق وبدونه، وما يزال. والذي لا شك فيه أن هذه الصيغ العشوائية لم تحقق الغرض الاقتصادي الذي ناطه بها مُحدثوها، والله أعلم بمقاصدهم، فقد تضخّم القطاع الثالث قطاع الخدمات كما يُسمّيه الاقتصاديون - وهو قطاع غير منتج عندهم - بما لم يسبق له مثيل منذ استعادة الاستقلال، وأفسدت هذه الصيغ كثيرا من الشباب الذين ألفوا الفراغ مع المال، وقد قيل: إن الشباب والفراغ والجده ** مفسدة للمرء أي مفسده. عرفت كثيرا من صور الفساد عن طريق الاستفتاءات التي ترد علي، ومعظمها السؤال عن المال الذي يأخذونه لأنهم لا يقومون بأي عمل، لأن المصالح التي عينوا بها غير محتاجة إليهم، وقد كنت أعجب أن يشترك الثلاثة في إعداد الوثيقة، هذا يكتبها، والثاني يُسجلها، والثالث يضع عليها الختم، والمسؤول يمضيها. ومن العجب أن الإدارة تضع بعض الشباب تحت تصرف أصحاب الحرف والأعمال الخاصة كالصيادلة والمقاولين وغيرهم، وتدفع الدولة ما يشبه الراتب لهم، وفي معظم الأحيان لا يقومون بأي عمل، وهم الذين يبحثون عمن يقبلهم عمالا!!، ثم تستثنى الجمعيات من هذه الامتيازات، مع أن عملها للصالح العام، ولو عُينوا فيها لألزموا بالعمل، فأين التفسير المقبول لهذا التصرف غير الاستفادة من الخواص، ونشر البطالة المقنعة؟. وقد اتجه بعض الأعوان في البلديات والإدارات إلى الاستيلاء على المال العام بطريقة عجيبة، وهي أن يسجل الشخص على أنه عامل، وهو لم يطلب عملا ولا اتصل بالإدارة، ثم يصب المال في حسابه مدة قد تصل إلى العامين، حتى إذا سأل مصلحة البريد أو البنك لم يجد عندهما جوابا عن مصدر المال، فيأتي إليك يسألك ما ذا يصنع به؟، وقد أخبرني بعضهم أن سهلا تلقى استدعاء من موظف في بلدية ما يطالبه بتكوين ملف(!!)، فلما أبدى استغرابه طالبه بإرجاع المال له شخصيا، من غير أن يكلفه بصبه في حساب أو يسلم له وثيقة بذلك، وقد كثر السؤال عن هذا الأمر في المدة الأخيرة للخوف من نزول المتابعات إلى المستويات الدنيا. ولا يخفى على الكثير من سكان البادية أن المال الذي يصرف لتشجيع البناء الريفي كثيرا ما ينفقه من يعطونه في غير وجهه، مع أن المراقبين والمهندسين يشهدون أنهم تابعوا مراحل البناء التي يرافقها تسليم الأموال على دفعات !!. وليس سرّا أن القروض الفلاحية الموجهة لتنمية الثروة الحيوانية في الكثير من الأحيان يتحايل عليها المستفيدون، فهل تصدق أنهم يكترون الأبقار مدة ما حتى يشهد الخبير بامتلاك الفلاح لها ليحصل على الإعانة، ثم تردّ إلى مُؤجّريها؟، بل قد يشترونها فإذا حصلوا على القرض باعوها بأبخس الأثمان للجزّارين، وقد أخبرني بعضهم أن شخصا مشهورا عندنا قد أقفر منذ شهور من البقر!!. وهل تصدق أن الفلاح يتفاهم مع المقاول ليسجل كلفة المشروع الذي تدفعه الدولة بكذا، والكلفة أقل من ذلك بكثير، فتدفع الكلفة المضخمة ويأخذ (الفلاح) الفارق أو يحصل على المال من غير أن ينجز المرفق، وجرت العادة أن يُعفى الفلاحون من ردّ القروض قبيل الانتخابات. وبعض الموظفين في البنوك يكرون العملة الصعبة من مال البنك لطالبي التأشيرة التي يكون من شرطها امتلاك الراغب فيها مبلغا محددا، حتى إذا حصل عليها استرجع الأعوان المال، والظاهر عنه مال البنك، فهل من العسير على مُديري البنوك اكتشاف هذا العبث بالرجوع ألى الأجهزة التي تحفظ هذه العمليات ؟!. كانت عينُ الدولة قبل التعددية الحزبية على مؤسساتها وشركاتها وإدارتها تحرسها وتحميها بمخبريها وأعوانها، ثم أهملتها حتى تسهل مهمة المفسدين في كل المستويات، وانتقلت عنايتها وحراستها إلى الأفراد، وربما كلفت بمتابعة الشخص الواحد في الإدارة الواحدة أكثر من عون والله، فاستحكم الفساد بأنواعه في مفاصل الدولة، وليس من اليسير اجتثاثه إلا أن يشاء الله. وكتبه بن حنفية العابدين يوم 16 شهر صفر 1441 [تأثير الفكر الحداثيّ عندنا] الفكر الحداثيّ المتعفّن وصل إلى رئيس المجلس الإسلامي الأعلى يوما ما، يدل على ذلك هذا الاستجواب الذي أجرته إحدى الصحف مع رئيسه، وقد نشر في جريدة الخبر الصادرة قبل أزيد من عشرين عاما، وهذا شطر من ردّ صاحب الصّفحة كان قد بعث به إلى تلك الجريدة التي فتحت الحوار في المسائل التي أثارها رئيس المجلس يومئذ، لكنها لم تنشره، وقد نقلناه من كتابه (كيف نخدم الفقه المالكي).صفحة 147 -148-149-150 وهذه أكبر من أختها.. وقد يكون هذا الذي مر هينا إذا وازنْتَ بينه وبين ما فاه به منذ حين بعض الذين كانوا في منصب سامٍ، إنها مصيبة أنْسَتنا غيرها من المصائب، ولقد تُذكر الخطوب وتُنسي، وهذا شيء مما قاله هذا الرئيس والرؤساء كثر: س: كيف ترون أوضاع الإرث والولاية وتعدد الزوجات في خضمّ التحولات الجارية والقانون ؟. ج: فيما يخص الإرث النص صريح، وهو: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ) ( النساء: 11 ] النص القرآني صريح، ولكنه مربوط بأوضاع اجتماعية، فالقرآن يشرع لأوضاع اجتماعية ولا يشرع في الفضاء،،، إلى أن قال: " يمكن للمجتمعات الإسلامية ذات يوم حين تصبح النساء قوّامات على الرجال أن يعملن والرجل في بعض الأحيان يلعب ( الدومينو )، وإذا حدثت المساواة في العمل بين المرأة والرجل، يمكن أن ننظر إلى الإرث نظرة جديدة، ولكن مطابقة لروح الشريعة الإسلامية "، انتهى، والذي يتبادر إلى ذهنك من ربط هذا الرجل الحكم بما ذكره من الأوضاع أن الذي ينتقل إليه نعوذ بالله من الخذلان أن يُسوّي بين الرجل والمرأة في الميراث، وإن كان المنتظر حسب منطقه أن يجعل للأنثى مثل حظّ الذكرين، لكنه التدرج في نشر الباطل، وافتقاد الشجاعة للتصريح بما يكمن في النفس، كما قال تعالى أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ) ( محمد: 29 ]، ولهذا زاد هذه العبارة التي يخادعون بها الناس، وهي المطابقة لروح الشريعة، كلامه واضح بأن الشريعة عنده مثل القوانين الوضعية تتغير بتغير الأوضاع، ونحن لا نتكلم هنا عما يسمى عند العلماء بتغير الفتوى بحسب الأعراف والأحوال فإن هذا غير ذاك بإجماع المسلمين. إن الذين يسألون عن أحكام الله إنما هم أهل العلم الشرعي كما أمر الله تعالى بذلك في قوله فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) " [ الأنبياء: 7 ]، ويظهر أن الرجل يرى أن الفتوى ليس لها أصحابها الذين أمرنا الله أن نسألهم، علما بأن الفقيه لا بد له في الكثير من المسائل أن يعرف الواقع كي يتمكن به من تنزيل الحكم الشرعي عليه، وهو مُطالب بالاستفادة من العلوم الأخرى، أو الرجوع إلى أصحابها، لكن هذا لا يخرج أصحاب تلك العلوم من جملة العامة ليصبحوا بمجرد تخصصهم في علم الاجتماع أو الفلسفة أو علم النفس من المفتين !، فاستمع لهذا المسكين يعلل موقفه السابق: " وذلك أن الإسلام كبلاغ حيوي واسع الآفاق والتخصّصات وهو فكر وأخلاق وروحيات وحضارة بالإضافة إلى أنه فقه وعقيدة ". قل له نحن معك أن الإسلام حضارة، فهل تُقر كما نعتقد أن الأحكام الشرعية الخمسة التي هي موضوع الفقه تستغرق تصرفات الناس أقوالا وأفعالا واعتقادات بحيث لا يَندُ عنها شيء ؟، ومن ثم فليس هناك شيء مما يأتيه الناس المتحضرون أو الأعراب الأجلاف البادون أو غيرهم إلا ولله فيه حكم ولو كان عفوا رحمة بالناس، فإن الله ما فرّط في الكتاب من شيء، فإذا سلّمت بهذه المقدمة التي لا يسع المسلم إلا أن يسلم بها فإنا سائلوك عن الحضارة التي أضفتها إلى الفقه والعقيدة هل ينبغي شرعا أن تجري في حدود تلك الأحكام الخمسة أم تجري خارجها بقطع النظر عن الواقع، إذ الواقع ليس حجة على الشرع ؟، ولنضع في الاعتبار ما كان من تلك الأحكام قطعيا وما كان مختلفا فيه، فإن كان جوابك كما نعتقد ؛ فالحضارة لا يصح عطفها على العقيدة والفقه إلا إذا كنت تريد بذلك زخرفة الكلام والتقرب إلى فريق من الناس نعرفهم بهذا الباطل المزركش، وإن كنت تقصد الثاني، وهو الذي يدعمه قولك السابق في آية الميراث فقد استرحنا منك، والمسلم الحق لا يضره إذا نكبت الحياة كلها عن الصراط المستقيم وخرجت عن دينه القويم فإذا لم يستطع أن يفعل شيئا من الإصلاح فحسبه أن ينعقد قلبه على أن هذا باطل وذلك أضعف الإيمان. أما الفكر فإن التفكير عندنا نحن المسلمين له مستويان، التفكير في مخلوقات الله، ومنها نفس المفكر للاستدلال بذلك على عظمة الخالق، واستحقاقه أن يفرد بالعبادة، وكذا اكتشاف أسرار هذه المخلوقات وصولا إلى مرتبة أحسن في التسخير الذي هو من نعم الله علينا، ولم يستثن الإسلام من التفكير شيئا غير ذات الباري سبحانه، لأن التفكير فيها إهدار لطاقة الإنسان من غير نفع، بل في ذلك الهلاك كما جاء في الحديث، فقد قال رسول الله: تفكروا في خلق الله، وفي رواية: في آلاء الله )، ولا تفكروا في الله، رواه الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، وغيرهما، و حسنه الألباني في صحيح الجامع ( 2975 )، و ( 2976 )، وقال: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا: من خلق كذا ؟ حتى يقول من خلق ربك ؟ فإذا بلغه، فليستعذ بالله، ولينته" متفق عليه. والمستوى الثاني إعمال الفكر في الأدلة الشرعية لاستنباط الأحكام منها وفق قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن، وبها نطق النبي أو قواعد الأصول التي هي الضمان حتى لا ينحرف الفكر بالمستدل، وجمع الأدلة الشرعية وطاعتها جميعا، فنحن إذا جاء النص جمعنا بين الذكر والفكر، ولم نجعل الفكر فوق الذكر، لأن الذكر سابق عليه بلا خلاف فكيف يجعل الأصل تابعا للفرع؟ وإن لم يكن ذكر، وهي مناطق العفو في ديننا رحمة من ربنا بنا، أعْمَلنا فكرنا واجتهدنا، دون أن نخرج عن القواعد العامة ومقاصد الشريعة، فإن الدين ليس صحراء لا معالم فيها، فأنت ترى بأن الفكر عندنا ليس شيئا زائدا على الفقه والعقيدة، لأننا أخذنا حرية التفكير من ديننا، لا من فكرنا، وهكذا يقال فيما سميته بالروحيات. -------------------------------------------------------------- 1 - جزء من مقال أرسلته إلى بعض الجرائد ومنها جريدة الخبر التي دعت إلى نقاش في الموضوع، لكنها لم تنشر الرّد وهي عادة جرت عليها، إذا لم تجد في الردود ما يخدم أغراضها يومئذ، أما الآن فحصل بعض التغيير لخدمة أغراض أخرى جدت. في 1 - جريدة الخبر: شعبان 1420، الموافق لـ / 9. 147 •

الخاطرة ١٨٦

[المسلمون في فرنسا] لستُ ممّن يقر هذا الذي حصل ويحصل في بلاد الغرب من قتل الناس وترويعهم من غير فرق بين مسلم وغيره، وإن كان المسلم لا يُقتل بغيره إلا في الحِرابة والغيلة، مع أن الجرائم التي ارتكبها الغربيون في بلاد الإسلام قديما وحديثا أو سكتوا عليها وما يزالون لا وجه للمقارنة بينها وبين الذي يحصل في بلدانهم. لكنّني أعجب لهذه السذاجة التي يتعامل بها مسؤولوهم مع الأحداث، ظانّين أنها تغني عنهم، ومن سرعة نسيانهم ما يتفاخرون به من مبادئهم التي يزعمون أن نظامهم السياسي قائم عليها، ولا سيما فرنسا، وهي الحرية والمساواة والأخوة. ألا تعجب مما ذكره وزير الداخلية الفرنسي هذه الأيام تجسيدا لأمر رئيسه( ماكرون) الذي يريد أن يقضي على شر الإسلام، فقد رأى هذا الوزير أن من الأمارات التي تُثير الاشتباه في الشخص، فيتعين أن يتابع ويخضع للتفتيش العميق والتحري؛ هذا الذي قاله عبر التلفزيون كما نقله لي بعض الإخوان مع تصرف يسير: * ممارسة التديّن بتشدد وخاصة في شهر رمضان!! * التغير في تصرف الشخص وسلوكه ومن ذلك إعفاء اللحية. * أن يترك تقبيل النساء عند اللقاء بعد أن كان يفعله!! * رفضه العمل مع المرأة. * ظهور أثر السجود في جبهته. * مدى ممارسته للصلاة والمحافظة عليها. * ارتداء المرأة للنقاب في الأماكن العامة. أنا لا أستغرب حصول هذا وأكثر منه في فرنسا، فإن مبادئهم متغيرة تخضع لمصالحهم، وباستطاعتهم أن يُكيّفوا تلك المبادئ المكذوبة وأن يلتفوا عليها كما يَحْلو لهم. وقد استفتى مجموعة من المقيمين في فرنسا قبل شهور: هل تجوز الصلاة في المرحاض؟!! وهل تجوز والمرء جالس على الكرسي؟ وغير ذلك، لخوفهم على أنفسهم من المتابعة أو الطّرد. لكن لا بأس أن أذكرك بما يُشبه هذا مما مارسه الاستئصاليون في بلادنا إبّان الفتنة في التسعينيات، يوم كانوا مؤيدين للعسكر متضامنين معهم ضاربين عرض الحائط بديمقراطيتهم التي تتلون كما يتلون الغول عند العرب. وقد ذكرت طرفا من هذا في كتابي (كيف نخدم الفقه المالكي) في الطبعة الصادرة سنة 1423(2002)، أكتفي هنا بذكر إعفاء اللحية، ولبس القميص، والبدء بالسلام في الهاتف، بدل (صباح الخير) و(مساء الخير)، وتقصير الثوب، وعدم حضور أهل القرى والبوادي للوعدات، وغير ذلك مما يطول ذكره، وهو مفصل في الصفحات من في الطبعة الثانية سنة 1434 (2013)، ثم تطور هذا الأمر فاكتسى ثوبا آخر للتعمية واللبس، لا أريد أن أعرج عليه الآن. ومن أخطر ما قرأته في ذلك الوقت ما أجاب به رئيس المجلس الإسلامي الأعلى عن سؤال هو: كيف ترون أوضاع الإرث والولاية وتعدد الزوجات في خِضَمّ التحوّلات الجارية والقانون؟ الجواب: فيما يخص الإرث النص صريح، ولكنه مربوط بأوضاع إجتماعية، فالقرآن يشرع لأوضاع اجتماعية، ولا يشرع في الفضاء(!!)، يمكن للمجتمعات الإسلامية ذات يوم حين تصبح النساء قوّامات على الرجال أن يعملن، والرجل في بعض الأحيان يلعب الدومينو، وإذا حدثت المساواة في العمل بين المرأة والرجل، يمكن أن ننظر إلى الإرث نظرة جديدة(!!)، ولكن مطابقة لروح الشريعة الإسلامية"(!!)، جريدة الخبر 1 شعبان 1420 الموافق لـ 9 نوفمبر 1999. وكتبه ابن حنفية العابدين يوم: 10 شهر صفر 1441 •

الخاطرة ١٨٥

[الخطّابي وكتابه: معالم السنن] أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُستي المشهور بالخطّابي، قيل إنه من ولد زيد بن الخطاب، والبُستي نسبة إلى (بست) إحدى مدن أفغانستان اليوم، هو حافظ لغوي فقيه نقّاد يُجيد قول شعر الحكم، توفي سنة 388. أبرز تآليفه (معالم السنن) الذي شرح فيه سنن أبي داود السّجستاني، وإن لم يستغرقها، بل اقتصر على 1730 حديثا، وهو قريب من ثلثه، فإنه يحذف المكرر، وينتقي ما يراه، فلهذا يقول في التراجم (من باب كذا)، واعتمد في شرحه على نسخة أبي بكر بن داسة أحد رواة الكتاب عن أبي داود رحمه الله، وقد تتلمذ عليه في البص رة، وهي الرواية التي اعتمدها أبو محمد بن حزم وابن عبد البر، وأول طبعة لمعالم السنن كانت سنة 1351 هجرية ( 1932م). استحكم تقليد المذاهب الفقهية منذ القرن الثالث، ومن لطف الله وحفظه لدينه أن زمن فشوّ التقليد كان هو الوقت الذي كُتبت فيه دواوين الإسلام المعروفة بما فيها الصحيحان والسنن الأربعة. ومما حدا بالخطّابي إلى كتابة شرحه على السنن ما ذكره في مقدمته مما انتقده على أهل الفقه، ورواة الحديث، وبعض المشتغلين بأصول الفقه، وإدخالهم فيه علم الكلام ليُغطّوا به نقصهم في فقه النصوص. لاحظ الخطابي أن هناك جفوة بين المشتغلين بالحديث وبين المتفقهة فقال عنها: "ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين، والتقارب في المنزلتين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة من كلّ منهما إلى صاحبه إخوانا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين". وقال عن أهل الحديث: "أكثرهم إنما وكدهم الروايات، وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ من الحديث، الذي أكثره موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون، ولا يتفهّمون المعاني، ولا يستنبطون سرّها، ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء، وتناولوهم بالطعن، وادّعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوا من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون"، واستنكر على المحدثين أخطاءهم كما رآها في كتابه (غلطُ المُحدّثين). ثم التفت إلى المتفقهة فقال عنهم: "...، أكثرهم لا يُعرّجون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم، التي ينتحلونها، وآراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف، والحديث المنقطع، إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم. ومما عابه عليهم أنهم يتشددون في الرواية عن أئمة مذاهبهم، وهو ما لا يحرصون عليه في أسانيد الأحاديث، ثم ذكر بعض الروايات المعتمدة عند الحنفية والشافعية دون غيرها لهذا السبب، وقال عن المالكية: "فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه إلا ما كان من رواية ابن القاسم والأشهب وأضرابهما من تلاد أصحابه، فإذا جاءت رواية عبد الله بن عبد الحكم وأضرابه لم تكن عندهم طائلا". وألزمهم العناية بصحة المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من باب أولى فقال: "فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والتثبت ؛ فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم، والخطب الأعظم، وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة، ورسول رب العزة؟.."، مع أن إلزامهم بالتثبت في الرواية لا يحتاج إلى هذه المقايسة. وقال عن بعض المشتغلين بأصول الفقه المازجين لها بعلم الكلام: "...، ولكن قوما عساهم استوعروا طريق الحق، واستطالوا المدة في درَك الحظ، وأحبوا عجالة النيل، فاختصروا طريق العلم، واقتصروا على نتف وحروف منتزعة من أصول الفقه، سموها عللا، وجعلوها شعارا لأنفسهم في الترسم برسم العلم، واتخذوها جُنّة عند لقاء خصومهم، ونصبوها رديئة للخوض والجدال، يتناظرون بها ويتلاطمون عليها...، إلى أن قال: "وقد دسّ لهم الشيطان حيلة لطيفة، وبلغ منهم مكيدة بليغة!!، فقال لهم: هذا الذي في أيديكم علم قصير، وبضاعة مزجاة، لا تفي بمبلغ الحاجة والكفاية، فاستعينوا عليه بالكلام، وصلوه بمقطعات منه، واستظهروا بأصول المتكلمين، يتسع لكم مذهب الخوض، ومجال النظر..."، ولهذا الذي لاحظ من افتتان المتفقهة بعلم الكلام ألف كتابه (الغُنية عن الكلام). ثم ذكر أنه يأمل أن يكون مؤلفه جامعا بين الفريقين المتخاصمين المتجافيين، فقال: "ورجوت أن يكون الفقيه إذا ما نظر إلى ما أثبته في هذا الكتاب من معاني الحديث ونهجته من طرق الفقه، المتشعبة عنه، دعاه ذلك إلى طلب الحديث وتتبع علمه، وإذا تأمله صاحب الحديث رغبه في الفقه وتعلمه". قلت: هذا منهج الخطابي لإصلاح صلة العلماء بعضهم ببعض، في وقت كان همهم العلم وحده، إذ كان حكامهم يكفونهم الشأن العام، وحماية بيضة الإسلام، فكيف بحالها اليوم؟. وكتبه ابن حنفية العابدين يوم 8 شهر صفر 1441 •

الخاطرة ١٨٤

[إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلّمكم] قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: "(إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلّمكم...)"، حصر صلته بهم في صلة الوالد بولده، في إشفاقه عليه، ورحمته به، وخصّ التعليم بالذكر، لأنه الوسيلة العظمى إلى الإصلاح، قال هذا تأنيسا لأصحابه، ورفعا للحرج عنهم وهو يعلمهم آداب قضاء الحاجة، وفتح لهم مع ذلك المجال كي يسألوه عما يحتاجونه. وفيه أن المربي عموما والوالد خصوصا لا يجوز أن يقوم التقدير والاحترام والوقار الذي هو عليه، أو الذي يتكلفه؛ حاجزا بينه وبين من يربيه، بحيث يتحرج أن يُراجعه فيما يعترضه في حياته، ويتأكد هذا في الصغر، ولا سيما وقت مناهزة البلوغ. قال الخطابي رحمه الله عن هذا الحديث هو: "كلام بسيط وتأنيس للمُخاطبين، لئلا يحتشموه، ولا يستحيوا عن مسألته فيما يعرضُ لهم من أمر دينهم، كما لا يستحيي الولد من مسألة الوالد فيما وعرض له من امر"، وهذا الذي قاله يندُر أن يوجد في علاقة الأولاد بوالديهم اليوم، ولاسيما الآباء. والعلماء مع الناس كالصِبية في حجور آبائهم، يرفقون بهم، ويتخيّرون لهم ما يناسبهم مضمونا وشكلا، فقد قيل: إن الربّاني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، لكن خالف بعض المنتسبين للدعوة هذا التدرج، فأدخلوا أتباعهم في متاهات لا قبل لهم بها، فخفت عليهم مُؤنتها، وسهلت عليهم كلفتها، فخبّطوا في أنحائها على غير هدى، وأحسب أنه لا قدرة لهم اليوم على الخروج منها، فكيف بإخراج غيرهم؟، لقد صار -والله- (القادة) مَقُودين، و(المتبوعون) تابعين، هم أسرى المكانة والشهرة. كان لهذا التوجيه النبوي أثر عظيم في إقبال الصحابة رجالا ونساء، صغارا وكبارا على تعلّم دينهم، وأمثلته كثيرة، وفي أمور حساسة دقيقة، بل جنسية كما يقال، منها أن عمر بن أبي سلمة -وهو ربيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم- سأله فقال: "أيُقبّل الصّائم؟" فرد عليه بقوله: "سل هذه"!! أحَالهُ على أمّه رضي الله عنها، فأخبرته أنه يصنع ذلك!! ومنها أن أم سُليم رضي الله عنها سألته عن المرأة تجد البلَل هل عليها غسل؟ لظنّها أن المرأة تختلف عن الرجل في هذا الأمر الخِلقي، فكان سؤالها سببا في ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه القاعدة العظيمة في مساواة النساء للرجال في الأحكام الشرعية وغيرها، إلا ما استُثني، أو عُلم بالحسّ والضرورة، فقال مجيبا: "نعم، إنما النساء شقائق الرّجال". ودخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على علي وفاطمة رضي الله عنهما وقد أخذا مضاجعهما، قال علي رضي الله عنه: ذهبت لأقوم، فقال: مكانكما، فجاء حتى جلس، فوجدت برد قدميه.."، فهل يفعل أحد هذا الأمر اليوم مع ابنته وصهره؟. وفيه أن الوالد يعلم ولده، وهذا يقتضي أن يكون عالما بما يعلمه، والتعليم في سنّ المولود الأولى عملي، عمدته القدوة والملاحظة أكثر مما هو قوليّ نظري، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يُهوّدانه أو يُمجّسانه أو يُنصّرانه، كالبهيمة تنتج بهيمة جمعاء، هل تجدون فيها من جدعاء؟". ويناسب المقام حديث أبي موسى رضي الله عنه في الثلاثة الذي يُؤتون أجرهم مرتين، فإن فيه: "ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدّبها فأحسن أدبها، وفيه أيضا: "فيعلمها فيحسن تعليمها"، ثم يُعتقها ويتزوجها، فجمع ثلاثة أمور تنتظم ما يصلح به الجسم والعقل والنفس، وهو إحسان التربية، وإحسان التعليم، وإحسان التغذية، لاحظ وصف الثلاثة بالإحسان، فأين هذا من المقولة التي فتن بها كثير من الناس، وهي "العقل السليم في الجسم السليم"؟!. 26 شهر الله المحرم 1441. وكتبه ابن حنفية العابدين.

الخاطرة ١٨٣

[الإتحاد الأوربي ضد الانتخابات الرئاسية في الجزائر!] ما الّذي حمل الإتحاد الأوربي على أن يخرج عن صمته الذي التزمه سبعة أشهر؟، لقد نطق فقال: إن الانتخابات المقررة في شهر ديسمبر لا تستجيب لتطلعات الجزائريين!! فمتى كان هذا الاتحاد حريصا على مصلحة هذا الشعب؟، أم أنه كان يؤمّل أن يحصل على ما يريد دون كُلفة هذا التّصريح البارد؟ وهل كان ينتظر أن يقع في بلدنا ما جرى في بلدان أخرى، فيغني ذلك دُهاةَ فتنته أن يبوحوا بهذا الذي تخفيه صدورهم، وقد لا يحقق لهم أغراضهم؟. من يدري؟ لعلهم يخشون أن تنتهج السّلطة المُقبلة نهجا غير مسبوق في الاستقلال، وهذا غير مستبعد على الجزائر بفضل الله تعالى، ثمّ برصيدها وخبرتها بمكر فرنسا العجوز ودسائسها، فإنها على تراجعها العلمي والتكنولوجي ما تزال القطب الثقافي لهذا الاتحاد، وقاطرته المنهكة. إن بلدنا قادرٌ بحول الله على أن يتخطى هذه التبعية التي كبلته سنين عددا، وهو أمر لا يَسرّ هذه الدّول. لمّا لم يتحقق لها ما كانت تؤمل مجانا، ولم يغن عنها وكلاؤها الذين قاموا بالمهمة داخل البلد وخارجه، واستنفذوا الوسائل الخفية قامروا بهذا الذي قالوه. على الجزائريين كيفما كانت مواقفهم من الانتخابات المقبلة أن يُخيبوا آمال هذه الهيئة برفضهم مساندتها فإنها استعمار، لا انتصار. 29 شهرالله المحرم 1441. • •

الخاطرة ١٨٢

[حقيقة التقليد] ممّا قيل في تعريف التقليد أنه "قبول قول الغير بلا حجة"، وهو قسمان: تقليد من اتبع ما لم ينزل الله، وتقليد من اتبع ما أنزل الله، وسيأتي الكلام على الأخير. ومما جاء في ذم الأول قول الله تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَل نَتَّبِعُ مَا أَلفَينَا عَلَيهِ ءَابَاءَنَا‌ أَوَلَو كَانَ ءَابَاؤُهُم لَا يَعقِلُونَ شَيئـًا وَلَا يَهتَدُونَ"البقرة ١٧٠. وقوله: "وَإِذَا قِيلَ لَهُم تَعَالَواْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسبُنَا مَا وَجَدنَا عَلَيهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَو كَانَ ءَابَاؤُهُم لَا يَعلَمُونَ شَيئـًا وَلَا يَهتَدُونَ" المائدة ١٠٤. فيه أن الحق يتبع، ولو لم يعرف الداعي إليه، فكيف إذا كان هو من عُرف صدقه وأمانته؟، فإن هذا وحده حجةٌ على المعارض. وفيه التشنيع على من قلد غير المتّبع لما أنزل الله. أما تقليد المتبع له فليست الآية نصا فيه، لكن تواطأ معظم المفسرين على جعلها وأمثالها حجة في ذم التقليد، وعمدتهم أن المسلم إذا اتصف ببعض صفات غير المسلم، ألحق به، على أن يظل كلٌّ في موقعه إيمانا أو كفرا، إذْ ما فتئ أهل العلم من عهد الصحابة فمَن بعدهم يسلكون هذا الاستدلال، ومن أمثلته ما نزع به عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قول الله تعالى: "وَيَومَ يُعرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذهَبتُم طَيِّبَـٰتِكُم فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنيَا وَٱستَمتَعتُم بِها" الأحقاف ٢٠، ونزع أبو هريرة رضي الله عنه بقوله تعالى: "وَإِذ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم وَٱشتَرَواْ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلاً‌ فَبِئسَ مَا يَشتَرُونَ" ال عمران ١٨٧، ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم "من تشبه بقوم فهو منهم". وقد تضمن السياق برهانين لإبطال التقليد: نقلي، وهو "ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ"، أمروا بالاتباع لأنهم يؤمنون بوجود الله، ويعترفون أنه خالق السموات والأرض، فيلزمهم أن يتبعوا أمره، فكان جوابهم الإعراض، بإضرابهم جملة عما دعوا إليه: "بَل نَتَّبِعُ مَا أَلفَينَا عَلَيهِ ءَابَاءَنَا". والبرهان الثاني عقلي لا يمكنهم نقضه بحال، وهو: "أَوَلَو كَانَ ءَابَاؤُهُم لَا يَعقِلُونَ شَيئـًا وَلَا يَهتَدُون"، ومعناه أيتبعونهم في كل الأحوال من غير استثناء؟ أطلقوا الاعتماد على تقليد آبائهم من غير تفصيل، فأطلق في الإنكار عليهم، مبالغة في كشف تهورهم، حيث تركوا التبصر والتأني فيما ردوا به، وهذا شأن منكري الحق، لا بد أن يكون في أقوالهم ما ينقضها، فإن الحق مَصُون بالنقل الصحيح، والعقل الرجيح، فلا يستقيم قول لمن خالفهما. وقد أومأ السياق إلى أن من الأمور ما لا مانع أن يتابع عليه الآباء العقلاء، وهو ما لم ينزل الله فيه شيئا من أمور الدنيا، مما عمدته التجارب، ومن العادات والأعراف، بل يعتبر العمل بهذا من اتباع ما أنزل الله، لأنه مما عفا الله عنه، توسعة على خلقه، ورعاية لمصالحهم المنوطة بالمتغيرات، وهذا سرّ خلود هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان: ثبات ما لا يصلح للخلق إلا ثباته واستمراره، وتغير ما لا يصلح لهم إلا تغيره وتبدله. ودل السياقان بالمفهوم أن أكمل من يتبع هو العالم العاقل المهتدي المنتفع بعلمه وعقله. وقال تعالى في سياق آخر منكرا عليهم: "أَوَلَو كانَ ٱلشَّيطَـٰنُ يَدعُوهُم إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِير" لقمان ٢١، يعني أيتبعون ما وجدوا عليه آباءهم ولو كان سببا في دخولهم النار؟، فالتقليد من تسويل الشيطان، وهو من أخطر السبل التي يضلل بها الناس، لما لهم من العاطفة إزاء أسلافهم، ورغبتهم في امتداد ذكرهم بتقليدهم، وهو وسيلة إلى النار، فعبر بالمسبب عن السبب. وقال تعالى: "قَـٰلَ أَوَلَو جِئتُكُم بِأَهدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّم عَلَيهِ ءَابَاءَكُم"الزخرف ٢٤، وهذا من أساليب الجدال، وهو إرخاء العنان للخصم، بافتراض صحة ما عليه استدراجا له، لعله يقلع عن الغلوّ، فإن أصر ظهرت مكابرته، وافتضح عناده، وقد حصل هذا بجوابهم إذ قالوا: "إِنَّا بِمَا أُرسِلتُم بِهِ كَـٰفِرُونَ"، فلم يبق غير الانتقام. فإن قلت: لم قال في الإنكار عليهم: "لَا يَعقِلُونَ" مرة، و: "لَا يَعلَمُون" أخرى، وأثبت فيهما معا: "لَا يَهتَدُون"؟ فالجواب هو أن العلم والعقل وسيلتان إلى الهداية، والهداية مقصد، فأين العلم والعقل بدونها! 26 شهر الله المحرم 1441 •

الخاطرة ١٨١

[أهل العلم والسياسة] أجْرت هيئة تُسمّى (البارومتر العربي) سبْرا للرأي في الجزائر، مما جاء فيه أن الجزائريين منقسمون حول الدور الذي يجب أن يلعبه الدّين في نظامهم، فقال 42 في المائة إن الزعماء الدينيين يجب أن يكون لهم رأي في قرارات الحكومة، بينما قال 43 بالمائة إن الدّين مسألةٌ خاصة، ويجب أن تكون منفصلة عن الحياة العامة"، وأعتذر عن إثبات كلمة اللعب كما وردت فإن الدّين لا لعب فيه. لقد فعلت العلمانية في بلاد الإسلام فعلها فلم تعد توجها فكريا نظريا له أقطابه والمنافحون عنه، بل ترسخت في الحياة العامة، وفي إدارات الدول الإسلامية، ونُظم حكمها، وقوانيها، عدا القليل منها، وتسارع هذا الأمر منذ سقوط الخلافة الإسلامية التي كانت شكلية ضعيفة في عهودها الأخيرة، لكن كان لها حضور في الحفاظ على رمزية ذلك الشمول، الذي هو شرع الله لا يختلف فيه مسلمان يعرفان أبسط ما ينبغي أن يعرفا من أمور الدين، كما قال الله تعالى: "يَٰأَيّها ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلاَمرِ مِنكُم فَإِن تَنَـٰزَعتُم فِى شيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُم تُومِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱليَومِ ٱلاَخِرِ ذَٲلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَاوِيلاً"، وقال: "لَقَد أَرسَلنَا رُسلنا بِٱلبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلنَا مَعَهُمُ ٱلكِتَـٰبَ وَٱلمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلقِسطِ وَأَنزَلنَا ٱلحَدِيدَ فِيهِ بَأسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُۥ بِٱلغَيبِ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ". - وجود الإسلام بتشريعاته ونُظُمه في الحياة العامة أغنى الناس عن الكلام على شموليته التي يجب أن يعتمدها كل مسلم، فإن الناس يتأثرون بالفعل أكثر مما يتأثرون بالقول، أما الآن فقد انعكس الحال، فإن من آثار غياب الشرع عن الحياة العامة؛ أن كثيرا من المسلمين استقر في أذهانهم أمر فصل الدين عن الدولة، متأثرين بالواقع كما كانوا متأثرين به من قبل، وانحصر الكلام على شمولية الإسلام في التآليف والبحوث التي لا يطلع عليها إلا الخواصّ، وبناء على هذا الأمر الذي وُجد، فإن من المحافظة على الدين في هذا الجانب الذي يمسّ الاعتقاد أن يعنى بالحديث عنه ليملأ الفراغ الذي أحدثه تنكّب الحياة، وهذا ما لم يُنتبه إليه، بل إن السعي حثيث لجعله أمرا مُسلّما، والغريب أن تتعاضد عليه جهود العلمانيين المُنظّرين، والجاهلين من المسلمين، والمتعالمين. ولما اعتاد الناس عدم تكلم المشتغلين بالدعوة في شؤون السياسة بالقدر الذي يهدم هذا الجدار الوهمي الذي بناه الجهل بحقيقة الإسلام، أو المكر من أعدائه؛ صار حديثهم عن شؤون السياسة نشازا، بل مُستهجنا، لكن لا بأس أن يختلف الكساء الذي تُلفّ به هذه الطّلبة، فلِمَ لا يكون هو المحافظة على الدعوة أن تبتذل أو ينفر منها الناس؟، وقد يكون لأن المشتغل بالدعوة لا يعرف واقعه فلا يصيب الحق فيما يقول، وقد تصل المنتهى، وهو أن الدين لا شأن له بهذه الأمور. دفعني إلى كتابة هذا المنشور الاعتقاد الذي عليه هذا العدد من أبناء أمتي في فهمهم لدينهم، ولأن فريقا من إخواني لهم رأي يخالف ما ذهبت إليه في المحنة التي نعيشها، وأبَنْت عنه في المنشور ذي الرقم ١٨٠، فلم أضِق ذَرعا برأيهم، لكني تألمت لذكر أشياء ليست إلا في مخيلة المتعقبين والمنتقدين، أخص منها بالذكر إشفاق بعضهم أن أفقد مكانتي التي اتجهت إلى الصعود!! عجبا، لكأني قائد حزب أبحث عن المناصرين، ومن لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مهانة، ومن الفرى نسبتي إلى الغلو في الطاعة كما قالوا، ولو شئت أن أسرد مواقف لي تعد بالعشرات على مدى أربعين سنة تدحض هذه الفرية لفعلت، ويكفي في ردّها أن فريقا آخر من الناس قد نصب لي العداء ودأَب على الطعن والقدح بسبب هو نقيض ما قاله هؤلاء، فبأي القولين نأخذ؟، وأعوذ بالله أن أستخف بهذا الباطل، لأقع في باطل آخر هو الاعتداد بالنفس، فاللهم جنبني شر نفسي وسيئات عملي. 21 شهر الله المحرم 1441.بن حنفية العابدين Top of Form   •

الخاطرة ١٨٠

[لابد من تنصيب رئيس] الصّراحة التي انتهى إليها بعض المسؤولين في التعامل مع الأحداث لم يجدوا بُدًّا منها، كان يمكنهم أن يكتفوا بالإيعاز والإيحاء والإشارة، وأن يُسيّروا الأمور من وراء وراء، لكن لما تكرّست تلك المقولة الشعبية وهي (الحر بالغمزة، والبرهوش بالدبزة). لم يجدوا بُدا من هذا الذي اصطنعوه، والحق أني كنت أتوقع هذا المسلك المتدرج المتصاعد بمتابعتي لمراحل هذا المسار الذي لم يُقدّره بعض الناس قدْره، أولئك الذين لا يُرضيهم شيء، ويشككون في كل شيء، لكأنهم قد انتحلوا مذهب الشك الديكارْتي!!. أَوَلاَ تعْجب أن يتحدث كل الناس في الشأن العام، ويُبدئوا فيه ويعيدوا، إلا المنتمين للمؤسسة الفلانية فإن حديثهم يحظُره الدستور، ويسهر على تطبيقه في هذه النقطة عوام الناس، والمانع أن مهمتهم منحصرة داخل أسوار الثكنات لدرء الخطر الآتي من خارج البلد، على أن يدَعوا غيرهم يصنعون بالبلد ما يريدون، وهل يتوفر الأمن الموكول إليهم بدون الأمن الذي يحظر عليهم الكلام فيه؟. لو سألتني هل تقبل إجراء الانتخابات الرئاسية؟، فسيكون جوابي نعم. ولو سألتني ما الذي تنتظر تحقيقه من وراء هذه الانتخابات؟ فجوابي أن الظن غالبٌ بتحقق الأمور الآتية: -تحسّنٌ كبير في تنظيم شكل الحكم. -الشروع لأول مرة في إقامة مبدإ التداول على السلطة. -السير نحو التمثيل الانتخابي الفعلي. -الابتعاد عن التعديلات العشوائية للدستور. -عودة بعض الاعتبار لتولي المسؤوليات في الدولة - تجسيد مبدإ (المسؤولية تكليف لا تشريف). - تحسّنٌ معتبر في الحفاظ على المال العام. -قلة التأثير الخارجي ولاسيما الفرنسي على أوضاع البلد. -تقوية مبدإ تكافؤ الفرص بين المُتساكنين. -تحسن طفيف في الجانب السلوكي والأخلاقي. -عودة بعض الاعتبار للغتنا العربية. ولو قلت لي: أنت تزكي بهذا ما يسمى بالديمقراطية!، فجوابي أني أتعامل مع واقع لا مناص لي منه، وإن كنت أكره الكثير من مظاهره، وأتحسر لأن أمنيتي لم أرَ شيئا منها يتحقق، فأنا مع واقع الحكم في بلدي كما قال القائل: الشيب كره وكره أن نفارقه ** فاعجب لشيء على البغضاء محبوب!! ما يرضيني هو أن أرى ما أعلمه من ديني مقاما في الحياة، لكن من قواعد ديني أن تدفع المفسدة العظمى بما دونها عند التزاحم، والله الهادي. 20 شهر الله المحرم 1441. وكتبه بن حنفية العابدين.

الخاطرة ١٧٩

[أيسر طريق وأنفعه في تعليم العقائد] أيسر طريق وأنفعه في تعليم العقائد؛ ذكرُ نصوص الكتاب والسنة، وبيان معانيها، فإنها تكاد تستقل بالدّلالة على ما يُحتاج إليه، والابتعاد عن المواضعات الكلامية، مهما كان بريقها ولمعانها، وشغف أصحاب الفكر بها، إلا عند الضرورة . وقد رجع إلى هذا كبار النّظّار، وأرباب الجدل، ومقالاتهم في هذا معروفة، ومن ذلك ما قاله أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ** وسيّرت طرْفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كفّ حائر ** على ذقن أو قارعا سن نادم !! . ومن أمثلة ذلك الكلام على مشيئة الله تعالى . فإذا رمت بيان شمول مشيئة الله تعالى كل ما وقع ويقع في المخلوقات؛ فاقرأ قوله سبحانه: "وَلَولَا إِذ دَخَلتَ جَنَّتَكَ قُلتَ مَا شَاءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ‌"، أي ما شاء الله كان، على أحد القولين . وإذا أردت الرد على من رتب على هذه المشيئة الجبر؛ فاقرأ قول الله تعالى: "وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَـٰهُمۡ فَٱستَحَبُّواْ ٱلعَمَىٰ عَلَى ٱلهُدَىٰ فَأَخَذَتهُمۡ صَـٰعِقَةُ ٱلعَذَابِ ٱلهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكسِبُونَ" وإذا أردت رد قول من احتج بمشيئة الله على المعصية؛ فاقرأ قول الله تعالى: "سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشرَكُواْ لَو شَاءَ ٱللَّهُ مَا أشرَكنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمنَا مِن شَىءٍ‌ كَذَٲلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأسَنَا قُل هَل عِندَڪُم مِّن عِلمٍ فَتُخرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِن أَنتُم إِلَّا تَخرُصُونَ"، وإنما أنكر الله عليهم ذكر المشيئة هنا لأنهم احتجوا بها على رد شرعه وأمره ونهيه، بل جاء في كلامهم الإقرار بأنهم مختارون: "وَإِذَا تُتلَىٰ عَلَيهِم ءَايَـٰتُنَا قَالُواْ قَد سَمِعنَا لَو نَشَاءُ لَقُلنَا مِثلَ هَـٰذَا إِن هَـٰذَا إِلَّا أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ". وإذا رُمت الاحتجاج على أن الله يفعل ما أراده؛ فاقرأ قول الله تعالى: "وَلَو شَاءَ ٱللَّهُ مَا ٱقتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعدِهِم مِّن بَعدِ مَا جَاءَتهُمُ ٱلبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱختَلَفُواْ فَمِنهُم مَّن ءَامَنَ وَمِنہُم مَّن كَفَرَ‌ وَلَو شَاءَ ٱللَّهُ مَا ٱقتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفعَلُ مَا يُرِيدُ"، وقوله: "فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ". وإذا أردت سياقا يجمع مشيئة الله هذه، وكون المكلف مختارا فاقرأ قوله تعالى: "إِن هُوَ إِلَّا ذِكرٌ لِّلعَٰلَمِينَ لِمَن شَاءَ مِنكُم أَن يَستَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلعَٰلَمِينَ". فمشيئة الله قسمان: كونية قدرية، وهي تشمل ما يحبه الله ويرضاه، وما لا يحبه ولا يرضاه، والثانية تكليفية شرعية، ولا تكون إلا محبوبة لله مرضية عنده، وبناء عليه تذكر الصور الأربعة التي تجمع القسمين إثباتا ونفيا، فقد يريد الله الشيء ولا يرضاه، وقد لا يريده ويرضاه، وقد لا يريده ولا يرضاه، وقد يريده ويرضاه، فالأول ككفر أبي لهب، والثاني كإيمانه، والثالث ككفر أبي بكر رضي الله عنه، والرابع كإيمانه. وأثبت هنا واقعة جرت بين عمرو بن عبيد أحد رؤوس المعتزلة الذين ينكرون مشيئة الله العامة، وبين مجوسي: "قال ابن نوران الواعظ بمدينة السلام في المدرسة على الكرسي: "كان عمرو بن عبيد في سفينته، فاجتمع فيها معه رجل من المجوس، فقال له عمرو: "يا هذا، أسلم، فقال: "لو أراد الله تعالى لأسلمت، قال: "هو يريد، لكن إبليس لا يريد، فقال المجوسي: "فإذا أكون مع الشريك القوي، لأن الله تعالى إذا أراد ولم يكن، وإبليس لا يريد ويكون، فإرادة إبليس أقوى"!! أورد القصة البلقيني في تذكرته . - ذكر مثل هذه الأمور في حلق العلم وكتبه من غير بيان أمر ضار . - المجوسي يعرف عقيدة عمرو بن عبيد . - احتج المجوسي على عمرو بمذهبه . - لا يجوز أن يذكر هذا ومثله في الطّرف والملح . وكتبه ابن حنفية العابدين 17 شهر الله محرم 1441

الخاطرة ١٧٨

[مدينة سامرا] سرمن رأى مدينة في العراق كانت قاعدة ملك العباسيين ابتداء من عهد المعتصم بالله، وكان آخر من انتقل منها إلى بغداد من الخلفاء العباسين المعتمد على الله. وأصل سرمن رأى (القاطون) التي بناها الرشيد، ولم يستتمّها، فخربت، فجددها المعتصم، وسماها سرمن رأى، ثم (رخم) استعمال الناس هذا الاسم فصار سامرا . وسبب بناء المعتصم لها ونقله قاعدة ملك العباسيين إليها ذكره ابن خلدون في تاريخه، وهو أن المعتصم اصطنع قوما من أهل الحرف بمصر، وآخرين من سمرقند وغيرها، وأنهم كانوا يركضون الدواب في الطرق، فيصدمون النساء والصبيان، فتأذى العامة بهم، ونكروه، وربما أسمعوا النكير للمعتصم، فعمد إلى بناء القاطون سنة عشرين ومائتين . وقد ذكر السبب المباشر لانتقال المعتصم إلى سامراء في ذيل تاريخ بغداد لابن النجار، وأورده البلقيني في تذكرته، وفي الخبر خوف الحاكم من دعاء المظلوم، مع ما قد يكون عليه من النقص، والعسف، وإن كان الخير أن يدعى للحاكم بالهداية والصلاح كما قال الفضيل: "لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في إمام، لأن صلاح الإمام صلاح البلاد والعباد". والسبب هو أن أهل بغداد اجتمعوا إلى المعتصم، واستأذنوا عليه، فأذن لخمسة منهم، فتقدم شيخ طويل اللحية، فقال له الحاجب: "تكلم وأوجز"، فقال: "قل لأمير المؤمنين انتقل عنا فإنا لا نساكنك، ولا نرضى بجوارك"، فقال المعتصم: "وإلا فإيش"؟، فقال: "نقاتله"!!، فقال: "قل له: بم تقاتلون"؟، قال: "بالسبابات في السَّحَر: سهام الليل"!، قال: "فبكى المعتصم، وقال: "لا طاقة لي بسهام الليل"، وارتحل من بغداد وسار واحدا وعشرين فرسخا، وابتنى سرمن رأى فكان فيها إلى أن مات" . وكتبه بن حنفية العابدين 16 شهرالله المحرم 1441

الخاطرة ١٧٧

[الفيضانات وسوء التسيير والتخطيط] اعتاد منظموا ملتقيات الفكر الإسلامي في وزارة الشؤون الدينية أن يبرمجوا استضافة أهل منطقة للملتقيات، وحصل هذا في الملتقى المنعقد في مدينة تمنراست في السبعينيات من القرن الميلادي الفارط . تهاطلت الأمطار ذات يوم بغزارة، فداهمتنا في فندق (تنيهنان) العتيق، كانت أرضيته منخفضة عن السطح على عادة البنايات في بعض مناطق الصحراء، طلبا للبرودة، فتشاورت مجموعتنا: هل نلبي الدعوة أم لا؟ . كانت السيول قد فصلت المدينة قسمين، فمن أراد العبور فعليه أن يشمر إلى الركبتين، أو أعلى، ففعلنا، واستقبلنا صاحب الدار مُرَحّبا، فما هالنا إلا جدران ردهة منزله الواسعة تريد أن تنقض، فإن معظم البنايات كانت من غير أسس لعدم الحاجة إليها، ومع ذلك أصر على أن ندخل، فجلسنا لحظة وقد ركبنا الخوف أن ينهار المنزل على رؤوسنا، كيف ونحن نسمع صوت تشقق الجدران، فأطعمنا كبد الشاة التي ذبحها، ثم اعتذرنا وانصرفنا . كان مما علمناه عن المنطقة التي غمرتها السيول، فصيّرت العامر غامرا، والمعلم مجهلا؛ أن الناس قد تواطأوا على أن لا يبنى فيها، لأنها ممر السيول التي لا ينضبط لها وقت، وقد تغيب سنين، ومع هذا شملها مخطط تعمير المدينة حين أريد تحديثها، فكان الذي كان . يبدو أن البالوعات ومجاري المياه في بعض مدننا أوهى من هذا النؤي الذي وقف عليه زهير بعد عشرين عاما، فوجده لم يتثلم، قال: وقفت بها من بعد عشرين حجة ** فلأيا عرفت الدار بعد توهم أثافيَّ سُفعا في مُعرَّس مرجل ** ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلَّم . ضعف قنوات الصرف لا يخفى على عوام الناس، لكأنها أعدت لمناطق لا تعرف نزول الأمطار، وأهون ما عليه معظمها أن أغطيتها من غير ميزان، تارة تكون وسط الطريق، وتارة على الرصيف، وكثيرا ما تكون نازلة عن مستوى الطريق، أو مرتفعة عنه، فليصبر أصحاب المركبات، وقد يذهب الناس يبحثون عن مخطط هذه المجاري ليحفروا في الموضع المناسب؛ فلا يعثرون له على أثر في مصالح البلدية، فيفيدهم بعض السكان في معرفة الموضع ما لا تفيدهم المجالس التي انتخبوها. من أطرف ما قرأته يوم أمس أن أحد الصحفيين المرموقين (في تخصصه) وقد مات رحمه الله؛ عُين مستشارا لوزير الأشغال العمومية والبناء قبل مدة، فسأله أحد المقربين إليه: ما المهمة التي كنت تقوم بها لتساعد الوزير؟، فقال: "عندما يتعب الوزير من الحديث عن الحديد والأسمنت، أقرأ له الشعر لتهدئة أعصابه، وأحثه على إنجاز سكنات أكثر إنسانية"!! . 14 شهر محرم 1441

الخاطرة ١٧٦

[عن سوء التخطيط] كان هم الإدارة قبل انهيار أسعار البترول منصرفا إلى إنجاز المنشآت، من غير التفات إلى الأموال المنفقة عليها، لوفرتها بحجم لم يسبق له مثيل، ومما كان معمولا به تقديم نسبة من التكاليف إلى المقاولين بمجرد رسو الاختيار عليهم، على أن يعاد تقويم التكلفة كل سنة بنسبة أثني عشر (12) بالمائة، وربما عد مقاولا من لا يملك شيئا غير كونه صاحب حظوة عند المسؤول الفلاني، فيكون واسطة إلى المقاول العامل. فلما انهارت أسعار البترول سنة 1984 ظهر مصطلح غريب في وزارة المالية (كتابة الدولة للخزينة)، وهو (تطهير مدونة المشاريع)، يقصد به شطب تلك التي لم يشرع فيها بعد، وليست من المنشآت التي لا بد منها كما يقدره المختصون في نطاق المخطط الخماسي 1980/ 84. وقد ارتكبت مخالفات جسيمة غطاها هذا المصطلح الذي طال منشآت تجاوزت مرحلة مكاتب الدراسات، وشرع في إنجازها بنسبة خمسة بالمائة أو أكثر، ومما طاله (التطهير) في ولاية معسكر خمسة مساجد كبرى، مع كل منها مدرسة قرآنية، ومسكن، ومركز ثقافي إسلامي، ومعهد لتكوين الأئمة، فما الذي منع المسؤولين يومئذ من الإبقاء على المنشآت التي شرع فيها إلى أن يتأتى إكمالها حين يتيسر الأمر؟ . ذكرت هذا وأنا أدخل مدينة سعيدة اليوم، كشأني كل أسبوع، فأمر على نفقها الذي أنجز في مدخلها الشمالي قبل سنوات، واستغرق إنجازه نحو السنتين، ثم صار الخلل ملازما له كلما نزل المطر ولو قل، كأنه مرض مزمن أعيا الأطباء علاجه، وقد كان اليوم مقفلا، لأن شيئا من المطر قد نزل، والحق أن إقفاله وفتحه سواء لندرة من يستعمله في غالب الأوقات . والغريب أنه بعد إنجاز هذا النفق أعيد إغلاق الطريق كرة أخرى أزيد من سنة لإنجاز ممر سفلي في الموضع نفسه، فلم لم ينجز المرفقان معا، فتقل التكلفة، ويختصر الوقت؟، وأين الدراسات؟. ومن الذي قام على دراسة إنشاء الطريق الجانبي السريع باتجاه الجنوب غرب مدينة سعيدة قبل سنوات؟، فلم يراع المخطط العمراني لتوسع المدينة غربا، فيكون الطريق خارجه ليتحقق الغرض من إنشائه؟، لقد صار اليوم هذا السريع بطيئا ومتعبا، لأن البنايات قد تجاوزته، فلم يعثر على علاج لتخفيض سرعة السيارات غير الممهلات التي بلغت العشرات على مسافة تجاوزت الكيلومتر بقليل!!. صار إنجاز كثير من هذه الأمور تقليدا إداريا يبرهن به بعض المسؤولين عن خدمتهم للمنطقة دون دراسة جدوى، ولا مراعاة للحاجة، ولا أستثني من ذلك قطر المدينة في بعض الحواضر، حتى أضواء تنظيم المرور شملتها هذه المنافسة، فصدق عليها المثل الشعبي "دير كما دار جارك، والا بدل باب دارك"، وهل نسيت محلات الرئيس؟!! . 8 شهر محرم 1441 .

الخاطرة ١٧٥

[حقيقة دعاة العلمانية] تقوم العلمانية على مبدإ فصل الحياة العامة وعمل السلطة عن الدين، وهو عند دعاتها لا يتعدى الصلة الخاصة للإنسان بالله، بل هي مضادة له كما يدل عليه اسمها (اللادينية)، وهو الأولى بها . ومنطلقها تحديد قاصر ضيق لمعنى العلم، فهي تجعله مقابلا للدين، كل في كفة، ويتجاهل معتنقوها أن الإسلام نظام يشمل جوانب الحياة كلها، والعلم - بمعناه عندهم - جزء منه، وهي تتناسى أن حضارة الإسلام التي عمرت قرونا كان قطب رحاها والمهيمن عليها ومحركها هو الإسلام، وأن العمل للدنيا والآخرة جرى على مدى قرون في تناسق وتوازن ينعدم نظيره عند المتقدمين فضلا عن المتأخرين التائهين، فأين منه حضارة اليوم؟، فاللادينية تتجاهل هذا البرهان التاريخي القاطع، ونحن والله جازمون بحصوله كرة أخرى قبل نهاية الحياة، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله . لقد ألغت العلمانية كل سبل المعرفة من الفطرة والإلهام والوحي وغيرها، ولم تقم وزنا للأخلاق والقيم، وحصرت اهتمامها في العلم المعتمد على تجارب الناس وأفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم، فقصارى أمرهم أن يعلموا بعض ظاهر الحياة كما قال الله تعالى: "يَعلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَهُم عَنِ ٱلأَخِرَةِ هُم غَـٰفِلُونَ"، وهي تسعى لتسلم البشرية مصيرها إلى أمثالهم من الحمقى يتلاعبون بها، وينقلونها من رأي إلى رأي، ومن هوى إلى مثله، أو أقبح منه، وحال البشرية اليوم شاهد على ذلك، وقد قال الله تعالى: "فَلَمَّا جَآءَتهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلبَيِّنَـٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلعِلۡمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَستَهزِءُونَ" . يفسر أصحاب هذه اللوثة العقلية الأحداث تفسيرا ماديا بحتا، ويقفون حيارى في صلة تدبير الله تعالى شؤون الكون وحركته وأحداثه بتدبيره التشريعي التكليفي للعقلاء من المخلوقات، فيسلمون للأول راغمين، أو يضطربون في تفسيره، وأما الثاني فينكرونه فيتناقضون، فأنى يصرفون ؟ . أما المسلمون فيجزمون أن كلا الأمرين حكم الله، ومن البرهان عليه أن من لا يملك أجله ولا طول قامته ولا لون بشرته ولا ما يحصل له بعد اللحظة التي هو فيها، ولا غير ذلك من شؤونه، فهو عبد ولا بد بالاضطرار، وإن زعم أنه حر، هو في هذا القسم كالآلة تصنع، فيكون صانعها أدرى بحالها وما تصلح به، فينبغي اتباع تعليماته في استعمالها، وإلا كان المآل الدمار والخسران . مدبر حالتك الأولى التي لا خيار لك فيها أيها العلماني الضال هو من دبر حالتك الثانية، فإن زعمت أنك فيها حر؛ فقد كذبت وتناقضت، فاخرج إن استطعت من تلك الحتمية كما تسميها، ولست بخارج منها. إذا نادى العلماني بالدولة المدنية فمراده ما سبق ذكره من مبادئ دينه، وعامة الناس لا يفقهون هذا المعنى، هم يريدون بها أن يحكمهم غير العسكريين، لكنهم يلتقون مع العلمانيين على هذه الكلمة، ثم يختلفون فيما وراء ذلك، وعند كتابة المواثيق والدساتير يتولى أولئك الضلال تدوين ما يريدون، ثم لا تغني عن الناس تلك الكلمة البراقة (السلطة والثروة بيد الشعب). إنهم يتحركون بالجماهير التي تجهل حقيقتهم، ويتسترون بها للوصول إلى ما يرغبون، ثم تكون الكلمة لهم فيحكمون الشيطان، وأقرب مثال على هذا ما جرى في السودان، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، يسكتون على حكم العسكريين والمستبدين والطغاة إذا تحققت أغراضهم . لقد بين علماء الإسلام ومفكروهم تهافت العلمانية وكشفوا ضلالاتها بما كتبوه وقالوه، فباضت وفرخت، ولبست أثوابا أخرى تستهوي الجاهلين، كشعارات الحرية، والديمقراطية، والليبرالية، والحداثة، وسرت في مجتمعات المسلمين، حتى الذين يدعون الإسلاميين، نسوا دينهم، وصار الحديث عنه منفرا في نظرهم لمن يتحالفون معهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. استبدلت هذه الكلمة ببقية الرد على المسمى محي الدين كشاشة لأني علمت أن بعض إخواني قد كفاني ذلك، ولأنه باعتبار دراسته الجامعية في علوم الشريعة ليس مغررا به، بل هو ممن استحب العمى على الهدى، فكان الكلام على دينه العلمانية الذي اختاره أولى، "وَٱللَّهُ يَدعُواْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٲطٍ مُّستَقِيمٍ". 7 شهر محرم 1441

الخاطرة ١٧٤

كثيرا ما يضيق المرء بحاله، ويتبرم به، فيجِدّ في تغييره، أو بصديقه، فيستبدل به غيره، أو بمدينته، فينتقل عنها، غير متبصر ولا مترو، يرغب أن يجد خيرا مما هو فيه، ثم لا يكون الأمر كما أمل وقدر، فيندم، ويتمنى أن يعود لما كرهه، وقد لا يستطيع، يحصل هذا للأفراد، كما يحصل للجماعات، يؤزها جور الحكام، وفشو الظلم، أو ضيق العيش، أو موازنة حالهم بحال غيرهم . فتمني التغيير سهل، وبلوغه عسير، لأن له سننا لا تقوم بالتمني، ولا تتحقق بالتشهي، فاختر الوسيلة، حتى لا يجتمع فسادها إلى خيبة النتيجة، وتريث في الحركة، وقارب الخطو، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى، وقد قيل: ما كل ما يتمنى المرء يدركه ** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن . قد يدرك ألمتأتي بعض حاجته ** وقد يكون مع المستعجل الزلل جاء في تاريخ دمشق أن ابن عرادة السعدي كان مع سلم بن زياد بخراسان، وكان مكرما له، وابن عرادة يتجنى عليه إلى أن تركه، وصحب غيره، فلم يحمد أمره، فرجع إليه وقال: عتبت على سلم فلما فقدته ** وصاحبت أقواما بكيت على سلم رجعت إليه بعد تجريب غيره ** فكان كبرء بعد طول من السقم 5 شهر محرم 1441

الخاطرة ١٧٢

[بشروا ولا تنفروا] أمّتُنا عظيمة، والخير فيها كثير باق، والعمل للإسلام يمضي حثيثا مستمرا، هي خير أمّة أُخرجت للناس، أمّة مرحومةُ، على عُجرها وبُجرها، فليقلع عن صنعه من اعتاد التهوين من شأنها، وأعمالها، وجهود دعاتها وعلمائها، فلِمَ نبخس العاملين حقوقهم؟، ولِم نقنّط الناس ونؤيّسوهم؟ . كما نحرص في التكليف على إبراز التيسير، فلنحرص في تقويم الأعمال، وبيان الحال على التبشير، ليكن من جهودنا -لاسترجاع الأمة ثقتها بنفسها- التنويه بكل عمل نافع تراه في الدين أو الدنيا، ولنبعث الغيرة على الإسلام في نفوس الأفراد ، نذكرهم بأنهم مسلمون، كل منهم داع إلى الله، فيما يعلمه من دينه، بل وفيما ينجزه من الأعمال لخدمة أمته، في أي موقع كان، فلينل كل مسلم شرف الدعوة بعمل ما. ارتفاع صخب أعداء إلإسلام، واشتداد كيدهم ومكرهم؛ مرده إلى شعورهم بحبوط أعمالهم، وضآلة عوائدها، وتنامي جهود الأمة في شتى الميادين، وصمودها واستمساكها بالحق أمام هذه الأمواج العاتية من الغزو المتنوع، مع أن هذه الجهود في الغالب ليس وراءها حكم داعم، ولا تطبيق في الحياة العامة يجسد ما يعتقده المسلمون، أما الآخرون فإن أنظمتهم قائمة على ما إليه أهل الباطل يدعون . نحن أكثر أهل الملل عددا، نناهز 1.8 مليار، نسبتنا إلى غيرنا هي 1: 4 تقريبا، لو كنا في ساحة الوغى لجاز لنا الفرار فيما لو تكافأت الأسلحة والمعدات، فكيف بهذا التفاوت في أنواع قوى العصر المتنوعة المتشابكة المترابطة؟ ولنضع في الحسبان أن معظم المسلمين يجهل دينه، أو يسيء إليه من حيث يحسب أنه يحسن، أو هو معدود في المسلمين مع أنه منافق يمكر ويكيد، أو ليس له من الإيمان إلا ما يصحح به العمل كما قال الله تعالى: "قَالَتِ ٱلاَعرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّم تُومِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسلَمنَا وَلَمَّا يَدخُلِ ٱلاِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُم وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتكُم مِّن أَعمَـٰلِكُم شَيئًا إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، مع كل هذا فأمّتنا لم تفر، هي تجاهد بتوحيد الله، وبالأعمال الصالحة، وبالمال، وبالألسنة، والأقلام، وبالأنفس عند الاقتضاء. مهما كان انتقادنا لوضعنا، وكيفما كان طموحنا إلى ما هو أليق بنا من الرقي؛ فلا يصح أن ينقلب هذا الطموح إلى تثبيط العزائم، وتوهين الجهود، ومن قال "هلك الناس فهو أهلكهم" . إن كان مرد التذمر إلى مستوى المعيشة والخدمات ووسائل الترفيه فإن هذا راجع إلى درجة التسخير المنبئة عن مدى التقدم العلمي والتكنولوجي، الذي يتعين علينا أن نغالب فيه غيرنا، وليس في ديننا ما يصد عنه، بل فيه ما يحث عليه، تخلفنا في هذا آت من تقصيرنا وتقاعسنا، على أن الغرض منه عندنا ليس الاستكثار من متع الحياة التي صارت لكثير من المسلمين فتنة، ينبغي أن نستشرف ما وراء ذلك مما نرجوه من الله ولا يرجوه غيرنا: "إِن تَكُونُواْ تَالَمُونَ فَإِنَّهُم يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرجُونَ‌". ستجد في وصية نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنهما حين بعثهما إلى اليمن أميرين؛ هذا الذي أدعو إليه، فقد قال لهما: "يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا"، بل أمر المسلمين قاطبة بقوله: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا"، وجاء "وسكنوا"، فليلتزم هذا المنهج المتفائل المتعالي على النقائص والجراح؛ كل مسلم بحسب موقعه، أو ليس هو مسؤولا عن دينه كما يسأل عن ربه ونبيه؟ وهل ينفعه جوابه عن دينه بذكر اسمه وهو الإسلام فحسب؟ إنما أمر نبينا بالتيسير ونهي عن ضده وكرر ذلك مع التبشير والتطاوع حتى تستمر مراعاة هذه الأسس وتدوم، فتكون منهجا واسلوبا، لا تصرفا محدودا عابرا، فلنقرن الجوانب المظلمة في أمتنا بالمشرقة منها، وما أكثرها، هذا هو منهج القرآن، فليذكر التقصير مشفوعا بالتوفية، والمعاصي بالطاعات، والبخل بالعطاء، والعري بالتستر، والتنكب بالاستقامة، والشرود بالفرار إلى الله، ولنذكر قول ربنا: "فَإِنَّ مَعَ ٱلعُسرِ يُسرًا (٥) إِنَّ مَعَ ٱلعُسرِ يُسرًا"، فلنفتتح بهذه المنهج الجديد، عامنا الهجري الجديد . 1 من شهر الله المحرم 1441  الخاطرة (١٧٣) [هل يناقض العلم القرآن] أطْلَعني اليوم بعض إخواني على منشور لشخص يُدعى: محي الدين كشّاشة، ذكر فيه أنه في الأمور العلمية يتّبع العلم، وأنّه لا يتّبع القرآن، ثم كتب أن الذي دفعه إلى ذلك أمور تسعة، فرأيت الإجابة عنها باختصار، مقتصرا على بعضها لأنه يُغني عن الباقي للترابط الذي بينها، وسأفترض فيما أكتبه أني أخاطب مسلما، فأُحاجّه بما يُحاج به المسلمون، فإن مجادلة المسلم غير مجادلة غيره، وإن كان فيما كتبه ما يثير الريبة في إيمانه، والعلمانيون ليسوا في درجة واحدة من الضلال. صاحب المنشور لم يبين المراد من العلم الذي قال إنه لا يرجع فيه إلى القرآن، لأن القرآن وإن كان مبناه كلّه على العلم بمعناه الشامل، إلا أنه لم ينزله الله لنتعلم منه النظريات الرياضية والفيزيائية والكيميائية وغيرها من العلوم المبنية على التجربة والبحث والاستقراء، فإنها متروكةٌ للإنسان ينال منها بقدر جهده وبحثه، يستوي في ذلك المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر، فإن الدنيا لا يعطاها المؤمن لإيمانه، ولا يحرمها الكافر لكفره، بل يصل كل منهما فيها إلى درجة من التسخير بحسب جهده ودأبه: ("كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلَاءِ وَهَـٰؤُلَاءِ مِن عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحظُورًا")، الإسراء. فما حاجة هذا الشخص إلى هذا القول إذن؟. ومع هذا فإنّ في القرآن من الحث على النظر والاعتبار والتدبر والتفكر في خلق السموات والأرض وفي الأنفس والآفاق ما لا يسع المقام ذكر بعضه، ومن ذلك قول الله تعالى: "إِنَّ فِى خَلقِ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلَاَرضِ وَٱختِلَـٰفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلفُلكِ ٱلَّتِى تَجرِى فِى ٱلبَحرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحيَا بِهِ ٱلَاَرض بَعدَ مَوتِها وَبَثَّ فِيهَا مِن كلِّ دَابَّةٍ وَتَصرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلمُسَخَّرِ بَينَ ٱلسَّمَاءِ وَٱلَاَرضِ لَأَيَـٰتٍ لِّقَومٍ يَعقِلُونَ". أما ما فيه من إشارات علمية وهي كثيرة؛ فالمقصود منها أنها من جملة البراهين والآيات لإقامة الحجة على الخلق بربوبية الله وإلاهيته واستحقاقه العبادة وحده، وعلى علمه وقدرته وقيّوميته، وليس المقصود أن يتعلم الناس منها هذه العلوم، وقد تتبعها العلماء المتخصصون وأبرزوا ما فيها من إعجاز علمي. والمؤمن مع ذلك ليس بحاجة في تصديقه إلى شيء من هذا، كما قال الله تعالى: "سَنُرِيهِمو ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلاَفَاقِ وَفِى أَنفُسِهم حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمو أَنَّهُ ٱلحَقُّ‌ أَوَلَم يَكفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىءٍ شَهيدٌ"، فصلت. وقد يكون الإغراق في بحوث الإعجاز صارفا عما أنزل القرآن له، وهو أنه كتاب هداية عامة للناس، كما قال الله تعالى: "شَهرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلقُرءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلهُدَىٰ وَٱلفُرقَانِ‌" البقرة، وقال تعالى: "إِنَّ هَـٰذَا ٱلقُرءَانَ يَهدِى لِلَّتِى هِىَ أَقوَمُ". الإسراء.  وقوله إنه لا يتبع القرآن في أمور العلم قصر للعلم على بعض مدلوله الذي هو العلم المرتبط بالمادة، وهذا شأن العلمانية. والأجدر أن تسمى باللادينية وباللائكية، على أن العلم المعاصر قد هدم أصل العلمانية هذا، إذ أثبت أن الأصل هو حركة المادة لا المادة، كما دلت على ذلك بحوث الذرة وما فيها من تفاعل عناصرها وحركات أجزائها من النيوترونات والبروتونات وغيرهما. ومع ذلك فقوله بعدم أخذ العلم من القرآن مستقبح شنيع، لأنه يشير إلى أن القرآن فيه ما يخالف العلم، وهذا مُتعذر، بل مستحيل، إذ كيف يكون في كلام الله وهو الخالق الذي أحاط بكل شيء علما ما يخالف الحقائق العلمية، وما يتوصل إليه المخلوق من الاكتشافات وأسرار المخلوقات؟ ولو قيل عن منتج سيارة إنه لا يعرف قطع غيارها لكان ذلك نقصا فيه، ولله المثل الأعلى، وقد قال الله تعالى: "أَلَا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلخَبِيرُ" الملك. وقال: "قُل اَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعلَم ٱلسِّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلاَرضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَّحِيمًا". الفرقان والمقرر عند علماء الإسلام أنه لا تعارض بين النقل الصحيح والحكم العقلي الصريح، وما يظهر من التنافي فمَردّه إلى عدم صحة النقل، وليس في القرآن شيء من هذا، فإنه قطعي الثبوت، أو لخلل في الفهم، وفهوم الناس ليست حجة على القرآن، أو كون الحكم العقلي راجعا إلى الهوى أو الشبهة أو الشهوة أو الاستقراء الناقص، أو لأنه نظرية لم تصل إلى درجة القطع، فمن اعتمد على هذه الأمور في ردّ ما أخبر الله به فقد صدق عليه قول الله تعالى: "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه" يونس.. وما عسى الكاتب أن يقول في كون السموات سبعا والأرضين سبعا، فهذا لا يسلم إيمان من لم يصدق به، ولا يتعارض لزوم التصديق به اختلاف العلماء في تفسير المراد من السبع، فمن أنكر هذا العدد فقد كفر بما في القرآن.. (يتبع). 03شهر الله المحرم 1441

الخاطرة ١٧١

[بصطة وبسطة] قول الله تعالى: "(والله يقبض ويبصط")، بالصّاد، وقوله: "(وزاده بسطة في العلم والجسم")، بالسّين، وقوله: ("وزادكم في الخلق بصطة)"، بالصّاد، وقوله: "(أم هم المصيطرون"، بالصّاد،) وقوله: ("لست عليهم بمصيطر")، بالصّاد، لكن القراءات اختلفت، فمنها ما جاء بالسّين والصّاد، ومنها ما وافق الصورة، ومنها ما اختلف، ووجه ذلك قرب مخرج الحرفين، اللذين يختلفان باستعلاء الصاد، واستفالة السين، والقراءة سنةٌ متبعة. ومما له صلة بهذا ما قاله أبو سليمان الخطابي رحمه الله في كتابه (الزيادات في شرح ألفاظ مختصر المُزني) ،وذكره السّبكي في طبقات الشافعية الكبرى: "بلغني عن إبراهيم بن السّري الزجاج النحوي أنه كان يذهب إلى أن الصّاد تبدل سينا مع الحروف كلها، لقرب مخرجيهما، فحضر يوما عند علي بن عيسى، فتذاكرا هذه المسألة واختلفا فيها، وثبت الزجاج على مقالته، فلم يأت على ذلك إلا قليل من المدة؛ فاحتاج الزجاج إلى كتاب لبعض العمال، فجاء إلى علي بن عيسى الوزير لينجز الكتاب، فلما كتب علي بن عيسى صدر الكتاب، وانتهى إلى ذكر الزجاج؛ كتب: "وإبراهيم بن السري من أخسّ إخواني"، فقال الزجاج: "الله الله أيها الوزير في أمري"، فقال له علي بن عيسى: "إنما أردت (أخصّ)، وهذه لغتك، وأنت أبصر، فإن رجعت وإلا أنفذت الكتاب بما فيه"!!، فقال: "قد رجعت أيها الوزير"، فأصلح الحرف وطوى الكتاب". لك أن تستطرف الحكاية، لكن يصعب عليّ أن أصدق هذا الذي نُسب للزجاج، وهو تقرير قاعدة في النطق تفضي إلى أن كثيرا من الكلمات العربية لا يتبين المقصود منها إلا أن تكون مصحوبة بصورتها كتابة، وثمة أمر آخر، وهو أن الزجاج يتحدث عن النطق، والوزير حمل قوله على النطق والخط، وثمة أمر آخر لو ذكرته ما بقي من الاستطراف شيء . 26 من شهر ذي الحجة 1440 • •

الخاطرة ١٦٩

[مقتل شباب في حفل غناء] ذكرني الذي حصل البارحة في الحفل الموسيقي الصاخب، ومات في بدايته بالتدافع خمسة من الشباب، ومع ذلك استمر الحفل كأن شيئا لم يحدث؛ بأمور: ما ذكره كثير من المفسرين - ولم أقف على سنده - أن بني إسرائيل قتلت سبعين نبيا في أول النهار، وقامت إلى سوق بقلها في آخر النهار!!، مع الفارق بين من لم تمنعهم جريمتهم من خدمة دنياهم، ومن لم تصدهم هذه المأساة؛ عن المضي في فسادهم، وعدم الاكتراث بضحاياهم، فإذا كان اللازم لهم الابتعاد عن هذا لأنه محرم ولم يلتزموه؛ فأين ما يلتقي عليه الناس مؤمنهم وغيره في مثل هذه الحال ؟.  وذكرني بنعمة الله تعالى علينا في هذه الاحتجاجات والمظاهرات المستمرة منذ ستة أشهر، إذ قيض الله لها من منع عنها نظير هذا الذي جرى في مناسبة (سرور)!!، فكيف بحال الغضب؟، وقد كانت الأعداد بالملايين كما يقال، ولا شك أن فيها أمثال هؤلاء المجانين، ولكن أكثر الناس لا يعلمون . واستحضرت أن الذين ينشطون في تلك الاحتجاجات ممن حضروا هذا الحفل لا يعيشونها بعاطفتهم، كما يعيشون مع الغناء الفاجر، والموسيقى الصاخبة، والتعلق بالمخنثين والشواذ، حتى بلغ الأمر أن اكتريت شرفات المنازل المطلة على ساحة الفجور البقعة منها ب5000 دينار، فالمظاهرات عند كثير من المنخرطين فيها شيء (يعمرون) به أوقاتهم الضائعة، وإن عظم هتافهم، وارتفعت أصواتهم، فما ذلك إلا شيء لقنوه، لم ينظروا في عاقبته، ولا فهموا المقصود منه ممن أوحاه إليهم ليحقق أغراضه، كالحرية والدولة المدنية، كيف وهذا الذي غير اسمه إلى سلوكينج أحسن أعماله ما قدمه في نهيقه بالحرية، وقد عرفنا المراد منها في حفله؟!. قيل إن نجم هذا الحفل الذي صنعه الإعلام الفرنسي، التزم جعل دخله للأعمال الخيرية !، فتذكرت أن العرب كانوا يتقامرون على جزور يطعمونها الفقراء، ولا يأخذ الغالب منها شيئا، ومع هذا حرم الله عليهم الميسر، ولو ضربت مثلا لعمل سلوكينج فيه رفق؛ لقلت إنه كمن يبني قصرا ويهدم مصرا !! .  إن هؤلاء المخنثين الشواذ يصنعهم الإعلام الفاجر، ودعاة الاختلاط والسفور، وأذناب فرنسا فيتعلق بهم الشباب، ويجعلهم قدوته فيما يذكرونه من العري والتفسخ، وتمجيد أعمال العبث بالأزياء، والكلام البذيء، والتفكير المختل، والعلاقات البهيمية، وهذا ديدن متعاطي المخدرات، فاعجب لمن يسجن متعاطيها ثم يحتفي بمن يدعو الناس إليها . هذا لا يحجب عنا أن كثيرا من شباب أمتنا على خير، وأن نفعه لأمته قائم، وهو مرجو الازدياد، سواء من كان منهم في المؤسسات التعليمية بأطوارها، أو في مواقع العمل والإنتاج، وقد قال ربنا: "فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءً‌ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاس فيمكث في الأرض". ليلة الثالث والعشرين من شهر ذي الحجة 1440 .

الخاطرة ١٦٨

[الوظائف الاربع للرسل] الدعاة خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التبليغ والتعليم، وقد بعث بهذه الأربعة التي ذكرت في سياقات أربعة: في دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله: "رَبَّنَا وَٱبعَث فِيهِم رَسُولاً مِّنهُم يَتلُواْ عَلَيهِمُو ءَايَـٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلكِتَـٰبَ وَٱلحِكمَةَ وَيُزَكِّيهِمُو إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ"، وقد استجاب الله دعاءه كما دل عليه القرآن والحديث الصحيح. وفي قوله تعالى: "كَمَا أَرسَلنَا فِيكُم رَسُولاً مِّنكم يَتلُواْ عَلَيكُمُو ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُم وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلكِتَـٰبَ وَٱلحِكمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَم تَكُونُواْ تَعلَمُونَ" . وقوله: "لَقَد مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلمُومِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولاً مِّن انفُسِهِم يَتلُواْ عَلَيهِم ءَايَـٰتِهِ وَيُزَكيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلكِتَـٰبَ وَٱلحِكمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِين"  وقوله: "هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنهُم يَتلُواْ عَلَيهم ءَايَـٰتِهِ وَيُزَكِّيِهم وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلكِتَـٰبَ وَٱلحِكمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِين".  1- تلاوة الآيات، أي قراءتها عليهم، ولكل مسلم حظّ ما من هذا، أقله قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة، وفي صلاة الجماعة. 2 - تعليم الكتاب، ببيان عقائده، وأحكامه، وما فيه من الحلال والحرام، ويلزم من تعليمه تعلم الكتابة والقراءة، أو هو من المُشترك فيعمّهما، وقد حصل، والدليل التاريخي قائم حاسم. 3 - تعليم الحكمة، قيل: "هي المعرفة بالدين، والفقه فيه، والاتباع له"، وهو مأثور عن مالك رحمه الله، وقيل: "العقل في الدين"، وقيل: "هي السنة"، وهو قول قتادة والشافعي رحمهما الله، والسنة مع السيرة بيان للقرآن، بتفصيل أحكامه، وبيان مراتبها، ومقاصدها، وأسرارها، وفضائلها، وكيفية تعليمها، والدعوة إليها، وأقوال السلف في الحكمة لا تخرج عن هذا المعنى. 4 - التزكية، وهي تنمية الفضائل، والتطهير من الرذائل، الناشئة عن العادات القبيحة، والوساوس والظنون، فتصفو النفس، ويصلح القلب، بتوحيد الله، وإفراده بالعبادة، والخوف منه، والتوكل عليه . وقد ذُكرت هذه الأمور في دعاء إبراهيم مرتبة حسب ظهورها، وإنباء بعضها على بعض، وقدمت التزكية في باقي السياقات؛ لعظم شأنها في الدين، ولأن غيرها وسيلة إليها، ولا ضير أن تكون مقصودة أيضا، أما تلاوة الآيات فقدمت في الجميع لأنها مبدأ النبوة، ومنطلق الرسالة. في الأربعة حظوظ لسمع المسلم ونطقه وبصره، إذ يتعامل مع كلام ربه، وفيها حظوظ لنفسه وروحه وعقله، فإن هلك فما الحيلة؟. ومن تأمل مواقع الحكمة في القرآن ألفاها: * ضمن العناصر التي لا بد منها لصلاح الفرد والمجموع كما سبق. * وفي سياق سياسة الناس والنهوض بالملك، قال تعالى: "وَقَتَلَ دَاودُ جَالُوتَ وَءَاتَاهُ ٱللَّهُ ٱلمُلكَ وَٱلحِكمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَاءُ‌"، وقال: "وَشَدَدنَا مُلكَهُ وَءَاتَينَـٰهُ ٱلحِكمَةَ وَفَصلَ ٱلخِطَابِ" . * وفي مقدمة طرق الدعوة، كما قال الله تعالى: "ٱدعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلحِكمَةِ وَٱلمَوۡعِظَةِ ٱلحَسَنَةِ وَجَـٰدِلهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحسَنُ‌ ". * وفي صفات القائم بالتعليم والتربية: "وَلَقَد ءَاتَينَا لُقمَـٰنَ ٱلحِكمَةَ أَنِ ٱشكُر لِلَّهِ". * وختام أوامر ونواهيه مكتنفة بنهيين عن الشرك، دالّين على أنه خزي في الدنيا، وعذاب في الآخرة، في قوله سبحانه: "ذَلِكَ مِمَّا أَوحَىٰ إِلَيكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلحِكمَةِ‌"، وقوله "وَٱذكُرُواْ نِعمَتَ ٱللَّهِ عَلَيكُم وَمَا أَنزَلَ عَلَيكُم مِّنَ ٱلكِتَـٰبِ وَٱلحِكمَةِ يَعِظُكُم بِهِ"  واشتقاق الحكمة من الحكم، وهو المنع، لأنها تحجز المتصف بها عن الخلل في التفكير، والضلال في العمل، بتروّيه وتأنّيه، عدا ما لا يسلم منه غير المعصوم، ولها صلة بالحَكَمة - بفتح الحاء والكاف - وهي الحديدة في اللجام تمنع الفرس من الجماح، وتردعه عن الحراك. حكمة المسلمين معيار يوزن به ما عند غيرهم من أنواع المعارف والفنون والتجارب، ثم هم أحق بها متى وجدوها، وقد يقال عمن فاق فيها حكيم، وللناس مرجعيات وأصول يعودون إليها في إطلاق هذا الوصف، أما نحن فكدنا نذوب في غيرنا حتى صرنا نقول للسفيه حكيما، وللمعتوه عاقلا، ولا غرابة فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يأتي على الناس سنوات خداعات: يؤتمن فيهن الخائن، ويُخوّن الأمين، ويكذّب الصّادق، ويُصدّق الكاذب، وينطق الرويبضة في الشؤون العامة"، قيل: وما الرويبضة"؟، قال: الرجل التافه في أمر العامة"، وقد قيل:  لقد هزلت حتى بدا من هزالها ** كلاها وحتى سامها كل مفلس!! 18 شهر ذي الحجة 1440 . •

الخاطرة ١٦٧

[نواقص في شروحات الموطأ] من الجوانب التي لم تحظ بالعناية اللازمة عند شراح الموطإ الكلام على التراجم، وصلتها بما تحتها، وترتيبها، وجمع أكثر من مسألة فيها، وتقفية مالك المرفوع منها بالآثار، واقتصاره على أقل القليل في مواضع ينتظر أن يورد فيها أكثر مما ذكر، كباب القنوت في الصبح، وفضل العلم، واختلاف الصيغ التي حكى بها عمل أهل المدينة، وعدم اكتفائه بالمفهوم في تقرير ما يذكره، وغير ذلك. وأقتصر على أمر واحد يتوسمه المتأمل، وهو ميله إلى العمل، الذي هو المقصود من العلم، وحاجة المسلمين إليه أشد في هذا الزمن الذي كثر فيه القول، وبلغ التأليف حد التخمة، وهذه إشارة إلى أمور تنبئ عن هذا التوجه العملي عنده باختصار:  1 - ابتدأ موطأه بوقوت الصلاة، وخالفه غيره من مدوني السنن، فافتتحوها بالطهارة، كأبي داود والنسائي، واختار أصحاب المجاميع تقديم أصل الدين، فقدم البخاري الوحي، وقدم مسلم الإيمان، وخالفهما الترمذي في جامعه، ولا يسع المقام بيان وجهه، وقدم بعض أصحاب السنن السنة والعلم. ووجه عمل مالك أن الصلاة أعظم ركن بعد الشهادتين، والخطاب إنما يتوجه إلى المكلف بتحصيل الطهارة التي هي شرط فيها بعد دخول الوقت، ندبا في أوله، ووجوبا عند ضيقه، فلما كان كتابه مقصورا على العمليات ابتدأ بوقت أعظمها وهي الصلاة. 2 - أكثر من المراسيل والبلاغات ونحوهما في رواية معظم الآخذين عنه، مع وصل بعضها عند آخرين من رواة كتابه، فيستدل بهذا على أنه آثر التخفيف بحجبه الأسانيد، أو لم ينشط لذلك. 3 - تجنب تكرار الحديث إلا القليل النادر، مع أنه قد يحتاج إلى تكراره للاستدلال، إما لأن للنص أكثر من دلالة، أو لضمه أكثر من مسألة، وهو كثير في الأحاديث. وتكرار الأحاديث وتقطيعها فاق فيه البخاري غيره، لكنه لا يخلو من فائدة زائدة على الاستدلال كاختلاف شيوخه في الحديث، وهو الغالب، أو غير ذلك من الأغراض، وخالفه فيه مسلم، فجمع الأحاديث ذات الموضوع الواحد، وذكر الزيادات واختلاف الألفاظ، واعتمد صيغة تحويل الإسناد بغية الاختصار، ففضله المغاربة لهذا على البخاري، فقال قائلهم: قالوا لمسلم فضل ** قلت: البخاري أعلى  قالوا المكرر فيه ** قلت: المكرر أحلى 4 - اشتمل الموطأ على كتاب الأقضية، الذي أودعه الكثير من اجتهاداته وآرائه، فهو كالتطبيق العملي للأحكام النظرية، فسماها أقضية تغليبا، والأمر الواحد قد يختلف القول فيه في القضاء عنه في الفتوى، فإن المستفتي قد يدين (يترك لدينه)، والفتوى لا إلزام فيها بخلاف القضاء. 5 - أدرج اكثر من مبحث في الترجمة الواحدة، مع عدم وجود الجامع بينها أحيانا عدا كونها أحكاما شرعية بقصد التخفيف. 6 - اختص كتابه بما سماه من التراجم "العمل في كذا"، كقوله: العمل في الوضوء، العمل في التيمم، العمل في الإهلال، العمل فيمن أعطى شيئا في سبيل الله، العمل في الدية، كأنه عنده تطبيق للقول وبيان له. 7 - ما في موطئه من ذكره لما عليه أهل العلم ببلده وهذا كثير مستفيض فيه. 8 - كثيرا ما يذكر آثارا للصحابة بعد الأحاديث المرفوعة ليستدل بها على استمرار العمل بالحديث وأنه لم ينسخ. 9 - ما امتاز به موطأه، وهو كتاب الجامع الذي ختمه به، وجمع فيه مسائل متفرقة بعضها يمكن إدراجه في أبواب كتابه. 10 - ومن ذلك لجوؤه إلى الاستدلال في أكثر من موضع بأن هذا ليس عليه المسلمون، أو أنه ليس من سنتهم، أو أن الذي عليه المسلمون هو كذا وكذا، كما في الاعتكاف، والبيوع، والقراض، وغيرها، وإذا كان هذا صالحا لأن يستند إليه في وقته، وهو القرن الثاني، فكيف بما لم يعرفه المسلمون قريبا من أربعة عشر قرنا؟ 11 - ومن ذلك ما ذكره القاضي عياض عن سليمان بن بلال أن مالكا وضع موطأه على أربعة آلاف حديث، أو أكثر، فمات وهي ألف حديث، يلخصها عاما عاما، بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين، وأمثل في الدين"!! وقد شاع أن الناس قالوا عن تناقص مرويات موطئه: علم الناس في الزيادة وعلم مالك في النقصان!! 12 - ومما يدل على تعويله على الجانب العملي اعتماده على عمل أهل المدينة الذي هو أبرز أصوله الخاصة، وخالفه فيه جمهور العلماء. كلمة يسمعها المرء ويقيمها في حياته أنفع له من المآت يحفظها ثم لا تجد لها امتدادا في أعماله وسلوكه كما قال الله تعالى: "وَلَو انّهُم فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيرًا لَّهُم وَأَشَدَّ تَثبِيتًا"، وقد تعوذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أربع منها علم لا ينفع، وعن عمر بن عبد العزيز: "من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح"، وقال أيضا: "من عد كلامه من عمله قل كلامه".  في الأبواب الأخيرة من الجامع أورد مالك قول القاسم بن محمد: "أدركت الناس وما يعجبون بالقول"، ثم فسره بقوله: "يريد بذلك العمل، إنما ينظر إلى عمله، لا ينظر إلى قوله".  13 شهر ذي الحجة 1440 • •

الخاطرة ١٦٦

[فوائد من حديث عمر: يا هني، اضمم جناحك على الناس] روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له يدعى هنيا على الحِمى، فقال: يا هني، اضمم جناحك على الناس، واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى المدينة: إلى زرع ونخل، وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيته يأت ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين!! أفتاركهم أنا لا أبا لك؟! فالماء والكلأ أيسر عليّ من الذهب والورق، وأيم الله إنهم ليرون أن قد ظلمتهم، إنها لبلادهم ومياههم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله؛ ما حميت عليهم من بلادهم شبرا" . أورد هذا الأثر تحت ترجمة (ما يتقى من دعوة المظلوم)، وهو أقوى من أن يقال "لا تظلم"، وأخذ الترجمة من قول عمر: "واتق دعوة المظلوم..."، وهو مرفوع حكما، وفي دعوة المظلوم أحاديث صحيحة منها: "اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنه ليس دونها حجاب"، وجاء هذا في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن، وقد كان فيها أهل الكتاب، فيدخلون فيمن أمر أن يتقي ظلمهم، وإجابة الله تعالى دعاء المظلوم الكافر من مقتضيات ربوبيته سبحانه. ولعله اختار الموقوف الذي في طوايا هذه القصة؛ لأغراض، أبرزها أن ظلم الحاكم أعظم ضررا، وأكبر إثما من ظلم غيره، لأنه إنما ولي لإقامة العدل في رعيته، فإن كان هو الظالم فمن يدفع الظلم عنهم؟، ولأن غير الحاكم قد يشرع أن يعاقب بمثل عقوبته، أما الحاكم فالمطلوب الصبر على جوره، درءا لمفسدة القيام عليه. وفيه أن عمر شرح عمليا لعامله الرفق الذي أمره به، وبين له خطته في معاملة رعيته، حتى يكون على بينة من أمره، فهو التعليم والقدوة. وفيه أن مكانة الشخص ومنزلته لا تقتضي تقديمه على غيره ممن يكون أحق بالمساعدة منه، حيث لا بديل له عن مورد رزقه، ولم يتردد عمر أن يسمي عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما محذرا عامله أن يدخلهما فيمن يتسامح معه. وفيه أن النظم والقوانين ينبغي أن تكون مرنة يراعى فيها ما وضعت له وهو مصالح الناس، التي هي روح القانون ولبه، يقابله صورته ونصه، والنظام هنا هو الحمى الذي يمنع الناس من الرعي فيه، ومع هذا قال عمر لعامله: "وأدخل رب الصريمة والغنيمة"، يريد من له إبل أو غنم قليلة. وفيه مساعدة الحاكم المحتاجين على الاستقلال بأنفسهم في تحصيل عيشهم بدل الاعتماد على إعانة الدولة المباشرة لهم فإنها تورث التواكل والكسل. وفيه المحافظة على موارد الدولة الأهم فالأهم، فإن مسامحة المحتاج في استعمال الحمى أخف من بذل النقود التي تدخر للحاجة، وأمثلته اليوم في الدول لا تخفى. وفيه إحساس عمر بهموم رعيته، باستحضاره شكواهم له مصحوبين بأبنائهم مما تكرر على مسمعه: "يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين"!! . وفيه مشروعية سؤال الرعية الحاكم حقوقهم فليس ذلك كسؤال أفراد الناس، وإن كان التعفف خيرا. وفيه أن عمر يضع في حسبانه أنه وإن كان يعدل ويحكم بالحق فإن بعض رعاياه قد يرى في عدله ظلما، لأنهم لا يدركون الحكمة من تصرفه، ولا يعرفون وجه حكمه، وهذا يقتضي الحاكم أن يبين وجه المصلحة في تصرفاته التي كثيرا ما يخفى الغرض منها على بعض الناس . وفيه ما كان يعتمل في نفس عمر من التألم جراء تضارب المصلحة العامة مع مصالح الأفراد، وأنه لا يجد بدا من تقديم الأولى، وهذا جرى مثله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال عن بعض من سأله الصدقة: "إن الرجل يسألني ما لا يصلح لي ولا له، فإن منعته كرهت المنع، وإن أعطيته؛ أعطيته ما لا يصلح لي ولا له"، وفي الحديث القدسي: "...، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن: يكره الموت وأنا أكره مساءته"، هو شأن من شؤونه، آمنت بكلامه على مراده، ونزهته عن مماثلة خلقه.  12 شهر ذي الحجة 1440 . •

الخاطرة ١٦٥

[وزارة الثقافة] سمعت يوم أمس أن وزيرة الثقافة السابقة مدرجة مع من يحقق معهم في الفساد المالي، فذكرت تلمسان (عاصمة الثقافة الإسلامية)، ومدينة قسنطينة بعدها، لقد كانتا فرصة لتضييع المال العام، ونهبه بطريقة مقننة، والخيمة المفقودة غيض من فيض النهب الذي برع كثير من المسؤولين في التغطية عليه، الثقافة عندهم هي الحفلات الماجنة، والمجالس الصاخبة، واللقاءات التافهة، والترويج لحفلات اللهو والزهو والسهو كما كان يقول مولود قاسم رحمه الله، وقد يرافق ذلك التعريف ببعض الشخصيات الوطنية، وإنشاء المرافق في المدينة العاصمة، وإصلاح الطرق، وطبع كتب التراث، وقد دعيت في مناسبة قسنطينة إلى تقديم كتابي عن أبي رأس الناصري لإعادة طبعه فأبيت. وكان بين وزيرة الثقافة وبين والي ولاية تلمسان يومئذ من الخلاف ما أدى إلى أن ممثل الحكومة لا يستقبل عضو الحكومة في ولايته، ولا يعلم سبب الخلاف، لكنهما اليوم قد يلتقيان في المساءلة القانونية عما أهدر من الأموال. كنت أقول عن تلك المناسبة (عاصفة الثقافة)، لا عاصمتها، وأذكر أن صحفيا من جريدة الشروق أجرى معي مقابلة، وكان مما سألني عنه حدث تلمسان، الذي سارت به (الركبان)، فذكرت له ذلك الوصف، وبعد سنة لم ينشر شيئا إلا هذا الذي استكتمته إياه، ووافق نشره يوم حضوري ندوة أقيمت للتعريف ببعض الشخصيات العلمية، وعند الباب رأيت الجريدة في أيدي من كنت أسلم عليهم ومنهم وزير الشؤون الدينية يومئذ، وعلى صفحة الجريدة كلمة العاصفة، فظننت أن (صاحبي) كان يعلم حضوري فاجاد المكر!! وما كل ظن هو إثم. ما كل مشهد يحضره المرء هو راغب في حضوره، قد يحضر غير مطمئن، وقد يكثر أن يدعى فيعتذر، ثم يحضر كارها، مقاوما للطبع، مخالفا للميل، صابرا على ما يعلم أنه يلحقه من النقد والطعن، لا حرج أن يخالفه غيره في مشروعية الدافع، وهو ما يؤمله من المصلحة، وما يرجوه من إيصال شيء من النصح، وما يسعى إليه من تضييق الهوة التي ما فتئت تتعاظم بين فئات الأمة، وبت حبل التواصل الذي هو خطر على الدعوة في أوساط الحكام، وقد يصب في حيز تكريس علمانية الدولة بتسليمها إلى من لا يؤتمن عليها، هي هواجس تحرق باطن المرء، وتصطرع داخله، لا يرى منها الشانئون إلا حب الظهور والتمييع ونحوهما مما يسهل قوله، ويعظم وزره، فما أيسر الغياب، وما أخطر تبعات الحضور، والله عليم بذات الصدور. من معاني الثقافة في لغة العرب حذق الشيء، وفهمه، وضبطه، وتسويته، وتقويم اعوجاجه، وسرعة التعلم، والفطنة، والذكاء، والأخذ، قد لا تجد كلمة في لغة العرب تجمع هذه المعاني، ولا يختلف في مدحها عاقلان، بل هي مما تلتقي الإنسانية قاطبة على الثناء على المتصف بها، فكيف اهتدى العرب اليها؟ وكيف لا يهتدون وقد ارتضاها الله لغة كتابه الخاتم الذي يخاطب به الإنسانية كلها؟. لكن الجماعات البشرية تتفاوت في مضمونها، وتفسيرها، ومدى الخروج عن أصلها، تعبر كل جماعة بالثقافة عن نفسها ومرجعيتها بالنظر إلى أديانها وعاداتها وتقاليدها، والعادات والتقاليد عند المسلمين يؤطرها الدين ويضبطها، فما هو حظ هذه المعاني مما جعلته وزارة الثقافة عندنا رأس مالها؟ وهل تعلم من هو الأجدر عندها بوصف المثقف؟ كثير ممن يوصف بذلك هو في اللسان الدارج إما مشقف، (مضروب في الرأس!!)، وإما مثقث بالثناء (مأخوذ مربوط!!)، وليته ربط عن الباطل، فاعجب لبلد مسلم مثل الجزائر تتولى وزارة الثقافة فيه امرأة كهذه التي قيل (للتمريض) إنها فرت إلى فرنسا، لقد قالت قبل ثلاثة عقود: إنها رمت السجادة لأنها إهانة للإنسان، وحط من قيمته، رأي الرعية في الحكام هو رأي الحكام في وزرائهم، فلينظروا من يستوزرون، وما أحسن ما قيل في هذا المعنى: لليث ملك القفار ** وما تضم الصحاري  سعت إليه الرعايا ** يوما بكل بدار  قالت: تعيش وتبقى ** يا دامي الأظفار  مات الوزير فمن ذا ** يسوس أمر الضواري؟ قال الحمار وزيري ** قضى بهذا اختياري  فاستضحكت ثم قالت ** ما ذا رأى في الحمار؟ وودعته وطارت ** بمضحك الأخبار  حتى إذا الدهر ولى ** كليلة أو نهار لم يشعر الليث إلا ** وملكه في دمار الكلب عند اليمين ** والقرد عند اليسار  والهر بين يديه ** يلهو بعظمة فار  فقال من في جدودي ** مثلي عديم الوقار؟ أين اقتداري وبطشي ** وعزتي واعتباري؟  فجاءه القرد سرا ** وقال بعد اعتذار: يا علي القدر فينا ** كن عالي الأنظار  رأي الرعية فيكم ** من رأيكم في الحمار  غرة شهر ذي الحجة 1440 • •

الخاطرة ١٦٤

[كتاب (سراج المريدين) للقاضي أبي بكر بن العربي] أهدى إلي أخي إبراهيم بن حليمة حفظه الله كتاب (سراج المريدين) للقاضي أبي بكر بن العربي المعافري رحمه الله تعالى، وقد كنت أسمع به من حديث مؤلفه عنه، وإحالته عليه في بعض كتبه، فرأيت أن أذكر شيئا من خطبة أحد شيوخه التي وعاها، ثم أداها في مقدمة كتابه، وأظهر اهتمامه بها، وذكر ما خلفته من أثر في نفسه، وأن شيخه اقتدى فيها بما قاله ابو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته بعد مبايعته . وقد ائتسى ابن العربي بشيخه، فقال في بداية الكتاب: "...، وإني وإن لم أكن متحليا بما أورده، ولا ضابطا على ما أعقده، فإن لي قدوة في شيخنا أبي علي الحلبي خطيب المسجد الأقصى طهره الله، حضرت عند جمعة فيه (كذا)، وقد علا على أعواد منبره فخطب: ...، وبعد أن أورد ديباجة الخطبة أثبت قوله -وفيه بعض المبالغة-: علوت على منبركم، ولست بخيركم، والله لو كانت الذنوب منظرة لكنت أقبحكم، أو ملبسا لكنت أخشنكم، أو صارت خبرا لكنت أفظعكم، أو فغمت رائحة لكنت أتفلكم، فإن تكلمت فنفسي أخاطب، ولئن وعظت فإني للتوبة طالب، وفي الإنابة راغب، يدعو إليها النهى، ويصدف عنها الهوى". قال ابن العربي: "ولم يبلغ في الخطبة ها هنا حتى غلب على الخلق الأنين، واستولى عليهم الخنين، وسال الدمع والذنين، وارتفع الزعق، وكثر الصعق، وقضيت الصلاة، وطارت الخطبة في الأقطار كل مطار، وسار بها الراكب أينما سار، فأنزلتها من قلبي تالية الإيمان، وأضمرتها في نفسي حاجة لم أقضها إلى الآن ..." .  *** فغمه الطيب: سد خياشيمه، أتفلكم: اكثركم تغير رائحة، يصدف: يصرف، الخنين: صوت تردد البكاء في الأنف، الذنين: المخاط الرقيق يسيل من الأنف، الزعق: الصياح . *** ومن العبر في هذا: * أن الخطيب يتواضع في كلامه، ويعتبر نفسه معنيا بما يخاطب به الناس، فإن "المخاطب يدخل في عموم خطابه"، بل هو أولى به منهم، وقد قال نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام لقومه: "وَمَآ أُرِيدُ أَن أُخَالِفَكُم إِلَىٰ مَآ أَنهَىٰكُم عَنهُ‌ إِن أُرِيدُ إِلَّا ٱلاِصلَـٰحَ مَا ٱستَطَعتُ وَمَا تَوفِيقِى إِلَّا بِٱللَّهِ‌ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنِيب"، وهذا وإن لم يكن شرطا في الدعوة، فإنه من أعظم أسباب انتفاع الناس بها، كما قال ربنا موبخا بني إسرائيل: "أَتَامُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلبِرِّ وَتَنسَونَ أَنفُسَكُم وَأَنتُم تَتلُونَ ٱلكِتَـٰبَ أَفَلَا تَعقِلُونَ" . * وفيه ما كان عليه من يحضرون حلق العلم من الاتعاظ والاعتبار بما يسمعون، ومن الاستيعاب والحفظ له، ونشره وإذاعته، في وقت لم تكن فيه وسائل التسجيل والإرسال موجودة كشأنها اليوم. وقد ذكرت في شرح آخر أحاديث الموطإ أن أحد تلاميذ الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله هو الذي سجل شرحه لحديث أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولعله هو كل ما بقي من شرحه للموطإ مدونا مرتبا منسقا، وهو يدل على مستوى علمي متين كان عليه كاتبه، مع أنه غير معروف عند الناس!! . * وفيه أن من يحضر مجالس العلم ينتفع بها ولو كان ذا علم، وكثيرا ما ينتفع بها أكثر من المتكلم، وابن العربي يومها كان عالما، وقد قال إلله تعالى: "وَذَكِّر فَإِنَّ ٱلذِّكرَىٰ تَنفَعُ ٱلمُؤمِنِينَ"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جملة حديث: "..وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا". 27 شهر ذي القعدة 1440

الخاطرة ١٦٣

[هيهات.. صلاح المجتمعات لا يكون طفرة] فتشت عن السبب الذي جعلني أعظمَ إنكارا لما أراه من صنوف الفساد هذه الأشهر أكثر مما كنت استنكره من قبل، فقلت: لعله ما جد في بلادنا مما يبعث على التفاؤل، لكن الذي ذكرته من اختلاف حالي؛ لم أعثر له على تفسير مقنع، فعزوته إلى وهم ركبني، أو حديث نفس جميل آنسني، فتسلل إلى مشاعري، ثم سهل علي أن أصدق الوهم، منتظرا صلاحا عاما في بلدي، فلا كلفة ولا مؤنة، ودون مراجعة لما انتهجناه في تربية الفرد في مختلف المواقع، في الأسر، والمدارس، والإدارات، والشركات، ووسائل الإعلام، وقد يشمل المساجد في بعض الأمور. وها أناذا أفيق من غفوتي، وما توهمته بالظن الذي غشيني، فهيهات أن يتم إصلاح بطفرة، دون ما جهد ومعاناة، بل هيهات أن يقوم إصلاح مجتمع المسلمين بغير ما يدينون به ربهم ويخضعون له باطنا، وإن تفاوتوا في التزامه ظاهرا . وقد قال أعرابي يقارن بين حالي سكره وصحوه -أعاذنا الله وإياكم من السكر بصنوفه: سكر الخمرة، والشهوة، والشبهة، وسكر الهوى، والوهم، على أن توهم الخير ليس كظن السوء -: ولقد شربت من المدا -- مة بالصغير وبالكبير  فإذا شربت فإنني ** رب الخورنق والسدير  وإذا صحوت فإنني ** رب الشويهة والبعير  والخورنق والسدير قصران لعل القائل كان يتخيلهما ولم يرهما . الإصلاح عملية شاقة بطيئة متدرجة، وإصلاح الفرد منطلقها، ليست أمرا فوقيا بحتا، ولا تحتيا خالصا، إن قوامها السلطة الصالحة الحازمة، منزلة هذه السلطة في الأمة كالقلب في الجسد، وحيث كان البناء أصعب من الهدم، فترقب وقتا أطول للإصلاح لو شرع فيه، واعلم أن إنجازه إنما يكون على أيدي المصلحين، وقد قيل: الصالحون يصلحون أنفسهم، والمصلحون يصلحون الجماعات . ملاحقة الفساد المالي جزء يسير من صنوف الفساد التي يتجاهلها أو يجهلها الذين يتحمسون لمحاربته، لقد ضربنا رقما قياسيا في عدد المسؤولين الضالعين فيه بين دول العالم، فهلا بحثنا عن السبب؟ ومع أننا مهتمون مؤيدون؛ فإننا لا ننتظر شيئا ذا بال، لا باعتبار المال الذي يسترد بهذه العملية داخل البلد، فكيف بالذي هرب خارجه؟ ولا بالقياس إلى زمر الفساد الأخرى التي قد لا تخطر ببال كثير من أولي الأمر، أو لا يقرون بصلتها بمظاهر الفساد الذي يحاربونه . لو افترضنا تحقق كل ما نؤمله من وراء محاربة الفساد المالي فإنه ليس إلا نتيجة لأضرب أخرى لم نسمع من الكلام عليها شيئا، مع أنها أشد ضررا، وأعظم خطرا، وعدم اهتمامنا بها إما لأننا لا نعطيها حقها من النظر، وحصتها الكبيرة من الضرر، فسبب سكوتنا متعدد: قد يكون لإننا نعتبرها شؤونا شخصية، أو حريات فردية، أو لأن خوض غمارها لا يحقق لنا (الإثارة) العاطفية التي نبتغيها، أو لأن الكثير منا واقع في دائرتها، مصاب بدائها، ومن منا له الشجاعة كي يلاحق نفسه فيدينها؟ وسنة الله التي لا تبديل لها هي قوله: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، وهي صالحة بمعية نصوص أخرى لمقابل السلب، ولهذا لو كنت من أصحاب الشعارات، وحملة اللافتات، لرأيت حقا علي أن أهتف "نرحلو قاع"، ارتحال فكر وخلق وسلوك ونظام، لا موت وفناء : ليس من مات فاستراح بميت ** إنما الميت ميت الأحياء !! عند تخرجي من جامعة وهران سنة 1974 كنت متشوقا إلى الخدمة العسكرية لرغبتي في اكتساب مزيد من الانضباط الذي كان يستهويني وما يزال، لكني أعفيت لتوفري على أسباب الإعفاء، بعد أن بت في إحدى الثكنات بالعاصمة ليلة أو ليلتين . إننا في حاجة ماسة إلى نظام حكم حازم (عسكري) في انضباطه ضمن حدود ديننا، يخرجنا من حالة التسيب التي صرنا رهائن لها في معظم المجالات، فإن الله تعالى قال: "لَقَد أَرسَلنَا رُسُلَنَا بِٱلبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلنَا مَعَهُمُ ٱلكِتَـٰبَ وَٱلمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلقِسطِ وَأَنزَلنَا ٱلحَدِيدَ فِيهِ بَأسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ"، وهو سبحانه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، كما قال عثمان بن عفان، عليه الرضوان . إصلاح المحتمعات بقطع النظر عن المناهج المعتمدة فيها يتم بطرق منها : * حكم قهري استبدادي يحمل الناس على الجادة كما يراها في كل شؤون الحياة، ثم يترك لهم اختيار حكامهم، وكثير من الدول المتقدمة اليوم مرت بهذه المرحلة كروسيا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا والصين وجنوب إفريقيا، ومنها فيما أحسب ما هو في الطريق ككوريا الشمالية وكوبا وايران والعراق قبل احتلاله وتدميره، لكنه أسلوب لم يعد ممكنا في هذا العصر، ولا هو مقبول في نفسه . * قيادة صالحة حكيمة حازمة تتدرج في نقل المجتمع وتربيته حتى تصل به إلى المأمول المرتجى، فإن التدرج سنة كونية وشرعية، وهذا هو الذي يعول عليه، وعليه مثال أو أكثر في دول شرق آسيا، لكن في شؤون الدنيا، وهي ليست أكبر همنا ولا مبلغ علمنا . * عناية إلهية خاصة تنخرق بها سنن التغيير والإصلاح، وأمر هذا إلى الله، وربك فعال لما يريد . 20 من ذي القعدة 1440 •

الخاطرة ١٦٢

[فوائد من حديث عائشة رضي الله عنها] من بلاغات مالك في كتاب الجامع أن مسكينا سأل عائشة رضي الله عنها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: "أعطيه إياه"، فقالت: "ليس لك ما تفطرين عليه"، فقالت: "أعطيه إياه"، قالت: "ففعلت"، قالت: "فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان، ما كان يهدي لنا، شاة وكفنها، فدعتني عائشة أم المؤمنين فقالت: "كلي من هذا، هذا خير من قرصك". في هذا الأثر ثلاثة مباحث: أولها: ما كانت عليه أم المؤمنين من الإيثار على نفسها، واثقة بأن الله يعوضها خيرا مما أعطت عاجلا أو آجلا، وكثيرا ما يعجل الله للمنفق الإخلاف، وهو مجرب -والله- مصداقا لقول الله تعالى "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه"، وقوله في الحديث القدسي: "يا ابن آدم أنفق أنفق عليك"، وتأمل قولها لمولاتها: "كلي من هذا، هذا خير من قرصك"، و"ما" في قولها: "ما كان يهدي لنا"؛ نافية، ويحتمل أن تكون موصولة، والأول أنسب للمقام . وثانيها: ما عرف عن الصديقة أنها تعطي القليل وتعطي الكثير، وهذا يسهل معه العطاء والإنفاق، وقد استطعمها مسكين وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: "خذ حبة فأعطه إياها"، فجعل ينظر إليها ويعجب، فقالت: "أتعجب؟ كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة"؟، وأحسب أن فعل أم المؤمنين هذا -وقد جاء عن غيرها من الصحابة- أرادت به تعليم الناس حتى لا تغلب العادة، فيصير الإحسان كالإساءة، ويفشو البخل، كما هو حال كثير من الناس اليوم، لأن غالب السائلين يسألون ليدخروا، وقد جاء من التشديد والوعيد في ذلك ما هو معروف، فينبغي للعالم بالشرع أن يقاوم ذلك، أو ليس من السائلين من لا يقبل أن يعطى عشرة دنانير؟، بل ربما اعتبرها إهانة، فليستحضر من شاء أن قيمة المد الذي جعله الشرع كفارة وفدية عند بعض أهل العلم تحوم حول هذا المبلغ، أو هي هو، واستحضر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة"، وذكر من شاء أن يتذكر بامتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أكل تمرة خشية أن تكون من الصدقة، وبمنع حفيده الحسن رضي الله عنه من أكلها قائلا: "كخ كخ!! فإنها من الصدقة"، وقال: "يا نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة"، والفرسن للشاة كالقدم للإنسان ...يتبع 14 من ذي القعدة 1440

الخاطرة ١٦١

[فوائد من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما] كتب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إلى عبد الملك بن مروان يبايعه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: لعبد الله بن عبد الملك أمير المؤمنين، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأقر لك بالسمع والطاعة على سنة الله، وسنة رسوله فيما استطعت". رواه مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه البخاري عنه أيضا قال: "شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك، قال وكتب: إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإني بني قد أقروا بمثل ذلك". في هذا الأثر من العلم : 1- بدء الرسائل بالبسملة، وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في رسالته إلى هرقل ملك الروم وغيره، فهي السنة في بدء الرسائل . * أما الخطب فابتداؤها بالحمد، كما في خطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح بها خطبه، ولم يأت عنه افتتاح الخطب بغير الحمد، وما جاء في الأحاديث من ثنائه على الله بما هو أهله؛ لا يدل على خلاف هذا . * وأما قراءة القرآن فابتداؤها بالاستعاذة من الشيطان، كما قال الله تعالى: "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم"، وقد رأيت بعضهم يبتدئ بها الخطب والدروس . 2 - وفيه تذكير ابن عمر عبد الملك بن مروان بعبوديته لله تعالى التي ينبغي أن تكون أساس حكمه قبل ذكره اسمه، فاسمه وإن كان يذكر بملك الله الحق، وأن ملك غيره راجع إليه؛ إلا أن معاني أسماء الأعلام تتناسى بكثرة الاستعمال، ثم ثلث بلقبه الذي هو أمير المؤمنين . 3 - وفيه استغناء المبايع بالكتابة عن الحضور، وهي من طرق التحمل والأداء . 4 - وفيه بيان أن طاعة الحاكم مقيدة بطاعة الله ورسوله، نصا أو اجتهادا . 5 - وفيه أنها مقيدة بالاستطاعة كغيرها من التكاليف . * وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر المبايعين بقيد الاستطاعة رحمة بهم  6 - وفيه الاكتفاء في المبايعة بإخبار الشخص عن مبايعة بنيه، ولعلهم قد وكلوه على ذلك . * ومن السنة في المبايعة مد اليد ومصافحة الرجال، وقد قال الله تعالى: "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم". * وقد كان الغلمان ينشأون على حضور مبايعة أولي الأمر وممارسة البيعة، فقد روى ابن عبد البر في التمهيد والنسائي في الكبرى عن أبي العفيف وقيل ابن المعيقيب قال: "شهدت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يبايع الناس بعد نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتجتمع عليه العصابة فيقول لهم: "أتبايعون على السمع والطاعة لله ولكتابه ثم للأمير"؟، فيقولون: نعم، فتعلمت شرطه هذا وأنا كالمحتلم أو فوقه، فلما خلا من عنده؛ أتيته فابتدأته فقلت: "أبايعك على السمع والطاعة لله ولكتابه ثم للأمير، فصعد في البصر، ورأيته أعجبه". وروى ابن عبد البر عن عمرو بن عطية قال: "أتيت عمر بن الخطاب وأنا غلام فبايعته على كتاب الله، وعلى سنة رسوله: هي لنا، وهي علينا، فضحك وبايعني". فقارن هذا الوعي السياسي وحضور المشاهد والاقتداء بالأخيار الذي كان عليه الغلمان في عهد الصحابة: (هي لنا، وهي علينا) (أبايعك على السمع والطاعة لله ولكتابه ثم للأمير) قارنه بجنون ما عليه الكهول والشيوخ المفتونين بنصر الكرة الموهوم، بل سمعت بعض (المفتين) يبكي بحرقة، ويخلط اللهو بالجد فيدعو بالنصر للهلال على الصليب:  سارت مشرقة وسرت مغربا ** شتان بين مشرق ومغرب !! . 12 من ذي القعدة 1440 •

الخاطرة ١٦٠

[نحن.. وفرنسا] أشفق على الذين يقفون إلى جانب فرنسا من غير قصد، لكنهم يخدمون غرضها بإطالة أمد الأزمة الذي قد يدخل البلاد في متاهات الفوضى . لم أكن وأنا طفل أعرف فرنسا باسمها، ولا شيئا عن موقعها وجغرافيتها، ولا عن مبادئ ثورتها الكاذبة، كنت أعرف اسمها الذي أشاعه المجاهدون في منطقة سعيدة وما حولها إبان الثورة الجهادية، وهو (الخناء)، يعرفه الصغير والكبير، هو وصف قبيح لعجوز شمطاء نطقها لا يفهم، وصورتها لا تحمد، ولا عيب في الخلق، سموها كذلك احتقارا وازدراء، وإن تجملت بالمساحيق والألوان . استقرت في أذهاننا هذه الصورة، ثم ترسخت بما عشناه وشاهدناه من القتل والتحريق، والتدمير والتخريب، والمداهمات، وتعذيب المساجين وسحب القتلى بالسيارات، وقصف الطائرات، وإقامة المحتشدات، والمناطق العسكرية المحرمة . كان يطلق على من يتجسس لصالحها (البياع)، وكان مصيره القتل، وكان التحذير من عساكرها وسياراتها أن ينادي الناس بعضهم بعضا يا البقري البقري!!، أي البقر البقر، وكنا نعرف من تجنس بجنسيتها ونمقته، بل كان لبعض سكان البوادي مقاومة سلبية لا يذهبون إلى المدن كي لا يشاهدوا المحتلين وأزياءهم . لقد استيقنا فيما بعد أن جيوش فرنسا التي ارتحلت عن بلدنا خلفت استدمارا أنكى وأخطر، خطط له بعض ساستها، ونصبوا وكلاء عنهم استماتوا في التمكين لهم، وقد صرح الجنرال دوغول بعودة فرنسا للجزائر بعد سنين في مذكراته التي سماها الأمل (!!) . فرنسا يسوؤها أن يقوم في الجزائر نظام سياسي يتخلص من نفوذها الظاهر والخفي، وتقوم المعاملة بينها وبينه على الندية وتبادل المصالح، هذا كلامنا لمن يخدمون إرادتها من حيث لا يشعرون، فليراجعوا مواقفهم، أما الذين يعلنون ذلك وهم معروفون، فهم خونة مجرمون، وشرذمة قليلون . إن رأوا في السلم نفعا سارعوا ** يطلبون السلم يخشون الردى وأسروا خلف سلم كاذب ** شن حرب تجعل السلم سدى باحتواء الجيل في أخلاقه ** صادفا بالمكر عن نور الهدى  يظهرون الحب والود لمن ** غرهم في جهلهم هذا الجدا  وهم الصياد يعطي حبه ** ليصيد الطير لا حب الندى  فلهم في وجهنا بشر بدأ ** ولهم في ظهرنا غرس المدى  إن أرونا اليوم ثغرا باسما ** فلما ينوون من غدر غدا  من قصيدة لشيخنا عز الدين علي السيد رحمه الله عنوانها (الأعداء) . 7 من ذي القعدة 1440 •

الخاطرة ١٤٩

يذكر الفقهاء باب الاعتكاف إثر باب الصيام اقتداء بالكتاب الكريم، فإنه مذكور بالتبع في سياق أحكام الصيام، مما يعني أنه كان معمولا به من قبل فرضه، فاجتمعت العبادتان على رقى المسلم مرتقى رفيعا من السمو النفسي، والصفاء الروحي. والاعتكاف ملازمة المسجد تعبدا لله تعالى مدة ما، هذا هو الحق، ومن الأدلة عليه عندي أن منتظر الصلاة بالقيد المذكور في الحديث الصحيح؛ هو في صلاة، ومنزلة الصلاة أعظم من منزلة الاعتكاف. في الاعتكاف يعتزل المسلم الحياة العامة، ويتفرغ لطاعة الله بالتفكر والذكر وتلاوة القرآن والصلاة، وهذا هو منطلق صلاحه، ومرجع كرامته وفضله، فإن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه. وفيه الاستكثار من الجانب الخالص الخيرية في الحياة، وترك ما عداه إلا ما هو ضروري. وأعظم ما يسهل به الاعتكاف أن يكون المعتكف صائما، إذ تقل حاجة المرء إلى الطعام والشراب، وقد اقترن اعتكاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصوم غالبا، بل بصوم رمضان نفسه. وفيه التعود على ترك بعض المباحات، فيسهل ترك المحظورات في سائر الأوقات، فهو في هذا نظير الصلاة والصوم والحج والعمرة. بل فيه ترك بعض القربات لأنها تنافيه، ومن الحكمة فيه تعود المسلم على التسليم لما في الشرع، غير واجد في نفسه حرجا، إذ يقال له: لا تعد مريضا، ولا تشيع جنازة، ولا تدخل منزلك، ولو كان ملاصقا للمسجد، فيربيه هذا على الدوران مع الشرع كيفما كان، ويبتعد به أن تتحول العبادة إلى أمر معتاد يفعله بالتعود، لا بالقصد إلى التعبد. فالمعتكف اذا ساوى حاله في اعتكافه حاله في غيره فلا معنى لفعله، وقد امتنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المضي فيه مع اعتياده في رمضان ثم قضاه بعد حينما رأى أمهات المؤمنين نصبن أخبيتهن في المسجد، لأنه يكون كالذي في داره، وقال لهن: "البر تردن"؟! . وقد لخص ابن العربي معناه فأجاد في قوله: "الاعتكاف ملازمة المسجد بالنية، فالنية تقطع قلبه عن الدنيا وعلاقاتها، والمسجد يمنع بدنه عن الاشتغال بأشغالها".  وأكمل الاعتكاف ما كان في أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، على هذا يحمل حديث "لا اعتكاف إلا في مسجد نبي"، متى ثبت. لكن قل أن ترى من المعتكفين في المسجد الحرام من يلتزم أحكام الاعتكاف، إما للجهل بها، أو للاضطرار إلى الخروج عنها . غالب المعتكفين لا يلزمون موضعا واحدا، فهم ينتقلون بسبب البرد أو الحر، أو جلوس غيرهم في معتكفهم، أو بحثهم عن مكان ينامون فيه، وبعضهم يخرج ليتوضأ فلا يتمكن من الرجوع إلى موضعه إلا بعد ساعات، فضلا عن اشتغالهم بما يفوت عليهم المقصد من الاعتكاف، بكثرة الكلام، والمزاح، واللغو، والاشتغال بالمكالمات، وغير ذلك، وربما اتخذ بعضهم المسجد مسكنا لا معتكفا!!. ولمالك كلام مهم في الموطإ بين فيه ما ظنه سببا لقلة اعتكاف الصحابة، لأنه يشبه الوصال، لأن ليله ونهاره سواء، قال: "ولم أر من أدركت ممن اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن". والظاهر أن الناس كانوا يعرفون أحكام الاعتكاف، فقل فيهم خوفا من عدم التزامها، وجهل من بعدهم ذلك فكثر فيهم، وكما قيل: "ويل للشجي من الخلي"!! . مكة •

الخاطرة ١٤٨

دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لنفسه ولولده ولمكة وأهلها. فمن دعائه لمكة قول الله تعالى: "رب اجعل هذا بلدا آمنا"، وقوله: "رب اجعل هذا البلد آمنا"، دعا أن تكون بلدا، أي موضعا مسكونا مستوطنا، فإن "بلدا"؛ مفعول به أول، و"آمنا" هو المفعول الثاني، أي صيره بلدا، والحضر نعمة عظيمة، كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام: "وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو"، وقال عليه الصلاة والسلام: "من بدا جفا"، والبادية خير في وقت الفتن، كما في حديث: "يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنما يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن". ولم يقتصر على الدعاء، بل قدم عليه الفعل بأن أسكن زوجه وابنه، "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير زرع"، أي غير قابل للزراعة، ولم يقل لا زرع فيه، والفرق يين التعبيرين كبير. ونأخذ منه فائدة، وهي أن خلو المكان لم يكن مانعا له من سكناه، ومن سعيه في تغيير حاله بعمرانه، ومثل تغيير حال المكان؛ تغيير كل ما ينبغي أن يغير من السلوك والعادات والأخلاق، فلا يصح أن يكون الدأب على المخالفة، ولا كثرة المخالفين؛ مانعا من النهوض بالإصلاح، والأنبياء قدوة المصلحين. ومما دعا به لمكة الأمن قبل أن تكون بلدا، وبعد أن صارت كذلك، فيحتمل أن يكون أحد الدعاءين بعد أن أسكن زوجه وولده بها، وكانت خالية إلا من القليل، والآخر قبل ذلك، فإن "أل" في قوله "اجعل هذا البلد آمنا"، للعهد، ويحتمل أنه دعاء واحد حكي بما هو متقارب، والأول هو الظاهر. وقوله: "ليقيموا الصلاة"، جعل إسكان ذريته في مكة من أجل إقامة الصلاة، وكرر النداء فاصلا بين العامل وهو "أسكنت"، وبين المتعلق وهو "ليقيموا"، أي أنه أسكنهم بمكة ليقيموا الصلاة، لا يشغلهم عنها شاغل، ومما يقوي ذلك ويساعد عليه محبة الناس لهم، وجلب الثمرات، فلذا دعا لأهل مكة بهما . وإقامة الصلاة في الحضر أيسر، لكن الجماعة إذا تركتها ولو في البدو فالشأن ما في حديث: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان." وقد اختصت الصلاة في مكة بأمرين: مضاعفة الأجر عليها في مسجدها، وقيل في المدينة برمتها بما لا نظير له، وهو مائة ألف صلاة، والثاني أنها أعظم موضع في العالم تقام فيه الصلاة؛ وقد حصل أكثر من سبعة ملايين على التأشيرة في شهر رمضان وحده كما صرحت بذلك وزارة خارجية المملكة السعودية. المسجد الحرام- •

الخاطرة ١٤٧

التقيت ثلاثة من الشباب قرب المروة يضعون على وجوههم كمامات وقاية. سألني أحدهم عنها لربطهم بين العلم ونوع اللباس، وهذا غير صحيح . فقلت: انزعوها لا تغطوا وجوهكم. قال أحدهم: هي وقاية، والوقاية خير من العلاج. قلت: هذا صواب، لكن مم تتوقى؟، إذن للزمك أن لا تنزعها في غالب أحوالك: في المساجد، ووسائل النقل، والأسواق، وغير ذلك، وليس هناك وباء يتوقى منه، والمبالغة في الوقاية تضعف مناعة الجسم، فنزعوها. وكان أحدهم مغطيا رأسه قلت له: ألست محرما؟ اكشف رأسك. قال: إذا أحرمت عند الطواف أكشفه!! قلت: "الإحرام يكون في الميقات، ثم قلت: من أي البلاد أنتم؟ قالوا: من السعودية . لا يجادل أحد في ضخامة عمل الدعاة في هذا البلد بحلقات العلم والدورات العلمية وطبع الكتب ونشرها والمطويات والتسجيلات الصوتية، والفتاوى، وغيرها، ومع هذا فإن الكثير من الشباب لا يستفيدون من هذا الجهد الكبير لأن هذا النشاط قد بني على أساس أن المستمع هو الذي يأتي ليستفيد، وهذا هو الأصل حيث كان الناس يعرفون أهمية طلب العلم . أما والأمر ليس كذلك فيتعين أن تكيف وسائل الدعوة على أساس ثان وهو أن يذهب الداعي إلى حيث المدعو، وأن يقترب من اهتمامات هؤلاء حتى يتسنى له إفادتهم. مكة • •

الخاطرة ١٤٦

قيل إن رئاسة الجمهورية ألغت الامتيازات التي خصت بها الطرقية، لأن صلاحيات الرئيس محدودة!! فحضرتني أمور رأيت أن أذكرها باقتضاب لما فيها من العبر. التقيت الرئيس المستقيل بمدينة سيق غداة السماح له بالعودة إلى الجزائر قبل توليه الرئاسة بمدة في مأدبة غداء بمنزل أحد إخواننا المتطوعين في المساجد، وهو (...)، وكان في المجلس الشيخ الطيب بويجرة رحمه الله، فقبل الرئيس رأسه، وأراد أن يفعل مثله معي فأبيت، فكان مما قاله معلقا على امتناعي "لسنا شيئا بدونكم"!! فأستثقلت العبارة، ثم أخذت منها ومن قرائن أخرى توجه الرجل إزاء الطرق الصوفية . وقد انتعشت الطرقية في عهده حتى كان له مستشار يعنى بشؤونها، وصارت بوابة لا بد لمن أراد الوصول الى منصب عال في الشؤون الدينية أن تكون راضية عنه، بل إن بعض أئمة المساجد الذين كانوا أعضاء في أحزاب إسلامية وكنت أنهاهم عن الانتماء الحزبي غيروا صلاتهم لأنها تفوت عليهم غنائم القرب من أصحاب (الحل والعقد)، وتجعلهم موضع ريبة !!، ثم ألصقت بنا الحزبية، وصرنا موضع ريبة. وكما نال بعض الأئمة والدعاة حظوة بتقربهم من الطرق حورب بعضهم تحت علل مختلفة. استمتع القوم بخلاقهم أنواعا من الاستمتاع: يتبرك بهم، وتنطلق الحملات الانتخابية بزيارتهم؛ وتصرف لهم الأموال في حساباتهم الشخصية بحجة إعانة الزوايا، وتعزي الرئاسة في موتاهم، ويتكفل بمداواة مرضاهم، وتدفع الدولة أموال إقامتهم في الفنادق، وينالون حصصا من دفاتر الحج، وتوهب لهم الأراضي لبناء الزوايا، وتتولى وسائل الإعلام الرسمية ترويج نشاطاهم حتى كأنها خاصة بهم، فهل يفتح ملف الفساد المالي المتعلق بهم أم أنه هين قليل ؟ . كان الأمر في عهد النظام الاشتراكي مختلفا، وأذكر أن جريدة الشعب كتبت يوما في عهد الرئيس بومدين رحمه للله عنوانا كبيرا (الطرقية أعداء الثورة)!!، وكان موقف مولود قاسم وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية من المتصوفة معروفا، مع أنه كان يفرق بين جهد الطرقية في مقاومة الاستدمار كما كان يسميه، ويذكر له أمثلة من التاريخ؛ وبين تصوف الزردة والوعدة والقعدة والهردة، وهو الغالب على الذين رفع النظام من شأنهم . وأبرز من عمل على تقريب الطرقية من نظام الحكم هو العربي بلخير، ثم استمر مركزهم في التنامي على عهد الشاذلي بن جديد رحمه الله وتدعم بصلة المصاهرة التي تربطه بإحدى زوايا الغرب. ثم اتجهت السلطة إلى تأييد إنشاء تنسيقية للزوايا غداة أحداث التسعينيات، أعني سنة 1992، وقد كان رئيسها هو الشيخ محمد شنتوف المعسكري الذي كنت أدرس في زاويته، وتلقيت الأذى جراء ذلك من الحمقى الذين لا يعلمون، فلما رأته السلطة عصيا على مرادها، ورصدت سعيه في تعديل نشاطات الوعدة في موطن أجداده بماوسة أوعزت إلى الانقلاب عليه بنصب غيره مشرفا على التنسيقية، فلما دخل إلى أحد الاجتماعات وجد رئيسا جديدا قد سبقه!!، وأخبرني أنه قد سحب منه جواز السفر مدة ما، وقد سعى في عقد تحالف سياسي مع الشيخ عبد الرحمن شيبان والشيخ محفوظ نحناح، لكنه أجهض . ومن الزوايا التي نأت بنفسها عن توظيف السلطة لها في السياسة زاويتا الهامل في بوسعادة وزاوية طولقة في بسكرة التي استقال رئيسها من المجلس الإسلامي الأعلى لرفضه إقراض أموال الزكاة في نطاق تشغيبل الشباب، وألقى محاضرة يشرح فيها موقفه !! .  كان وراء لجوء الحكام إلى الطرقية أمور منها مواجهة ما يسمى الإسلام السياسي، ومنها الدفع في وجه التوجه السني السلفي الذي ارتكب بعض دعاته أخطاء ما زالت آثارها تضر بالدعوة إلى اليوم، ولم يقلعوا عنها بعد مع ما تعرفه بلادهم من أحداث . ثم اعتضد التوجه الطرقي بشعار المرجعية الوطنية التي روج لها طويلا، وضيق بها على أئمة واختلط فيها الحق بالباطل، وليست هذه إلا لمع يحتاج بسطها إلى طول. قبل أشهر قال أحد كبار المسؤولين في جهاز تابع لرئاسة الجمهورية هناك خطة (جهنمية) لتهميش الزوايا، وكنت قد قلت لبعض الإخوة قبل ذلك إن الحكام قد استنفذوا مصلحة توظيف الطرقية لخدمة سياستهم، كما هو شأن قصاع الوعدة فكان أن انضاف إلى هذا العامل غيره وهو ما تعيشه بلادنا من أحداث، فهل من معتبر؟. المسجد الحرام •

الخاطرة ١٤٣

ينبغي أن تستعيد اللغة العربية مكانتها في برامجنا التعليمية وفي إداراتنا، وحياتنا العامة، هذا من أحسن ما تُخيّب به أمال حزب فرنسا الذي تغلغل في مواقع حياتنا المختلفة، حتى صار الوزراء وغيرهم من المسؤولين لا يقيمون للعربية وزنا، بل الكثير منهم يتحدث في المحافل الدولة بلغة من كان محتلا لبلادنا، مع تدني مستوى  هذه اللغة وتراجعها في ميادين العلوم المعاصرة. لقد صدر قانون اللغة العربية قبل ثلاتين سنة. ثم جُمد وهو إلى الآن معطل؛ فلِمَ لا ينفض عنه الغبار، وتعاد له الحياة؟ ومن بين ما فيه أن كل وثيقة بغير اللغة العربية فهي غير رسمية، وفيه إلزام المسؤولين بمخاطبة الناس بها. كان طلاب الجامعات في السبعينات من القرن الماضي يَفرضون على من يتحدت اليهم في محاضرة أو غيرها أن يتكلم بالعربية وأذكر أن محمد الصديق بن يحي وزير الخارجية السابق رحمه الله امتنع الطلاب من الاستماع إليه بغيرها ففعل، كان ذلك في ملتقى الفكر الإسلامي المنعقد بوهران سنة 1974، ومثله قايد أحمد مسؤول جبهة التحرير رحمه الله، فلما اعتذر بأن المحاضرة دقيقة، وأنه لا يتقن العربية انسحب الطلاب فغضب، وتدخل علال الفاسي ليخفف من القلق والاضطراب ومما قاله أن لغة المحاضرة وإن كانت فرنسية، فإن المضمون كان إسلاميا عربيا؟؟ وأحسب أن التعليمة التي أصدرها عبد المجيد تبون رئيس الوزراء المقال بإلزام الوزراء الحديت بالعربية، وكلامه على المسجد الأعظم بالعاصمة ورمزيته، والموضع الذي أقيم فيه كانت من أسباب إقالته المفاجئة. ومن بين ما لاحظته منذ مدة ونوهت به أني لم أسمع بيانا أو خطابا صادرا عن الجيش الوطني الشعبي، والدرك الوطني، والأمن الوطني، والحماية المدنية والجمارك، بغير العربية، فهنيئا لهم هذا الالتزام بثوابت الأمة الذي سبقوا به غيرهم، ونسأل الله أن يوفقهم إلى التمسك بدينهم وطاعة ربهم. المدينة في 18رمضان 1440 •

الخاطرة ٦٣

هذه خواطر شتى من عهد الثورة الجهادية، وهي قليل من كثير، كل منها محتاج إلى أن يكتب عنه على انفراد، هاجمت خاطري على حين غفله، فلم أملك سوابق العبرة، ولا صرف ما حركته في نفسي من شجن، وما هاجته من حزن، بل أبكتني كما لم أبك من قبل إذا ذكرت عهد الصبا، فكان أن دونت هذا أتخفف به، وقد استحضرت قول بعضهم: ذكريني طفولتي وأعيدي ** رسم عهد عن أعيني متوار يوم أمشي على الطلول السواجي**لا افترار فيهن غير افتراري نزقا بينهن غرا لعوبا **لاهيا عن تبصر واعتبار!! ما تذوقت معنى الجهاد؛ ولا وجدت له في نفسي تلك الهيبة والرهبة والحب؛ كما وجدت ذلك حين رأيت كتيبة من جنود جيش التحرير في منزلنا وعمري إذ ذاك تسع سنوات، وما زلت كلما استحضرت ذلك المنظر وجدت للجهاد معنى يختلف كثيرا عما علمته بعد من أقوال الناس وسيرهم. وأذكر المخابئ التي كانت مبثوثة في ديارنا بعضها في الاصطبلات، وبعضها في الجبال، وأعرف واحدا منها على بعد كلومتر من منزلنا، وقد دخلته، وهو يسع أكثر من خمسة عشر نفرا. وأذكر أننا كنا نتطلع إلى سماع الأخبار وكنا نسر كثيرا إذا وجدنا من عنده المذياع فنستمع إلى إذاعة صوت العرب من القاهرة، وكان امتلاك المذياع جريمة قد يعاقب عليها بالقتل، أما المقروء فالجريدة المسماة (صدى وهران) وهي باللغة الفرنسية. وأذكر تلك القصيدة التي نظمها من سمى نفسه فيها المولود بن عودة رحمه الله عن معركة المناور الشهيرة بمنطقة البرج، فتناقلها الناس، وبلغت مدينة سعيدة، وصف فيها المعركة وصفا دقيقا، وهي من الشعر الملحون، فليعذرني القارئ إن ذكرت شيئا منها، فإن هذا الشعر لا يستقيم النطق به إلا إذا تلقي مشافهة، ومنها: ربعين مية سلحت من الخزيان ** بمدافع ويشار وسواحيق خرين زادو يوصوا في نساهم والصبيان ** هذا اليوم اللي نجيبوهم حيين الطائرات في السما تحسب عقبان ** من يحسبهم قال ست وثلاثين... وأذكر أنه لما هدمت منازل والدي وأخويه اعتاضت أمي عن بيتنا بخيمة تستخف في الظعن والإقامة، وقد كانت تنتقل بأولادها كلما تطلب أمر التخفي ذلك. وأذكر أخي عبد الكريم رحمه الله الذي كان في سن الرضاع، فانتزعه أحد عساكر المستدمر من حضن أمي، ورماه، فمات بعد أيام. وشيخي وهو ابن عمي الجيلالي الذي تولى تحفيظي القرآن الى سورة الروم ما بين سنة ١٩٥٤ و١٩٥٧ ثم التحق بالثورة هو وبعض رفاقه من حفاظ القرآن الكريم، ثم اعتقل بعد سنوات جريحا، ثم قتل سنة ١٩٥٩ ولا يعلم قبره إلى الآن. وقد سبقه في تعليمي أنا وإخوتي وأبناء عمي أحمد، وغيرهم من السكان القريبين منا الشيخ عبد الرحمن المغربي الذي رجع إلى بلاده بعد قيام الثورة، وكان مقامه في بيت اشتهرت باسم (دار الطالب)، والطالب في عرف الناس يومئذ هو حافظ القرآن.  وعمي الأكبر محمد الذي ألقي عليه القبض قرب الحدود المغربية سنة ١٩٥٨، فجيء به إلى مدينة عين الحجر وطلبوا منه أن يعلن في الناس أن الثورة قد انتهت، فعثر عليه ميتا في السيارة وما عرف سبب موته إلى اليوم. وأذكر أن أحد أقاربي وهو الحبيب سلام رحمه الله قتله جماعة من الظلمة في ظروف غامضة فلم يجدوا من يغسله فبعثوا من يحضرني من مدينة سعيدة لتغسيله، ظنا منهم أني أعرف، وعمري ١٢ سنة.  وأذكر أن والدي رحمه الله وهو لا يعرف القراءة كان يكلفني أن أقرأ الرسائل التي تصله من قادة المجاهدين في بيت يقع في مؤخرة متجر لبعض أصدقائه كان يرتاده، فأقرأ له كل ما في الرسالة: ولاية كذا، منطقةكذا، قسم كذا...، ولعل الأمر قد بلغ المخابرات الفرنسية، فحملوني في سيارة "جيب"، مرة أو مرتين لاستجوابي، وغادر هو بيته، وعمل على ذهابي إلى مدينة سعيدة لمواصلة حفظ القرأن الكريم. وأذكر زيارة الجنرال دوغول لمدينة سعيدة والتجمع الذي أقيم بتلك المناسبة في الساحة العامة بهذه المدينة، وكان العسكريون كثيرين، وأحسب أنه كان سنة ١٩٥٩. وأذكر أن الوعي السياسي قد نضج في وفي أقراني وأنا كنا نتحدث عن الثورة، فإذا حضرت جدتي لأمي التي كنت أقيم عندها في حي (دوي ثابت) بسعيدة غيرنا مجرى الحديث، وأنها كانت تتفطن للتعمية التي كنا نلجأ إليها وتستغربها وتنكر ذلك للخوف علينا، ومما كنا نتندر به أنها بينما كانت تصلي العشاء إذ سمعنا طلقات نارية فقالت: الله أكبر أطفئوا الضوء!! وقد كان ابن خالتي وهو أكبر منا يدربنا ويستعين بنا في الحراسة ليلا حين قامت منظمة العمل السري.  وأذكر أن أمي سجنت مدة يسيرة وأن والدي قد نصبت له كمائن ثلاثة وأطلق عليه الرصاص من قرب ثلاث مرات فلم يصب بأذى حتى ظن الناس أن معه ما يمنع نفوذ الرصاص فيه، وقد كانت عباءته السوداء مخرقة جراء ذلك. وأذكر أنه لما اعتقل عومل معاملة العسكريين، مع أنه ألقي عليه القبض في لباس مدني، فذهب بنا بعض الأقارب الاداريين أنا وإخوتي إلى أحد الضباط الفرنسيين لاستعطافه لعله ينقله إلى المساجين المدنيين، وأن ذلك قد حصل، فسجن في معتقل سيدي الشحمي حيث ذهبنا لزيارته، وأذكر.. وأذكر.. فلنكتف بهذا. بن حنفية العابدين-

الخاطرة ٦٢

التبرعات التي تقدم لبناء المساجد معظمها تبرعات عينية، وهي مواد البناء ونحوها، وما يقدم نقدا هو الأقل، وذلك لحرص المتطوعين على توجيه أموالهم إلى ما قصدوه، وكثير منهم يعينون ما يريدون أن تصرف فيه أموالهم، وربما تكفل بعضهم بدفع أجرة البناء، أو الفرش، وغيرها من التجهيزات. فعلى أولي الأمر وهم يخططون لاستحداث نظام جديد لإدارة أموال بناء المساجد أن يكون هذا التنظيم مشتملا على المرونة اللازمة التي تستوعب مثل هذه الأمور، حتى لا تعطل حاجة الناس المشروعة إلى هذا البناء، وقد يستبعد أن يقوى النظام الإداري وهو في معظمه يابس جامد على استبقاء مميزات عمل الجمعيات وما فيه من الجهود الفردية والجماعية والاتصالات والصلات، والله الموفق. بن حنفية العابدين -

الخاطرة ٦١

خطا معالي وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى خطوة طيبة نافعة إن شاء الله حين قرر منع التوصيفات المذهبية التي استغلها الغوغاء والرعاع من الجانبين، فطاروا بها كل مطار، وخرجوا بها عن حدود العلم والأدب، وعن المقصود بتلك الأوصاف في الأصل، وهو حاجة عموم المسلمين إلى هذا البناء العلمي الشامخ الذي شاده أئمتنا رحمهم الله، وقد نختلف مع معالي الوزير في بعض تفاصيل هذا القرار التي لا نعرفها، لكن هذا لا يمنع من تأييد قراره والدعاء له أن يوفقه الله إلى كل خير. ولعل مما قصده الوزير أن المذاهب الفقهية ما كانت في حاجة ولن تكون إلى أن يدافع عنها بهذه الأساليب المسفة التي انتشرت في المدة الأخيرة، وجاءت ردة فعل لكلام صدر عن بعض الناس جانبه الاتزان والرصانة العلمية ومراعاة مصلحة الدعوة التي جنوا عليها جناية كبيرة. لقد أطفأ الوزير بعمله هذا نارا كان يراد إيقادها بحدة الخطاب، وما أسميه بالشحن الفئوي الذي كان في طريقه إلى زرع بذور انقسام طائفي، فعاجل بقراره هذا المحذور، وأوقف انتشار هذا الداء، وقد كنت والله أتوقع منه شرا، وكتبت عنه قبل ثلاثة أشهر، فذكرت قول بعضهم:  "وإن النار بالعودين تذكى ** وإن الحرب أولها الكلام". إن هذا الذي ارتآه معالي الوزير هو ما أدعو إليه وأسعى جهدي في حمل الناس عليه، منذ خمس عشرة سنة معتقدا أن تقرير المرء ما يراه في المسائل العلمية يتعين أن يراعى فيه بعد التأصيل العلمي الهادئ أن لا يمس بأمن مجتمعه وسكينة وطنه، وهو الموقف الوسط في النظر إلى المذهبية بين الجفاة والغلاة. بن حنفية العابدين -

الخاطرة ٥٩

احتضنت بلادنا ملتقيات الفكر الإسلامي كل عام مدة عقدين، غبت عن أربعة منها أو خمسة، وعقد أحدها في تمنغست سنة ١٩٧٩، وكنت مع الذين ذهبوا إلى إحدى قمم جبال الهقار البعيدة عن عاصمة الولاية بثمانين كلومترا تقريبا. كان الطريق وعرا لا تسلكه إلا السيارات الرباعية الدفع، واستغرقت الرحلة ساعتين، ثم ترجل المسافرون عند سفح الجبل ليتمكنوا من الصعود رجالا إلى القمة. واجتمعوا قبل ذلك ليصلوا قصرا وجمعا، فقلت للشيخ محمد كتو رحمه الله مازحا: لا يجوز القصر لأنه سفر معصية!! فثار كعادته، وتلا بعض الآيات التي فيها الأمر بالسير في الأرض للنظر والاعتبار، وقال لي أحد التونسيين غاضبا: نحن الحنفية يجوز القصر عندنا في سفر المعصية!! كان الصعود شاقا، أدى إلى تقطع سراويلات أحد الأساتذة هو الدكتور عبد الحليم عويس، فطفق يبحث عن إبرة وخيط يرتق بها فتق (سرواله) فما وجد!! فقلت: علك تجد بغيتك عند سائح بلجيكي كان هناك، فحصل ما ظننت!! أما قمة الجبل فمسطحة، حجارتها ملساء صلداء، تتوسطها غرفة يقيم فيها اثنان من رجال الدين النصارى حيث آثار شارل دوفوكو العسكري الفرنسي الجاسوس الذي عاش بين الطوارق على أنه راهب كاثوليكي، ثم قتل حين اكتشف أمره!! كان الراهبان ينزلان كل نصف شهر الى تمنراست سيرا على الأقدام لقضاء بعض الشؤون، وكانا يكتفيان بالخضر التي ينتجانها، فقد غطيا القمة بالتراب، وجهزا محيطها بنظام ري محكم: براميل موزعة على مسافات منتظمة موصولة بقنوات تنقل إليها مياه الأمطار الانقلابية، لتخزن ثم تسقى بها الخضر والبقول!! وخلال سفري إلى بعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي البائد علمت أن ثلث ما يحتاجه سكان موسكو من الخضر ينتجونه في سكناتهم!!  تذكرت هذا حين دخلت مزرعة في سهل غريس أقيمت على ربوة طالما مررت عليها، مساحتها ثماني هكتارات فيها وعورة، ذكر مالكها أنها كانت مواتا فأحياها، لكني استغربت لما أخبرني - وهو صادق - أن الربوة كانت صخرية، وأنه اقتلع صخورها، وجلب إليها ١٨٤٦ شحنة تراب في كل حمولة ١٥ طنا: (٢٧٦٩٠٠ قنطار)، وغرس فيها ٤٠٠٠ شجرة عنب و٤٠٠٠ شجرة حب الملوك!! وأن الدولة ملكته إياها بعدئذ!!  فهل يعقل أن يعيش بلدنا ومساحته تزيد على المليوني كلم٢ على استيراد أزيد من نصف ما يحتاجه من القمح؟!!! بن حنفية العابدين-

الخاطرة ٥٨

القرآن والصلاة متلازمان، فإنها صلة بين العبد وربه، وأعظم الصلة أن يقرأ كلامه، ويناجى به، فإن المصلي يناجي ربه. وقد رافقت الصلاة أوائل السور نزولا قبل أن تفرض الصلوات الخمس بثلاث عشرة سنة، وسماها الله قرآنا، لأنه أعظم أجزائها، إذ لا صلاة بدونه، وأقله قراءة فاتحة الكتاب، فقال: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا"، وقرآن الفجر هو فريضة الفجر، وقال: "فاقرأوا ما تيسر من القرآن"، والمقصود صلاة الليل، خفف الله به عن المؤمنين الذين أقتدوا بنبيهم فقاموا كما كان يقوم. وأعظم أحوال تلاوة القرآن أن تكون في الصلاة كما قال سبحانه: "ولذكر الله أكبر"؛ أي ذكر الله في الصلاة أكبر منه خارجها، والقرآن أعظم أنواع الذكر، بل هو الذكر، فلهذا سمى الله القراءة صلاة؛ فقال: "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا".  وجمع الله تعالى بين أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بقيام الليل وأمره بترتيل القرآن فقال: "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا".  وجاء هذا الجمع في قوله تعالى: "اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة"، وقوله: "إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور"، فهذا وصف المؤمنين. أما المنافقون فقال عنهم: "وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا"، جمعوا بين الكسل في الصلاة وبين قلة الذكر فيها، والقرآن أعظم الذكر.  وخص الشرع رمضان بصلاة التراويح التي هي قيام الليل وجعلها صلاة جماعة لا نظير لها ليشترك المسلمون في سماع كلام ربهم، فكأنها تعويد لهم على قيام الليل الذي هو دأب الصالحين. فلم لا نصطحب هذا الذي تعودناه في شهر رمضان إلى غير رمضان، ولو بركعتين في الليل، فيمتد هذا الخير في حياتنا، ويبقى أثر رمضان في نفوسنا؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة: "من قرأ بهما في ليلة كفتاه"، وسورة البقرة أطول سور القرآن، ومما قيل في الكفاية هذه: كفتاه من قيام الليل، وأحسب أن من قام بهما انتهى إلى القيام بأكثر منهما، فهو تربية للناس وتدرج بهم كي يعتادوا الخير، وقيل كفتاه من كل سوء، وقيل بما فيهما من الاعتقاد، والكل إن شاء الله مراد.  بن حنيفة العابدين-

الخاطرة ٥٧

الغالب على الناس إذا فرطوا في المخبر عوضوه بحسن المظهر، يغطون ما تشعر النفس به من النقص، لكنه غير مطرد، وسبب ورود حديث "إن الله جميل يحب الجمال"؛ دليل على عدم الاطراد. وفيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم - وهو ضعيف - إشارة إلى ذلك الترابط: "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم"، وقال: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد"، وقال المتنبي:  أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ** مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب!!  حسن الحضارة مجلوب بتطرية ** وفي البداوة حسن غير مجلوب. وقال آخر:  وما الحلي إلا زينة من نقيصة ** تتمم من حسن إذا الحسن قصرا **  فأما إذا كان الجمال موفرا ** كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا!! غابت الأضواء عن محيط مساجدنا العامرة ومداخلها، وأمسك القائمون عليها عن السرف في إيقاد المصابيح فأحسنوا، وهو خلاف المعتاد في شهر رمضان منذ عقود!! لكن ذلك ما نقصها أنوارها، ولا غض من بهائها، فإنها يشهد لله فيها بالإلهية ولنبيه بالرسالة، ويتلى فيها كلامه، ويسبح فيها بحمده، ومن لم يشهد الجمال إلا في الصورة فما عرف من الحسن إلا قشوره!! وقد قيل:  إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ** وأعضائها فالحسن عنك مغيب!! وقلت الأعلام الوطنية التي دأبت مصالح البلديات على تزيين محيط المساجد بها في رمضان وغيره من الأعياد والمواسم!! تأسفت لهذا الذي رأيته، لكني لم آس لفقده، بل تمنيت أن لو كان الحامل عليه ترشيد الإنفاق واجتناب التبذير والإسراف في وقت السعة والميسرة؛ فيؤجر الفاعل لأنه قصد الامتثال، لا لضيق الحال!! كنت أود هذا كلما حلت مناسبة؛ لا لأني أستكثره على بيوت الله، أو لأني أنكر أن العلم رمز الوطن، بل لما أدين الله به في حكمه، ولما أراه من المبالغة فيه. قال ابن الحاج المالكي رحمه الله في كتابه المسمى المدخل: "ولا يزاد في ليلة الختم شيء على ما فعل في أول الشهر، لأنه لم يكن من فعل من مضى!! خلاف ما أحدثه بعض الناس اليوم من زيادة وقود القناديل الكثيرة الخارجة عن الحد المشروع، لما فيه من إضاعة المال والإسراف والخيلاء"!! لطالما مررت ببعض المدن فألفيت الأعلام الوطنية من مختلف المقاييس قد غطت السماء على امتداد عشرات الأمتار، أو زينت بها جوانب الشوارع، وقد يبقى عليها كذلك شهورا، فإذا حضرت مناسبة أخرى فقد يستغنى عنها، وتبرم صفقة جديدة يهدر بها المال العام، وهكذا دواليك، فما ذا لو عدلنا عن هذا إلى لوحات من الخشب أو غيره على الشكل والحجم المرغوبين، نرقم عليها ما نشاء، وننصبها للتزيين، ثم نحفظها للمناسبات القادمة بدل هذا الذي نراه ؟  بن حنفية العابدين-

الخاطرة ٥٦

مما قرأته اليوم أن مجلس الوزراء قرر أن قفة رمضان تتم من قبل الدولة عن طريق مساعدات مالية بواسطة صكوك أو عمليات نقدية إلكترونية...". إنه تصحيح لخطإ دأبت عليه الجهات الرسمية والجمعيات الخيرية في رمضان وفي غيره، ويلحق به الزواج الجماعي!! والختان الجماعي!! وبعض البرامج التلفزيونية، وغيرها كثير. إن نفع الناس على هذا النحو ينزع عنهم خلق الاستعفاف، ويورثهم الجرأة على السؤال، وقد تسببنا للناس في الكسل، والقعود عن العمل، أيام البحبوحة المالية!! في عهد الاختيار الاشتراكي!! وعهد الانفتاح الاقتصادي.  كثيرا ما يتسبب التصدق على الشخص ولو سرا في تعويده أن يسأل الناس، فيزول عنه ذلك الوصف الحميد الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "...ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله...". وقد يلح في السؤال حتى يهجر الحياء وجهه، فيعاقب بهذا الذي في قول النبي ق: "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش، أو خدوش، أو كدوح"، قيل: وما الغنى؟ قال "خمسون درهما أو قيمتها من الذهب"، وفيه الجزاء من جنس العمل، فإن الوجه هو الذي يواجه به السائل الملحف. وقد اختلف حد الغنى الذي لا تجوز معه المسألة في الأحاديث، فجاء أنه خمسون درهما، وجاء أربعون، وأدناه هو"ما يغديه ويعشيه"!! والظاهر اختلافه باختلاف الأحوال، والأدنى هو الأصل، لأن المسألة لا تكون لأجل الكنز. ويقويه ما قاله العلماء من أن المسلم تجب عليه زكاة الفطر فيما زاد عن حاجته في يوم العيد، ففيه تعويد له على العطاء وإن كان يجوز له أن يأخذ الزكاة، فإن هناك فرقا بين عدم حل المسألة، وبين جواز إعطاء الزكاة.  منذ سنوات أعطيت شخصا شيئا من المال أوكل إلي بعضهم توزيعه لعلمي بحاجته، ولما أراه من رثاثة ثيابه، وضمور جسمه، وأثر ضيق الحال على وجهه، مع كبر سنه، لكنه مع ذلك دائم البشر والانشراح!! ثم التقينا بعد يوم فأسرع نحوي، وهم أن يقبل رأسي فمنعته!! واستغربت لما علمت أنه أراد بذلك أن يتلطف في رد المال إلي معتذرا بأنه غير محتاج!! فأبكاني حاله، وصار هذا الأمر يقلقني والله كلما هممت أن أفعل مثله، لخوفي أن أعلم المعطى ما لم يتعلمه من قبل.  صفات خمسة ذكرها الله تعالى فيمن أمر أن ينفق عليهم من المسلمين، لأنهم أولى من غيرهم، قيل إنهم أهل الصفة، قال الله تعالى: "للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا". وهذه الصفات هي: ١ - الفقر. ٢ - الإحصار في سبيل الله المانع من الكسب. ٣ - عدم استطاعة العمل.  وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمن سأله: "إن شئت أعطيتك، ولا حظ فيها لغني، ولا لذي مرة سوي". ٤- التعفف عن السؤال، فلا يتفطن لهم الجاهل بأمرهم وحالهم، وفي الحديث: "...ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يتفطن له التصدق عليه".  ٥ - عدم الإلحاف في السؤال إن وجد، أو عدم السؤال أصلا، وهو الراجح للسياق. إن قرار مجلس الوزراء تصحيح لخطإ، لكن يخشى أن يحصل في عملية الإحصاء الجديدة ما حصل في تشغيل الشباب وغيرها! بن حنيفة العابدين-

الخاطرة ٥٥

نحن محتاجون إلى أن نتكلم مجددا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعظيم منزلته في ديننا، والأخطاء الفادحة التي وقع فيها من يظنون أنهم يقومون به. إن الناس فيه أصناف: غلاة، وهم الذين تجاوزوا ما شرع الله لهم فيه مما في استطاعتهم إلى ما لم يشرع لهم، فخرجوا على الحكام فسفكوا الدماء، وجلبوا على الأمة ما تراه من الفتن. من يقومون به في المحاضرات والخطب والفتاوى والكتب ونحوها، لا يتجاوزون ذلك. الغافلون عنه في الحياة العامة حتى كاد يترك مع تيسره، وأثره العاجل النافع، وهذا يشترك فيه الناس الا القليل. المتحدثون والكاتبون للمنشورات في وسائل الاتصال المختلفة، وفيهم من لا يلتزم القواعد الشرعية، والآداب المرعية، ولا يراعي المآلات، ولا المفاسد المترتبة على ما يقوله ويكتبه، بعد التسليم بأن كل ما يقال حق في نفسه، فيقع في ظلم الأفراد وظلم الدعوة معا. إن هذا الأمر من خصال الإيمان العظيمة، ومن أكبر وسائل حفظ هذا الدين، بل هو سياج حفظه. هو كذلك: بما من الله به على هذه الأمة من التفضيل به والامتنان. وهو من مقتضيات عقد الإيمان. وهو جزاء حصول التمكين والسلطان. وهو كمال هذا الدين خاتم الأديان فالأول قول الله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"، فهو أول ما استوجبت هذه الأمة به الخيرية بعد الإيمان والثاني قوله تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"، وهذا واجب جماعة المسلمين مع السلطان أو بغير سلطان، لأن من أعظم ما يقتضيه ولاء المؤمن أخاه حرصه على إيصال الخير له، وأول الخير وأعظمه تمسكه بدينه وبقاؤه عليه. والثالث قوله تعالى: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر"، وهذه مهمة الدولة، وهي مهمة الفرد أيضا.  والرابع قوله تعالى: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر"، وإنما خص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الصفة لكمالها فيه، كما لم تكمل في غيره من الرسل، بعد استقرار التشريع وانتهائه برسالته، وإلا فجميع الرسل يشتركون فيه، وكمال أمته من كماله. يتعين على المؤمنين ولا سيما الدعاة أن يعلموا ما ينبغي معرفته من قواعده، ويحرصوا ما استطاعوا أن يراعوها في دعوتهم، وينبهوا غيرهم: هو واجب على كل مسلم في حدود ما يعلمه من دينه، ما لم يكفه غيره، ومن قال بخلاف هذا لزمه أن يقول بجواز جهل المسلم لدينه كله! وأنه كغيره من التكاليف الشرعية مقيد بالاستطاعة. وقد جعل الشرع تغيير المنكر ثلاث مراتب، باليد واللسان وبالجنان، فهو لا يسقط عن عاقل بحال كالصلاة تؤدى ولو بالإيماء.  والحكمة من لزوم تغيير المنكر بالقلب من غير قيد أن لا يرضى المسلم بالمعصية، وأن ينتقل إلى المرتبة الأعلى متى قدر.  وأن يأمر وينهى عما هو مجمع عليه.  وأن يتريث فيما كان الخلاف فيه قويا معتبرا. ولا يجب الإنكار على من فعل شيئا مجتهدا فيه أو متبعا لمجتهد. وأن ينهى عن المنكر الموجود، لا أن ينكر أمورا لا يعرفها الناس فيحييها فيهم بسوء صنيعه!! كأن المقصود مجرد الكلام!! الكلام على المنكر المفقود أو الذي يتداوله الخواص في الوسائل العامة هو دعوة إليه وترويج له. البيان يحصل بالمرة كما تبرأ الذمة بها فليكتف بذلك. وإذا علم أنه لا يستجاب له فقد اختلف في إيجابه عليه. أما إذا كان تكرار الكلام استعداء للمخالف وتهييجا له وهو المالك لأزمة الأمور فأين المصلحة فيه؟ لا يبعد أن يقال هو أمر بالمنكر لا نهي عنه!! وعليه أن يترك المراء والجدال متى علم أنه لا فائدة فيه غير اللجاج، ودفع المخالف إلى مزيد من التمسك بما هو عليه، كحال بعض مسائل هذا العصر، وما كثر فيه السجال في بلادنا هذه الأشهر. وليفرق بين ما يتعلق بشخصه وغيره، فله أن يسكت عن الأول على أن يتدارك ما انتقد عليه متى رآه حقا.  أن لا يتسبب الإنكار في حدوث ما هو أعظم من المنكر الموجود. أن يعرض عما هو أخف لتغيير ما هو أعظم إذا لزم الأمر، ويسكت على جهة لخفة ضررها اشتغالا بجهة أخرى لعظم ضررها، أو يوزع جهده بحسب الضرر!! أن يكون أمره ونهيه برفق ولين.  وبعد: فليعلم أن الباعث على هذا الواجب أمور يعلمها المسلم من نفسه، والله أعلم به من علمه بنفسه، فليحذر مما يحبط عمله، وإن انتفع الناس به!! وقد أشار بعض أهل العلم إلى الخمسة الأولى منها وأضفت ما تراه، وقد يدخل بعضها في بعض، فمنها: رجاء الثواب من الله بفعله. خوف العقاب منه بتركه. الغضب لله على انتهاك محارمه. إجلال الله وإعظامه ومحبته. نصيحة المؤمنين باجتناب عقابه. الخوف على الحياة من فساده. جريان عادته به ووروده على لسانه. شهوة الكلام والرغبة فيه. نيل المنزلة والزعامة باصطناعه. البرهنة لجماعته بمضيه على عهده!! الحصول من الحياة على متاعه وحظه فاختر لنفسك ما تشاء من هذه الأغراض وأعد للسؤال جوابا فإنك مسؤول والله. قد يقال ما لنا ولهذا الكلام غير المناسب لهذا الشهر العظيم الذي يحسن أن تتوجه العناية فيه إلى ما يرقق القلب، ويهذب الروح، ويربط بالآخرة، ويزهد في الدنيا، ويحض على نوافل الصالحات من تلاوة القرآن والصلوات والصدقات، والجواب أنني فضلت هذا على الانتصار للنفس بالحق ممن فجروا في الخصومة، وحسبي من الانتصار قول ربي: "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون". بن حنفية العابدين - ١٨رمضان ١٤٣٩

الخاطرة ٥٤

اشتكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لربه هجران قومه القرآن: "وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا". وما ذا يفعل وهو حجة الله العظمى عليهم وقد أعرضوا عنه؟ بل تواصوا بعدم سماعه!! وعلقوا غلبتهم للمسلمين على تجاهله!! وسماعه مقدمة تدبره، ومسلك التأثر به، ثم الإيمان به، والاهتداء بما فيه، ولهذا أمر الله بهذه البداية التي لا بد منها، وعلق عليها رحمته في قوله: "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون".  سد الكفار على أنفسهم أول أبواب الخير، (ليحموا) مجتمعهم من الحق الذي استيقنوه، ثم جحدوه!! فكيف يصلون إلى ما بعده؟ فاسمع ما قالوا: "لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون"!! هو حمق يعيي من يداويه، لجأوا إلى رفع الأصوات باللغو ليشوشوا على من رغب أن يستمع إليه لخوفهم أن يؤمن، ومع ذلك ينصت كبراؤهم اليه خفية في غفلة من الدهماء لأخذه بمجامع نفوسهم، ويترصد بعضهم كأم جميل حمالة الحطب الرسول في سواد الليل ليعلموا أصلى أم لا، فما لهم ولصلاته، وما يضيرهم إن انقطع الوحي ؟ وحتى لا يعظم استفزازهم ويشتد كيدهم له يوجهه ربه بقوله: "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا". ما ذا تقول فيمن يتخير ليالي رمضان الذي نزل فيه القرآن والذي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعارضه جبريل فيها لينشر في الأمة هذا الذي صار من لوازم هذا الشهر المبارك عندهم من اللغو واللهو والزهو واللعب في الوقت الذي تعمر فيه المساجد بمرتاديها لسماع القرآن؟ لا تحزن لهذا، فإنه باطل، والباطل زهوق، أو لا ترى هذا الذي يحدث في أمتك من ازدياد عنايتها بالقرآن: بتعلمه وحفظه وتعليمه وتجويده وترتيله وكثرة الإجازات في قراءاته وتكريم قرائه والإكثار من طبع مصاحفه وشيوع قراءات منه ما كانت معروفة إلا لخواصه، وكثرة حفاظه من الصغار؟ إنه نشاط قوي غير مسبوق في هذه السنوات، ولاسيما في بلادك، لقد تحركت حاسة الأمة الإيمانية لتدفع في وجه الباطل وتغالبه، بتسديد من الله فإنه إن علم من عبده خيرا أتاه خيرا، هو اهتمام بوجه من أوجه العناية بالقرآن، وهو علامة خير لا يصح أن يحجبها التقصير في جوانب أخرى، وما على المحسنين من سبيل. ليلة

الخاطرة ٥٣

زيد بن ثابت ط أسلم بعد الهجرة وعمره إحدى عشرة سنة، ومع هذا كان أكثر الصحابة كتابة للوحي، حتى صار وصف الكاتب دالا عليه وحده، وقد ترجم بذلك البخاري، وكان أعلم الصحابة بالمواريث بنص حديث: "أفرضكم زيد"، وهو الذي أمره النبي ق أن يتعلم اللغة العبرية إذ كان لا يأمن اليهود على كتابه، فحذقها في نصف شهر! فصار يقرأ رسائلهم، ويكتب لهم، بل أمره بتعلم السريانية أيضا فتعلمها في سبعة عشر يوما! فكم كان عمره وقد قام بجلائل الأعمال هذه؟ ثم إن الله شرفه بمهمة عظيمة هي جمع القرآن، كلفه بذلك أبو بكر وعثمان رضي الله عنهما في خلافتيهما، كان الجمع الأول خوفا من ضياع شيء من القرآن بعد أن استحر القتل بالمسلمين في حروب الردة، وكان الثاني - الذي أسفر عن توحيد المصحف - بعد اختلاف المسلمين بسبب التوسعة على العرب في قراءة القرآن على سبعة أحرف، هي التي أنزل عليها. وقد صدر إليه أمر الخليفة أبو بكر بذلك، وقدم بين يدي الأمر هذه التزكية العظيمة: "إنك رجل شاب، عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه". أربعة أوصاف أهلت زيدا لذلك الأمر الجلل؛ هي قوة الشباب، ورجاحة العقل، والأمانة، والخبرة، وهذه الصفات قد لا تنفع الواحدة منها الناس بمفردها، وقد يكون نفعها قاصرا، وقد تضر، ربما أوتي المرء علما، لكن عقله خفيف، أو هو دون علمه، وقد يكون أمينا لكنه ضعيف، أو قويا لكنه غير أمين!! وقد قال عمر: "إلى الله أشكو ضعف الأمين وخيانة القوي"!! وقد طلب يوسف عليه الصلاة والسلام أن يتولى إدارة خزائن أرض مصر وعلل بقوله: "إني حفيظ عليم"، ومدحت المرأة الصالحة بنت شعيب موسى عليهما الصلاة والسلام فقالت: "إن خير من استأجرت القوي الأمين"، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف". استحضر مدى صبر زيد ورزانته وهو يبحث عن الناس الذين حفظوا القرآن أو بعضه، فيأخذ عنهم، ويقارن بما يجمعه من المكتوب في مئات القطع من اللخاف (الحجارة البيضاء الرقيقة)، والعسب، والأكتاف من العظام، والأضلاع، والقتب، والأديم، يعضد المكتوب بالمحفوظ، إلى أن ينجز هذه المهمة العظيمة. ومع هذه الكفاءة النادرة فقد استثقل زيد المهمة - وهي والله ثقيلة - فقال: "والله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن"، فلم يغتر بقدرته وكفاءته، ولا بتزكية أبي بكر له، حتى لا يوكل إلى نفسه.  ولما جاء أوان كتابة المصحف العثماني كان زيد على رأس أحد عشر رجلا انتدبهم عثمان بن عفان لنسخ المصاحف السبعة التي بعث بها إلى الأمصار من الصحف التي جمعها زيد وحده، وكانت عند عمر حياته، ثم عند أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، فأنجزوا هذا العمل الذي صان المسلمين من الاختلاف في كتابهم كما اختلف اليهود والنصارى، كانت سبعة مصاحف أو خمسة، فصارت أكثر من ألفي ألف نسخة -مليونين- كما قاله الذهبي رحمه الله عن عددها في وقته، فانظر كم هي الآن؟! ومن رجاحة عقل زيد هذه الكلمة التي شارك بها في إنهاء الخلاف بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، فقال يرد على من رأى أن يكون من المهاجرين أمير ومن الأنصار أمير: "إن رسول الله كان من المهاجرين ونحن أنصاره، وإنما يكون الإمام من المهاجرين ونحن أنصاره"!! ومما يدل على علمه أن ابن عباس وهو حبر الأمة قام إليه فأخذ بركابه، فقال زيد: "تنح يا ابن عم رسول الله"، فقال ابن عباس: "إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا". بن حنفية العابدين-

الخاطرة ٥٢

كل كلام لا يحتاج إليه الصائم يؤثر على صومه، فيذهب بأجره، أو ببعضه، وأخف الكلام ضررا اللغو، وهو كل ما لا يعتد به من القول وغيره، وما لا يحصل به نفع، وفي الحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين"، أي تطهيرا لنفس الصائم منهما، والرفث هنا هو الكلام الذي يستحيى من إظهاره، واللغو يطلق على القول القبيح أيضا، لكن العطف يقتضي المغايرة. وأعلى ما يؤثر على سلامة الصوم قول الزور، ولهذا خص بالذكر في الحديث، وقد فسر بالكذب والباطل، وقد قيل: "إن الزور أصل الفواحش، ومعدن النواهي، بل هو قرين الشرك"، ولذلك رتب عليه وعلى العمل به حرمان الصائم من أجر صومه. لكن أصل الزور في اللغة يشمل كل قول مائل عن الحق، والميل دركات، فيدخل فيه اللغو، ويدخل السفه، ومعناه الخفة والسخافة، وهو الجهل أيضا، ويدخل الصخب، وهو رفع الصوت، وكلها جاء النهي عنها، فتأمل هذا المرتقى الذي يراد لك أن تبلغه بصومك، ولهذا لقنت أن تقول إني صائم لمن جهل عليك، تذكره وتذكر نفسك.  ومما يدخل في الزور ما تحصده الألسنة وقد كثرت أسماؤه، ومنه الغيبة والنميمة والاستهزاء والسخرية والسب والشتم والهمز واللمز. وقد دل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم"؟ أن أكثر ما يدخل الناس النار نطق اللسان، وفي الحديث الآخر: "أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق، وأكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج"، وقد كان بعض الأئمة يتحفظ من الأنين خشية أن يكون شكوى فتكتب!! فاجعل صومك يا عبد الله جنة لك من هذه المهالك، حتى إذا انتهيت منه اكتسبت أخلاقا كريمة، وعادات حسنة. وخير ما تستعين به على تقويم هذا الذي غلب على الناس الإكثار من ذكر الله، فلا يزال لسانك به رطبا، وما أمر الله بشيء في كتابه مقرونا بالكثرة كما أمر بذكره، وقال عن المنافقين: "ولا يذكرون الله إلا قليلا". وقد كان يحصى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: "رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم"، مع أنه لا يقول إلا حقا، وإذا جهرت أحيانا لتنبه الناس؛ فقد علمت خيرا، ونشرت برا، ولك في نبيك قدوة.  بن حنفية العابدين - السادس من رمضان ١٤٣٩

الخاطرة ٥٠

كتب إلي أحد إخواني الذين أكن لهم التقدير وهو الشيخ عبد القادر يقول عن الأحداث الجارية في فلسطين: أصابني الغم وأنا أشاهد إحدى القنوات تنقل ما يجري على الحدود"، ففهمت من كلامه أنه يريد أن أكتب شيئا، فاكتفيت بأن قلت: وكيف لا؟ وما ذا أقول؟ فإني إن تكلمت أثرت الناس على الحكام فسبوا وشتموا، فأخشى أن ينالني بعض الإثم جراء ذلك، فإن من يكتب شيئا في هذه الوسائل ينبغي أن يضع في الحسبان أنه يعلق عليه بما هو حق أو باطل، ثم إنك قد تختلف مع إخوانك في وسيلة المقاومة، وهي التي كلفتنا ما يقارب السبعين قتيلا، نسأل الله أن يكتبهم في الشهداء، وأكثر من ألفي جريح يضافون إلى غيرهم ممن هم عالة في وضع اقتصادي مترد لا يخفى على أحد، وأنت إذا أبديت ما تراه فقد يفهم من كلامك ما لا تقصده، وإذا سكت كنت مجاريا للناس مخالفا لما تعتقد، وقانا الله من ذلك.  لكني وأنا أتردد بين الفعل والترك قرأت خبرا يقول إنه تقرر أن تعقد قمة لدول المؤتمر الإسلامي بعد ثلاثة أيام وهو يوم الثالث من رمضان، وأن بلدي أول الموافقين عليها، وقد صدرت تعليمات بإنجاح القمة، فزال عني ذلك الحرج، لكني وان كنت لا أنتظر الكثير إلا أني متفائل، فلعل الحكام يخرجون في علاقتهم بأمريكا عما اعتادوا كما خرج رئيسها عن المعتاد، لقد وفى لمنتخبيه بوعده، وجاهر بعدائه، فهل يفي حكامنا ببعض ما تنتظره منهم أمتهم؟ وأقول لكل من هو قلق منهم ناقم عليهم أن اعدلوا هذه المرة عما اعتدتم وقولوا خيرا، وادعوا لهم بالصلاح، فإن هذا ينفعكم وينفعهم إن شاء الله. بن حنفية العابدين -

الخاطرة ٤٨

[الولوع بالغريب] لبعض الناس ولوع شديد بالغريب الذي يأتي مخالفا لما عليه عامة المسلمين أقوالا أو أفعالا، وهو دائر بين عدم الصحة في الأخبار غالبا كما يقول المحدثون، والبطلان في الأفعال كذلك. والأصل أن تحمل عقائد المسلمين وعاداتهم ومعاملاتهم وشروطهم على السلامة والصواب، إلا إذا ظهر خلاف ذلك، وإلا يحدث فيهم وصف يضر بوحدتهم أو اصطلاح يفتات به على دينهم قصدا أو من غير قصد. وفرق بين من يبحث عن مستند لما يقوله الناس ويفعلونه ليطمئن؛ فهذا حق، وبين من ينكر الشيء من غير علم عنده فيجاهر بمخالفته. وقد توارث العرب عن ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مناسك الحج، فحرفوا بعضها، وبقي بعضها سالما، ومنها الوقوف بعرفة، والطواف بالبيت، حتى ظهر جماعة الحمس في قريش- من الحماسة وهي الشجاعة والتشدد- فكانوا لا يقفون مع الناس في عرفة، ويفتخرون بذلك، وحجتهم أنهم أهل الحرم وقطينه، فكيف يخرجون منه فتتدنى منزلته عند الناس؟ نسوا أن تعظيم البيت من تدبير الله تعالى لا من صنعهم، وقد نزل في ذلك قول الله تعالى: "ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس"، أي ما عليه جمهور الناس، وقيل إن المقصود بالناس إبراهيم عليه السلام فإنه كان أمة كما وصفه الله. ذكر الله تعالى قبل هذا الافاضة من عرفات التي خالف فيها الحمس الناس مع علمهم بأنها من ملة إبراهيم، ثم ذكر ما يلتقي الناس كلهم عليه وهو النفر من المزدلفة ليبطل بها تلك العادة التي ابتدعوها، فكان في هذا تنبيه على ذلك الأصل الذي دلت عليه نصوص عدة. والعجب أن هؤلاء الذين خالفوا الحق كما رأيت كانوا لا يطوفون بالبيت عراة كما يفعله غيرهم محتجين بفعل آبائهم كما قال الله تعالى: "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء". وافقوا الحق في الطواف، وخالفوه في الوقوف، لكنك تعجب إذا علمت أنهم إنما استتروا لمصلحتهم، إذ قالوا لا يطوف أحد الا في ثيابنا!! فكان المآل أن طاف الناس عراة إلا من أعطوه هم ثيابهم!! أو استأجرها منهم!! وإلا كان ملزما بأحد أمرين: إما بأن يطوف في ثيابه ثم يلقيها فلا يمسها هو ولا أحد من الناس!! أو يطوف عريانا!! ثم إن ربنا سبحانه أبطل هذه الفاحشة بقوله: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد".  مما له صلة ما بهذا جواب مالك بن أنس لما قيل له: "إن فلانا يحدثنا بغرائب، فقال: "من الغريب نفر"، وقال له آخر: "ليس في موطئك غريب"، فقال: "سررتني"!! وقال: "شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي رواه الناس". وقال عبد الرزاق: "كنا نرى أن غريب الحديث خير، فإذا هو شر". بن حنفية العابدين - الخاطرة رقم ٤٩ هذا ذكر لبعض فضائل شهر رمضان وصومه، والاهتمام بالمناسبات مطلوب، دل عليه قول الله تبارك وتعالى: "ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا". فلنستحضر الخير الذي نحن مقبلون عليه بحلول هذا الشهر المبارك، ولنعمل على تحصيل ما نقدر عليه.  وبعض ما أذكره يصلح أن يكتب فيه على انفراد، وحكم الصوم كثيرة، أقتصر منها على ما جاء في الأخبار، مع عظيم الاختصار:  وأول ما أذكر مشروعية إشعار الناس بما في هذا الشهر من الفضل كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال: "أتاكم شهر رمضان شهر مبارك.. الحديث. نزول القرآن فيه جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. ابتداء نزول القرآن فيه. فيه ليلة القدر وهي خير من ألف شهر، تتنزل فيها الملائكة والروح. تفتح فيه أبواب الجنان وتوصد فيه أبواب النيران وتصفد الشياطين، وهذه ثلاثة.  ينادى فيه مناد كل ليلة يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر.  معارضة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه جبريل القرآن. ١٠ - ترتيب حصول التقوى على صيامه، والتقوى جماع الخير. زيادة جود النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه زيادة عظيمة حين يلتقي بجبريل عليه السلام. فيه صلاة التراويح لا توجد في غيره. يغفر الله ما تقدم من ذنب من صامه إيمانا واحتسابا. يغفر الله ما تقدم من ذنب من قامه إيمانا واحتسابا.  يغفر الله ما تقدم من ذنب من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا. من فطر فيه صائما كان له مثل أجره. اختصاص الصوم دون سائر الأعمال بأنه لله وهو يجزي به. فرحة الصائم بفطره وفرحته بلقاء ربه. رمضان الى رمضان كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر. قبول الدعاء حين الفطر في عموم الصوم. من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه من النار سبعين خريفا. الصوم جنة أي وقاية. الصوم وجاء. باب الريان للصائمين. يتحقق به للمؤمن هذا الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غدا في الآخرة. دلت التجربة على صحة الأجسام بالصوم، وحديث "صوموا تصحوا" ضعيف. بن حنفية العابدين - ٢٧ شعبان ١٤٣٩

الخاطرة ٤٧

درج كثير من المفكرين كلما طاف بأذهانهم هذا الطائف الذي يبدو أنه يزعجهم!! وهو إقامة دولة الإسلام، لنظرهم في كلام غيرهم ممن ابتدعوا لهم تسمية (الإسلاميين)، أو غيرها من الأسماء، أو لمناسبة ما دفعتهم إلى الكلام، صاروا يجتهدون في إنكار هذا الأمل، ويحتجون على استحالة تحققه بما حصل في هذا العصر من الفتن، فيقولون مثلا: ما هي هذه الدولة التي تريدون إقامتها؟ فقل لي بربك عما ذا ينبئ هذا التساؤل؟ أيؤخذ منه أنهم غير معنيين بإقامة هذه الدولة؟ كيف وهم مسلمون؟ والمسلمون كيفما كانوا لا بد أن يكون هذا همهم، والاختلاف إنما هو في السبيل الذي يسلك. فكيف يخير هؤلاء الكتاب من يعتبرونهم خصوما لهم بين تجارب يلتقون معهم على رفضها كلها، وكونها ليست هي التي يعملون على بلوغها ؟ على ما ذا يدل تمثيلهم لدولة الاسلام بداعش أو غيرها مما حصل ويحصل في أرض الإسلام من الفتن في بلادنا وفي غيرها كمصر وسوريا ؟ إنه خلل عقدي من غير شك أيها المفكرون، يجب أن تصححوه، وتتوبوا منه، فإن مخالفتكم لغيركم من المسلمين في أمور مسلكية لا يصح أن يقودكم إلى التشكيك في صلاحية هذا الدين لقيادة الحياة بالمعنى العام الشامل. فالقول إن الظروف غير مهيأة، وإن معظم المسلمين ليسوا في المستوى الذي ينهضون فيه بواجبهم، ويتحملون ما يلزم من المتاعب بسبب إقامة تلك الدولة، فينبغي أن تنصرف الجهود إلى إصلاح النفوس، وبنائها بناء عقديا صحيحا، لأن التغيير يبتدئ من هنا، كما قال الله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، كل هذا وما جرى مجراه شيء، والقول تصريحا أو تلويحا بأن هذا أمر لا يمكن أن ينهض به الإسلام لعجز ذاتي؛ هو ترد عقدي خطير جدا، زيادة على كونه إنكارا لما شاده المسلمون من حضارة شهد لهم بالتفوق فيها أعداؤهم عبر قرون. بن حنفية العابدين -

الخاطرة ٤٦

لا أعرف سورة من سور القرآن الكريم أشبهت سورة (قل هو الله أحد) في بيان فضلها وقراءتها في النوافل وغير ذلك. فهي صفة الرحمن، لأنها نزلت جوابا عن قول المشركين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: "انسب لنا ربك". وأشهر أسمائها الإخلاص، لأنها بيان للتوحيد الذي لا يكون الإخلاص بدونه: وبه تتخلص النفس من الشوائب والأخلاط. وسماها المسلمون بأسماء كثيرة دلت على عظيم اهتمامهم بها، منها الصمد والأساس والولاية والجمال، ومعنى الصمد هو الذي يحتاج اليه الخلق كلهم، والتوحيد أساس الدين، ولأن أعظم المسلمين ولاية لله أعظمهم توحيدا له، ولأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها على. وفيها جاء قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمن كان يقرأها في الصلاة مع غيرها: "أخبروه أن الله يحبه"، وقال له: "حبك إياها أدخلك الجنة". وهي تعدل ثلث القرآن لأنه أقسام ثلاثة: توحيد وأحكام وأخبار. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ بها في راتبة الفجر مع سورة الكافرون. وقرأ بهما في ركعتي الطواف  وقرأ بهما في راتبة المغرب.  ووجه الجمع بينهما أن الأولى تخلية، والثانية تحلية، يفتتح المؤمن يومه بالتبرؤ من الكفر وأهله، ويتحلى بالتوحيد وموالاة أهله، ويختمه بما افتتحه به. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ بهما وبسورة الأعلى في الوتر. وجاءت قراءة سور الإخلاص والمعوذتين في أدبار الصلوات.  وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض أصحابه أن يقرأ الثلاثة ثلاث مرات حين يمسي وحين يصبح، وقال له: "تفكيك من كل شيء". وكان إذا اشتكى يقرأ على نفسه المعوذات وينفث، والمراد بها الإخلاص والمعوذتين من باب التغليب.  وكان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه فنفث فيهما وقرأ السور الثلاث ومسح بهما ما استطاع من جسده. ومن ذلك التعوذ بها فقد قال لبعض أصحابه: "تعوذ بهن، فإنه لم يتعوذ بمثلهن".  فهل عرف من دعا إلى منع تدريسها لأطفالنا فضائلها، فرام حرمانهم من هذا الفضل بحجة أنهم لا يفهمون معانيها؟ أم أنه قصد كل ما لا يدركونه من القرآن فيلزم أن لا يقرأ غالب الناس القرآن كما يفهم من كلامه وكلام من اعتذر عنه فيكون من باب عذر أقبح من ذنب؟! بن حنفية العابدين - ١٩شعبان ١٤٣٩

الخاطرة ٤٢

مما خص به نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أوتي جوامع الكلم، وفواتحه وخواتمه، واختصر له الكلام اختصارا كما قال: "بعثت بجوامع الكلم"، وقد امتد هذا الأمر في السلف ولا سيما القرون المفضلة. والجوامع هي الكلام القليل المبنى، الكثير المعنى، قيل إن المقصود هو القرآن الكريم، ولا شك أن ذلك أعظم وأكمل في القرآن الذي هو كلام الله، لكنها أيضا في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متى اتحد مخرج الحديث، لأن تعدد الناقلين يفضي في الغالب إلى الرواية بالمعنى فيفوت هذا الأمر. قال البخاري رحمه الله: "وبلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين، أو نحو ذلك".  وهذه الجوامع منها ما يجمع الدين كله، أو فردا من أفراده، أو يصحح شيئا في مفاهيم الناس، أو يلفت الأنظار إلى ما هو أولى بالعناية، وغير ذلك. من ذلك قول الله تعالى: "ألا له الخلق والأمر"، وقوله: "وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا"، وقوله: "أفمن يخلق كمن لا يخلق"، وقوله: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"، وقوله: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم"، وقوله: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"، وقوله "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"، وقوله عن أوليائه "الذين آمنوا وكانوا يتقون"، وقوله: "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه". ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "قل آمنت بالله ثم استقم"، وقوله: "الطهور شطر الإيمان"، فحيث حمل الطهور على زكاة الباطن فهو نصف الدين الأعظم، وقوله: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس"، وقوله: "لا تغضب"، وقوله: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، وقوله: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله"، وقوله: "حجبت الجنة بالمكاره وحجبت النار بالشهوات"، وقوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". ولهذه الكلمات الجوامع وقع عظيم على النفس، لجمعها ما تفرق، ونظمها ما انتثر، وتقريبها ما بعد، وسهولة حفظها واستحضارها، فلهذا كان الصحابه العلماء  وغيرهم يرغبون فيها، ويسألون عنها، فيقول أحدهم: "علمني عملا يقربني من الجنة ويباعدني من النار"، ويقول الآخر: "قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك"، ويقول ثالث: "دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس"، ويقول رابع: "إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأنبئني منها بشيء أتشبث به"، وتقول عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كان خلقه القرآن". وما أحسب أن السائلين يريدون أن تغنيهم هذه الكلمات عن تعلم تفاصيل الدين، كيف وفيمن طلبوا ذلك علماء كمعاذ بن جبل أعلم الصحابة بالحلال والحرام وأبي ذر وهو من هو في الصلاح والعلم، وإنما قصدهم نظم درر الدين في سلك يسهل حفظه، ويخف تحمله، وتذكر النفس به. إن انتفاع العامة بهذا مجرب، فينبغي للدعاة العناية به وحسن استعماله، ومما قاله بعض العلماء أن الله تعالى علمنا كيفية التيمم في جملتين هما: "فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم"، وقد درست هذا الباب على مذهب الشافعي في شهرين.  بن حنفية العابدين الخاطرة رقم ٤٣ طلب مني أحدهم أن أكتب إلى بعض من أعرفه من أهل العلم وطلابه بالمملكة العربية السعودية ليحصل منهم على تقريظ ما ألفه، فأخبرته بحالي في هذا الأمر، وقلت: إني أحب لك ما أحب لنفسي، أرى أن هناك فرقا بين أن يكتب المرء ثم يرى غيره على ما كتب فيذكر عنه خيرا، أو يخصه بنصح، وبين أن يكتب واضعا في الحسبان هذا التقريظ، مما قد يخرج التأليف عن أن يعبر عن توجه صاحبه وشخصيته ومنزلته في العلم، ونظير هذا التزكيات التي تمنح دون تثبت في هذا العصر، ولا تقع موقعها في الغالب، فتصير منة على المزكى يخشى أن تسترد منه فلا يبقى له شيء!! لكن صاحبي عاد للطلب فكتبت له.  الذي أستيقنه أن التأليف لم يعد دليلا على علم المؤلف بما كتبه للوسائل الكثيرة المتاحة التي تمكنه من نقل أي شيء يريد الوصول إليه، الا أن يكون في موضوع تثبت به جدارته العلمية وملكته، وما أقل هذا فيما يكتب اليوم، وقد قال الشافعي رحمه الله: علمي معي حيثما يممت يتبعني* قلبي وعاء له لا بطن صندوق * إن كنت في البيت كان العلم فيه معي * أو كنت في السوق كان العلم في السوق". وقد تحدثت قبل سنوات إلى بعض الأساتذة في إحدى الجامعات، وقلت: إن إعداد الطالب لبحث ما ليس دليلا على استيعابه وفهمه لموضوع بحثه فضلا عن الفن الذي منه ذلك البحث، فلم لا تغيرون طريقة التقويم؟ فكان جوابه أن الذي نهتم به هو المنهجية التي يسلكها الطالب في إعداد البحث لا فهمه له أو عدمه!! وكثيرا ما ينبهني إخواني إلى أخطاء مطبعية أو هنات مني في بعض ما أكتب فأصححها، وقد لا أوليها أهمية إذا لم يكن فيها ضرر على القارئ، ولعل أخي وصديقي أبا يوسف قد فوجئ عندما قلت له وهو يذكر شيئا من ذلك: إني لا أهتم كثيرا بالتصحيح إذا لم يترتب عليه الا ما يدل على منزلتي، لأني لا أريد أن يكون تأليفي لا يعبر عن حقيقة مستواي، بما أحشد له من الجهود في النقول وتحرير العبارة ونحو ذلك، والمرء أعرف بنفسه من كل أحد، قال ربنا: "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور"!!  بن حنفية العابدين - ٧ شعبان ١٤٣٩ الخاطرة رقم ٤٤ من اليسير عليك أن تعرف الكثير مما عليه المرء إذا علمت ما يكثر اللهج به ويجري على لسانه، فإن من أمثال العرب قولهم: "كل إناء يرضح بما فيه"، أي يتحلب منه ويظهر عليه، ومن أمثالنا الشعبية "اللي في قلب المشومي إيهات به"!! المشومي = المشؤوم، إيهات به = يلهج به ويردده. قرأت تقريرا صحفيا عن محاضرة ألقاها الزاوي في مدينة بسكرة فإذا هي تدور على أمور تظهر أن هذا الرجل قد ضاق ذرعا بمحيطه، وأنه غير راض عما حوله وعمن حوله إلا أفرادا قلائل سماهم، منهم نفسه وأمه وزوجه، وما أحسب أن أمه رحمها الله لو علمت ما هو عليه أن ترضى عنه. ومن محاور هذه المحاضرة مدحه الكتاب أمثاله بأنهم: يقولون للقارئ ما لا يستطيع قوله!! *ويحاولون التشويش عليه!! *ودفعه إلى التساؤل!! *وإنقاذه من القناعات الساذجة!! *وتوسيع أفق الحرية عنده. والمرأة تحتل الصدارة في تفكيره. *والدين يعيش في فضاء غير ثقافي.  *ومنذ زمن الرسول الكريم والفتنة قائمة باسم الدين!!  هذه اهتمامات هذا الأديب الغريب هداه الله!! لا يقدم هو وأمثاله لأمتهم شيئا ينفعها غير التسخط للواقع وزرع الأوهام والشكوك في كل شيء، والعيش في عالم (مثالي) يحلمون به، لكنها مثالية الأهواء وزبالة الأفكار!! فأي فرق بينهم وبين من كفر أو خرج في الإضرار بالأمة؟ وإن كان الفرق واسعا بين الطائفتين فيما يبتغيانه، وفيما يعتقدانه، وليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه!! وما هذا باعتذار عن المبطلين كيفما كانوا.  كان علماؤنا ينفرون من القصاص الذين يصلحون النفوس ويسعون في تزكيتها لكن بوسائل فيها تزيد ودخن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا"، فجاءنا هؤلاء القصاص الذين يفسدون النفوس ويخرجونها عن فطرتها بزخرف القول الظاهر الإثم، وتحت ستار كاذب هو الأدب، وصاروا معدودين في صف المثقفين وكبار الأدباء!! في مصنف عبد الرزاق أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مر بقاص فقال: "ما كنيتك"، قال: "أبو يحيى"، قال: "بل أنت أبو اعرفوني"!! ولا أقف هنا إلا عند هذا الذي عاد إليه من إزرائه بكل من تولى الحكم منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، لكنه ذكر النبي عليه الصلاة والسلام بأسلوب فيه لطف كما سترى، لأنه في بسكرة، وهو يلبس لكل زمن لبوسا. هو لا يرضيه من حكام المسلمين أحد، لا الخلفاء الراشدون ولا غيرهم، ولا أدري ما قوله في الحكام الذين يناله صولجانهم إن هو طاف بساحتهم، فيا لسوء صباحه!! هو يكتفي بذكر الرسول، فإن (تكرم) زاد وصف (الكريم) الذي يطلق ما هو أعلى منه من الأوصاف على بعض أدباء الغرب، فلنقل له إن كنت تؤمن بالرسول حقا وقد استثنيته ممن أبديت سخطك عليهم، فكيف لم تجد فيمن خلفوه في أمته ثلاثين سنة من ترضى عنه؟ أم أنك لا تؤمن بالقرآن؟ إن كنت تؤمن به فإن فيه: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه"، وهذا في عموم الأصحاب فكيف بخواصهم الذين عرفت منزلتهم من نبيهم وأشير إليهم في القرآن كأبي بكر رضي الله عنه، أفتسخط أنت على من رضي عنه ربك؟ إن كنت مؤمنا بالقرآن فإن فيه قول مولاك: "لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى"، أفيعد ربك هؤلاء الأخيار بالحسنى وتحشرهم أنت في الظلمة؟ وفيه: "والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان"، فكيف لم يرق قلبك وأنت الأديب المرهف الحس!! السريع التأثر!! فتشتم وتسب بدل أن تترحم وتدعو، فأين التسامح الذي تستر به منهجك الفاسد المفسد؟ أيها الرجل ارجع إلى عقلك وتب إلى ربك فقد أعذر الله إليك إذ بلغك الستين، لقد بلغت دقاقة الأعناق!!  بن حنفية العابدين - ١٠ شعبان ١٤٣٩ الخاطرة رقم ٤٥ قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب التقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون"، وقال سبحانه: "ولا تبخسوا الناس أشياءهم"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الكبر بطر الحق وغمط الناس". لولا الذي قرأته بخصوص دعوى أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين "جمعية حزبية جزأرية تحارب عقيدة التوحيد ودعوة الحق، وتكن العداوة لأهلها، وتوغر صدور الناس عليهم"!! ما عدت للكلام على هذا الأمر، ولهذا فإني أكتفي بالحديث عن دعوى محاربة التوحيد وأسكت عن غير هذا مما قيل. ليس من السهل أن استجيز لنفسي أن أشارك في هذا السجال الذي يسيء إلى الدعوة، ويلهي عن صالحات الأعمال، وأنا مستيقن أن هناك جهات يسرها استمراره إن لم تكن مشاركة في إثارته، ومن لم يفقه هذا الأمر سهل عليه أن يقول كل ما عنده، ولم يحسب الحساب لآثاره، والله يعلم أني أكتب هذا وأنا كاره له. أعود فأذكر من أراد أن يتذكر أن الهيآت والجمعيات ونحوها في هذا العصر وسائل يجري في نطاقها وتحت مظلتها ما يريده منشئوها من أعمال يتفقون عليها في القانون الأساس، وتلك الأعمال لا تفرق الدول في الغالب بين ما كان منها حقا أو باطلا. والانتساب إلى هذه الهيآت تتوقف مشروعيته على ذلك القانون، فإن كان باطلا فالانخراط غير جائز، وإن كان غير مخالف للشرع فهو تقوية للتحالف المشروع القائم ببن المؤمنين بمقتضى إيمانهم في التعاون على البر والتقوى، وهو ما دل عليه قول الله تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى"، وقول النبي صلى الله عليه وآله سلم: "لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة"، ففي أوله نفي حلف التوارث المنسوخ وكل ما منع الشرع منه، أما ما كان منه موافقا للحق ولو كان مما تحالف عليه أهل الجاهلية فالاسلام يقويه.  أما الحكم على هذه الهيآت ومدى نفعها للأمة فلا ينبغي أن يستند فيه إلى من يتولون إدارتها ومن أعطوا حق تمثيلها القانوني، أو الإشراف الإداري، من فعل ذلك فعليه أن يمنع كل عمل صالح نافع متى كان تحت إمرأة من ليس مرضيا حقا، أو ليس مرتضى عنده، وهذا في كل الهيآت والإدارات والدوائر الحكومية وغيرها، فإن طرد من قال ذلك قاعدته، وعمم حكمه؛ جمد الحياة!! لأن هذا لازم قوله بالأولى، وإن تحكم فجوز العمل هنا ومنعه هناك فقد تناقض، فلا عبرة بقوله. إنه لباطل أن يقال إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تحارب عقيدة التوحيد، لكأن هذا القول اكتيال للرمال!! هو والله مما ينبغي أن يتوب منه قائله، إلا أن يكون سبق قلم، أو هو يريد به ما لا نعرفه.  ما ذا يقال عن عشرات بل مئآت الدعاة والمعلمين والمدرسين الذين يقومون بأعمال جليلة لتحفيظ القرآن الكريم وتدريس العقيدة وغيرها من المواد العلمية الشرعية وأحيانا يكون ذلك والله بكفاءة عالية، أفيصدق أن يكون غرض هؤلاء محاربة عقيدة التوحيد؟ فما عقيدتهم إذن؟ ولأذكر ما أعرفه في ولاية واحدة من العناية بالتوحيد، فمن ذلك تدريس عقيدة ابن أبي زيد، وعقيدة الطحاوي، وكتاب الشرك ومظاهره للشيخ مبارك الميلي، والعقائد الإسلامية للشيخ ابن باديس، وكتاب التوحيد من صحيح البخاري، والقصيدة اللامية لابن تيمية، ومنهج الحق للشيخ السعدي وغير ذلك، وهذا في ولاية واحدة فكيف بمئات المدرسين في بقية الولايات؟ وكيف بعشرات المصليات التي يرفع فيها أذان التوحيد وهي تتبع الجمعية؟ وأحسب أن من بين أولئك المدرسين طلاب علم جادين وذوي شهادات عالية في القراءات والحديث والفقه وأصوله، وليست الشهرة هي الحكم في هذه الأمور، فإن كثيرا من الناس يعملون في صمت، فكيف يتهم هؤلاء الذين ينفعون الأمة بأنهم يحاربون التوحيد، ويعادون أهل هذه العقيدة، وهم والله من حماتها؟  ما الفرق بين من يدرس في مسجد أو جامعة أو ثانوية أو مدرسة أو غيرها مما تشرف عليه الدولة وبين من ينشط في نطاق هذه الجمعية أو تلك؟ فهل الذين لهم حق الإشراف على تلك الهيآت ينبغي أن يصنعوا على أعيننا كي نقبل الأعمال التي يقوم بها من هم تحت إمرتهم حتى وإن كانت صوابا؟ ما يقال عن الدوائر الحكومية يقال عن غيرها، بل هناك فروق لصالح الدعوى لو عقل الناس، لا أريد أن أطيل بذكرها، ولكن أكثر الناس لا يعقلون، فالله نسأل أن يلزمنا كلمة التقوى، وأن يجمع قلوبنا عليها. ١٣ شعبان ١٤٣٩

الخاطرة ٤٠

[الاهتمام بالضروري من العلم] أهم ما ينبغي أن تصرف إليه أيها المؤمن عنايتك من أمر دينك أن تعرف ما افترض الله عليك فتفعله، وما نهاك عنه فتجتنبه، وأن تمسك لسانك عما لا يعنيك، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ذروني ما تركتكم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم". وإذا أحرز المؤمن هذا واستكثر من النوافل فقد سلك طريق محبة الله له، وولايته الخاصة باليقين، وهو أمر متروك للناس يتفاوتون فيه تفاوتا عظيما، كما في الحديث القدسي: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه... الحديث. وقد قال عبد الواحد بن عاشر في نظمه المسمى المرشد المعين:  ويحفظ المفروض رأس المال* والنقل ربحه به يوالي ويذكر هنا ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أن ناسا سألوا عبد الله بن عمرو بمصر فقالوا: "نرى أشياء من كتاب الله عز وجل أمر أن يعمل بها لا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه، فلقي عمر، فقال: متى قدمت؟ قال: منذ كذا وكذا، قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه، فقال: يا أمير المؤمنين إن ناسا لقوني بمصر، فقالوا: إنا نرى أشياء في كتاب الله عز وجل أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك، قال: فاجمعهم لي، قال: فجمعتهم له، فأخذ أدناهم رجلا فقال: "أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله"؟ قال نعم، قال: "فهل أحصيته في نفسك"، فقال: "اللهم لا"، قال: "ولو قال نعم لخصمه"، قال: "فهل أحصيته في بصرك؟ هل أحصيته في لفظك، هل أحصيته في أثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، قال: "فثكلت عمر أمه! أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات، قال: وتلا: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم وندخلكم مدخلا كريما"، ثم قال: "هل علم أهل المدينة، أو قال: "هل علم أحد بما قدمتم"؟ قالوا: "لا، قال: "لو علموا لوعظت بكم"!! الأثر منقطع وقال عنه ابن كثير: إن شهرته تغني عن إسناده. وفي هذا الأثر أمور: حرص هؤلاء على أن يلزم الحاكم رعيته بما في القرآن من أمور لا يتأتى الإلزام بها. قد يتابع العالم العامة فيما يقولون من غير فحص سهوا أو تحسينا للظن بهم. استئذان الوالي الخليفة في القدوم عليه. الحرص على عدم إشاعة الأمور التي يسبب انتشارها اضطرابا، وإن كانت في الظاهر خيرا. حرص الحاكم على إقناع رعيته في الأمور التي فيها شبهة. إذا فشا الخبر الضار عوقب من تسبب فيه. بن حنفية العابدين-

الخاطرة ٣٩

صلاة الجنازة على الغائب قل أن يذكر عالم أو طالب علم صلاة الجنازة على الغائب إلا ويذكر أصحمة النجاشي ملك الحبشة رحمه الله، فقد أوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم خبر وفاته في اليوم الذي مات فيه، فنعاه إلى أصحابه، وخرج إلى المصلى، وقال لهم: "صلوا على أخيكم أصحمة"، فصف وكبر عليه أربعا، ولم يصل على غيره هذه الصلاة التي أبقى الله بها ذكر النجاشي عند المسلمين. وقد جاء أن بعض الناس -والظاهر أنهم منافقون- لما رأوا الصلاة عليه قالوا: صلى على علج!! فأنزل الله تعالى: "وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم". وصفه الله هو وأمثاله من أهل الكتاب بالإيمان بالرسالات كلها، وبالخشوع له، وبقول الحق غير مؤثرين عليه شيئا من متاع الحياة القليل، فكانوا ممن يؤتون أجرهم مرتين. وهذه الصفات خص الله تعالى بها فريقا من النصارى، وكلها كانت في النجاشي، فقال: "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين". حدثه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه عن عيسى عليه الصلاة والسلام فقال: "والله ما يزيد على الذي نقول فيه". وقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم. ولما ذكر له جماع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه وأوضئه". ولما علم الحق في كلام جعفر رد الوفد الذي أرسلته قريش ومعه الهدايا ليمنع مقام المسلمين في بلده، وأرجع إليهم تلك الهدايا، وقال للمهاجرين: "انزلوا حيث شئتم"، فصدق فيه ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: "إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا"، ويظهر أن هذا كان قبل إسلامه فكيف بحاله بعده؟ وكان المسلمون يسافرون إلى الحبشة لمصالحهم وربما وقفوا على قبره، فرأوا عليه أمرا غير معتاد هو الذي قالت عنه أم المؤمنين عائشة: "لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور".

الخاطرة ٣٨

[في فاجعة سقوط الطائرة العسكرية] حضور أسباب الموت شديد، وسريانه في الجسم أشد، سمى الله ذلك غمرات، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن للموت لسكرات". قل ما يثبت الإنسان في هذا الأوان، لكن المرء غالبا يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. انظر الى ما ختم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم حياته التي قضاها مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.. فإنه لما كان متشوفا إلى الآخرة، مؤثرا لها على الدنيا، مصدقا لخبر ربه في قوله: "وللآخرة خير لك من الأولى"، ختمها يقول: "بل الرفيق الأعلى". فلقاء ربه أقصى أمانيه، وهكذا لقاء إخوانه أنبياء الله ورسله وصالحي عباده، وحسن أولئك رفيقا. ولم تمنعه تلك السكرت بأبي هو وأمي أن ينصح لأمته فأوصاها بقوله: "الصلاة وما ملكت أيمانكم". أو لا تقضي العجب من حرصه على الاستياك في هذه الحال، حتى يطيب فمه لذكر الله وهو الطيب؟ سبحان الله!! نصح للأمة دائم، وحرص على الخير مستمر، حتى آخر لحظة من الحياة، أو لم يقل صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها"؟ وقال الله تعالى عن صاحب القرية ينصح قومه: "يا قوم اتبعوا المرسلين"، وقال عنه وقد عاين منزلته في دار النعيم: "يا ليت قومي يعلمون"، نصحهم في حياته، وتمنى لهم أن يعلموا الحق فيتبعوه بعد مماته!! اجتمعت في نفسي الآلام والآمال وأنا أطالع أخبار سقوط الطائرة العسكرية الذي خلف ٢٥٧ شهيدا، ركبتني آلام لهذا العدد الكبير من الموتى رحمهم الله، لكن هذا الألم امتزج بسرور مبعثه رباطة الجأش التي كان عليها ربان الطائرة، وإخباره برج المراقبة بأنه يحرص على اختيار موضع للسقوط تقل به الخسائر في الأرواح!! ولو أنها سقطت على حي (كريتلي) القريب لعظم عدد الموتى، وما شاء الله كان. ما أحسب أن هذا الموقف يحصل إلا من مؤمن مسلم، وممن عاش وهذا الأمر يختلج في نفسه، حتى جاء أوان تطبيقه، فهو إن شاء الله من صالحات الأعمال العظيمة التي استخدم الله تعالى هذا الرجل فيها في آخر حياته، وإذا أحب الله عبدا استخدمه. يا جيش الجزائر الوطني الشعبي، عش لدينك، ترع بذلك والله مصالح بلدك، وتكون حصنا لبني قومك. بن حنفية العابدين -

الخاطرة ٣٧

[المدعو أمين الزاوي..] المدعو أمين الزاوي لم يترك شيئا مما ينطوي عليه باطنه المريض، وفكره العفن، إلا أفرغه وتخفف منه بلسانه الوقح السليط في مقال له، وقد اختار أن يكون بلغة من يواليهم، وفي جريدة تسمت بهذا الاسم الذي هو أكذوبة العصر الكبرى: (الحرية). لعله أراد بهذا أن يستعيد بريقه، ويسترد مكانته الزائفة التي اكتسبها إبان فتنة التسعينيات، حتى عد في جملة حماة الوطن، وهو ممن يخربونه، بيد أن المكانة التي يريد أن يكتسبها هذه المرة ليست في الجزائر، بعد أن رجع إلى حجمه، وصار مطرحا في زوايا النسيان، وفي خبر كان، فقد تكون جائزة أو منصبا يسعى للحصول عليه باعتباره من دعاة حرية الإنسان!! قال ما قال من غير أن يرعى ذمة ولا ذماما لهذه الأمة وخلفائها وحكامها وعلمائها وما شادته من حضارة عمت أرجاء الأرض، عاش على حصادها العلمي والثقافي والفكري الغرب الذي يواليه هذا الجاهل ويسعى في استرضائه.  لم ينج من طعنه لا الخلفاء الراشدون، ولا الأئمة المتبوعون، كلهم في حكمه الكاذب يجمعهم أنهم جلادون سفاحون، وجهلة لا يعلمون، علمهم لا يعدو أن يكون طحنا للكلام، منذ وفاة النبي عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر أن الشريعة عدو لكل جميل، وللحياة، وللابتكار، وللفكر الحر، ولكل ما هو أنثوي!! وهي حيف فكري، وقمع ثقافي، وانتهاك للحياة الخاصة، وأنها مجرد تفسيرات للنصوص مرتبطة بأزمنتها، وحصر العلم في علماء الغرب، وسمى طائفة منهم، وأزرى بعلماء المسلمين بمن فيهم الصحابة والمحدثون والمتقدمون والمعاصرون. ومما ذكره أن الدين الصوفي هو دين عالمي!! أوسع من دين الإسلام واليهودية والمسيحية، لأن دين المتصوفة تعبد وتأله مطلق!! وهذا القول لا يخفى الحكم عليه فإنه مخالف لضروريات دين المسلمين. لا أريد بهذا الذي حكيته مما قاله هذا المريض أن أثبت ما يؤخذ من صريح لفظه أو من لازم كلامه، فإن الرجل معروف، وإن كان هذه المرة قد صدق عليه قول الله تعالى: "أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم". الغرض أن أقول لمن لا يفتأون يرددون أنهم حماة المرجعية الوطنية وأنهم يحافظون على وحدة الأمة: نحن في انتظار ما يصدر عنكم، أيكون كفاء لهذا التطاول، أم أنكم سترمون وتجمجمون؟ أم ستكون مواقفكم بمقدار ما تحزرون من الأرباح والخسائر وتقدرون؟ فإن لم تفعلوا ما ينبغي فقد فتحتم على وحدة الأمة باب شر يعسر أن يسد.

الخاطرة ٣٦

ينقولوننا من درك إلى درك ينقولوننا من درك إلى درك، نألف الشيء ونعتاده فيأتون بما هو أعظم في كل الشؤون فننسى ما قبله. لم نعد نحتج على التدمير والحصار ولا القتل، لقد شدوا اهتمامنا إلى طريقة القتل!! كل العالم يعرف: ان النظام السوري هو الذي يملك السلاح الكيميائي. وأنه قد جرد منه قبل سنوات كما زعم. ونقلت منه الأطنان خارج البلد. وهو الذي يحاصر المنطقة. ويؤيده في حربه وحصاره حلفاؤه الإيرانيون والروس. فهل من حاجة بعد إلى تحقيق أو بحث؟! إن عدمتم كل وسائل الانتصار لهؤلاء المستضعفين فإنكم تملكون أن تدعوا، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء.

الخاطرة ٣١

[مجاراة الناس] ترضية الناس ومجاراة رغباتهم وميولهم وشد انتباههم وتحشيدهم؛ هي الغالب على تصرفاتنا أفرادا وهيآت، لا فرق بين الحاكم والحزبي والإعلامي والتاجر وغيرهم، فبدل أن نكون مربين موجهين، كل في اختصاصه؛ صرنا مستجيبين مقودين، كل يسعى إلى تحقيق غرضه. والمكاسب كما تكون مادية تكون معنوية، فكيف إذا اجتمع النوعان؟ إن شهوة المكانة والمنزلة والجاه لا تقل استهواء عن شهوة المال والمتاع، وكل ذلك يشمله قول الله تعالى: "قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى"، وفي الحديث: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه". أفلا تعلم أن الإعلامي غرضه في الغالب أن يحقق أكبر مقروئية لجرائده، وأكثر متابعين لبرامجه، والسياسي يكثر منتخبيه، والمصفقين له، والكاتب يجلب المعجبين بمنشوراته، وهكذا، فتفسد الاذواق، وتضيع الأخلاق، ويكثر الشقاق والنفاق، فكيف بالدين؟ والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين. ولا أستثني كثيرا من القائمين على الدعوة -وما أبرئ نفسي- فقد يصير الداعي رهينة أتباعه أو جماعته، ما ذا عسى أن يفعل إذا تعودوا منه خطابا ما؟ تارة بمضمونه، وثانية بلهجته ونبرته وحماسه، وثالثة بنقده لغيره، وتقوله على إخوانه، حتى اذا استيقظ من سكره والسكر أنواع، واتجه إلى تصحيح مساره، حال بينه وبين قناعته الجديدة جاهه الذي سيفقده، وأتباعه الذين سيقلون، فهرب إلى الأمام كما يقول السياسيون!! وربما افتعل موقفا يشد الانتباه، ويصرف إليه الأنظار، وليس الذي يضر هو عمى الأبصار: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم". كنت أعمل في وزارة الشؤون الدينية في بداية التسعينيات من القرن النصراني الماضي فأصدر الذي كان وزيرا يومئذ -سدده الله- قرارا يخص المدرسة القرآنية، وقد تضمن برنامجها تدريس ما ينيف على عشرين مادة!! من بينها علم الفلك!! وهذه المدرسة ليست يومئذ في الغالب الا اقساما في المساجد والمصليات يعاني فيها التلاميذ اوضاعا مزرية، فما لها ولهذا البرنامج لو صح النظر، واتسقت الفكر؟ فلما قرأت القرار قلت لجليسي هذا البيت الذي هو من شواهد النحو، ولك أن توسع الدائرة فتسقطه على ما يجري في بلدي الجزائر هذه الأيام: وقصيدة تأتي الملوك غريبة * قد قلتها ليقال من ذا قالها؟  مكة في التاسع من شهر رجب ١٤٣٩

الخاطرة ٢٢

[شأن الوحدة] وحدة المسلمين من مقاصد دينكم العظمى، لهذا امركم الله تعالى أن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن لا تفرقوا، وشرع صلاة الجماعة في المساجد، وكره بعض أهل العلم الجماعة بعد صلاة الامام الراتب، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الثلاثة إذا خرجوا في سفر أن يؤمروا أحدهم، وقال: "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو مع الإثنين أبعد"، وقال: "يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض"!! وكما نهى الشرع عن التفرق في الدين؛ سد الذرائع التي تفضي إليه، حتى بلغ الأمر النهي عن انفراد جماعة بحلقة في المسجد أو خارجه، وإن كانوا لا يريدون بانفرادهم الا الخير، فكيف إذا وصل الأمر أن لا يغشى تلك الجماعة إلا أفراد معينون كيفما كانت مشاربهم، فإنه إذا كان الداعي إلى تفرد الجماعة أمرا دنيويا فهذا لا يسوغ في المسجد، وإن كان السبب أمرا مشروعا كمذاكرة العلم ففيم انفراد أناس بأعيانهم باستمرار؟ فإنهم وإن لم يكونوا ذوي نزعة خاصة فإن الانفراد المستمر ينشئ تلك النزعة، أما إن كانت موجودة فإنه يقويها، وقد انضاف إلى هذا من يدعون في عقود النكاح وغيرها من المناسبات!! نفسي تسكن إلى من يوافقها، وتميل إلى من يشاكلها، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"، ودوائر الائتلاف والاختلاف متفاوتة، لكن هذا الذي ترتاح إليه النفس، ويتمناه المرء ليس هو الذي تقام عليه الدعوة إلى الله. فإياك أيها الداعي أن تنشئ بدعوتك فئة، وابتعادك عن هذا المسلك لا يعني تخليك عن الحق الذي تحمله وتدعو إليه إخوانك المسلمين. اقرأ ما رواه مسلم من جملة حديث جابر بن سمرة قال: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرآنا حلقا فقال: "ما لي أراكم عزين"؟!! الحديث، وهو في سنن أبي داود، ورواه ابن حبان من حديث أبي هريرة ولفظه "خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه وهم في المسجد جلوس حلقا حلقا فقال: فذكره، وترجم عليه بقوله "ما نهي عن فعله في المسجد"، ومعنى "عزين" متفرقين مختلفين لا يجمعكم مجلس واحد. وروى أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني قال: " كان الناس إذا نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان"، فلم ينزل بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض، حتى يقال: "لو بسط عليهم ثوب لعمهم"! وترجم عليه بقوله: ما يؤمر من انضمام العسكر، وترجمته عند ابن حبان هي: كيف النزول في المنازل؟ ولك أن تتساءل عما كان يتحدث فيه الصحابة إذا تفرقوا حلقا؟ أيكون فيه مشاقة او كيد أو مكر أو إشاعة اخبار ضارة؟ كل ذلك مستبعد الا على المنافقين، والصحابة لم يكونوا فئات، ومع ذلك كان هذا التشديد في تعدد الحلق لغير مصلحة، لأنه سبيل الفرقة.

الخاطرة ١٦٢

(٢) ... تابع  وثالث المباحث في غريب هذا الأثر، وهو كلمة "وكفنها" هو بفتح الفاء، ما يغطي به الشيء، والشائع هو الثياب التي يدرج فيها الميت، وبسكون الفاء هو مصدر كفنه يكفنه، وكفنه بالتشديد. وتكفين الشاة هو طريقة بعض العرب في صلي اللحم أي شيه، يسلخونها ويغطونها كلها بعجين دقيق البر (القمح)، فيكون لها كفنا، ثم يعلقونها على النار لتنضج، فيمتص العجين ما يذوب من ودكها. أما في عصرنا فكثير من الناس يتخلصون من ودك الضأن، أو يمتنعون من أكل لحمه، لما يشاع من صلته بارتفاع نسبة الشحم في دم الإنسان، ويظن أنه من أسباب حصية الدم، التي قد تسبب الشلل، وأحسب أن مما يساعد على ذلك قلة المشي، وتعاظم الترف، مع ما تعيش عليه الأنعام اليوم من العلف الصناعي . ومن العجب أن ينفر من لحم الضأن مع ما ورد في الغنم من كونها بركة وغير ذلك، ولا يذكر عن لحم البقر مثل هذا، مع أن فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ألبان البقر شفاء، وسمنها دواء، ولحومها داء"، وكثير من الناس يفضلون أكله بعد تعريضه للفح النار قليا أو شيا، دون تمام انضاجه، يعتقدون أنه قوة للبدن، فيعظم به عسر هضمه، وقد علل به الترغيب عنه في الحديث المذكور، وحمل بعض العلماء الحديث على بقر الحجاز خاصة ليبسه، ولم تكن تهامة ونجد أرض بقر، ولذلك لم تذكر زكاته في كتاب أبي بكر رضي الله عنه وقد أثره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وارتبط مقدار زكاته بأرض اليمن حيث بعث إليها معاذ عليه الرضوان . ولا بأس أن أستطرد إلى ما كان عليه غذاء العرب غالبا، فأذكر بعض أسمائه، لقد كان بسيطا، منه اللحم والتمر والشعير والحيس والخزيرة والعصيدة والحريرة والنجيرة والنخيرة والتلبينة والسويق والثريد، وبعضها متقارب، وربما تداخل أو كان بينه فروق دقيقة . وكانوا يسمون الخبز ينضج داخل الجمر ورماده (الملة) بفتح الميم، وهو من الفصيح الدارج، ولم يكن غالب طعامهم مما ينضج بالنار، ولعل في لزوم الوضوء مما مسته صلة بذلك، ثم ترك الوضوء منه، وهو مناسب لتطور غذائهم، وكل شيء عند الله بمقدار . وكان الثريد أفضل طعامهم، وفيه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"، وقيل إن هاشم بن عبد مناف إنما سمي كذلك لاشتهاره بهشم الخبز أي كسره وجعله ثريدا لإطعام الناس، وفي غرب الجزائر يقال عن الصحن الذي يوضع فيه الكسكس (مثرد)، اي موضع الثرد، وهو من الفصيح الدارج أيضا. وكان العرب يقولون عن الحيس والثريد والحريرة ونحوها إنها طعام اليد الواحدة، أما اللحم فهو طعام اليدين، لحاجته إلى المعالجة حال الأكل، وقد قيل لأعرابي: لم تبدأ بأكل اللحم الذي فوق الثريد؟، فقال: لأن اللحم ظاعن، والثريد مقيم"، والظاعن الراحل . ثم دخل التركيب والخلط طعام العرب، ولاسيما بعد فتوحات الشام واليمن ومصر، حيث تأثروا بعادات تلك الأمم، وكان عمر رضي الله عنه أكثر الناس ترغيبا عن التوسع في أنواع الطعام من غير تحريم، وينزع في ذلك بقول الله تعالى: "ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها"، وربما ذكر للناس ما يعرف من أنواع الطعام التي يستحسنونها، ومع ذلك يتركها زهدا، وقد دعي إلى عرس فرأى قدرا صفراء، وأخرى حمراء، وواحدة مرة، وأخرى حلوة، وواحدة محمضة، (فكدرها) كلها في قدر عظيمة، وقال : إن العرب إذا أكلت هذا قتل بعضها بعضا"!! يريد عمر ما يترتب على الترف من المفاسد، وقد قال الله تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا"، وفي الحديث: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم" . 16 من ذي القعدة 1440 •

الخاطرة 1

: [فقه الواقع] لا بد للداعي الى الله من معرفة محيطه، وتوجهات من فيه من الناس، من المقتنعين، والمؤيدين، والمعارضين، والمحايدين، ويدلك على هذا ما افتتحت به سوره البقرة (الآيات: 1- 20) من ذكر المؤمنين المتقين، وأهل الكتاب المسلمين، والكفار المعاندين، ثم المنافقين المتذبذبين. إذا عرف الداعي إلى الله الفروق أحسنَ الخطاب، ووزّع جهده على تلك الفئات بالعدل، وخاطب الناس بما يعرفون، وتدرج في الاصلاح مراعيا حال من يدعوهم، وإلا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه. وقد جهل قوم هذا المبدأ أو تجاهلوه لِمجاراتهم رعونات أنفسهم وخدمة أغراضهم، فكانوا فتنة لكثير من الناس.

الخاطرة 2

: [من معاني أم الكتاب] المسلم يتلو فاتحة الكتاب لزوما سبع عشرة مرة كل يوم وليلة في الصلوات المفروضات، فضلا عما يكون له من تطوع بالصلوات، فهل حاسب نفسه على بعض معانيها التي لا تحتاج إلى تأمل كبير، وهو مطالب بتدبر كلام ربه إذ قال سبحانه: "أفلا يتدبرون القرآن"، وقال: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"، وقد يسر الله كتابه للفهم فقال: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر". ومن أبرز ما ينبغي له ان يتأمله: أنه يثني على ربه ويدعوه، والثناء توحيد، والدعاء حاجة وفقر، وهو يقدم الثناء على ربه قبل دعائه. وأنه يحمد ربه على تربيته له بنعمه وبرسالاته في جملة العالمين. وأنه يتذكر اليوم الآخر إذا تلا قوله "مالك يوم الدين". وهو يعلن إفراد ربه بالعبادة والاستعانة، فهل عرفهما حتى لا يصرفهما لغيره؟ وهو يعظم شأن هداية التوفيق، إذ افترض ربه عليه ان يطلبها منه دون غيرها. وهو يلتزم تحصيل العلم النافع والعمل الصالح حتى يكون على الصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. ويتبرأ مِن تركِ العمل على وفق العلم حتى لا يكون من المغضوب عليهم، ومِن تركِ طلب العلم كي لا يكون من الضالين.

الخاطرة 3

: [هل في الحج إسراف؟!] الحج عبادة مالية بدنية، يترك فيها الناسك كثيرا مما اعتاده من اللباس والطيب والزينة والتنعم طيلة مدة إحرامه، إنها فرصة يتدرب فيها المسلم على ما لم يعتده، ونظيره الاعتكاف والصيام والجهاد والرباط، فمقصد التخفف في هذه العبادات من الشهوات واضح بين، وقد قال الله تعالى: "فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج"، وقال الله تعالى: "ثم ليقضوا تفثهم"، وقال رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم: "الحاج الشعث التفل". ذكرت هذا لأني سمعت باستحداث ما سمي بـ"حج الرفاه!!" أو "حج الامتياز"!! وأن كلفته تصل إلى خمسين ومائة مليون سنتيم، وهذه التسمية فيها شيء، بل إنها لا تليق، وهناك فرق فيما أحسب بين أن يذهب ذوو اليسار إلى حيث يريدون، وبين أن يعلن عن ذلك وتخصص له رحلات! وقد ذكرني هذا الخبر بشيئين:  أولهما اقتراح كنت قدمته لوزارة الشؤون الدينية منذ عقود بعد رجوعي من بعثة الحج؛ وهو أن تكون كلفته متفاوتة بحسب قدرة الناس ورغباتهم؛ لما في ذلك من التيسير عليهم، ولاختلافهم في الاستطاعة المالية والبدنية، ومما قيل في رد الاقتراح يومئذ أن توحيد الكلفة يضمن للجزائريين كرامتهم!! وتالله إن المقصد لحسن، لكن لا يلزم هذا من هذا. وثانيهما أن بعض المحسنين من ذوي اليسار يكرمون بعض الدعاة فيتولون دفع تكاليف الحج أو العمرة عنهم، وقد يتكرر ذلك في العام، لكن المرفوض أن يقبل من يدعو إلى الله عالما أو طالب علم الإقامة مدة شهر في فندق بكلفة 800000 د، فلم لا يفرق الدعاة بين خدمة الدعوة وخدمة الداعي؟ ولم يجارون المحسنين في هذا الاسراف والتبذير؟ وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لمعاذ لـمّا بعثه إلى اليمن: "إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين"!! ومما كتب به عمر رضي الله عنه إلى بعض قادة الجيوش: "وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير".

الخاطرة 4

: [شأن الايمان بالغيب] أول صفة وصف الله تعالى بها عباده المتقين الذين يهتدون بالقرآن هي إيمانهم بالغيب، كما قال تعالى: "فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب"، وهذا هو ركن الدين الأعظم الذي يصلح به الباطن، وتنبني عليه كل الأعمال، وبمقدار استقراره وثباته يصلح الظاهر أو يفسد.  والإيمان بالغيب هو التصديق الجازم، والغيب ما لا يدرك بالحواس مما أخبر به الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، موجودا كان أو لم يوجد بعد. وأعظم أركان الإيمان الإيمان بالله: بوجوده المقتضي توحيده، وعبادته، والإيمان بما أخبر به عن نفسه من أسمائه وصفاته وأفعاله وتدبيره لخلقه، وببقية الأركان، وهي ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر. ودرجة الإيمان التي تقتضي ولا بد الإذعان والامتثال والاستقامة والتحصن من الفتن؛ هي اليقين، وما أقله في الناس!! أما ما دون اليقين فأصحابه متى تعرضوا للفتن لم يثبتوا إلا أن يرحمهم الله، وهذا حال معظم المسلمين اليوم، قال الله تعالى: "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم"، أي لم يتمكن منها، ودليل اعتبار هذه الدرجة قول الله تعالى: "وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا". لا أرى حصنا للفرد المسلم اليوم كالعناية بمعالم رئيسة أعظمها العقيدة تغرس فيه باكرا، وينشأ عليها منذ نعومة أظفاره، بعد أن استحالت وسائل الوقاية الأخرى كالعزل عن المحيط، وإبعاده عن قرناء السوء، لقد غدا العالم بيتا لا قرية، بل هجم هذا العالم بما فيه على البيوت وعلى الأفراد طوعا أو كرها بوسائل الاتصال التي لا يسهل التفصي من اصطناعها، فليصرف الدعاة جهدهم في تحصين المسلم بهذا الحصن الذي لا نظير له.

الخاطرة 5

: [موازين الايمان] في الكتاب والسنة كلمات تدل على ما ينبغي أن تكون عليه علاقة المسلم بدينه في العلميات والعمليات على السواء، وما عليه الدين نفسه من الوضوح والجلاء. ومن هذه الكلمات العلم، واليقين، والشهادة، والبينة، والبصيرة، والنور، والبرهان. ومنها الاستمساك، والتمسك، والتثبيت، والمداومة. ومنها الصراط المستقيم، والمنهاج، والمحجة البيضاء، والحبل المتين، وغيرها. ولا شك أن هذه المعاني تتنافى مع الشك والتردد والاضطراب والحيرة والغفلة. أما من حازها فقد حظي بما وصف الله به عباده المؤمنين ومدحهم به من توحيده وعبادته وطاعته وخشيته والخوف منه والوجل والخشوع والإخبات والخضوع والتذلل له والإشفاق من عذابه، والتوبة والرغبة إليه، والرهبة منه، وحبه والتسليم والاستجابة له، والتوكل عليه، وإيثار الآخرة، وحب لقائه والاطمئنان بذكره والمسارعة الى مغفرته وجنته. فزن نفسك أيها المسلم بهذه الموازين لتعرف موقعك من دينك.

الخاطرة 6

[من اختلاف أهل العلم ما هو فتنة لغيرهم] اختلاف المسلمين عموما وأهل العلم خصوصا وإن كان له مسوغ فهو فتنة للكفار كما قد يكون فتنة لضعاف الإيمان من المسلمين، يستدلون بالاختلاف على أنهم ليسوا على الحق، فتتزلزل ثقتهم فيهم، وقد قال الله تعالى: "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون"، وهذا عموم يتناول المؤمن والكافر والفقير والغني والصحيح والمريض والعالم والجاهل والرئيس والمرؤوس وغيرهم. ومما ذكره الله تعالى في كتابه من أدعية أتباع رسله قوله سبحانه فيمن آمن من قوم موسى عليه الصلاة والسلام: "ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين"، سألوا الله النصر على أعدائهم وانتظام أمرهم لئلا يكون خلاف ذلك مغريا لفرعون وآله بما هم عليه من الكفر، إذ يحتجون بضعفهم وتغلبهم عليهم على أنهم على الباطل، ثم طلبوا النجاة بعد ذلك مستندين إلى محض فضل الله ورحمته، فقدموا مصلحة دينهم على مصلحة ذواتهم، وكذلك الحال فيمن آمن بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقد جعلهم الله قدوة لنا، فقال عنهم: "ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا". فلم لا يقدم الدعاة (وبعضهم محسوب على الدعوة) مصلحة دينهم على الانتصار لأنفسهم لو كان الانتصار حقا، فكيف إذا كان كهذا الذي تراه قد بلغ حدا من الرداءة والسفاهة لا يطاق؟

الخاطرة 7

: [وجعل بينكم مودة ورحمة] قال الله تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون". أنس كل من الزوجين بصاحبه، وميله إليه، وسكون نفسه بوجوده، وما أودع الله تعالى في قلبه من المودة والرحمة، من أعظم مقاصد الزواج الممتدة، التي لا تحد بوقت، وهي من آيات الله العظيمة التي لا يلتفت إليها ولا يتفكر فيها كثير من الناس، ولهذا إذا ولى عهد الشباب، وفتر الداعي الآخر ضعفت العلاقة، وساءت العشرة، وحصل الجفاء، والذي يجدر بالعاقل أنه اذا انقضى داعي السكون والمودة؛ قام داعي الرحمة والشفقة.  ومن الشائع عند فريق من الناس أنهم يضربون المثل لوفاء الزوج لزوجه عند الكبر بما عليه الغربيون الكفار، والحق ان الأجدر بمراعاة هذا هم المسلمون. ولما كان الجفاء كثيرا ما يأتي من الرجال فقد جاءت الوصاية لهم بالنساء في كتاب الله، وفي غير ما حديث، ومما يناسب المقام قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله يوصيكم بالنساء خيرا، ان الله يوصيكم بالنساء خيرا، فإنهن أمهاتكم، وبناتكم، وخالاتكم، إن الرجل من أهل الكتاب يتزوج المرأة، وما يعلق على يديها الخيط، فما يرغب واحد منهما عن صاحبه حتى يموتا هرما"، رواه الطبرني في الكبير عن المقدام بن معدي كرب.

الخاطرة 8

[من فقه الامام مالك رحمه الله] من الأبواب التي تضمنها كتاب الأقضية في الموطإ؛ باب "القضاء باليمين مع الشاهد"، وقد قال به الأئمة الثلاثة، وخالفهم الإمام أبو حنيفة، وليس في الموطإ باب مثله من حيث الحجج التي ساقها مالك للرد على المخالفين، إذ أورد شبهاتهم وزيفها، وبين خطأهم في الاحتجاج بالقرآن، واستند إلى عمل السلف. وقد.قال عن ذلك أبو بكر بن العربي: "ما أطنب مالك في مسألة كإطنابه في هذه المسألة، فقد.سلك فيها طريق الجدال، وكثر الأسئلة والأجوبة، وأفاض في ضرب الأمثال، والتفريق بين مثال ومثال، وظهر له في ذلك علم عظيم من الأصول والأحكام بما يتفقه به جميع الطوائف". قلت: ومن عباراته فيه وهو يذكر المخالفين: "فإن احتج محتج"، ومنها "فإن قال قائل"، ومنها "ومن الناس من يقول"، ومنها "ومن الحجة على من قال ذلك القول"، ومنها "فإن أقر بهذا فليقرر باليمين مع الشاهد". والمقصود أنه مع قوة حججه، وتحققه من رد قول مخالفه، واستبعاد رجوعه عنه، ختم بحثه بما يفهم منه أنه إنما لجأ الى هذا الأسلوب لأنه يحاج قوما أهل قياس، وإلا فما ثبت من السنة كاف، فلهذا قال: "وإنه ليكفي من ذلك ما مضى من السنة"!! كيف وقد سأله بعض الناس: "أيجادل الرجل عن السنة"؟ قال: "لا، يقول ما معه ويمضي". ثم ختم الباب بما يوحي إلى المخالفين أنه يعتبرهم باحثين عن الحق، فكان أن بينه، قال: "ولكن المرء قد يحب أن يعرف وجه الصواب، وموقع الحجة، ففي هذا بيان ما أشكل من ذلك إن شاء الله تعالى"، فأين نحن من هذا الرفق الذي نحفظ نصوصه ونهجر العمل بها؟

الخاطرة 9

[في منع الجمع لأجل المطر] ذكرني ما حصل هذه الأيام في شأن الجمع لأجل المطر بأمور مرت بي، كما قال البحتري في سينيته: "ذكرتنيهم الخطوب التوالي ** ولقد تُذكّر الخطوب وتُنسي"! قبل 38 سنة دخلت مسجد مصطفى بن تهامي بمعسكر وكان المطر ينزل، فقلت في نفسي: لو جمع الامام العشاء إلى المغرب!! لكني تحرجت أن أقول ذلك له، لما جريت عليه طيلة عملي من الاكتفاء بالتوجيهات العامة في الندوات، وترك التفاصيل للأئمة يفعلون ما يرونه مناسبا، ما دام في الأمر سعة، ثم إني جلست إلى جنب الشيخ بن علي بكارة أحد الموظفين في المسجد، وهو أخو مفتي معسكر الهاشمي بكارة رحمهما الله، وعمره إذ ذاك نحو التسعين سنة، فسمعته يقول سرا: "الليلة ليلة الجمع"، فقلت له: "إذن نجمع"، وتولى هو قول ذلك للإمام، وبعد الصلاة انبرى لي أحد الشبان فقال: تريدون أن تغلقوا المسجد؟ فلببته بثوبه، وأغلظت له القول، والله يغفر لي. وقد تناسى الناس عندنا الجمع لأجل المطر مدة، حتى آل الأمر بعد إلى أن كان بعض الناس يتعجبون من فعله، وقد قال لي أحدهم منكرا: لم يفعله الأولون!! وأذكر أن أحد المؤذنين عندنا قال منذ سنتين في أذان الظهر: "ألا صلوا في الرحال"، فاستدعى ذلك أن تعرض للتحقيق، وقيل عنه إنه شيعي!! مع أنه أمر ثابت في السنة، وهو في الموطأ وصحيح البخاري. هذا شأن أحكام الله تعالى إذا تناساها الناس، فكيف إذا منعوا منها؟ مثل هذه الأمور ينبغي أن تترك للمجالس العلمية تصحح ما ترى من خطأ او مبالغة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه".

الخاطرة 10

[منزلة اليقين من الدين] اليقين في العقائد أنفع شيء للإنسان، هو شطر الدين الأعظم، يستقيم به ظاهر المسلم، ويحصنه من الفتن، وبه يدرك الحسن الكامن في الشرع ويطمأن إليه، ويحصل به على أجر الأعمال، وتهون به مصائب الدنيا، وهو مطلوب في الدعاء. ويجمع لك هذه المعاني التي لها أدلتها ما يقال للرجل الصالح في القبر: "على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله"، وما يقال للرجل السوء: "على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله". وفي الحديث المرفوع: "صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل"، فاسلكوا أيها الدعاة السبيل الذي صلح به أول هذه الأمة، فإنه لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها.

الخاطرة 11

[التربية في ألفية ابن مالك رحمه الله] ألفية ابن مالك من مصنفات النحو التي نفع الله بها الناس، ولم يحصل لكتاب في النحو مثل ما حظيت به من الذيوع والانتشار، وقد سماها صاحبها الخلاصة، لأنه انتقاها من نظمه الكبير المسمى بالكافية الشافية. ومما كان له أثر بالغ عليّ، فأوليته الاهتمام في أثناء مدارستها، الأمثلة التي يجلبها لتوضيح القواعد، لقد كان فيها داعيا إلى الله بحق، يعلم الناس بصغار العلم قبل كباره، حريصا على مكارم الأخلاق، ضاربا الأمثلة بالصحابة كأبي بكر وعمر، نافيا الاتباع إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يورد فيها مثالا يخرج عن هذا النهج، وهذا شأن العلماء الربانيين، هم دعاة الى الله بأقوالهم وأفعالهم ومعاملاتهم وسلوكهم وبسمتهم ودلهم، ولا أشك أنه كان قاصدا هذا الذي ذكرته، وكل إناء بما فيه ينضخ، ولعل ذلك يقوم له عند الله مقام كثير من الكتب التي ألفها غيره في الدعوة وفي علوم الشرع. كيفما كان العلم الذي يتخصص فيه المسلم فلا يجوز له أن يعتبر نفسه غير معني بالدعوة إلى الله من خلال ذلك العلم، بخلاف ما عليه الأمر اليوم، فإن كثيرا من المسلمين الذين لم يعرفوا دينهم يحاربونه بالعلم الذي تخصصوا فيه أو نبغوا من حيث لا يشعرون. ولما رآني إخواني الذين يحضرون المجلس كلفا بهذه الأمثلة، تتبعها وجمعها، منهم الأخ الكريم الطيب بلبركاني. أول مثال فيها هو استقم، وكان يغنيه عنه أفعال أمر على وزنه كانتقم، واحتكم، واغتنم!! ويمكن أن تجعل هذه الأمثلة أصنافا عدة، فمنها عن النساء "يرعن من فتن" -"ولم تكوني لترومي مظلمة" - وأبت هند الأذى - "نعم الفتاة" - "ولي بكا بكاء ذات عضله"- سيري والطريق مسرعه"، "ذا بنسوة كلف"، والمقام لا يتسع لهذا التفصيل، فلنكتف بالقليل. فمنها "فائز أولو الرشد" - "رجل من الكرام عندنا" - "أما أنت برا فاقترب" - "اعلم إنه لذو تقى" - "ألبسن من زاركم نسج اليمن" - "لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا" - "لا تعث في الارض مفسدا" - "ما لباغ من مفر" - "مخلصا زيد دعا" - "إنك ابتهاجك استمالا" - " من يصل إلينا يستعن بنا يعن"- "جد حتى تسر ذا حزن" - "للأيسر مل تكف الكلف".. رحم الله ابن مالك وجزاه عن المسلمين خيرا، وأين نحن في تدريسنا لعلوم الشرع منه في تأليفه في علم النحو؟

الخاطرة 12

[من فصول تاريخنا الحديث: الحرب على اللحية!] إعفاء اللحية من سنن الفطرة العشرة، قرنت بقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط والاستحداد والختان والسواك واستنشاق الماء والمضمضة وغسل البراجم. ومعنى أنها من الفطرة أن الطباع السليمة تميل إليها وتقتضيها، ولأن اللحية مختصة بالرجال، وقد قال أبو بكر بن العربي رحمه الله عن سنن الفطرة: "والذي عندي أن جميعها واجب، وأن من تركها لم يكن من جملة الآدميين، فكيف بجماعة المسلمين"؟!! ومن الأمثال الشعبية التي تدعو إلى الباطل، وما أكثرها "اللي غلبك زين، اغلبه تحسان"، ومعناه أن من فاقك جمالا فتفوق عليه بحلق لحيتك!! وقد فشا فينا حلق اللحى وانتشر بعد دخول الاستعمار الفرنسي، واستقرت عليه عادات الناس، حتى إنك لترى من هو معروف بالفضل والعلم يحلق لحيته، أو يقصرها، ولا يترك منها الا يسيرا يظهر الجلد من تحته!! ويترك بعضهم شيئا من الشعر في منطقة مجمع لحييه وهو مثلة. ولما عاد بعض الناس ولاسيما الشباب الى الأصل أصبح يطلق عليهم أصحاب اللحى، ثم صار هذا الوصف مقرونا بالانتماء الى توجه حزبي معين، فلما جاء عهد التعددية الحزبية تماشيا مع انهيار الأنظمة الاشتراكية والشيوعية وحصلت الفتنة في تسعينيات القرن الميلادي الماضي اختلط على الجهات الحاكمة الحابل بالنابل!! فعاملت الناس على وفق ما حذر منه المتنبي في قوله: أعيذها نظرات منك صادقة*** أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم وما انتفاع أخي الدنيا بناظره *** إذا استوت عنده الأنوار والظلم؟!! ومما تذكرته أن أول اجتماع عقده وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية مولود قاسم رحمه الله سنة 1975 غداة التقسيم الإداري للبلاد إلى 31 ولاية لم يكن فيه أحد يعفي لحيته غيري حتى رئيس المجلس الإسلامي الأعلى ونائبه يومئذ رحمهما الله، وكان مولود قاسم يتندر بذلك فيقول لي: شيخ الشيوخ!! وقد قلت للشيخ علي شنتير: لم لا تعفي لحيتك؟ ونحن في ملتقى الفكر الاسلامي المنعقد بالاوراسي، فقرأ علي هذا البيت: لا تخدعنك اللحى ولا الصور *** تسعة أعشار من ترى بقر وشاء الله تعالى أن نلتقي بعد عام في المكان نفسه، فإذا هو قد أعفى لحيته، فذكرته بذلك البيت، فقال لي أنا من العشر. ثم جاء العهد الذي اشترط فيه أن لا يحصل أصحاب اللحى على الجواز فقابلت منسق مصالح الأمن بالولاية وذكرت له أن لحيتي قديمة!! فقال لي: هذا قانون، فلما طلبت منه أن يرينيه أبى، وقال لي: لحى نتنة!! فقلت له شمها لتعلم!! فلما أصر على موقفه قلت له: "لو بقيت طول حياتي لا أتمكن من الخروج من بلدي ما حلقت لحيتي، كان المسكين يريد أن يجعلني قدوة في حلق الناس لحاهم. وقد قلت غير مرة لبعض من وظف في المساجد في مواضع خطرة إبان تلك الفتنة: احلق لحيتك قبل أن تلتحق بمنصبك لما كان يغلب على ظني أنه سيتعرض للمكروه، وما زلت إذا سألني عن ذلك من يريد أن يلتحق بالخدمة الوطنية على أن أنصحه بحلق لحيته قبل أن تحلق له، لما قد يعانيه بسبب ذلك من الأذى والتصنيف، وكثيرا ما يكون الملتحي أحرص على أمن بلده واستقراره أكثر من حرص غيره.

الخاطرة 13

[ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون..] إيذاء الكفار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كثير متنوع، قالوا عنه ساحر وكاهن وشاعر وكذاب ومجنون، ولمزوه بمختلف الأوصاف والقبائح، مع علمهم بأنه ليس كما يأفكون، كما قال الله تعالى: "أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون". ومن العجب أن يأتي الجواب عن هذه الأباطيل بمثل قول ربنا عز وجل: "ما أنت بنعمة ربك بمجنون"، وقوله: "وما صاحبكم بمجنون"، وقوله: "وما هو بقول شاعر"، وقوله: "ولا بقول كاهن"، ومثل هذا رد نوح وهود عليهما الصلاة والسلام على أقوامهم: "ليس بي سفاهة"، "ليس بي ضلالة"، من منا يكتفي بنفي ما ألصق به من الباطل، ليطوي بساط الكلام، فإن زاد رد بالمثل متى كان ذلك حقا؟ كما قال الله تعالى: "ألا إنهم هم السفهاء"، "ألا إنهم هم المفسدون". وقد ضاقت على الكفار أصناف الفرى وأضرب القدح، فارتبكوا واضطربوا، فلم يهتدوا إلى شيء يصفونه به، عسى أن يقنعوا به أنفسهم، فضلا عن إقناع غيرهم، وفي هذه الحال التي كانوا عليها قال الله تعالى: "انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلّوا فلا يستطيعون سبيلا". وقد استكثروا عليه أن يمشي في الأسواق، أو يأكل الطعام، وقالوا لولا أنزل عليه ملك، او القي إليه كنز، أو كان له بيت من زخرف، او جنة ياكل منها، ولم لا يرقى في السماء؟ وقد بلغ بهم الشطط أن تكون آية صدقه عندهم هي إنزال الحجارة عليهم، أو حلول العذاب الأليم بهم!! فقال الله في ذلك: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم"، فأي حمق سكن عقول هؤلاء؟ ومع كل هذه الأضرب من المكر والإيذاء، ما لانت له قناة، ولا فت في عضده، ولا صرف عن الدعوة إلى ربه، على أنه ربما ضاق بذلك صدره فجاءه أمر ربه بالصبر المقرون والاستكثار من طاعته وعبادته وذكره، فهذا خير ما يواجه به الافتراء، كما قال: "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"، وقال: "واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون"، وقال بعد ذكر طائفة من دعاواهم ودحضها: "واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم"، وقال: "فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"... واستمر هذا المسلسل البغيض بعد الهجرة إلى المدينة على ألسنة غير تلك الألسنة، إنهم اليهود والمنافقون. ومن أغرب ما ابتكره أهل النفاق ما قال الله عنه: "ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن"، يريدون أنه يسمع لكل من جاءه يحدثه؛ لا يميز بين محق ومبطل، ولا بين صادق وكاذب، حتى كأنه آلة السمع نفسها!! فلقنه الله الجواب مثنيا عليه، مبينا ما هو عليه من الرحمة بعامة الناس، والسعي في الخير لهم، ومعاملتهم بالظاهر، ولولا ذلك لكان مصير بعض شانئيه القتل، فقلب عليهم هذا الذي اتخذوه مطية استنقاص: "قل اُذن خير لكم"، وهذا كما يقول أهل البلاغة أسلوب الحكيم الذي يعرض فيه المتكلم عن أهل السفاهة والضلالة، فيصرفهم عنها بحكمة، ويكشف لهم ما كان ينبغي أن يحمل عليه الأمر من المعاني الصحيحة والأخلاق الفاضلة، ولهذا قال: "يؤمن بالله"، فمصدر هذه المعاملة هو هذا الإيمان، وما يقتضيه من الرفق والإحسان والإعراض عن الجاهلين، "ويؤمن للمؤمنين"، فهم الذين يصدقهم فيما يسمع منهم، ورحمة للذين آمنوا منكم"، وهم الذين يؤذونه عسى أن يصلح حالهم ويدخل الإيمان قلوبهم. في هذا كله تسلية وعزاء لمن تعرض للأذى من أمته، فأبلغ ما يرد به وأنفع هو مصابرة الشانئين المستنقصين، والدأب على الاجتهاد في العمل الصالح، واحتساب الأجر عند الله، وتحري الحق في الرد إن كان، والابتعاد عن أن يجعل المرء ذلك أكبر همه ومبلغ علمه.

الخاطرة 14

[تكفل القرآن ببيان العقائد من رحمة الله بخلقه] يسر الله تعالى لعباده ما تقوم به حياتهم، فجعله في متناولهم، من ذلك الماء والهواء والغذاء، وفي الحديث: "المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"، وقد قال بعض أهل العلم ان هذه الثلاثة لا تملك، هي قدر مشاع بين الناس، وقال الله تعالى: "هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعا"، وقال: "وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه". وهذا تقتضيه ربوبيته لخلقه سبحانه، فإنه رب العالمين، رباهم بنعمه، فهم فيها مشتركون، فرزقهم عليه، وإن تفاوتوا في تحصيله، كما قال: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها"، وقال: "وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم"، وقال: "وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين"، وقال: "وما كنا عن الخلق غافلين"، فتبارك الله أحسن الخالقين. وإذا كان هذا هو الحال فيما تصلح به أجسامهم وتقوم به حياتهم الفانية فأولى أن يكون ذلك فيما يسعدون به السعادة الأبدية الخالدة، فإنه في متناولهم لا يتفاوتون فيه تفاوتهم في حظوظ الحياة، إلا من تولى عن ذكره. ومن مظاهر هذا التيسير أنه فطرهم على معرفته والتسليم والإذعان له، وكان ذلك كافيا في مؤاخذتهم على ترك توحيده، كما قام الدليل عليه، لكنه مع ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوى في أنفسهم ما فطروا عليه، أو لردهم إليه إن هم خرجوا عنه باجتيال الشياطين، وتفريط المربين، وتأثير المحيط [المفسدين]، ثم ليبين لهم تفاصيل ما تقتضيه تلك الفطرة، فأعذر إليهم وقامت عليهم الحجج. ومن تيسير أسباب الفلاح لهم أنه شرع لهم هذه الكلمة الطيبة كلمة التوحيد التي من قالها والتزم معناها كان من أهل السعادة، ومن نطق بها خالصا من قلبه دخل الجنة، ومن قالها نفعته سوما من دهره. ومن ذلك أن أعظم جزأي الدين -وهو العقيدة- اختصه الله بكلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وحجب عنه القياس والنظر والرأي والتعارض الذي هو أعظم أسباب الاختلاف في العمليات، فكانت العقائد لا تقبل إلا وجها واحدا، وبهذا تكون بمعزل عن الظنون والتنفل والاضطراب، لا تفتقر نصوصها بعضها إلى بعض، بل كل نص منها مستقل الدلالة على مدلوله، وهذا الأمر هو الذي التزمه الصحابة ومن ساروا على نهجهم، فسلم لهم ركن دينهم الأعظم، فكان فهمهم أعلم وأسلم وأحكم.

الخاطرة 15

[عن فتنة التجريح..] قد أقول اليوم ما لم أعتد قوله حرصا على الدعوة لا انتقاما لنفسي، بعد هذا الصبر الطويل، والاستثناء يؤكد القاعدة. ترى هل يعرف الدعاة تفاصيل ما يفعله أتباعهم في أنحاء الوطن، ولاسيما في شماله من عنابة إلى مغنية، جراء كلامهم في غيرهم حقا كان أو باطلا؟ إن معظم الأتباع من الدهماء والغوغاء، ولنفترض انهم يسيئون الفهم فيسيئون الإجابة، فهل يجهل قادتهم هذا الذي يجري؟ إن كانوا يعلمون ثم يسكتون ولا يقومون؛ فهي مصيبة، وإن كانوا لا يعلمون وهذا مستبعد فليستيقنوا ان تصرفات اتباعهم حزبية، فكيف يتهمون غيرهم بها، كما قيل: رمتني بدائها وانسلت؟ إن هذا الذي نسمعه ونعيشه من تصرفات الأتباع يدل دلالة واضحة على أن المتبوعين الذين هم وراء هذه الأعمال إما أنهم نصبوا أنفسهم في منازل الحكام، قصدوا ذلك أو لم يقصدوه، وإما أن أتباعهم نزلوهم هذه المنزلة في الأمور الدعوية، وهو أمر والله لا يحتاج الى بيان: وليس يصح في الأذهان شيء ** اذا احتاج النهار الى دليل!! ماذا يقال عن مسجد يكون عامرا بفئة معينة من المصلين فيجرح إمامه (جارح) فيخلو من المصلين عن بكرة أبيهم، فهل هذا أمر اتفاقي؟ كيف وهو يحصل في بلدنا منذ نحو العشرين عاما؟ والحال ان الحاكم قد لا يرتضي بعض الدعاة من الأئمة الموظفين عنده لكنه لا يمنع الناس من حضور حلقاتهم وهم منعوتون عنده بالوهابية كما يأفكون. ومن الذي وراء عزوف الطلاب الذين تكتض بهم المدرجات في الجامعة في كليات معينة، فإذا خرج الأستاذ عن الخط الذي يرتضيه غيره وجد نفسه وحده، وقد كان من قبل لا يكاد طلابه يصلون إليه؟ ومن الذين هم وراء هؤلاء (الوكلاء) المنبثون في أرجاء القطر يتنطسون أخبار الناس ويترصدونها، ثم يبلغونها ثم يتلقون الأوامر فيقيمون التعليمات في أنفسهم فور صدورها، ويجدون في حمل الناس عليها بأساليب مختلفة لا يسع المقام ذكرها؟ ومن يصدر الأوامر لهؤلاء ليعترضوا بطرقهم الخاصة السرية والعلنية على حلقات العلم وقد يشد أحدهم الرحال مئات الكيلومترات وربما ركب الطائرة أحيانا ليحذر من الاستماع الى محاضرة أو دورة علمية يشرف عليها من هو غير مرضي عنه، وفد بلغ الامر أحيانا المنع من إلقاء الدروس بالقوة، وربما بكروا إلى الصف الاول حتى إذا جاء المدرس نهضوا وخرجوا مغيرين (المنكر) بأفعالهم!! ومن ذا الذي أوحى إلى (هؤلاء) بالتميز عن الناس إما بمسجد بعينه، أو بحلقة في مسجد، او بالانقباض والانعزال، او بالتقطيب والعبوس والتجهم، وبالمقاطعة والهجران؟ فخرجوا على الأمة إن كان غيرهم قد خرج على حكامها، وقد قال رسول صلى الله عليه وإله وسلم: "هجر المؤمن سنة كسفك دمه". ومن ذا الذي يصدر الفتوى بمنع بيع كتاب معين او باتلافه، والحاكم لا يفعل هذا الا في المعارض، ولا أذيع سرا إذا قلت إن هذا حصل لكتبي، وأكتفي بمثال واحد، فقد صدر كتابي "كيف نخدم الفقه المالكي" وفيه نقد لاذع للوزارة التي كنت موظفا فيها، وعلم بذلك الوزير فما زاد على كلمة عابرة في مجلس أنا فيه، لكن أتباع هؤلاء تقربوا إلى الله بحرق نسخ منه فبخمس عشرة سنة. [كأنها: قبل خمس عشرة سنة] وما الذي جعل بعض أهل العلم يسكتون هذه المدة الطويلة فلا ينهون عن الوقوع في أعراض أبنائهم وإخوانهم الدعاة وطلاب العلم الذين ينفعون الناس، حتى إذا حصل هذا الذي حصل انبروا ينصحون ويوجهون؟ " هذا قليل من كثير، خبرته مدة تناهز العشرين سنة، فما هو بظنون، وقد ذكرت كثيرا منه في وقت كان هذا التوجه جنينا، وما جددت العهد بذكره بسبب ما لحقني من الأذى فقد اعتدته فصرت لا أبالي والله به، كما قال الآخر:  فصرت إذا أصابتني سهام ** تكسرت النّصال على النّصال. ذكرته لما يغلب على ظني أن هذا المسار ان مضى على ما هو عليه مصحوبا بهذا الشحن الذي لا أتردد في تسميته طائفيا؛ سيفضي الى مالا تحمد عقباه، فلينتبه الدعاة الى هذه الاخطار المحدقة بالدعوة، وإذا تجردوا لخدمتها فنحن عون لهم وردء، لكنني أعود فأحذر وأذكر ما قاله الآخر:  أرى خلل الرماد وميض نار " ويوشك أن يكون له ضرام وإن النار بالعودين تذكى** وإن الحرب أولها الكلام!! معسكر في السادس من شهر جمادى الثانية 1439 الموافق ل

الخاطرة رقم 16 [رفع إشكال في سورة الرحمن]

النعمة هي الحالة الحسنة التي يكون عليه العبد بما يمن الله تعالى به عليه من المال والولد والعيش والعلم والحلم والصبر وغير ذلك، وهي كثيرة لا تحصى، منها الظاهر الذي يعرفه الناس ويرونه، ومنها الباطن الذي لا يعرفونه، أو يتفاوتون في معرفته، كما قال الله تعالى: "وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة"، وقال: "وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها"، ومعظم النعم ينساها الناس بحكم الاعتياد فلا يتفطنون لها إلا إذا افتقدوها. ومن النعم ما يعده الناس ضرا وشرا، وهو نفع وخير، كما قال الله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون"، وقال: "فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا"، فما كان من هذا القبيل تكليفا كان المطلوب حمل النفس عليه، ومجاهدتها على التزامه، وهذا معنى التكليف لأن فيه كلفة تقوى بابتعاد النفوس عما فطرت عليه، وما كان من غير هذا فعلاجه هو الصبر عليه بعد التوقي ومراعاة سنن الله في خلقه. وقد تميزت سورة الرحمن عن غيرها بافتتاحها باسم الله الرحمن، وبالتعقيب على النعم المذكورة فيها واحدا وثلاثين مرة هكذا: "فبأي آلاء ربكما تكذبان"، والآلاء جمع ألي هي النعم، وهي كلها من رحمة الله العامة بخلقه، أو من رحمته الخاصة بالمتقين من عباده. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه السورة: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم: كنت كلما أتيت على قوله: "فبأي آلاء ربكما تكذبان"؛ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد". والمقصود هل من جملة النعم قوله تعالى: "كل من عليها فان وببقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام"؟ وما جاء بعده من قوله تعالى: "كل يوم هو في شأن"، و"سنفرغ لكم أيها الثقلان"، ومن انشقاق السماء، وعقاب المجرمين، وغير ذلك؟ يقول بعضهم إن ذلك التعقيب تكرير، لأن الفناء ليس نعمة!! ويقول آخرون: ان الآلاء في هذا ومثله هي قدرة الله تعالى على فعل ذلك.. والحق أن ذلك من أجلّ النعم، والأمر في بعضها ظاهر، أما الفناء فمقدمة لا بد منها، به يستوي الخلق في الموت، ويظهر به المحق من المبطل، وينقلب هذا بالثواب، ويبوء الآخر بالعقاب، ويرى المؤمنون ربهم، ويمتاز المجرمون، ويعرف المنافقون، وتبلى السرائر، ويتسلى به المظلوم المحزون، ويشمل العدل الإلهي المكلفين كلهم، وكيف لا يكون نعمة وبه تنتهي الدنيا، وهي سجن المؤمن وجنة الكافر؟

الخاطرة رقم ١٧ [المخرج من فتنة المنهج]

خالط الناس، واصبر على أذاهم، وادعهم الى الخير، ودينك لا تكل منه [تكلمنّه]، فأنت بهذا خيرا ممن يعتزلهم.  تدرج في دعوتك الى الله، وارفق بالخلق، فإن التدرج سنة كونية وشرعية، وخاطب الناس بما يعرفون، من غير أن تحلل حراما، أو تحرم حلالا، او تقر منكرا. لا تتميزن عن الناس بوصف خاص، أو بمجلس، أو بشعار، إلا بما لا بد لك منه مما شرعه الله ورسوله. راع في انضمامك إلى الجمعيات أو في تأسيسها سلامة قوانينها ونظمها من الباطل، واخدم بها دينك وأمتك في مختلف الميادين العلمية والعملية والنفعية، ولا تعملن في الغبش أو في السر فإنه طريق الحزبية المقنعة وجماعات الخروج. أنزل الله دينه لتصلح به الحياة الدنيا ويتهيأ به متبعوه لدار الكرامة كما قال الله تعالى: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"، فاسع أن يكون لك حظ ما من هذا الإصلاح الفعلي بالتعاون مع من يريده، ومزاحمة من لا يريده!!  إذا درست مصنفا فقهيا مذهبيا فافعل ذلك مستبصرا لا متعصبا تربط الناس في مدارسته بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. صل في المسجد الذي يليك ولا تتبع المساجد الا استثناء، ولا تهجرنها لمجرد كلام جارج تسمعه عن أئمتها، كيف تترك يقينك لظنون الظانين، وتخرصات المتخرصين؟ احرص على عقيدة صحابة نبيك، ومن تلاهم من القرون الفاضلة، وتمسك بما كانوا عليه علما وعملا وسلوكا، واستحضر سعة أفقهم، وشمول نظرتهم للحياة تعلما وتعليما ودعوة وتجارة وصناعة وغير ذلك. نافح عن عقيدتك ومنهجك بعلم وأدب ورفق، في الحدود التي لا تمس بسكينة مجتمعك، ولا تجعله طوائف متناحرة، فإن ربك قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر"، وقال: "وما أنت عليهم بجبار". أمسك عليك لسانك واحرص على ما ينفعك، وتجنب الخصام وكثرة الكلام إلا لبيان الحق، كما قال الله تعالى: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين". إياك ونقل الأخبار وتتبعها وإرسالها إلا ما كان فيه صلاح وخير للأمة، بذلك تقلل أثر هذه الشرور، وتنجو مما أوعد به القتات، وتسلم من التسبب في إيغار الصدور، وفي الحديث: "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع"، وفيه: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع". إذا فعلت هذا ونحوه فارتقب أن توصف بالتمييع والانحراف، فلا عليك، امض في طريقك، واصبر، فإن العاقبة للمتقين.

الخاطرة رقم ١٨ [في لقب السلفي والسلفية]

ما يصف المرء به نفسه أو يصفه به غيره من الصفات والنسب الممدوحة والمذمومة مختلف متفاوت، أحسب أنه تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة، ومنه الانتساب للجهة والطائفة والمذهب وغير ذلك. ووصفا الإيمان والإسلام هما اللذان يميزان أهل القبلة عن غيرهم، ويجمعان أفرادها كلهم، فالاعتزاز يكون بهما، والاكتفاء بهما هو الأصل، الا إذا قامت الحاجة إلى التمييز، كأن يقال: أنا من أهل السنة، أو أنا على عقيدة السلف، فكل ما زاحم ذينك الوصفين؛ ينبغي العدول عنه، وقد قال الله تبارك وتعالى: "هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "سموا المسلمين بما سماهم الله به: المؤمنين، المسلمين، عباد الله". وقد كان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصاريا، فتداعوا، فقال الأنصاري: "يا للأنصار"! وقال المهاجري: "يا للمهاجرين"! فقال النبي صلى الله عليه وآله سلم: "ما بال دعوى الجاهلية"؟ ثم قال: "ما شأنكم"؟ فأخبروه، فقال: "دعوها فإنها منتنة"!!  والعبرة أن وصفي الهجرة والنصرة وصفان شرعيان عظيمان جاء بهما الكتاب والسنة، لكن لما دعا كل واحد من الرجلين طايفته مستنصرا إياها أنكر النبي صلى الله عليه آله وسلم ذلك، ووصف تعصب كل لجماعته بالنتن لانه يفرق الجماعة. والختام هو أن أتساءل: لو افترضنا خلو الدعوة السلفية من أي خطإ كان، ومن استغلال من استغل رفع هذا الشعار ممن رفعه للتضييق على السنة، فهل هناك تلازم بين الدعوة الى عقيدة السلف ومنهج السلف، وبين اصطناع هذا الوصف العظيم بوجه حق أو غيره؟ لا تلازم والله.

الخاطرة رقم ١٩ [اقتصد في بغضك وحبك]

فرط القلى والبغض يقيم بين المختلفين حجبا وحواجز تصل إلى أن لا يطيق بعضهم سماع اسم من يخالفه، فكيف بما يقوله أو يكتبه؟ مع أن الحق يجب أن يقبل كائنا من كان قائله.  هذا ما عليه كثير من الدعاة، مع أنهم يقررون في مجالسهم، ويزينون كلامهم بالأثر الذي فيه الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، ويقولون إن المسلم يحب على قدر ما هو عليه من الطاعات، ويبغض على قدر ما هو عليه من المعاصي، لكنك لا تجد لهذا أثرا في سلوكهم، ورحم الله مالكا إذ قال: "أدركت الناس وما يعجبهم القول ولكن يعجبهم العمل"، وليس القول الذي كان لا يعجبهم هو هذا القول الغالب علينا. وقد سجل كتاب الله هذا المعنى على المشركين الذين كانوا يعلمون صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمانته، وصلاح حاله، لكنهم اذا استمعوا إليه حالت الكراهية والحسد بينهم وبين الانتفاع بما يسمعون منه من الحق الذي يستيقنونه، وبما يرون من جميل معاملته، وفاثق [كأنها: فائق] شمائله، ومهابته ووقاره، وسمته ودله، قال سبحانه: "ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون"، وقال: "أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون"، ولقنه أن يقول لهم: "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة". وأخبر الله تعالى أنهم كانوا يخرجون من عنده وهم على الحال التي دخلوا عليه فيها، فقال: "وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به".  وخير ما تعالج به ظاهرة السوء هذه العودة الى الحق بالاعتدال، ومحاسبة النفس بعيدا عن الاغترار بالأتباع، ووزن المواقف بالشرع لا بالعواطف والأهواء، واستحضار الفاعل وقوفه بين يدي ربه وقد بليت سريرته، وكشف عن ناظره غطاؤه، فلا تدليس ولا تلبيس!! وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المعنى قوله: "أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما". وروى مالك في الموطإ في أحد أبواب الأقضية أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري كي يسأل عليا -رضي الله عنهم- عن حكم أشكل عليه فأجابه، حصل هذا وهما في قتال!! وقد أحسن من قال:  وأبغض إذا أبغضت بغضا مقاربا * فإنك لا تدري متى أنت راجع ؟ وكن معدنا للخير واصفح عن الأذى * فإنك راء ما عملت وسامع * وأحبب إذا أحببت حبا مقاربا * فإنك لا تدري متى أنت نازع ؟

الخاطرة 20

[نصرك اللهم لأخواننا في الشام] الذي يجري في غوطة دمشق لم يسبق له نظير، لا باعتبار القتل والتدمير، بل باعتبار أن ما عهدناه من استنكار واحتجاج الدول لم نسمع منه شيا هذه المرة، أفطال على المسلمين الأمد فهانت عليهم دماء إخوانهم وأموالهم وأعراضهم؟ ألفوا المناظر التي تتفطر لها القلوب فلم يعودوا يعبأون بما يجري، اللهم إنا نشكو إليك ضعفنا وعجزنا، فكن لإخواننا عونا ونصيرا، وفرج كربهم، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك.

الخاطرة 21

[رحلتي إلى تايلاند] ذكرتني قيمة الدينار التي تدنت، والمبلغ الذي تبدل به الدولة العملة الصعبة لمن أراد السفر خارج الوطن؛ برحلتي إلى تايلاند سنة ١٩٨٥ لحضور مسابقة في حفظ القرآن الكريم نظمها مسلمو هذا البلد، وشارك فيها أمثالهم من منطقة (ناراسيوا) التي كانت فيها ثورة لم يكن الناس يعرفون عنها شيئا يومئذ، وما أدري مآلها الآن. كان مبلغ التعويض عن نفقة السفر هو ٣٩٠٠د، وصرفها بالدولار هو ٧٧٠، وصرف هذه الدولارات بعملة تايلاندة هو ١٥٠٠٠٠٠ بات، والدينار يوميذ أغلى من الفرنك الفرنسي بنسبة !! فلما أخبرت بالسفر الذي هو الاول لغير مكة والمدينة قلت في نفسي: من الأقدس الى الأخبث، لما أعلمه من أحوال بانكوك عاصمة تلك الدولة، وعدد سكان هذه المدينة يومئذ خمسة ملايين، وللمسلمين فيها أكثر من ١٠٠ مسجد ومصلى. لم أكن أعلم عن ظروف الاقامة التي دامت أكثر من عشرة أيام شيئا، بل كنت أظن أن النفقة على الهيئة المضيفة!! ثم اكتشفت في الطائرة خلاف ذلك، ثم لم أعثر من عنوان المضيفين في الدعوة إلا على رقم علبة البريد!! فأدركت حينئذ أن الذين (أكرموني) بهذا السفر راموا أن يرضوا أخا الرئيس الشاذلي بن جديد رحمه الله، وهو والي ولاية سطيف يومئذ، الأخ خليفة، حيث كنت مفتشا للشؤون الدينية، وربما حسدوني لأني كنت ذا حظوة لديه كما يوحي به الظاهر الخداع!! وقد انتهى الأمر إلى إنهاء مهامي في الولاية لأن الجهة المختصة اكتشفت أنني (خوانجي)، والحال أن الذين نسبوني إليهم كانوا يكفرونني لأنني إمام السلطان!! لم أجد أحدا من المضيفين ينتظرني في المطار، بل رأيت امرأة تحمل لوحة كتب عليها اسمي ولقبي بحروف كبيرة فتحيرت، ثم تفطنت فتملصت، وركبت سيارة أجرة أوصلتني الى أحد الفنادق، فلما سالت السائق عما أعطيه قال لي بالإشارة: الى غد، ظن المسكين أنه عثر على صيد سمين، وقد قيل "ترى الناس كالنخل، وما يدريك ما للدخل"، وبعد ساعات جاءني، فأرجأ أخذ الأجرة، فقدرت، ثم أخرجت له ١٠٠ بات فاندهش، وأظهر لي بطاقة السعر كأنه يشكو، فاذا فيها المبلغ نفسه، فزدته ٢٠ بات ففرح، وظن أني ممن يترددون على بانكوك، فاسترحت منه. علمت فيما بعد أن كراء الغرفة في الليلة يبلغ ١٢٥٠ بات، فقررت البقاء فيه ١٠ ليال وست ساعات!! لأن الكراء عندهم يتجزأ، فوفرت بذلك بعض المال أشتري به الخبز وجوز الهند، والأناناس، والقهوة، بدل أن أذهب الى فندق كلفته أقل، لكنه لا يليق بسمعة بلدي!! زرت صحفيا من إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية في فندق يسمى آسيا بدل أن أستقبله حيث أقيم، للسبب الذي تعرفه، وقد أجرى معي مقابلة عن تعليم القرآن في الجزائر، وذكر لي من بين ما ذكر أنه اشترى ٥٠٠ غرام من العود ب ١٥٠٠٠٠٠بات، وهو منحة سفري كلها كما علمت:  وكان ما كان مما لست ذاكره ** فظن خيرا لا تسأل عن الخبر.

الخاطرة رقم 24 [العساس، والكناس، والجباس!!]

إحداث مناصب العمل ينبغي أن يبنى على التقويم الصحيح للحاجة، وهو أمر غير مرعي في بلادنا مع الأسف، ولاسيما في قطاع الخدمات الذي يعتبر غير منتج كما هو مصطلح الاقتصاديين، وقد كان مولود قاسم رحمه الله ينتقد تضخيم هذه المناصب، فيقول وهو المولع بالسجع في السبعينيات: العساس، والكناس، والجباس!! وما أكثر أسئلة الشباب الذين تسلموا وظائف بصيغة ما قبل التشغيل أو غيرها من غير أن يسند إليهم عمل في الإدارات الرسمية، أو عند الخواص؛ عن حكم أجورهم، ولا شك أنها عودت الكثير منهم البطالة، ولو أعطوا منح العاطلين عن العمل لجنبناهم هذه العادات السيئة، ولسمينا الأشياء بأسمائها. وقد سرني أن بعض المسؤولين يجتهدون في إيجاد شغل للشباب كيفما كان، ومن ذلك أن يشركوا الثلاثة في عمل الواحد: هذا يكتب الوثيقة، والثانى يثبتها في السجل، والثالث يضع عليها الختم، ليمضيها بعد من خول له الإمضاء!!  لكن الذي يستغرب أكثر أن تسجل الزيادة حيث لا حاجة، ويسجل النقص حيث الحاجة، والمثال الذي رأيته اليوم أن يتولى اثنان عملية فحص جوازات سفر المعتمرين وعددهم يناهز المائتين: فيا لك بحرا لم أجد فيه مشربا ** على أن غيري واجد فيه مسبحا!!

الخاطرة رقم 25 [الحق يحتاج إلى من يحسن إبرازه]

استمعت إلى أحد المرشدين يوجه مريدي الاعتمار وهم على مشارف المدينة يقول لهم: أنتم على مقربة من مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، لقد جئتم لزيارة مسجده الذي هو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال الا لها، ولم تأتوا لزيارة قبره، هذا معنى كلامه. ولا أحسب أن أحدا منهم قد اطمأن إلى قوله، ولا فهمه على وجهه، ولو أنه ذكر لهم مع ما قال شيئا من آداب زيارة قبره عليه الصلاة والسلام لأزال عنهم ما استوحشوه من كلامه، ولأوشكوا أن يفهموه. لعل هذا يذكر بما قاله بعض اهل العلم في القديم والحديث عن كلام شيخ الاسلام ابن تيمية في هذه المسألة، إما بقصد استعداء الناس عليه، أو لأنهم لم يفهموا مراده، وهو الفرق بين ان يقصد المسلم بالزيارة القبر، وأن يزار القبر ممن أتى المسجد النبوي، ولا أحسب أن أحدا يخالف في الأخير، فقالوا عنه انه خالف الإجماع بإنكاره الزيارة!! وقد أشار الباجي في منتقاه إلى ما يقرب من هذا المعنى حين قال: "... إذا علق مشيه بالمدينة؛ لا يتعلق به النذر، إلا أن ينوي المسجد للصلاة..."، قاله في شرحه الموطإ عند شرحه لحديث: "من نذر ان يطيع الله فليطعه...". واصبر إن ذكرت لك هذين البيتين اللذين قد يكون في فهمهما بعض الغموض، مع أنهما في بيان خطر غموض الحق على الدعوة، إذ يقلل ناصرها، وقد ينفر الناس منها: غموض الحق حين تلوذ عنه** يقلل ناصر الخصم المحق!! تضل عن الدليل فهوم قوم ** فتقضي للمجل على المدق!!

الخاطرة رقم 26 [الانبهار بالغرب وأهله!]

من طرق الدعوة الى الله تعالى الجدال، والأصل فيه الترك، لأن الله إنما أذن فيه مقيدا فقال: "وجادلهم بالتي هي أحسن"، وقال: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن". ومما لا بد من معرفته؛ حال من تجادله: أمؤمن هو أم ليس كذلك؟ إذ لا يصح أن يقبل جدال المسلم في قطعيات الدين التي لا يكون مسلما إلا بإقرارها، إلا لإزالة شبهة، أو كشف لبس، أو طرد وسوسة. لكن الذي نراه اليوم خلاف هذا، فكثير من المسلمين مفتونون بعلماء الغرب وأقوالهم التي يسعون جهدهم أن يقنعوا بها الناس، ومن ذلك ما جرى حين وفاة (ستيفن هوكنج) من الثناء عليه، بل ترحم عليه بعض المسلمين، وقد نسب إليه القول إن هذا العالم لا حاجة به إلى خالق يدبر أمره، ويكون قيوما عليه، لأن الجاذبية كافيه في انتظامه!! فهل يطرد هذا الزعم في كل منتظم مضبوط فيقال إن نظامه منه، كالطائرة بدون طيار وما شابهها؟ لكأن هذه الجاذبية لم تكن معروفة عند القدماء من علماء المسلمين في الجملة، لقد كان بعض أهل العلم يعتبرها عمدا غير مرئية أخذا من قول الله تعالى: "خلق السموات بغير عمد ترونها"، وقد ذكرت مرتين في القرآن، ولأهل العلم فيها قولان: أولهما ليس لها عمد، والثاني أن لها عمدا، لكنها لا ترى!! ولهذا وقف بعضهم على "عمد"، وبعضهم وصلها، ومما يحتمله الضمير المؤنث ان يعود على عمد، فتكون جملة ترونها صفة لعمد، أي بغير عمد مرئية، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، ورجح ابن كثير خلافه لأنه أكمل دلالة على القدرة، وليس بلازم. وتكلموا على هذا الامر في قوله تعالى: "ان الله يمسك السموات والأرض أن تزولا"، وقوله تعالى: "ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه"، لكن علماء الغرب أسرى الحس وسجناء المادة، فلهذا لم يهتدوا بما اطلعوا عليه من الأسرار، مع أن تطبيقات كثير من العلوم يتمتع بها معظم الناس ولا يعرفون لها تفسيرا ولا تكييفا ثم لا ينكرونها، وقد قال الله تعالى: "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه". إن هذا الانبهار والافتتان بعلماء الغرب راجع إلى عدم معرفة المسلم عقيدته أو لأنها لم ترسخ في نفسه، هو مسلم بالجنسية والمنشإ والتقليد ونحو ذلك، ولأنه لم يترب على العقيدة منذ صباه، وبهذا يفسر كل اضطراب في أعماله الظاهرة وشعوره بالنقص والانهزام إزاء حضارة الغرب ومدنيته وعلمائه ومفكريه. وهذا معنى زيادة الإيمان ونقصانه، فإن من لازمه أن الناس فيه درجات: أدناها أن لا يستقر الإيمان في القلب، ومن كان هذا شأنه وإن حكم له بالإسلام فإنه عرضة للفتن وما أكثرها في هذا العصر، فمتى تعرض لها كان على خطر عظيم قد ينتهي به إلى الكفر. وقد ذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومحمد رشيد رضا إلى أن جمهور المسلمين هم في هذه المنزلة التي قال الله تعالى عنها: "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم"، وقوله سبحانه: "وان تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا"، دليل على اعتبار ايمان هؤلاء، وان كانوا بهذه المنزلة، فلله الحمد والمنة. فعلى علماء المسلمين أن يواجهوا هذا الخطر بالتصدي الى رد هذه المزاعم، وعلى المسلمين كلهم ان يربوا أولادهم على العقائد الحقة التي لا شيء غيرها من طرق الوقاية نافع في التحصين بعد أن صار العالم كالبيت الواحد.

الخاطرة رقم 27 [مما أحدث في المسجد النبوي]

العاطفة مطلوبة في الدين مرغوبة، والنافع منها ما ضبط بالشرع، وإلا جمحت بصاحبها فطرحت به بعيدا عن الصواب. ومن ذلك محبة نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن البرهان الصادق عليها هو الاتباع وترك الابتداع، قال الله تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم".  فالنبي لا يعظم الا بما هو مشروع، بل ان طرق تعظيمه توقيفية، وإلا لاخترع كل واحد ما يظن انه يعظمه به. قال يحيى بن سعيد: كنا عند علي بن الحسين فجاء قوم من الكوفيين، فقال علي: "يا أهل العراق، أحبونا حب الإسلام، سمعت أبي يقول: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا ترفعوني فوق قدري، فإن الله اتخذني عبدا قبل ان يتخذني نبيا"، قال سعيد: وبعدما اتخذه نبيا، رواه الحاكم وهو صحيح. كنت أعجب من أن يخطب الامام يوم الجمعة عند منبره صلى الله عليه وآله وسلم، والناس أمامه يولونه ظهورهم!! ولا اعلم دليلا على هذا، بل ان الدليل قائم على ان الامام يخطب حيث يصلي، وربما تأول متأول في هذا الصنيع قول الله تعالى: "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله"، وهو بعيد. أما اليوم فعجبت لأمر آخر، وهو ان يصلي الامام عند منبره صلى الله عليه وآله وسلم، وتترك التوسعة التي الى جهة القبلة فارغة، فيعطل بذلك وقف أهل الإسلام عن الصلاة فيه، وقد صلى فيه المسلمون منذ عهد الصحابة. صحيح أن هذا الذي أحدث سهل به على الناس الوقوف على قبره بأبي هو وأمي، لكن ذلك ممكن بغير هذا التعطيل.

الخاطرة 28

[مغادرة طيبة] قسوة القلب ظلمة يتضاءل معها انتفاع العابد بالعبادة، فلا يذوق لها حلاوة، ولا تحرك منه عاطفة، فضلا أن تدمع له عين، وقد تصير رسما جامدا، بدل أن يستراح به يستراح منه. تذكرت هذا وأنا أغادر طيبة، وكثيرا ما لا يتفطن المرء للنعم حتى تزول، فاللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع. قال عبد الله بن مسعود: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين"، يعني قول الله تعالى: "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم": فما لي لا أبكي أم القلب صخرة * وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر  أبعد المواقيت عن مكة ميقات ذي الحليفة الذي هو ميقات الشام وطيبة، وقد كان هذا الوادي المبارك خارج المدينة مفصولا عنها، فتقصر فيه الصلاة، أما اليوم فقد امتد اليه عمرانها فترك القصر فيه هو الصواب. ولو أن الوكالات يكون برنامجها تقديم اداء العمرة على الذهاب الى المدينة لكان ذلك خيرا لانها هي المقصود الاول من السفر، ولأن الذهاب الى مسجد رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم عبادة مستقلة عن الحج والعمرة، وإن كان الجمع بين الحج والعمرة وزيارة المسجد النبوي، ثم الوقوف على قبر الحبيب المصطفى عليه وعلى آله الصلاة والسلام لا ضير فيه. الإحرام من الميقات وما يستتبعه تعظيم للبيت الحرام، ومقدمة لنسكي الحج والعمرة، هو كالأذان وإقامة الصلاة والرواتب القبلية للصلوات الخمس، يتهيأ بها العابد، فيزداد بها شوقه، ويستعد بها لما بعدها. وانظر كيف اختار الله لنبيه ولساكن مدينته أبعد المواقيت ليزداد بذلك الأجر وتعظم بذلك الزلفى لديه، مع ما في ذلك من طول أمد التشعث، وهجران الزينة، والجؤار بالتلبية والذكر، وقد قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن كان معه في حجة الوداع تسعة أيام في الطريق واستمر محرما أربعة عشر يوما. العابدين بن حنفية، في الطريق إلى مكة. الخاطرة رقم 29 [الصلاة على الجنائز في الحرمين] لا تكاد تخلو صلاة من الصلوات الخمس في الحرمين الشريفين الا ويعلن في أعقابها عن الصلاة على الجنازة، وأحسب ان الموتى يجاء بهم من جميع أنحاء المدينتين، ولا يصلى عليهم في أحيائها لما يرجى في كثرة عدد المصلين من الخير للميت، وهو مظهر وحدة عظيم حيث يشترك المسلمون من جميع بقاع الارض في ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعوا فيه". لكن هذا الحرص من اولياء الموتى على نفعهم بتكثير عدد المصلين تحصل به امور تتضرر بها السنن منها: المداومة على الإعلان عن صلاة الجنازة في المسجد، وهو خلاف الأصل. قطع الناس الأذكار المسنونة في أدبار الصلوات للاشتغال بالجنازة. المداومة على الحكم المفضول وهو الصلاة على الجنازة في المسجد بدل الصلاة عليها في المصلى، وهو الغالب على فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فوات ترك أهل الفضل الصلاة على فساق المسلمين زجرا لأمثالهم، والدليل على ذلك معروف. التفريط في إنشاء مقابر في الأحياء، فيتأتى بذلك تشييع الجنائر مشيا على الأقدام، وهو أمر كاد الناس يطبقون على تركه. الخاطرة رقم 30 [... إذا الملح فسد!] من أعظم وسائل حفظ هذا الدين حفظا عمليا تكليفيا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنه وظيفة كل مسلم بحسب ما يعرفه من دينه، إذ لا بد أن يعلم قدرا ما منه، فيتعين عليه تبليغه، وما أحسن قول ابن العربي المالكي: إن كل مسلم عالم"!! لقد علقت خيرية هذه الأمة المرحومة بهذا الأمر، فأخبر عنها ربنا بقوله: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله". وأوجب ذلك على أفرادها فقال: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون". وتعدى التشربع الرباني في هذه المسألة مجرد الأمر والنهي إلى التغيير، وذكرت له مراتب ثلاثة حتى يفعل كل مسلم ما يقدر عليه منها، فلا يفوته حظه من هذه الفضيلة العظيمة كيفما كانت منزلته، جاء ذلك في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". فكل المسلمين حكاما كانوا أو محكومين آمرون ومؤتمرون، الا ما خص به الحكام لرعاية منزلتهم، وحفظ سلطانهم، فتقدم النصيحة لهم في الخلوة ما أمكن، ولا تتخذ ذريعة لتهييج الناس عليهم، وقد يسر الله تعالى وسائل جديدة في هذا العصر ينبغي أن يستفاد منها. ولعظم حرص هذا الدين على الأمن والسكينة حض الأفراد على الصبر على ما قد يلحقهم من جور الحكام في أشخاصهم وأموالهم درءا للمفاسد العظمى بما دونها كما في حديث ابن مسعود مرفوعا: "تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك"، مع أن الحاكم الجائر قد أوعد الوعيد الشديد، وهدد التهديد الأكيد، فليس الحض على الصبر عليه هو استخذاء من الصابر، ولا هوان منه كما يظنه المتعجلون. وقد جاءت مراتب تغيير المنكر الثلاثة في جانب الحكام الجائرين أيضا في حديث ابن مسعود: "... فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن... الحديث. وقد كان الإمام أحمد يستنكر هذا الحديث لمخالفته جمهور الأحاديث الآمرة بالصبر عليهم كما سبق، وحمله المحققون من أهل السنة الذين لا يضربون النصوص بعضها ببعض على تغيير المنكر الذي يحدثه الحكام متى قدر عليه، لا على الخروج عليهم ومقاتلتهم، كما هو دأب الذين يسفكون دماء المسلمين اليوم بغير حق، مع أن هذا التغيير الذي قال به أحمد في رواية أخرى وابن رجب وغيرهما مما لا يتأتى اليوم، والمقام لا يسع الببان. فإذا فرطت الأمة في هذا الأمر التحقت بغيرها من الأمم التي حاق بها غضب الله واستحقت عقابه، كما ذكر الله ذلك عن بني إسرائيل. وأولى الناس بهذه المهمة الحكام والعلماء، فإن الحكام يقدرون على ما لا يقدر عليه غيرهم لما لهم من القوة والسلطان، الذي يزع الله به ما لا يزع بالقرآن، ولا شك أن معظم حكام المسلمين قد تخلوا عن هذا الأمر اليوم. أما العلماء فلما لهم من الحجة والبرهان، يدعون بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، وبالرفق واللين، وهم على بصيرة من دينهم، ومعرفة بحال أمتهم، مشفقين عليها، متدرجين بها إلى الخير، من غير تفريط، صابرين على بطء الاستجابة، غير مستفزين من الذين لا يوقنون، ولا مستعجلين متهورين. إن الدعاة إلى الله لم يخول لهم الشرع أن يأطروا الناس على الحق أطرا، ولا أن يلزموهم به قسرا، أو يسيطروا عليهم نوعا ما من السيطرة، فإنهم بمثابة المفتين، لا القضاة الحاكمين، فإن قصر الحكام فأمرهم إلى الله، وما أرسلوا عليهم حافظين. مهما يكن فلا يجوز أن تمس الدعوة إلى الحق بسكينة المجتمع ولا بأمنه، ولا بما بين أبناء الوطن من الترابط والتواصل الذي هو من أحسن الوسائل لنشر الحق والدعوة إلى الخير. إن هذا الذي سمعنا به [وما ذاك؟] مقدمة لشر مستطير، أدناه أن تعرف الدعوة صنوفا أخرى من التضييق والعسف، مع أننا ندين الله تعالى بأن خير العقائد وأزكى المناهج هو ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين في العلميات والعمليات والسلوك، لكن طريق الدعوة إليه ليس هذا الذي رأيناه هذه الأيام من الفجور في الخصام، والإسفاف في الكلام، وأخطرها ربط الدعوة إلى الله بأفراد معينين في البلد وخارجه، وكذا المسارعة الفجة إلى شحن دواعي الفرقة بهذا الأسلوب البعيد عن الاتزان العلمي والرفق الدعوي. بن حنفية العابدين - مكة في السابع من رجب ١٤٣٩

الخاطرة 32

[قولهم: فلان "مميع"] من الأوصاف التي ابتدعها غلاة الجرح للتوسعة على أنفسهم في نبز من أرادوا نبزه؛ وصف التمييع، فكل قول أو فعل أو سلوك لم يرقهم ألصق بصاحبه هذا الوصف. والفرق بينهم وبين من ينعتونهم به؛ أن هؤلاء يتعاملون مع واقع موجود، ليصلوا إلى صنع ما هو مأمول مفقود، مسددين مقاربين، أما أولئك فينتظرون الواقع حتى يصلح، كي ينبروا لإصلاحه!! ومعنى ذلك أنهم لا يصلحونه أبدا. ممارساتهم تدل على ذلك بوضوح، كأنهم ينتظرون نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام حكما عدلا، أو ظهور المهدي عليه السلام ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، ونحن مؤمنون بذلك ومصدقون. وتطبيقا لهذا المبدإ لا يشرع عندهم الإنتماء إلى جمعية حتى يستكمل رئيسها بل أعضاؤها ما يرون من الشروط، ومن المؤكد أن هذه الشروط لو كانت كلها حقا متى توفرت؛ فإنها تمنع قبول تأسيس الجمعية من الجهات التي لها سلطة القرار، ومؤدى هذا أن الجمعية لا تؤسس إلا في حالة أن تكون لها واجهة تقبلها تلك الجهة، على أن تستر تلك الواجهة من يسيرها من وراء حجاب!! فتكون الجمعية مسيرة بالظاهر والخفي، ونحن لا نقبل أعمال السر، لأنه ليس عندنا ما نسر، وقد حاول بعض السذج إنشاء جمعية برأسين فما أفلحوا وقيل لهم: الصيف ضيعت اللبن!!! ولا يصح عندهم أن تدرس على أحد، ولا أن تستفيد منه؛ حتى ينتمي إلى جماعتهم، أو يدين بالطاعة لهم، أو يزكى ممن تعتمد تزكيته عندهم، إما بالأصالة، أو بالوكالة، وعدد الدعاة والمدرسين في العالم الإسلامي يعد بعشرات الآلاف، أو أكثر، فمتى تتيسر تزكيتهم، وعدد الموكيت محدود؟ مآل هذا أنك لا تدرس ولا تتعلم، وليقس ما لم يقل.  وإذا نقضت عليهم هذه المعايير المتعنتة التي تمنع كل جهد إصلاحي عملي؛ بالموظفين منهم في المساجد والمدارس والثانويات والجامعات والشركات وغيرها، وكثيرا ما يرأسها من لا تتوفر فيه شروطهم، فقد يكون مرتدا، أو صوفيا غاليا، أو علمانيا، أو حداثيا، أو صاحب بدعة؛ قالوا هناك فرق!! فقل لهم: الفرق لصالح المميعين: متطوع، في مقابل موظف. وملتزم مسبقا بقوانين فيها مخالفات لا تخفى، في مقابل من ينشئ تلك القوانين، فيجتهد في خلوها من المخالفات، وهو غير ملزم بمخالفات غيره إن كانت. ومربوط بالوظيفة لا يبرحها حتى تقبل استقالته، في مقابل من انفصاله أيسر من ذلك بكثير. قل لهم -لعل الله يهديهم-: أمتكم المسكينة ضعيفة مستضعفة، فارحموها، وأشفقوا عليها، هي في حال ضرورة في حكامها وقضاتها ومفتيها ودعاتها وشهودها، والمتيسر لا يسقط بالمتعسر. فأين الحاكم المجتهد العدل؟ وأين الشاهد العدل المزكى؟ وأن المفتي المجتهد؟ وأين وأين؟؟ فأبطلوا هذه الأعمال والعقود وعطلوها لأنها حسب منهجكم هي تمييع للدين، والحال أننا وإياكم متفقون على مطلوبيتها من حيث المبدأ، وأنتم تمرونها مثلنا وتقبلونها.

الخاطرة 33

[العلم يزكو بالعمل] العلم يزكو بالعمل ويثبت، ويزول به التناقض، ويحصل به الأجر، ويخرج العامل به عن الذم، وتنطبع به الأخلاق والملكات في نفس العامل، وتتبدد المخاوف والأوهام، ويزول التردد والتشكيك، ويرضى به جماعة المؤمنين الذين جعل الله مرضاتهم تلي مرضاته ومرضاة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ففي التنزيل قول الله تعالى: "ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا"، وقوله سبحانه: "ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا"، وقوله جلت قدرته: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون". ولهذا كان السلف يستعينون على حفظ الحديث بالعمل به، ويقولون: "العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل"، وكانوا لا يعجبهم القول، ولكن يعجبهم العمل، كما قال مالك. ولما كان العلم إنما يراد للعمل؛ فإن "كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي"، قاله الشاطبي في الموافقات، ومن هذا الذي قاله الكثير عند النحاة والأصوليين والفقهاء وغيرهم، وهذا فيما إذا لم يترتب على الخوض عمل، فكيف إذا ترتب عليه فساد كهذا الذي نشهده؟! وللممارسة والتجربة دخل كبير في كل علم، وعلى رأس ذلك الدعوة إلى الله تعالى، فإن المدعوين ليسوا متساوين أفرادا وجماعات ومعارف وبيآت، فمراعاة الحال لا بد منها، قال عيسى بن سهل في كتابه (ديوان الأحكام الكبرى): "التجربة أصل في كل فن، ومعنى مفتقر إليه في كل علم". ومما يذكر عن عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد -لا الخامس الراشد- أن ابنه عبد الملك قال له: "يا أبت ما لك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق"!! فقال عمر: "لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة"!! بن حنفية العابدين ١٦ شهر رجب ١٤٣٩.

الخاطرة 34

[كثرة القراء..] من الآثار التي أوردتها في كتابي (المخرج من تحريف المنهج) ما رواه عبد الله بن أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، قال ابن عباس فقلت: والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا هذه المسارعة!! قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه، فانطلقت إلى منزلي كئيبا حزينا، فبينا أنا كذلك، إذ أتاني رجل، فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذ بيدي فخلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفا؟ فقلت: يا أمير المؤمنين متى تسارعوا هذه المسارعة يحتقوا، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا!! قال: لله أبوك!! إن كنت لأكاتمها الناس حتى جئت بها"، احتقوا؛ يقول كل منهم: الحق معي، وفي هذا الأثر أمور: سؤال الحاكم عن أحوال رعيته. ذكر الرجل ما رآه أمرا يسر عمر ويرتاح له من أمر الناس، وهو كثرة حفاظ القرآن الكريم. الأعمال المحمودة المرغوبة قد لا تكون كذلك مآلا إذا لم تجر على السنن المعهودة في مثلها، ومنها العلم الذي الأصل فيه أن يؤخذ عن أهله، فإن للعلم نسبا، ويؤخذ بالتدريج، والذي نعيشه في الساحة الدعوية معظمه راجع إلى مخالفة هذه السنة، وهي عدم تأسيس للعلم. وإذا كان هذا في حفظ القرآن الكريم فكيف بغيره من العلوم؟ ومعلوم أن كثيرا مما يخوض فيه الناس اليوم هو من الأمور التي لا يحسن الكلام فيها إلا قليل منهم، وقد جعلناها بسوء تصرفنا للناس كلهم، فأين هذا مما نردده وهو أن الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؟ قد يكون من أسباب ما في الأثر من الاحتقاق؛ أن المصحف لم يكن قد وحد بعد لأن ذلك إنما جرى في عهد عثمان رضي الله عنه.  فراسة كل من ابن عباس وعمر رضي الله عنهم، إذ توقعا شرا من هذا العمل الصالح النافع في الظاهر، وقد حصل مثل هذا لكثير من الأئمة بعدهما منهم مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، نبهوا على أمور في بدايتها، وحذروا منها، ثم استفحل أمرها، وظهر ما كان خفيا فيها. سكوت عمر طويلا عن الإنكار بناء على ما تفرسه، لما في كلامه من الفتنة لمن أخبره ولغيره، إذ يقال كيف لا يفرح عمر بكثرة حفاظ القرآن الكريم ؟!!  مبادرة ابن عباس بإنكاره المسارعة في أخذ العلم على غير تدرج، وصبره على زجر عمر له، ولم يشرح له الدافع له الى ذلك بحضرة الوافد المخبر. رفق عمر رضي الله عنه، وتواضعه، ومواساته لابن عباس وتعجبه من فطنته. فلنعد النظر فيما جنيناه على الدعوة، قصدنا أو لم نقصد، ثم لنصحح المسار بالرجوع إلى الحق، وهو يسير على من صدقت نيته ويسره الله عليه. بن حنفية العابدين - ٢٠رجب ١٤٣٩

الخاطرة 35

[شيخي الدكتور عز الدين علي السيد -رحمه الله-] ذكرني الاحتفال الذي يقام ليلة السابع والعشرين من شهر رجب في ذكرى الإسراء والمعراج - وليتني اقتنعت بمشروعيته لأني أكره الخلاف- بأحب شيوخي إلي، وهو الدكتور عز الدين علي السيد في المعهد الإسلامي بمدينة بلعباس، وكان قد علم [الاغلب أنها: عمل] من قبل بالمعهد الإسلامي بباتنة. كنت سنة ١٩٨١ في حلقة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في موقع المظلات الحديدية السابقة، فوزعت علينا مجلة الجامعة الإسلامية، فلما فتحتها عثرت على مقال لشيخي عن تلك الذكرى، فوقع في خلدي أنه أستاذ في تلك الجامعة، فركبت الحافلة من الغد، فإذا بطالب فيها الى جانبي فسألته في أي الكليات أنت؟ فقال: كلية الآداب، فسألته عن أستاذ البلاغة، فنوه به ومدحه، ثم دخل رجلان، أحدهما شيخي، لكني لم أعرفه، فقام الطالب وأجلسهما مكانه فمتعاني بحديثهما عن مناهج البلاغيين، فلما وصلنا كنت أول النازلين، ثم حصل ما جعلني التفت فوقعت عيناي على أحد ذينك الرجلين، فإذا هو شيخي، فتقدمت مندهشا، فعرفني، وخاطبني بما كان يقوله مداعبا أيام المعهد: الشيخ العابدين!! فبكى وبكيت، ورآه ذلك الطالب يعانقني فتعجب، فأخبرته، وصحبته في المدينة أياما، وبعد سنوات عدت وسألت عنه في الجامعة فأخبرت بوفاته ودفنه في مقبرة البقيع. كان رحمه الله أديبا أريبا، ولغويا بارعا، وشاعرا مجيدا، وحييا متواضعا، ورزينا هادئا، لين العريكة، دائم البشر، ضنينا بالوقت، رجاعا إلى الحق، حريصا على أن يرى ثمرة تدريسه في تصدر طلابه المجالس وتعليمهم الناس، وقد أدرك ذلك وسر به، إذا ضحك ستر فمه بما في يده، يخصص الحصة الأخيرة في العام لتلقي ملاحظات طلابه، ويشجعهم على ذلك. له مؤلفات منها: البلاغة في الحديث النبوي. تحقيق كتاب (الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة) للخطيب البغدادي. ديوان شعر. جاءني بهذه الكتب الصديق الوفي، الرجل الصالح، الطبيب محمد سحولي العباسي، جزاه الله خيرا، وهو ممن حضر بعض مجالس المحدث الألباني.  ومما حفظته من شعره الذي ليس في الديوان -وهو كثير- أبيات من قصيدة ألقاها في الذكرى الأولى لوفاة العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي، يعارض بها المعري في مرثيته الدالية المشهورة، يقول:  هو مجد في ملتي واعتقادي ** سفح دمع الحزين عند العوادي وعويل المصاب بالحدث الفا ** جع حزنا والنازل المرتاد ما لمن لم تبك العيون جدا ** ه قيمة غير دفنه في الرماد إنما تبكي العيون فتبيض ** من الحزن والضنى لعتاد لإمام في العلم كان إماما ** يكشف اللبس في تقى وسداد لإمام في مدلهم الليالي** كان يسري كالكوكب الوقاد ما خلا منه في المشارق أفق ** ما خلا منه في المغارب ناد كلما نادت العروبة مجدا ** أتاها في طلعة الرواد ** أيها الراحل العزيز علينا ** لو فدى الراحل المحبب فاد لفدينا ثراك يوم افترقنا ** بنفيس الأرواح والأكباد ** يا عظيما خلفت كل عظيم ** إننا اليوم شرع في الجهاد قد حشدنا جنودنا بحدود ** وسنرمي عدونا بحداد اليهود اليهود أنجس خلق ** أنزلتهم فينا يد الإفساد سلبونا أرضنا فغدونا ** من غير مأوى وبدون كسرة زاد أيها اللاجئ الحزين توثب ** واطو عهد الخيام والأوتاد.. الخ. ومما قاله في حفل انتهاء سنتنا الدراسية الأولى متوسط بمحضر وزير الأوقاف الشيخ توفيق المدني رحمه الله: أقبل على العلم قبل وجه طالبه ** لا تعطه في امتهان صم آذان!! قابيل أول جان في الحياة جلت ** عنه الجهالة نظرات لغربان والجهل حالقة للمرء خالقة ** أردى المهالك لم تحتج لبرهان والعلم أرسل للأفلاك كوكبه ** يرودها في انطلاق ليس بالواني وسوف يظفر بالآفاق يسكنها ** من جد بالعلم في تجديد أوطان

الخاطرة 41

[فتنة كرة القدم] لو كنت بالموضع الذي أقدم فيه نصحا لمعالي وزير الشؤون الدينية والأوقاف والشبيبة والرياضة وفقهما الله لكل خير؛ لرجوتهما أن يسعيا كل في مجال اختصاصه إلى إرجاع الاهتمام بكرة القدم وسائر صنوف اللهو واللعب إلى حجمها ومنزلتها، وهو أنها لهو ولعب!! ولاقترحت أن يستبدل بهذا اللهو الجماعي الذي يستنزف طاقة الأمة بما هو أجدى وأبعد عن الحاجة إلى حشد الجهود لحراسة اللاعبين، وكف شر المتفرجين مما يسمى باللهو الهادف، وفيما شرع الله لنا غنية عن هذا المصطلح. ولا بأس أن يطول أمد العلاج، فإنه داء متمكن شاركت في وجوده جهات عدة بقصد أو بدونه، فما نراه مما نتفق على استنكاره هو ثمرة مرة غلونا في هذا اللهو الجماعي الذي لا ينكر عاقل ضرره. ساهمت في إيجاد هذا الوضع الجهاتُ الحاكمة بمجاوزتها الحد في نظرتها إلى اللعب عامة وكرة القدم خاصة، فأنفقت الأموال على المنشآت الرياضية، وعلى اللاعبين والمدربين بغير حساب، ولا أحكم على المقاصد، ولكني أتحدث عن النتائج، مع أني لا أعلم من أثار مشروعية الاستئجار على اللهو والتعاقد مع المدربين واللاعبين، مع وجود الفرق بين هذا وبين عطية الحاكم لبعض مواطنيه شيئا للمصلحة، وأين المصلحة فيما نرى ؟ وساهمت فيه الصحافة المرئية والمسموعة والمقروءة التي لا يهمها تربية ذوق الأمة وتعويد الناس على الفضائل والمكارم بقدر ما يؤزها المجاراة وكسب الأعداد الكثيرة من المشترين والمستمعين. لهذا تراها تكبر الصغير، وتصغر الكبير، وأقل ما ترتكبه من الإيهام شحن العواطف بهذه الكلمات المظلومة فتجعل من اللعب انتصارا عظيما، وفوزا ساحقا، وبطولة وطنية، وكأسا للجمهورية، وتصف تصريحات المدربين بالزلزال، والفريق الفلاني بأنه على موعد مع التأريخ!! وغير ذلك من الكلمات التي صارت أعظم كسادا من بعر الأغنام في الأسواق!!  بل ساهم في هذا أيضا بعض من يعلمون الناس دينهم ويؤمونهم، فقد خصص أحد الأئمة الخطبة الثانية ذات يوم للإشادة بما حققه فريق رياضي وسماه وأشاد بإنجازاته! وقبل سنوات استمعت إلى (درس) على القناة الثالثة تلا فيه المدرس مشجعا ومبتهجا قول الله تعالى: "نصر من الله وفتح قريب"!! ولعله قد زاد: "وما النصر إلا من عند الله"، وهذا من غير شك من الكذب على الله. وسمعت قبل مدة أن فرقا لكرة القدم ستنشأ وتكون تابعة للمساجد!!  إن العلاج المجدي لما يرافق ويعقب المقابلات الرياضية من عنف وإفساد للممتلكات العامة والخاصة والسباب والشتم من (مناصري) الفرق الرياضية - بعد تجاوز عدم مشروعية التعاقد على هذا اللهو، وكون أحسن أحواله أن يكون مباحا وهو ما لا يتوفر الآن - لا يكون بإعطائه مزيد اهتمام، حتى ولو اقتصر ذلك على مجرد حشد أجهزة الأمن ومكافحة الشغب في أحيان كثيرة وكأننا في حرب، إنها أعمال تشعر (المناصرين) بأنا نهتم بهذا اللهو ونجاريهم في ولعهم بل جنونهم به فلا يزيدهم ذلك الا مضيا.  قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: "كل ما يلهو به المرء المسلم باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق".  بن حنفية العابدين -

الخاطرة 51

في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أمور: أولها أن المقصود من الصيام ليس مجرد الامتناع من الأكل والشرب وسائر المفطرات، وقد قال بعض السلف: "أهون الصوم ترك الطعام والشراب"، مع أنهما عند غالب الناس اليوم أصعب الأمور!! وقوله: "ليس لله حاجة..."؛ لا مفهوم له، فإن الله غني عن العالمين، وإنما هو كناية عن عدم قبول صوم من ذاك شأنه. ومع هذا فإن ترك الأكل والشرب يذكر في تعريف الصوم عند الفقهاء، لأنه لا دليل عندهم على بطلانه بارتكاب المعاصي، فضلا عما دونها من المخالفات. وقد أبطل بعض العلماء منهم ابن حزم رحمهم الله الصوم بكل معصية متعمدة لأن الرفث والجهل اسمان يعمان كل المعاصي، وقد نهى النبي صلى الله عنهما إذ قال: "فلا يرفث ولا يجهل"، مع أن ابن حزم لا يرى القضاء إذ لم يصح عنده إلا في تعمد القيء. من مقاصد الصوم تربية المسلم على اجتناب كل المخالفات، لأنه إذا ترك ما هو مباح في غير الصيام فأولى أن يترك ما هو محرم على كل حال، يشير إلى هذا المعنى قول الله تعالى في الحديث القدسي: "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي"، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم"، أمر أن يذكر نفسه بما هو فيه، إذ لا يليق بمن يترك المباح طاعة لمولاه، أن يفعل ما حرمه الله، وقد أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على امرأتين صائمتين تغتابان الناس فقال: "إن هاتين صامتا عن الحلال وأفطرتا على الحرام"!! وتربية المسلم على اجتناب كل المخالفات ملحوظ في عبادات أخرى كالصلاة والحج والعمرة والاعتكاف، يرتقي فيها المؤمن من ترك المحرمات والمكروهات، إلى ترك المباحات، مع ما في ذلك من الخروج من أسر العادات، وكسر سورة الشهوات. الصوم يلحقه الخلل بالمخالفات، لكنها لا تبطله عند العلماء، فإن الذي يفسده هو فعل بعض ما هو مباح!! وقد يتعجب من ذلك، فيقال: إن الصوم لا ينفرد بهذا، وأن الشرع اكتفى في إجزاء العبادات بالحد الأدنى وهو فعل الصورة مع القصد إلى الطاعة، أعني النية، ليتدرج بالمكلف في مراقي التعبد إلى أن يصل إلى منزلة هي: "أن تعبد الله كأنك تراه"، فإن نزل فإلى مرقى: "فإنه يراك"، فهاتان منزلتان تكون فيهما العبادة مجزئة مقبولة، وما دونهما تدرج في التربية، ومعظم الخلق عليه، فينبغي التنبيه، وأن يشرح للناس عدم كفايته اقتداء بما في الحديث. يصح اعتماد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، في التفريق بين أن يقال عن الشيء إنه مجزئ، وأن يقال إنه مقبول، فنفي القبول يلزم منه نفي الصحة حتى يقوم الدليل على خلافه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"، وقد ينفى القبول مع بقاء الإجزاء كقوله: "من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا"، والصوم مع المعاصي من هذا القبيل.  وقال بعض العلماء إن القصد بالصيام في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لما كان ذلك يشق خفف الله، وأمر بالإمساك عن المفطرات"!! قلت: إن الله تعالى لم يخفف أمر المخالفات في غير الصيام، فكيف يخففه مع الصيام؟ وتصحيح صيام العاصي والقول بإجزائه لا دليل فيه على ذلك، وقد علمت وجهه. وفي الحديث أن المعاصي يزداد قبحها في الصوم، وقول بعضهم "إن السلامة منها صفة كمال"، يقصد سلامة الصوم، لا سلامةالصائم، بل هي من الصائم أعظم نقصا كما سبق، وللحديث بقية. بن حنفية العابدين- ليلة الثالث من رمضان ١٤٣٩

الخاطرة 64

ما فتئ الغرب يستجري المسلمين ويؤزهم صوب ما يريده هدفا بعيدا يخطط له، ويعد وسائله، ويحدد مراحله، ويتخير لكل مرحلة الأسلوب المناسب، ويجند له مفكريه وخبراءه، ويستعين بهيمنته الإعلامية، وآلته الديبلوماسية والسياسية، وما يسيطر عليه من المنظمات الدولية، ويدعمه كثير من المسلمين المقهورين بالهزيمة النفسية، المفتونين بالحضارة الغربية، وتفوقها العلمي الحياتي، وكذا وكلاؤه المحسوبون على الإسلام من العلمانيين والحداثيين والموسومين بالمفكرين!! ممن يعلي الغرب من شأنهم، ويحظون لدى كثير من حكام المسلمين و(نخبهم) بقدر عال من الرفعة والمكانة والتكريم!! هدف الغرب هو رد المسلمين عن دينهم كما قال الله تعالى: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"، والرد دركات، ولا شك أن كثيرا منه حصل في الميادين العملية، فقد طويت بعض أحكام الله تعالى عن الحياة العامة طيا، وصارت كأنها نسيا منسيا، في السياسة والعلاقات الدولية، وفي التشريع والإقتصاد والتعليم والإعلام، بل لم يبق في قوانين بعض دول المسلمين من الشرع إلا الأحكام المسماة بالأحوال الشخصية، أو قانون الأسرة، وما يلتزمه الأفراد من دينهم في أنفسهم، وفيما يستطيعون من محيطهم. ولا حاجة بالغرب اليوم إلى الغزو والقتال ليحقق أهدافه، فليس هناك قوة يمكنها أن تعترض طريقه، ولأن كثيرا من المسلمين لديهم القابلية لما يريده منهم مع الأسف، إن لم يسبقوه إليه، أو يمهدوه له، وقد يلجأ إلى القتال من باب (آخر الدواء الكي بالنار) كما جرى في أفغانستان والعراق. ومما أفاده في تحقيق أغراضه الأعمال التي اصطلح على تسميتها إرهابية ابتداء من تلك التي جرت في أمريكا ثم في أوروبا وفي العراق وسوريا وغيرها، وقد يكون هو من صنعها أو عضدها، واستطاع أن يفرض بها على المسلمين خطابا نال اهتماما واسعا فيما يكتبون ويقولون في المحاضرات والمدارسات، في الملتقيات والندوات والدورات التي تنظمها هيآت الدول الرسمية والأحزاب والجمعيات. ومن أمثلة ما سيق المسلمون إليه؛ الحديث عن قيم التسامح في الإسلام، والخصال الإنسانية في السيرة، والتعايش مع الآخر، وحقوق المرأة، والبعد الإنساني في التشريع الإسلامي، وقيم التقارب والتعارف والمعاملة بين الشعوب، وتجاوز أشكال الاختلاف اللغوي والقومي والجغرافي!! وحقوق الطفل، والمقارنة بين الشريعة والقانون في جوانب معينة!! وكيف يواجه التطرف والغلو؟ ومكانة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، وغير ذلك. إذا كان المقصود من الاهتمام بمثل هذه الأمور إرضاء الغرب فإن الغرب لا يرضى، ومطالبه حلقات سلسلة طويلة بعضها آخذ برقاب بعض، ما لم يبلغ غرضه الذي بينه الله عز وجل في قوله: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، وإن كان المراد ذكر مميزات الإسلام هذه وإقناع المسلمين الناكبين عن الحق باعتمادها، فما كان منها حقا فالعناية به مطلوبة، ومع هذا فأنا لا أشك أن بعض المبرمجين يؤثرون هذه العناوين لأنها لا تكلفهم مؤنة في التزام أحكام الله في أنفسهم، فضلا عن مسؤوليتهم في الدعوة إليها. مهما يكن فإن هذا الاهتمام ينبغي أن يكون بقدر، فإن الدين أخبار تصدق، وأحكام تنفذ، والمطلوب الأول من المسلمين هو العناية بالطرق الكفيلة باسترجاع الإسلام مكانته في شتى مناحي الحياة، وبيان مسؤولية الفرد والمجتمع في إقامة أحكام الشرع، والحاكم المسلم إنما يتميز عن غيره بذلك، لا بمجرد خدمة الدنيا، ولأن الكلام على تلك الخصائص والصفات هو فرع الكلام على الإسلام وهو الموصوف. لما كان المسلمون هم قادة العالم غلا بعض العلماء من أهل التفسير وغيره، فزعم أن آية السيف نسخت مائة وعشرين آية!! واليوم يريد منظمو هذه الملتقيات ومبرمجو مواضيعها من حيث يشعرون أو لا يشعرون أن يجعلوا من صفات اليسر، ورفع الحرج، والأخوة الإنسانية، والتعايش، والتعارف، والسلم، وغيرها أقصى ما يخدمون به الإسلام، وينسون أو يتناسون أن هذه الصفات إنما تبرز بإقامة أحكام الله، بل إن السياقات التي وردت فيها هي تعقيب على تلك الأحكام، ولهذا فلا يظنن ظان أن العناية بنشر تلك القيم ولو كان الدافع إليه مبرأ من كل ريبة يعفيه من مسؤولية التمكين لدينه في حدود ما يستطيع، والمسلمون حكاما ومحكومين والله قادرون على إنجاز الكثير، ولكنهم لا يفعلون!! لا أجد ما أذكره في الختام إلا هذا الذي مدح به شاعر (الحماسة) قومه بما (يشبه الذم)، وهو يتألم لمبالغتهم في التسامح والعفو لأنهم لا يستطيعون غيره!! فإن العفو إنما يكون عند المقدرة: لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ** ليسوا من الشر في شيء وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة **ومن إساءة أهل السوء إحسانا كأن ربك لم يخلق لخشيته **سواهم من بني الإنسان إنسانا بن حنفية العابدين- شوال 1439

الخاطرة 65

العلم أقسام ثلاثة: العلم بالله، والعلم بحكمه، والعلم بخلقه، وقيام هذه الثلاثة في الأمة، وعملها بمقتضاها؛ هو السبيل الى التمكين لها في الدنيا، وسعادتها في الآخرة، لجمعها بين العلم بالله، والعمل له، وهذا هو الدين الخالص، وهو مضمون قوله تعالى: "ألا له الخلق والأمر". لكن العلم بالله هو أعظمها وأنفعها وأبقاها، لأن الإنسان مفطور عليه، فقد أخذ الله الميثاق على الناس في عالم الذر بربوبيته، فواثقوه، فكان أول شيء في النفس وأرسخ شيء فيها، فمن نسيه أنساه الله نفسه، كما قال تعالى: "ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم"، وقال تعالى عن المنافقين: "نسوا الله فنسيهم". ولعظيم صلته بالفطرة كان أعظم ما تتنعم به النفس السوية في الدنيا غير مشوب بما يكدره، وكان اطمئنان النفس وراحتها وسعادتها متوقفة عليه كما قال سبحانه: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، وكان الجزاء عليه أعظم نعيم الآخرة، كما قال تعالى: "ورضوان من الله أكبر"، وقال: "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة"، وقال: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة". وما كان كذلك فحاجة النفس إليه لا تقارن بحاجتها إلى غيره، فجدير بمن عقل هذا أن يكون همه الدائم العلم بالله والعمل له. والانتفاع بالقسمين الآخرين النفع المعتبر متوقف عليه، فإن الجاهل بربه شاذ عن الكون كله، إذ المخلوقات جميعها تسجد لله، وتسبح بحمده، فمن خالفها فهو النشاز، وهو الجاهل، مهما كان علمه. وقد قال الله تعالى: "قل أفغير الله تامروني أعبد أيها الجاهلون"، وقال تعالى: "فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون"، فسمي تقليدهم لآبائهم واتباع أهوائهم علما كما كانوا يظنون، وما يزال أمثالهم يخرصون، وقال عنهم: "ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون".  والطريق إلى هذا العلم هو ما أوحاه الله إلى أنبيائه ورسله، من أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحكيمة، وتربيته لخلقه، بنعمه ورسالاته، وتدبير شؤونهم، ونظام قضائه وقدره، قال الله تعالى: "فاعلم أنه لا إله إلا الله"، وهذا أمر بالعلم بإلاهيته واستحقاقه أن يعبد دون سواه، وهو حقه على عباده، وقال: "اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم"، وقال: "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم"، وهذا أمر بالعلم بوعده ووعيده، وأعظم ما ينال من وعده الجزاء على توحيده، وهو الخلود في جنته، وأعظم ما ينصرف إليه وعيده العقاب على الإشراك به، وهو الخلود في ناره. ومن العلم بالله تعالى الإعراض عما لم يذكره عن نفسه، ولا ذكره رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عنه، بل إن الجهل بهذا علم لأنه إقرار من العبد بعجزه، واعتراف بقلة علمه، فإن الإنسان لا يعلم عن المخلوقات إلا القليل، فكيف بالعلم بخالقها وقد قال: "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء"؟ وقد نسب لسحنون بن سعيد رحمه الله قوله: "من العلم بالله السكوت عن غير ما وصف به نفسه"، ولو عمل المسلمون بهذا لما كانوا في العقيدة على هذا النحو الذي تراه.  ومما تحصل به معرفة الله بعد فطرته التي فطر عباده عليها، وتدبر آياته المنزلة؛ النظر في آياته الكونية، والنصوص في ذلك كثيرة جدا، منها قول الله سبحانه: "الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما"، وفيه بيان ما خلق له هذا الخلق العظيم الذي هو أكبر من خلق الناس، فذكر العلم بالله ولم يذكر غيره، مما خلقت السموات والارض له لأنه مقدم عليه، ومعظم علماء الحياة مشغولون بالانتفاع بالخلق عن خالق الخلق!! والنظر في خلق السموات والأرض يدل على العلم بقدرة الله على كل شيء، وإحاطة علمه بكل شيء، وهذان من أعظم صفاته، ومن علمهما تشوف إلى غيرهما مما يلزم منهما، ثم لا يجد غير كتبه ورسله، ومن اهتدى بهما من خلقه. لكن العلم بالله عن طريق النظر في الكون وإن كان واجبا فلا يحصل في الغالب إلا للمؤمنين فضلا عن الجاحدين المعاندين المحجوبين، كما قال الله تعالى: "قل انظروا ما ذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون"، وقال إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون"، فابتدأ في ذكر المنتفعين بالآيات بالمؤمنين، لأن الإيمان هو المطلوب الأول، وثنى بالموقنين، لأن اليقين درجة الإيمان التي تنفع النفع التام، وثلث بالعاقلين، لأنه لا إيمان ولا يقين بدون العقل، ثم قال: "فبأي حديث بعد الله وآياته يومنون"، أي بعد كلامه، وما نصب من آياته. وتدلك السياقات القرآنية الكثيرة التي ربطت الانتفاع بالآيات الكونية بالتفكر والتذكر والعقل والعلم والتوسم واليقين كقوله تعالى: "إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"، وقوله: "إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون"، وقوله: "إن في ذلك لآيات للعالمين"، تدلك على أن تلك الصفات لا وجود لها في معظم من يوصف بها.  ويدلك هذا أيضا على أن النظر في المخلوقات وإن كان واجبا فإنه ليس بأول الواجبات كما قيل، فضلا عن أن يكون أولها الشك، أو التوجه إلى النظر!! كما أنه لا يؤدي إلى العلم بالله سبحانه، وإنما هو عند التجرد من الأهواء والتقليد بداية الإقرار بوجود الخالق الذي ليس كمثله شيء، ومن الأدلة على ذلك أن علماء الغرب أكثر الناس معرفة بأسرار كثير من المخلوقات، ومع ذلك ما عرف الله إلا القليل منهم، وهكذا عدد من آمن على مر التاريخ بوساطة النظر، فقل لا إله إلا الله فإنها أول واجب، واسأل ربك أن يختم لك بها حياتك. بن حنفية العابدين- غرة ذي القعدة 1439

الخاطرة 66

أصل النقد والانتقاد يكون في الدراهم والدنانير، يميز الناقد ما كان منها مغشوشا مما هو منها خالص. وقد قال الفرزدق يصف خفة سير الناقة، وسرعة حركة يديها، تدفعان الحصى دفعا في الهاجرة، كأنهما صيارف يميزون جيد الدراهم من رديئها: "تنفي يديها الحصى بكل هاجرة * نفي الدراهم تنقاد الصياريف"!! (يدا الناقة هما قائمتاها الأوليان) والمعروف في معنى النقد هو وزن الكلام بالميزان المتواطإ عليه بين أهل فن ما، ليظهر صحيحه من سقيمه. والكتابة في المواقع الإلكترونية صيرت انتقاد ما يكتب والتعقيب عليه ممكنا لكل من تأتى له الوصول إلى موقع النشر، لا فرق بين من له قدرة على فهم ما يقرأ، ومن ليس له قدرة عليه، وما كل من يفهم بقادر على النقد، ولا كل من له علم بقادر على الجدال. فعليك قبل الإقدام على نشر ما تكتب أو تقول أن توازن بين أمور لتختار منها ما ينفعك:  أولها أن تؤثر السلامة فلا تنشر شيئا، وهذا قد يكون تفريطا في وسيلة من وسائل الدعوة التي يعطى استعمالها حكم فرض الكفاية. وثانيها أن تنشر ما تظن أنه يجلب لك معلقين كثيرين، راضين أو ساخطين، مادحين أو ذامين، والمواضيع التي هذا شأنها معروفة عند الناس اليوم، فاربأ بنفسك أن يكون دافعك طلب رضا الناس. والثالث أن تتخير المسائل (المحايدة) التي لا تكلفك كبير مؤنة، ومنها المواعظ وفضائل الأعمال والقصص والسير وأخبار الطبيعة ونحو ذلك، وهذه يحتاج إليها الناس بقدر، لأنها تبني عاطفة المسلم، ولكنها لا تبني عقله، والحاجة إلى بناء العقل أشد.  والرابع أن تنشر في موقع مغلق لا تتلقى فيه شيئا من كلام الناس الذي يقلقك أو يريحك!! وهذا أشبه بالعزلة. والخامس أن تنشر متحريا الحق، داعيا إلى الخير، قاصدا تنمية الذوق الشرعي، منتفعا بنقد من ينقدك، مع صبرك على ما يلحقك ممن لا يفهم كلامك، أو يفهمه ويخرجه عن المقصود منه، أو يتخذه ذريعة للحط عليك، أو استنقاص من تذكره، أو غير ذلك من أوجه الأذى. وهذا إن شاء الله خير لك، وهو يدخل في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن يعتزلهم"، وقول بعض الأصحاب: "خالط الناس ودينك لا تكلمنه"!! ومن كان همه التزام الحق والدعوة إليه فليراع ما يلي: * أن لا يتكلم فيما لا يعلم. * وأن يقصد بيان الصواب إن كان يعلم. * وأن يعتمد في نقده على الكلام نفسه. * وأن لا يخرج عن موضوعه إلى ما لا صلة له به. * وأن لا يحمل الكلام ما لا يحتمله. * وأن لا يكون نقده لمجرد إظهار المخالفة. كتب بن حنفية العابدين - 3 من ذي القعدة 1439

الخاطرة 67

(تكملة 65) القسم الثاني من العلم هو العلم بحكم الله، وحكمه نوعان: قدري كوني، والخلق فيه متساوون، وكلهم له خاضعون، فهم فيه عباد مضطرون، كما قال الله تعالى: "إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا".  وحكم تكليفي شرعي، هو للعقلاء منهم، لكن منهم العباد المنقادون، قال عنهم ربهم: "وكثير من الناس"، ومنهم العبيد المتمردون، وهم الذين قال عنهم: "وكثير حق عليه العذاب". وكلا الحكمين لله، وقد جاءا بصيغة الحصر، قال الله عن الأول: "وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله"، فيعقوب عليه الصلاة والسلام وإن نصح أبناءه بما رآه ليتقوا ضرر العائن؛ إلا أنه بين أنه لا يدفع عنهم ما شاءه الله، وقال تعالى عن الثاني: "أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله"، وأعظم أحكام الله فعلا توحيده، وأوكدها تركا الإشراك به. والحكم الكوني عقيدة، فيجب الإيمان به والتسليم له، فإنه سر الله، ونحن منهيون عن الخوض فيه، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وإذا ذكر القدر فأمسكوا". أما الثاني فهو الأحكام التكليفية التي لا تخرج عنها أفعال المكلفين من الواجبات والمندوبات والمحرمات والمكروهات والمباحات وغيرها، وإنما شرعها الله لمصالح عباده في الدنيا والآخرة، عرفوا وجه المصلحة أو لم يعرفوه، ومن ابتغى غيرها فهو داخل فيمن قال الله عنهم: "أفحكم الجاهلية يبغون"، وإنما يعرف حسنها المؤمنون الموقنون: "ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون". فهذه الأحكام المسبوقة بالعقائد هي قطب الرحا في الدين، والعناية بها علما وعملا ودعوة تضبط حركة الفكر، وتصرفه عن التوهان، وتقيه الدخيل على الدين، وتربطه بالعمل، وتثبطه عن الجدل، ولهذا كان وصف العالم إذا أطلق ينصرف إلى العالم بها عند المتقدمين، وبإمكانك أن تستيقن هذه الأمور في علماء الأمة المعاصرين. والعمل الدعوي الذي لا يقوم عليها، ولا ينضبط بمراعاتها ليس هو ما صلح به أول هذه الأمة، فلا يصلح به آخرها، والداعي الذي لا يعطيها الاعتبار اللازم مجرد قاص، وبنو إسرائيل لما قصوا هلكوا، ومع هذا فالفرق كبير بين قصص للاتعاظ والاعتبار، وبين هذا الذي تراه، وهو يورث العار، وينشر البوار. وتنشيط عاطفة المسلم بالمواعظ وفضائل الأعمال وأنباء الصالحين وأخبار المخلوقات نافع، وحياطة ذلك بأحكام الله واجب، وهو الأنفع. فاصرف همك إلى هذه الأحكام: تتعلمها، وتعتقدها، وتعمل بها، وتدعو إليها، وتحب ممتثلها، وتحض على التزامها من خالفها، تؤجر إن شاء الله على كل مرحلة منها، وكن ضنينا بوقتك أن تصرفه في القيل والقال، وكثرة السؤال، فإنك مسؤول عما أفنيت عمرك فيه. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلاقهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"، وفعل المأمور واجتناب المحظور يسبقهما العلم بهما. وإذا كان من أسباب الهلاك كثرة السؤال -وهو عند الحاجة مطلوب- فكيف بما عليه فريق من الناس من نقل الأخبار، وفضح الأسرار، وختر العهود، وقبح الردود، والولوغ في الأعراض، بخسيس الأغراض؟! وكيف بالاختلاف الذي لا يرجع فيه إلى نقل، ولا إلى ما لا يختلف فيه من العقل؟ بن حنفية العابدين- 13 من ذي القعدة 1439

الخاطرة 68

القسم الثالث من العلوم هو العلم بخلق الله، وهو نوعان: علم يدخل في العقيدة، إذ يجب الإيمان بأنواع من المخلوقات:  - منهم من أوكل إليهم تدبير شؤون خلقه تكريما لهم، وتنبيها على مزيتهم، وهم الملائكة، الذين هم أكثر الخلق له عبادة، وأعظمهم له طاعة. - ومنهم من جعلهم الله واسطة لتبليغ رسالاته حتى لا يكون للناس عليه حجة، وهم الرسل الذين هم خير البشر. وفي إيكال هاتين المهمتين إلى أفضل المخلوقات من الملائكة والبشر، عبرة لمن اعتبر. ومن هذا القبيل الدار الآخرة، وما فيها من الجنة والنار وغيرهما، وكل ما أخبر الله تعالى به من المخلوقات وصفاتها. والنوع الثاني من المخلوقات ما لا يدخل في العقائد، والعلم به دائر بين الإباحة والإيجاب الكفائي لحاجة المسلمين إليه، ويترتب على العلم به مصلحتان عظيمتان: أولاهما - وهي الأهم - الدلالة على الخالق سبحانه وتعالى، فإن في كل شيء من خلقه دليلا على ربوبيته وإلاهيته، كما قال القائل: فيا عجبا كيف يعصى الإله ** أم كيف يجحده الجاحد؟ وفي كل شيء له آية ** تدل على أنه الواحد. والآيات التي تدعو إلى النظر والاعتبار والتفكر في المخلوقات كثيرة، منها قوله تعالى: "وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون"، ومن أجمعها قوله تعالى: "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيه من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون"، وهي دالة بالمفهوم على أن الذين لا يجدون في هذه المخلوقات آيات تدلهم على ربهم لا يعقلون، ودل غيرها بالمفهوم على أنهم لا يعلمون، ولا يوقنون، ولا يتفكرون، ولا يتذكرون، ولا يضر أنهم بذلك موصفون.  ولهذا كان الغالب أن لا تغني تلك الآيات شيئا عن غير من سبق له الإيمان، أو تجرد من التقليد والأهواء، أو كان على أصل الفطرة، وما أقل هذه الأصناف في كل زمان!! فمن رحمة الله ان جعل بداية الإيمان هداية كتبه المنزلة، ورسله المرسلة، وقول "لا إله إلا الله"، وكان أول ما أنزل من كتابه الذي هو حجته الباقية على خلقه: "اقرا باسم ربك"، على أن الله تعالى قد وعد ووعده الحق بقوله: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد". وثانية المصلحتين دنيوية نفعية، متروكة لعمل الناس، وبحثهم وتجربتهم، لم يخص الله بها مؤمنا لإيمانه، ولم يمنعها كافرا لكفرانه، فهي شأن الدنيا يعطيها من يحب ومن لا يحب، والاستثناء أن يكون التسخير خاصا ببعض الرسل كما هو شأن نبيي الله داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، قال تعالى: "وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير"، وقال: "فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب"، وقد يحصل شيء من ذلك كرامة للصالحين، واستدراجا للطالحين. والأصل أنه بمقدار العلم بهذه المخلوقات والإطلاع على أسرار خلقها وتكوينها يتسع نطاق تسخيرها، قال الله تعالى: "وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه"، وقال:"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا"، وقال" وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار". المخلوقات بعضها مسخر لكل الناس رحمة من الله وفضلا كالماء والهواء والنبات والدواب والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار وغيرها، فإن الانتفاع الذي تتوقف عليه الحياة ضرورة أو حاجة لا يفتقر إلى علم، فالناس كلهم ينتفعون بالشمس التي هي آية النهار في معرفة الأوقات جملة، وفي نضج الحبوب والثمار، وغير ذلك، وهكذا شرب الماء وتنفس الهواء والانتفاع بالنبات وركوب الحيوانات وأكل لحومها واستعمال جلودها وغير ذلك. لكن درجة التسخير تتفاوت تفاوتا عظيما بحسب تقدم العلوم والاطلاع على أسرار التكوين وخواص الأشياء بالتجارب. وتخلف المسلمين في هذه العلوم الواجبة على الكفاية راجع إلى تفريطهم في دينهم، وجهلهم سنن الله في رقي الأمم وانحطاطها، ثم إلى تسلط غيرهم عليهم بالاستعمار العسكري ثم بالغزو الثقافي والإعلامي ونهب ثرواتهم. وقد صار هذا التخلف فتنة لكثير منهم ممن يظنون أن هذا التأخر سببه الدين، والحق أن سببه ترك الدين، فإن لازم النظر والتفكر والتأمل في كيفية الخلق وغير ذلك مما جاء الأمر به في كتاب الله والتثريب على تاركيه من شأنه أن يدفع الإنسان إلى البحث والاستقراء والتجربة ومعرفة الأسرار، وهي مقدمات لا بد منها للوصول إلى درجة أعلى من التسخير الذي امتن الله به على خلقه. خذ مثلا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا إن القوة الرمي"، قالها مفسرا للقوة المأمور بإعدادها في قول الله عز وجل: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة"، وقد كان الرمي في العصر النبوي لا يتعدى مداه عشرات الأمتار، وهو اليوم يبلغ آلاف الكيلومترات، فما ذا عملنا للائتمار بما في الآية وما فسرت به؟  وقول النبي ق: "تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم"، الذي يفتح آفاقا لا تحد في علاج الأمراض، إذ الدواء إما أن يكون في المخلوقات الموجودة كالنباتات وغيرها، فيتطلب البحث والتنقيب المتواصل، وإما أن يكون في المركبات غير الموجودات فيحتاج إلى عمل أكبر وبحث أعمق. ومما يتدارك به هذا التخلف رفع نسبة المال المخصص للبحث العلمي من الميزانية، وإيلاء الباحثين مزيد عناية، وحماية براءات الاختراع، وتوفير الأسباب التي تحد من هجرة الأدمغة، على أن تحقيق هذا لا بد أن يجتمع مع ما سبق ذكره لتكتمل للأمة عناصر التمكين، والله الهادي إلى الصراط المستقيم. الاثنين ١٧ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ =

الخاطرة 69

أخذ التشيع يفشو في بلادنا منذ ظهور التعددية الحزبية سنة 1989 تحت ذلك الاسم المحتشم، وهو (الجمعيات ذات الطابع السياسي) الذي تطور فيما بعد إلى أحزاب بلغت العشرات، فكان سببا في خروج الناس عما اعتادوا من التحفظ فيما يكتب ويقال، فاغتنمت الفرصة خلايا التشيع النائمة لتعمل عملها في ذلك الجو المضطرب! ومن أسبابه المباشرة خط الطيران الذي فتحته بلادنا كل أسبوع بين الجزائر ودمشق، والجزائر وسوريا كانتا من جملة (دول الصمود والتصدي) !! كان غالب من يسافر إلى سوريا هم الشباب لجلب السلع والمتاجرة فيها، فكان الشيعة في (السيدة زينب) بضاحية دمشق يتلقفونهم، ويوفرون لهم المسكن مجانا، وربما نالهم شيء من مال الزكاة والخمس الذي يتولى توزيعه شيوخهم وعلماؤهم، فيكون وسيلة الى ما يحملونهم إياه من العقائد والكتب والتسجيلات الصوتية، وكان في تلك الضاحية نشاط حثيث للجماعات الشيعية المعارضة بالمملكة السعودية، في منطقتها الشرقية. كان هذا الأمر حافزا لي ولواحد من إخواني على الذهاب إلى سوريا لنعرف شيئا عن هذا الأمر، لا سيما وأن بعض الموظفين تخلوا عن وظائفهم وأقاموا في سوريا لاستقبال المسافرين!! وقد أقمنا في دمشق بين المتشيعة وأولئك الشباب نحو العشرين يوما، لعل الفرصة تتاح بعد للكلام عما جرى فيها. كانت قناة المنار التابعة لحزب الله الشيعي اللبناني من أوائل القنوات (الإسلامية) التي يتابعها كثير من سكان مدينتنا، وأعرف من كان لا يحلو له النوم إلا على دعاء (الثغور) الذي يسيل دمعه، وكانت القناة تجعل هذا الدعاء خاتمة برامجها، وقد قلت عنها يوما بمسجد.مصعب بن عمير: احذروا هذه القناة، فإنها تدس السم في العسل، فجمجم بعضهم قائلا: إنك ترطل (ترطن)، ثم جاءني بعد سنوات يعتذر لما رآه فيها من شر، وقد خدع كثير من الناس بمذيعاتها المتسترات!! وبالخطاب العدائي القوي المناهض لليهود المحتلين والأمريكان، ثم بحرب جنوب لبنان. إن من أعظم أسباب انتشار التشيع معاداة إيران الظاهرة للغرب ولأمريكا منذ ظهور ما يسمى بدولة الفقيه في هذا البلد، لاستجابة هذا السلوك لما تطمح إليه الجماهير التي تشعر بالهزيمة إزاء الغرب، فكل من يناهضه فهو عندها على الحق، وترى مصداق هذا في دول ورؤساء لا يخفون عنك. وفي ولايتنا قرية انتشر فيها التشيع لأن دعاته أظهروا التقدير ل(لأشراف) بتقبيل رؤوسهم، والقيام لهم في المجالس!! وتحريك عواطفهم بذكر بعض الأحداث التاريخية التي جرت لآل البيت، بل انقسمت هذه القرية إلى مؤيد ومعارض للجماعات المسلحة، وكان المتشيعة يقفون في صف المؤيدين!! لكن الذي يحز في النفس أن بعض المسؤولين لجهلهم بدينهم - فكيف بكونهم من أهل السنة؟ - شاركوا في نشر التشيع، وربما تأثر بعضهم بما عليه فريق من الدعاة من الانقباض والتشدد وحدة الخطاب، وعدم مراعاة الأولويات، وبهذه الأوصاف التي تتجدد في كل حين حسب الحال، في مقابل كذب الآخرين ومداهنتهم وتقيتهم!! أكتفي بذكر مثال واحد، وهو أن صاحب مكتبة ابن القيم بمعسكر وهو شاب جاءه واحد من هؤلاء بكتاب يبيعه له فسألني أيجوز له أن يبيعه؟ فاستمهلته حتى أطلع عليه، فإذا هو نظم في السيرة مشبع بدسائس القوم وبدعهم، فلما أخبرته بذلك امتنع من بيعه. كان صاحب الكتاب إطارا في إحدى الشركات الوطنية (الجزائرية للمياه)، ثم في صندوق التقاعد، وكان يوزع كتاب (تأملات في الصحيحين) لأحدالمتشيعة، ويقول إنه خير من صحيح البخاري، وكان يصلي التراويح في أحد المساجد التي اتخذها بعض الموظفين في الشؤون الدينية (زاوية!!)، وكتب ذلك على مدخلها، فعملت على إزالته، وكان صاحب النظم يكفر كاتب هذه الخواطر، لأن له رأيا يخالفه في مسألة المولد، ويزعم أن هذا عدول عن تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو واجب!! وربما حظي كلامه بالترحيب عند قلة من الناس في ولايتنا ممن توارثوا هذا البنيان الذي قام على شفا جرف هار، فلا يزال ريبة في قلوبهم!! بعد أيام من قصة صاحب المكتبة دخلت مكتب مدير الشؤون الدينية والأوقاف - وقد توفي رحمه الله - فوجدت عشرات النسخ - نحو 200 نسخة - قد اشتريت من مال مؤسسة المسجد تشجيعا لصاحب الكتاب!! ثم وزعت على الأئمة وغيرهم!! فلما كلمت المدير في ذلك قال لي: لا أعرف!! وكان حين رأى كتابي عن الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي كالمتوعد: "سأرد عليك"!! ثم علمت بعد أن النظم قد طبع من ميزانية الولاية بمبلغ عشرة ملايين سنتيم، ليوزع بمناسبة المولد النبوي الشريف!! السنة كما قال مالك رحمه الله سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، فانصروها ينصركم الله. بن حنفية العابدين- 21 شهر ذي القعدة 1439

الخاطرة 70

قرأت شكوى في إحدى الجرائد مضمونها أن إمام مسجد منع بعض الناس من قراءة القرآن في المصحف وقت إلقائه الدرس الذي جرت العادة أن يكون قبل الخطبة، وقال له: إذا أردت أن تقرأ فاخرج من المسجد!! فخرج دون أن يصلي الجمعة!! ومما قاله المتظلم: "إنني ملزم فقط بالاستماع للخطبتين لا أكثر، مع التزامي بما يفرضه علي المقام من هدوء". ولا أكتم سرا إذا ذكرت أني دأبت على نصح من يسألني عن ذلك أن لا يفعل والإمام يدرس، بل أعرف من يترك التنفل بعد تحية المسجد يوم الجمعة - ويومها مستثنى من منع النافلة عند قيام قائم الظهيرة على الصحيح- حتى لا يساء توجيه فعله، لكن الأمرين مختلفان، والكلام على حكم هذا الدرس ليس هذا موضعه. وقد ذكرت في كتابي كيف نخدم المالكي أن أحد أئمة المساجد قال لمن رآه يصلي تحية المسجد: "اجلس فإن العلم خير من صلاة النافلة"!! فنزلنا من الاختلاف في حكم هذه الصلاة والإمام يخطب إلى حكمها وقت هذا الدرس المحدث، ولا غرابة فإن المخالفات يجلب بعضها بعضا، وتتوالد بشكل عجيب، وقد قيل: إن الجرادة تبيض مائة بيضة!! والمستغرب في التظلم الذي نشر في عمود (نقطة نظام) بجريدة الخبر أنه وجه إلى صحفي(!!)، فاستغله وكساه ثوبا سياسيا، وخاض في توجيهه بما لا يعلم. إذا كان الغلو هو مجاوزة الحد، وهو مذموم في الأمر المشروع، فكيف بما كان منه في غير حق؟ لكن بعض الناس يصفون غيرهم به وينسون أنفسهم، ويمضي غلوهم دون أن ينتبه له، لأنهم يمارسونه تحت شعارات مختلفة تتغير بحسب الحاجة، ويقيمونه في مفردات كثيرة، فيغدو معيشا ممارسا دون كبير كلام!! بن حنفية العابدين- 28 شهر ذي القعدة 1439

الخاطرة 71

توفي هذه الليلة الشيخ أبو بكر جابر الجزائري الداعية الواعظ المفسر المدرس بالجامعة الإسلامية وبمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا، وألحقنا به مسلمين. من أقرانه الذين درسوا معه في جامع الزيتونة الشيخ محمد الثابتي المعسكري رحمه الله، المشهور ب "صايم الدهر". عرفت الشيخ أبا بكر بالجلوس في حلقته قبل ثلاث وأربعين سنة في أول حجة لي، وكنت مواضبا على حضور مجالسه كلما حججت أو اعتمرت، فشغلت بذلك عن مجالس أهل العلم الآخرين إلا في النادر. غالب دروسه كانت في تفسير القرآن الكريم، ومدارسة صحيح البخاري، وكان يتوسع في شرح آيات الأحكام وأحاديثها، وله عناية خاصة بالتوحيد ومحاربة مظاهر الشرك، وكان الحجاج والعمار الجزائريون يغشون مجلسه وينتفعون به أكثر من غيره لمعرفته بأوضاع بلده. وكان له موقف مناهض للتوجه الاشتراكي الذي انتهجه حكامنا منذ استعادة الاستقلال إلى عهد التعددية، فمنع رحمه الله لهذا السبب من التعليم في المساجد حين زار بلده سنة 1976 بتعليمة وزارية، ومع هذا كان ممن ساهموا في اطفاء نار الفتنة التي ظهرت عقب إيقاف مسار الانتخابات النيابية سنة 1991. الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها ** متى يمت عالم منها يمت طرف** كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها ** وإن مضى عاد في أكنافها التلف بن حنفية العابدين- 4 من شهر ذي الحجة 1439 الخاطرة رقم 72 عمدة صيانة المسلم هي تحصينه بالعقيدة الصحيحة، التي هي إيمانه بالله تعالى الذي له عليه حق العبادة، غير مشرك به شيئا، وحق التشريع والتحليل والتحريم، غير راجع بشيء منه إلى غيره، إلا في منطقة العفو التي سكت عنها ربنا رحمة بنا، فإن الحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه. ثم الإيمان ببقية أركانه، والإقرار بما علم من دينه بالضرورة من الواجبات والمحرمات والمباحات، هذا هو القدر المشترك الذي يجمع المسلمين كلهم، ويبقي عليهم أمة واحدة، وإلا فأين مقومات وحدتهم؟ فمن أنكر شيئا من هذا بعد العلم به، أو استخف به، أو رأى أن غيره خير منه، أو سواه به، أو رآه غير صالح لزمانه، أو قال إن الناس مخيرون فيه، أو ألزمهم بمخالفته، فقد خرج من جماعة المسلمين. ولئن كان هذا التحصين مطلوبا في كل زمان فإن أهميته ازدادت في هذا العصر الذي فسدت فيه الحياة العامة، وتعذر فيه عزل الإنسان عن محيطه لوقايته من هذا الذي يهدده، وقد صار العالم كالبيت الواحد بوسائل الاتصال التي لا انفكاك للناس عنها بعد أن تعلقت مصالحهم بها. لهذا يجب على الدعاة أن يجعلوا هذا التحصين برنامج أيامهم، وأوكد اهتماماتهم، ومصب جهودهم، فيما يقولون ويكتبون، وفي دعوتهم في المجالس العامة، ومع الأفراد، من غير كلل ولا ملل. استمعت إلى هذا الذي صدر عن حاكم تونس من الكفر البواح، وهو دعوته إلى مساواة المرأة للرجل في كل شيء، وفي مقدمة ذلك المساواة في الميراث، إلا أن يريد المورث غير ذلك!! وقوله إن دستور تونس لا علاقة له بحكاية الدين، ولا بنصوص القرآن  ثم قرأت كلاما لامرأة من اتحاد النساء الجزائريات علقت به على هذا الذي فاه به هذا الهالك فأخذت من كلامها سلامة عقيدتها، فقد قالت: "إن المطالبة بالمساواة في الميراث بين المرأة والرجل خروج عن الدين الإسلامي"، وهذا حق، وقالت: "إن اتحاد النساء يلتزم بما جاءت به النصوص القرآنية في هذا الوضوع". لم أثبت كلمات حاكم تونس وما قالته هذه المرأة في بلادنا إلا لأقرر أن كل ما دون فساد العقيدة من المعاصي وإن كان نقصا في الإيمان، وقد يكون دليلا على عدم استقراره، إلا أنه كالدرن تسهل معالجته وتؤمل أوبة صاحبه إلى الحق. بن حنفية العابدين- 5 من شهر ذي الحجة 1439 الخاطرة رقم 73 من حفظ الله تعالى لدينه أن كثيرا من نصوص الكتاب والسنة التي يستدل بها على خلاف ما سيقت له؛ تأتي أدلة أخرى ترد ذلك الاستدلال، بل كثيرا ما يكون في الدليل الذي اعتمد عليه المحتج؛ حجة عليه، إما بدلالة خفية فيه، أو برواية أخرى للحديث، أو قراءة كذلك، أو لمعنى راجح في اللفظ، أو لغير ذلك. وأبرز مثال لهذا -وهو أصل عظيم في العقائد- قول الله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"، فإن بدايته رد على المشبهة، ونهايته رد على المعطلة، والحق الإثبات من غير تمثيل ولا تكييف. وقد اختلف في حكم الأضحية، وجمهور العلماء على أنها سنة مؤكدة، وقيل إنها واجبة على الأعيان الموسرين، لظاهر النصوص، وقد يتأيد هذا الظاهر بأنها قربة خاصة في عيد الأضحى، فيكون حكمها حكم صدقة الفطر. وقد استدل بعضهم على عدم وجوبها - ومنهم الأمام الشافعي رحمه الله في كتابه (مختلف الحديث)، والشوكاني رحمه الله في النيل - بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره"، رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، ووجه الاستدلال أن الواجب لا يخير فيه المكلف، فلا يصح أن يقال له: إذا اردت أن تفعل. وهذا لا حجة فيه، لأن المضحي قد لا يكون قادرا على الأضحية فيتكلفها، كمن حج وهو غير مستطيع، ويمكن أن يذكر التخيير لأن المكلف قد عرف الحكم من قبل، فلا يكون المقصود تخييره في الفعل والترك، بل باعتبار فعله هو وتركه. فاقرأ قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من أراد أن يصوم فليتسحر بشيء"، فإن التسحر مطلوب في الصوم الواجب والمندوب، والمخير فيه هو الصوم المندوب. وانظر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة"، والتزام الجماعة لا تخيير فيه. ومن الأدلة على هذا قول الله تعالى: "إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم"، وفيه تفويض الاستقامة إلى مشيئة المكلف، ومن يقول إن الناس مخيرون في الإيمان وتركه؟ لكن فيه أيضا الرد على من أخرج بعض أعمال المكلفين عن مشيئة الله الكونية معتمدا على هذه الآية وغيرها، فلهذا قال: "وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين". ومن ذلك قول النبي ق: "من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة"، رواه أحمد وابن ماجة عن ابن عباس، والحج منه الواجب والمستحب، وفيه إطلاق الوصف قبل حصوله، كما أطلق بعد ذهابه في قوله تعالى: "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن". بن حنفية العابدين- 7 من ذي الحجة 1439 الخاطرة رقم 74 مما امتن الله تعالى به على عباده فيما سخر لهم من المخلوقات ما هي عليه من الإبداع والانتظام والجمال، كما في قوله تعالى: "انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه"، هذا حظ الفكر والبصر والسمع. وثمة حظوظ الجسد الأخرى من الأكل والشرب واللباس والركوب والسكن والاستظلال وغيرها، كما قال ربنا: "كلوا من ثمره إذا أثمر"، وكثيرا ما يلتقي في كلام الله الأمران. وجانب الإبداع والانتظام هو المقدم في الاستدلال بالمخلوقات على بارئها، فلهذا وجه الأمر لعموم الناس بالنظر والتفكر، وتفاوتت فيه حظوظهم، حتى إذا بلغوا حدا ما كان باعثا لهم على البحث والاستكشاف، الذي يصرف فيه علماء الطبيعة جهدهم ٠ والحسن والجمال في المخلوقات يلحظه الجميع غير أن منهم من لا يتجاوز إحساسه نفسه، ومنهم من يعرب عنه فيبدع أو يقارب، وقد يتخطى ما حد له إلى غيره كما قد يفعله الشعراء والكتاب والقصاص. والأنعام من أكثر المخلوقات قربا من الإنسان، وأعظمها نفعا له، حتى إنها قرنت به في العيش على النبات في مواضع من كتاب الله كما في قوله تعالى: "متاعا لكم ولأنعامكم"، وقوله: "كلوا وارعوا أنعامكم"، وقوله: "تاكل منه أنعامهم وأنفسهم"، وفيه سياقات كثيرة تعرض ما فيها من منن لله على الناس في سور المائدة والأنعام والنحل والحج ويس والمؤمن والزخرف. ومن ذلك قول الله تعالى الذي فيه الامتنان بمنافع الدفء والأكل والركوب وحمل الأثقال، إلى جانب ما فيها من جمال وزينة: "والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكنوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم". وإنما خص ربنا بالذكر وقت رجوعها إلى مراحها ووقت خروجها إلى مرعاها لاجتماع صور من الزينة والجمال فيهما لا تكون في غيرهما، فهي حينئذ تجتمع، وتنتظم، وتتجه اتجاها واحدا، وتخرج مسرعة إلى المرعى، وترجع منه حافلة الضروع، ملأى البطون، وهي صورة تأسر الحس حقا !! وهل وجدت في هذا الأمر أعظم من قول نبيك صلى الله عليه وآله وسلم الذي فيه تشبيه سلامة فطرة الإنسان حين يولد بسلامة البهيمة حين تنتج؟ فهل تستفيد منه بدلالة ما؛ الدعوة إلى رعاية هذا السلامة في البهائم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة.. إلى قوله "كالبهيمة تنتج بهيمة جمعاء هل تجدون فيها من جدعاء"؟ لاسيما مع قوله كما في رواية: "حتى تكونوا أنتم تجدعونها"!! أولا ترى العناية بهذا الجانب في الأضاحي واضحة بارزة؟ فإنها لا تجزئ فيها العوراء، ولا العرجاء، ولا المريضة، حيث كانت هذه الصفات بينات، ولا العجفاء الهزيلة. وتأمل هذه الصورة البهية التي وصفت بها أضحية نبيك صلى الله عليه وآله وسلم كما قال أبو سعيد الخدري: "ضحى بكبش أقرن فحيل يأكل في سواد، ويمشي في سواد، وينظر في سواد"!! ولا تغفل عما كان يأمرهم به، وهو أن يستشرفوا العين والأذن"، أي يتأملونهما حتى لا يكون فيهما عيب. وتدبر خبرة نبيك الواسعة بما كان يفعل بآذان بهيمة الأنعام من الخرق والشقق والقطع، فأمر أن لا يضحى بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء، مع أن هذا لا يؤثر في اللحم شيئا لكن فيه خدشا لمنظر الشاة وجمالها. حرص بلغ المدى في توفر أكمل الصفات الحسية والجمالية في هذه القربة، مع أنه لم يتجاوز صورتها التي لا تغني شيئا إلا أن تفعل طاعة لله وابتغاء وجهه، لا تقليدا وتباهيا ومجاراة للعادات قال الله تعالى: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين". بن حنفية العابدين- تاسع شهر ذي الحجة 1439 الخاطرة رقم 75 في قول الله تعالى: "وما كان ربك ليلهك القرى بظلم وأهلها مصلحون" (هود 118)، فوائد: 1 - هذا تعقيب على إهلاك الله تعالى لأقوام الأنبياء: نوح وهود وصالح وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسلام وغيرهم، وفيه بيان سبب إهلاكهم. 2 - اللام في قوله تعالى "ليهلك"، هي لام الجحود، ووظيفتها توكيد النفي، لأنها تنفي الشأن، إذ المعنى هو أن ليس من شأن الله، ولا من سنته في الاجتماع البشري أن يهلك الأمم بظلم، وهو أبلغ من أن يقال: إن الله لا يهلكها بظلم، ومنه قوله تعالى: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم". 3 - الإهلاك المنفي هو العقاب العام الذي يسمى عذاب الاستئصال، وقد انقضى وقته قبل موسى عليه الصلاة والسلام، أما ما دونه من القتل وتدمير العمران والفتن والاضطراب فباق. 4 - في المراد بالظلم ثلاثة أقوال:  * الأول أن الله لا يهلك الأمم بظلم منه لها، فإنه حرم الظلم على نفسه، وجعله محرما بين عباده، لا يهلك الأمم متى كان الناس مصلحين مجتنبين للفساد، وإنما يهلكها بظلم أفرادها وإفسادهم. * والثاني أن المقصود الظلم اليسير منه، فيكون التنكير للتقليل والتحقير، ووجهه أن الأمم لا تخلو من شيء من الظلم، ويدل عليه قول الله تعالى: "وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون"، وقد قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أنهلك وفينا الصالحون"؟ فقال: "نعم إذا كثر الخبث".  * والثالث أن الظلم هو الشرك كما قال الله تعالى: "إن الشرك لظلم عظيم"، وقد فسر به قوله تعالى: "الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون"، في الحديث المرفوع، فالتنكير على هذا الوجه للتعظيم. والمعنى عليه أن الله تعالى لا يهلك الأمم بالشرك وحده وأهلها مصلحون في أعمالهم الاجتماعية والعمرانية وأحكامهم المدنية والتأديبية حتى يضموا إلى الشرك غيره من المعاصي، ومن أمثلتها أن يبخسوا الحقوق وينقصوا المكيال والميزان كقوم شعيب، أو يرتكبوا الفواحش ويقطعوا السبيل ويأتوا في ناديهم المنكر كقوم لوط، أو يبطشوا بالناس بطش الجبارين كقوم هود، أو يذلوا لمتكبر جبار يستعبد الضعفاء كقوم فرعون، أخذت هذا من تفسير المنار بتصرف.  وقال القرطبي عن هذا القول: "يدل هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب"٠ 5 - قوله "وأهلها مصلحون" جملة وقعت حالا، أي لا يهلكها في هذه الحال، فإن قلت: كيف يتوفر في عموم الأفراد وصف الإصلاح، وهو أعلى من وصف الصلاح وهو قليل فيهم؟ فالجواب أن ذلك يكون بأن يتولى بعضهم الإصلاح، وينقاد بعضهم لذلك، فهذا يعظ وهذا يتعظ، وهي وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 6 - الوجه الثالث في تفسير الظلم يعبر عنه بعضهم بقوله "الأمم تبقى مع الكفر ولا تبقى مع الظلم"، وهذا وإن كان صحيحا في نفسه فيستبعد أن يكون مرادا في الآية، لأن إهلاك الله للأمم المذكورة كان بسبب إعراضها عن هداية الرسل، وأوله تكذيبهم الذي أدى إلى ترك هديهم جملة، وأعظم هديهم توحيد الله، على أن قولهم: الأمم تبقى مع الكفر ليس على إطلاقه، فإن الكفر من أعظم مفسدات الكون، ومهالك الأمم، لكنها قد تتوفر على موانع يتأخر معها الانهيار والسقوط، وأعمار الأمم لا تقاس بأعمار الأفراد٠ وهذا الأمر هو سبب افتتان كثير من المسلمين بدول الكفار لما يرونها عليه من انتظام حياتها، واستقرار حكمها، وانضباط شؤونها، وصحة أفرادها، ومرد ذلك لا إلى كفرها وشركها -معاذ الله- كما يضمره أو يجهر به العلمانيون الذين بنوا عليه تصورهم في إصلاحهم المزعوم، وقد يبدو على فلتات ألسنة بعض المسلمين بإنكارهم القليل أو الكثير من امور دينهم التي يزعمون أنها سبب تخلفهم، بل مرد ذلك إلى أمور أخرى منها:  توفر هذه الدول على أنظمة وضعية يحترمها الجميع، ويقف عند حدودها، فيشعر مواطنوها بالمساواة والعدل، ويطمئنون إلى ما هم فيه، وإن كان باطلا في نفسه، والمسلمون يتوفرون على خير من هذا، وهو حق في نفسه، لكنهم مفرطون فيه.  استواء الحكام والمحكومين والكبراء والدهماء في تلك الأنظمة الوضعية، وهذا ليس في الإسلام ما يمنع من إقامته، بل أصوله تقتضيه. ضبط ولاية الحكم عندهم بقواعد ثابتة، بحيث يصل إلى القيادة من يرتضيه الناس، وبهذا يكون التمثيل حقيقيا في مجالسهم النيابية، وأحزابهم السياسية، وجمعياتهم المدنية، ونقاباتهم، وما كان من هذا مشروعا فليس في ديننا ما يمنع التقعيد له. تداول الأفراد والأحزاب على الحكم، وهذا يفضي إلى تغير التوجهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فينتظر الناس تلك الآجال والمواعيد التي يعقدون عليها آمال الإصلاح، ومناطق العفو في الشريعة تتيح تعدد الاجتهادات ممن هم أهل لذلك كما حصل في عهد الخلافة الراشدة. استقلال منظومتهم القضائية عن السياسة في الغالب، فيعلق الناس عليها الأنصاف، وهذا الأمر من أعظم الأسس التي يقوم عليها الحكم في الإسلام. تنظيم الجباية الضريبية بحيث يتساوى الناس في الغرم بحسب قدراتهم، ويستفيدون من الغنم حسب حاجاتهم، مع وضوح مجالات النفقات في ميزانيات دولهم، وهذا إن توفرت دواعي مشروعيته، لزم ما ذكر فيه، وإن كان أصله محتاجا إلى تفصيل. ضبط المواعيد والتزام الآجال في الإنجازات والأعمال الخاصة والعامة، وهذا من المقاصد العظيمة في العبادات التي يرتبط بها المسلم أكثر من غيرها. القوة العسكرية الفردية أو الحلفية التي تحمي الدولة، ولا حاجة بي إلى بيان مطلوبية هذا الأمر. الطفرة الكبيرة في مجال الصناعة والزراعة والحماية الصحية وغيرها، وهذا من فروض الكفايات في هذا الدين. فتبين بهذا أن مصدر قوة وتماسك دول الغرب التي افتتن بها كثير من المسلمين؛ في ديننا ما يغني عنه، وأن تفريطنا فيه هو سبب ضعفنا في شؤون الحياة، وأن سعادتنا وعزتنا في الأخذ بأسباب الحياة الكريمة، دون التفريط في التهيؤ للسعادة الأبدية. بن حنفية العابدين- 13 شهر ذي الحجة 1439 الخاطرة رقم 76- صاحب (نقطة نظام) عمود صاحب (نقطة نظام) أقرأه منذ سنوات في جريدة الخبر، بل كنت أقرأ له ما يكتبه وهو ما يزال (سردوكا) كما كان يسمي نفسه في جريدة أخرى قبل أزيد من ربع قرن. ويعترف للرجل بأنه خزانة معلومات سياسية ضخمة، لطول ممارسته عمل الصحافة، وللصلات التي له بالمقربين من مراكز القوى في البلد، المطلعين على ما يعتمل في الخفاء قبل أن يعلن، وقد قرأت له في جريدته الأولى خبرا مفاده أن الدبابات ستنزل الليلة قبل حصول ما يسميه السياسيون بإيقاف المسار الانتخابي بساعات، فكان الأمر كما قال. وإلى هذا فالرجل صاحب جرأة عظيمة فيما يكتبه، قد ترد إلى أن جهات لها شأن في الحكم؛ تؤثر إرخاء العنان له ليكون عموده متنفسا، مخففا للضغط، ثم عنوانا على حرية الصحافة وتقبل النقد في البلاد، لكن عموده أخذ يفقد بريقه حتى عند المعجبين به المرتاحين لتحليلاته بعد أن صار كلامه مكررا معادا ممجوجا كالذي يحرث في الماء!!  الرجل مجازف في كثير مما يكتبه عن الأفراد وعن الدول، وكلامه عن دينه ينبئ عن عدم تحريه، بل عن جهله، واتباعه ما لا علم له به. قرأت له اليوم دفاعا مستميتا عن الزاوي المعروف توجهه الصريح المخالف للإسلام، فقال عنه -وما هو بصادق فيما قاله-: "ما قاله الزاوي فيه غيرة عالية على الإسلام والمسلمين"!! فإذا أردت معرفة هذه الغيرة العالية فاقرأ ما نقله عنه في التعليق على ما رآه بخصوص الأضاحي التي أزعجته: "لهذه الأسباب أحب أن يكون بلدي كافرا"!! فهذه غيرة من المسلمين لا غيرة عليهم والله، فاقرأ قول ربك"قل موتوا بغيظكم".  لو قال إنه يتمنى أن يكون هو كافرا، لكان هذا ردة، فكيف وقد تمنى للبلد كله الكفر؟ هؤلاء يريدون أن يجعلوا الإسلام صحراء لا معالم فيها تبين حدودها، ولهذا يشهرون وصف (التكفيري) في وجه كل من ينكر منكرا أو يعرف معروفا مما لا يرونه هم كذلك. مما كنت أضعه في الحسبان وأنا أتحدث عن الخلافات بين من ينهضون بمهمة الدعوة كيفما كانت منزلتهم وجهودهم فيها أن تصنيفهم إلى متشددين ومعتدلين وغير ذلك من الأوصاف وإن كان فيه بعض الحق؛ فإنه من مروجيه ليس إلا تدرجا في رفض الحق جملة. وقد علق صاحب العمود (المنخور) على ما قاله بعض الأئمة إنكارا لكلام الزاوي وأضرابه إنه "الفهم المسطح الذي تمارسه الآلة الدعائية للوهابية التي يقودها وزير الشؤون الدينية باسم المساجد وباسم الأمة الجزائرية"!! هكذا يوسع بساط الوهابية التي يخيفون بها الناس ليشمل أئمة المساجد والجهاز الذي يشرف عليهم، وهذه المساجد هي قلاع للإسلام في هذا البلد، بل هي ثغور لحراسة أصول الأمة ورد كيد الكائدين عنها على ما في بعضها من خلل. وانظر إلى هذا المكر الذي عليه هذا الرجل حيث يربط في كيد عظيم، ومكر كبير بين جلب الأضاحي إلى المدن، وما ترتب عليه من أمور لا مانع من إنكارها وتوجيه الناس إلى الحق فيها في تؤدة وهدوء، ربط بين هذا وبين هذا الوباء الذي سجل في البلاد فطالب بتحرير المساجد من الجهل والجهلاء ومسلمي (الكوليرا الديني)، ويح هذا المسكين!! هو ينقم على الناس جميعا حكاما ومحكومين، ولعل نقمته على المحكومين لأنهم لم يطاوعوه فيما يحض عليه من الفوضى والاضطراب الذي سخر عموده له بالتصريح والتلويح. وهو ينقل كلاما منسوبا لمحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وابن باديس رحمهم الله ليقول إن كلام الزاوي لا يختلف عما قالوه!! فلم ينكر عليه ولا ينكر عليهم؟ لقد قالوا إنهم رأوا في بعض بلدان أوربا إسلاما ولم يروا مسلمين، ورأوا في بلاد المسلمين خلاف ذلك. وما نقل عن هؤلاء إن صح عنهم - وهو متعقب على كل حال- محمول على تألمهم من بعد أمتهم عن هدي دينها، لأنها لم تقم انتماءها إليه على العلم به، بل على التقليد، ولهذا جاهد بعضهم أنواعا من الجهاد العلمي والعملي والدعوي الإصلاحي لإخراجها مما هي فيه. أما الزاوي وأضرابه فجهادهم لإخراجها من دينها، ومرادهم واعتقادهم الذي قد يغطون عليه بزخرف القول هو ما ذكره الله عن اليهود فقال: "ألم تر الى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا". 15 شهر ذي الحجة 1439 الخاطرة رقم 77 هذا كلام لأبي إسحاق الشاطبي رحمه الله فيما ما يؤدي إليه الاشتغال بالعلم الذي لا ينبني عليه عمل. قال رحمه الله: "إن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصب، حتى تفرقوا شيعا، وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السنة، ولم يكن أصل التفرق إلا بهذا السبب، حيث تركوا الاقتصار من العلم على ما يعني، وخرجوا إلى ما لا يعني، فذلك فتنة على المتعلم والعالم ٠٠٠!!"، انتهى، (الموافقات: 1/50)٠ قلت: فإذا كان هذا شأن العلم الذي لا ينبني عليه عمل، فكيف بالكلام الذي يترتب عليه الإثم؟ لأنه غيبة، أو نميمة، أو كذب، أو إشاعة فتنة، أو إفشاء سر، أو تحديث المرء بكل ما سمع ؟ ومما يترتب عليه: * إهدار الوقت وتضييعه. * حب الغلب والظهور. * الجدال في غير حق. * التعصب لغير المعصوم. * قسوة القلب. * نشر الضغائن والأحقاد. * التفرق والاختلاف. * صرف الناس عن صالحات الأعمال * افتتان عوام المسلمين. 16 شهر ذي الحجة 1439 الخاطرة رقم 78 امتن الله تعالى على خلقه بما يعيش في الماء العذب والمالح من المخلوقات، وقد قيل إن الأنواع التي في البحر مثل ما في البر وزيادة، قال الله تعالى: "ومن كل تأكلون لحما طريا"، وجعل أخذه ذكاته، فإن تذكيته داخل الماء لا تتيسر، وخروجه منه موته، فأحل لهم ميتته، وجعل ماءه طهورا، ثم زادهم من فضله، فأباح لهم ما يجدونه مما لم يصيدوه، وهو طعامه، فقال: "أحل لكم صيد البحر وطعامه"، فسبحان الله، ما أكثر نعمه. وما في البحر لا يحتاج إلى أن تطعمه، أو تسقيه، أو تحرسه، ولا يختص أحد بشيء منه، فسبحان من جعل الغوص في الماء مميتا لبعض خلقه، والخروج منه مميتا لغيره، وجمع لبعض مخلوقاته هذا وهذا!! امضيت صباح يوم أمس ساعة في ميناء صيد بمدينة مستغانم، فسرني منظر الساحات النظيفة، والأرصفة الواسعة، وأبهجني ما رأيت من الحركة الدؤوب، والنشاط الحثيث، الملفوف بأغشية الضباب الرقيقة التي حدت من الرؤية في البحر. كان معظم العاملين شبابا، اعتادوا التبكير لطلب الرزق، فلتدركهم البركة التي دعا لهم بها رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله: "اللهم بارك لأمتي في بكورها". كانت القوارب والسفن في اوضاع مختلفة: منها ما بدا أعلاه في عرض البحر، فاستشرفه الناس ينتظرون وصوله بشغف، ومنها ما قد رسا فابتدره العمال ينزلون منه صناديق الأسماك من مختلف الأنواع والألوان البراقة اللماعة، ومعظمها لا أعرف له اسما، ولا أدل عليه إلا بالإشارة!! فسبحان من علم الأسماء، وعلم البيان. من الشباب من سارع إلى اعتلاء القوارب يقلبون شباك الصيد عسى أن يعثروا فيها على بقية رزق!! وهذه سفينة قد أفرغت حمولتها فانتصب وكيلها فورا للبيع، وإذا الناس قد تحلقوا حوله في لحظات، ليسمعوا منه السعر الابتدائي، وقد بناه على خبرته بالسوق، ثم تجري المزايدة، فإذا رآها أوفت بالثمن المبتغى أوقفها، وأعلن ذلك سعرا لها، وكان أولى الناس به الأخير في الزيادة، ولغيره أن يشتري بالثمن ذاته ما فضل، يجري كل ذلك بسلاسة متناهية، وانضباط تام، وفي وقت لا يتعدى دقائق معدودات!! هو عرف صحيح تواطأ عليه هؤلاء الناس، فكان أجدى عليهم من قانون مسطور يبرمونه ثم يتجاوزونه، أو يتحايلون على إبطاله!! ومما تعارف عليه الناس هنا أن رب السفينة يعطي العامل أجرته ثم يزيده مع ذلك شيئا من السمك تكرما، فيتولى بيعه بالوزن تارة ومن غير وزن أخرى، وبسعر منخفض، وهو غرض من يخالط العمال من غير التجار، يجمعون من هذا وهذا ما يملأون به الوطاب!!  أما السوق المنظم فقد كان فارغا، لكني رأيت فيه حوتا طوله نحو ثلاثة أمتار، قيل لي إنه يوزن ليعرف ثمنه، ثم يجعل مبدأ المزايدة!! فإن أردت السمك النضيج فإنه لا يبعد عن الميناء كثيرا، لكن عليك أن تدفع ضعف المبلغ الذي يباع به على بعد مائة متر أو نحوها!! 22 شهر ذي الحجة 1439

الخاطرة 79

الأطفال فلذات الأكباد، وثمرة الفؤاد، وقرة الأعين، وزينة الحياة، وامتداد أعمار الآباء، هم محصول تزاوج جسدين، وتعانق روحين، غرس الله لهم في نفوس والديهم محبة خاصة، ورحمة عظيمة، يغذونهم مواليد وصغارا، ولا تزال محبتهم لهم أيفاعا كبارا، كأن الناس لم يجدوا ما يجمع للأطفال معاني الخير غير هذا اللفظ: لفظ الملائكة!! حتى الحيوان البهيم يعطف على صغيره، يحضنه، ويغذوه، ويدفع عنه، وقد تألف أنثاه غير ولدها إذا وضع إهابه عليه، فيدر لبنها لأجله، ويصير رضيعا لها  بل ربما فقد الحيوان الضاري ضراوته، وتعطل فيه داعي الافتراس!! قهرت قسوته براءة الصغير وسذاجته، فغدا حانيا عاطفا!! وقد رأيت اللبوءة ترضع حمل الغزال، والفهد قد أنساه ضعف السخلة شهوته، وأبطل فعل ظفره ونابه !! فأي منزلة ارتكس فيها من يختطف الطفل ثم يقتله، وقد يمعن فيه تقطيعا وتمزيقا؟ فعلة بلغت منتهى السوء، وطوحت بمقترفها بعيدا عن صفات العجماوات، فضلا عن دائرة الإنسان، وحسبه من الشر أن يقال إن الرحمة قد نزعت من قلبه، وهل لا تنزع إلا من شقي؟ إذا كان "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"، وهو تفريق بالفصل، فكيف بالتفريق بالقتل؟ أخذ الصحابة فرخين لحمرة فجعلت تفرش (أي تحوم)، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها"!! فهذا في فجع الحيوان بولده، وهو إنما يجمعه به حال ضعفه، فكيف بعاطفة دائمة وصلة مستمرة؟؟ اختطاف الأطفال أمر غريب في بلادنا، أخذ في الظهور قبل سنوات، وهو يقترب أن يصير كالمألوف المعتاد. والمسؤولية في هذا الأمر مشتركة بين الأولياء الذين لا يراقبون أولادهم، وقد يسندون إليهم من الأمور ما لا قدرة لهم عليه، وقبلهم وسائل الإعلام التي تقوم مقام المروج لهذا الأمر وغيره من المنكرات من حيث تظن أنها تحذر منها، وينطبق هذا على بعض الحصص والبرامج التي يحسب القائمون عليها أنها تؤدي خدمة للمجتمع، وهي مما يشمله السعي في إشاعة المنكر والترويج له  أي منفعة يحصل عليها الناس أن يحدث أمر من هذه الأمور في منطقة ما، قتل واغتصاب أو سرقة، لا يسمع به إلا سكان القرية أو الحي، فتصدر الجرائد بعناوين بارزة لتكثر مبيعاتها، وتتناوله القنوات الإعلامية ب(التحقيق) وتزعم أن هذا حق المواطن في الإعلام، فتنشر الشر في المجتمع، ويسمع بذلك التائهون الفارغون فيكون الخبر بمثابة اقتراح ذلك العمل عليهم، ولاسيما إذا كانوا معاقرين للخمر، أو مدمنين على المخدرات، أو مغامرين اعتادوا السجون. كتبت هذا ليلة الدخول المدرسي لأقول لإخواني حافظوا على أولادكم من أنواع الاختطاف، فإنها كثيرة، وما وصلنا إلى هذا النوع الذي يطبق الناس على استنكاره إلا لسكوتنا بل تواطئنا ومساهمتنا في أنواع أخرى منه كان هو نتيجة لها، قال ابن مسعود رضي الله عنه: "كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم"، وقد قال ربنا سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا"، وقال عليه الصلاة والسلام: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". 24 شهر ذي الحجة 1439 الخاطرة رقم 80 لما قص يوسف على أبيه يعقوب عليهما الصلاة والسلام رؤياه أخذ منها علما مجملا بمنزلته ونباهة شأنه، وما يؤول إليه أمره من اجتباء الله له، وإتمام نعمته عليه، كما أتمها على سلفه، فازداد حبه له، وتعلقه به، وعظم خوفه عليه من إخوته، فنهاه ان يقص رؤياه عليهم لظهورها فيما تأولها عليه، وقد قيل: "الأب جلاب، والأخ سلاب"! وظل يعقوب بعد أن غيبوا ابنه عنه متذرعا بالصبر الجميل، يؤمل ظهوره، وينتظر أوبته، لم يبل أمله تطاول السنين، ولا تعاقب الأحداث، فكان من جملة ما قاله لبنيه بعد غياب ابنه الآخر: "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله"، ولما انطلقت العير لاصطحابه هو وأهله إلى مصر بأمر من يوسف - والشقة بعيدة - قال كما حكى الله عنه: "إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون". ومع الاحتياط الذي سلكه قام في قلوب بنيه داعي الحسد لأخيهم فتآمروا على إبعاده عنه بالقتل أو الطرح حيث لا يعرف من الارض، ثم قيض الله له منهم من اقترح أخف وسائل الإبعاد ضررا، وهو الإلقاء في الجب!! فأوحى الله إليه وحي إلهام بما ينتهي إليه هذا العناء الطويل من المحامد: "وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون"، فكان ذلك من دواعي تثبيته وصبره. كان هم إخوته أن يخلو لهم وجه أبيهم، فيصلح حالهم بتغييبه عنه!! أو يفعلوا فعلتهم ثم يتوبوا منها ليكونوا قوما صالحين!! وقد سلكوا مسالك لإقناع والدهم بإرسال يوسف معهم، وأظهر هو من المعاذير والمحاذير ما يشفع له عند بنيه وهو لا يريد أن يكاشفهم بما يعلمه عنهم من الكيد له، لكنهم أكثروا المراجعة، وعاودوا المحاولة، فلان جانب هذا النبي الكريم، وأسلم لهم ابنه الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. * أظهروا تعجبهم واستغرابهم أن لا يأتمنهم على أخيهم، بما عرفوه من القرائن التي منها منعه من الخروج معهم للرعي وغيره: "قالوا يا أبانا ما لك لا تأمننا على يوسف". * وأوغلوا في الإيهام والتلبيس فذكروا أنهم حريصون على ما ينفعه: "وإنا له لناصحون"، انظر كيف أكدوا دعواهم بمؤكدات ثلاثة: حرف التوكيد إن، ولام الابتداء، وتقديم المعمول على عامله، لما علموه من ريبة أبيهم فيهم.  * ولعلهم قد ألمحوا إليه بهذا أنهم من اليسير عليهم أن يلحقوا به الضر داخل المنزل وخارجه لو أرادوا. * ثم أغروه بقولهم "يرتع ويلعب"، وفي قراءة نرتع ونلعب، والأولى أنسب للمقام، لأنهم بها يظهرون له أن مقصودهم الأول تمكينه من الارتعاء واللعب، ليتدرب ويترجل، ويناله من السرور والنشاط بالخروج إلى الصحراء ما لم يعتده في البيت، فيكون هذا من حرصهم على نفعه!! وقرئ: "يرتعْ" مجزوما بالسكون في جواب الأمر، ومجزوما بحذف حرف العلة، وكلاهما من الرعي الذي توصف به الأنعام! والمراد التوسع في الأكل، يقال رتع الإنسان والبعير إذا أكلا كيف شاءا! وهذا هو شأن من يخرجون للنزهة والتفسح يكثر أكلهم للانشراح الذي تكون عليه النفس!! والإسراف منهي عنه على كل حال. * والمقصود باللعب ما كان منه مباحا، وقد يستحب، ولهذا لا حاجة إلى قول من قال إنهم لعبوا قبل أن يكونوا أنبياء، ما هذا التوجيه والقوم يتآمرون لقتل أخيهم ؟! كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجابر رضي الله عنه: "فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك"؟! وسابق عائشة فسبقها، وعاد فسبقته، فقال: "هذه بتلك"، وقال: "كل ما يلهو به المؤمن باطل إلا رميه عن قوسه وتأديبه فرسه ومداعبته امرأته"، وأقر عائشة على التفرج على الحبشة الذين كانوا يلعبون، وكان أصحابه يتبادحون بالبطيخ فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال"!! أي يترامون، فما كان من اللهو غير محظور فإنه قد يكون عونا على الجد فيؤجر عليه المرء.. وللكلام بقية. 28 شهر ذي الحجة 1439

الخاطرة 81

تحدثت اليوم إلى طفل عمره ست سنوات، فكان مما أدهشني أنه قال لي: إنه يتمنى أن يسكن في أمريكا!! ثم ذكر أمنيته أن يسكن في نيويورك!! ثم قال لي: لكني أخاف إن ذهبت في الطائرة أن تسقط في البحر فيأكلني سمك القرش!! وأردف قائلا: إني أخاف أيضا من الإعصار الذي في أمريكا !! لقد حيرني كلامه، فأمسكت رأسي بيدي برهة، ومع استعظامي لما سمعت استيقنت الوظيفة الخطيرة التي تتولاها الرسوم المتحركة والأفلام الموجهة إلى الأطفال في بناء عقولهم، وكيف توجههم الوجهة التي يريدها معدوها، وأدنى ما يفعلونه أن يزهدوهم في بلدانهم منذ نعومة أظفارهم، والمسؤولية العظمى التي يتحملها الأولياء بتهاونهم في هذه الأمور التي لا يرون فيها غير جانب التسلية، فكيف بما تصنعه وسائل الإعلام من التأثير على الناس عامة بذلك الفارق الكبير الذي يجده الفرد فيها بين بلاده وتلك البلدان في شؤون الحياة، وقد صار رفاه الغرب المادي ونظام حياته من أعظم الفتن لكثير من المسلمين، وإذا كان الطفل في هذا السن وهو لا يعرف عن هموم الحياة شيئا تهفو نفسه إلى الذهاب إلى هذه البلدان، فكيف بالكبار الذين يعيشون ما يعتبرونه عناء ومشقة في مقابل ما يسمعون ويرون ؟  لكني قارنت بين هذا الطفل الذي منعه الخوف من سمك القرش والأعصار من (إنجاز) رغبته، لسلامة فطرته، وبين الكبار الذين لم يدركوا هذه الموازنة بين المصالح والمفاسد، فغامروا بحياتهم وعرضوا أنفسهم -إن هم نجوا من (سمك القرش)- إلى المهانة والابتذال وأخطر ذلك ضياع الدين. نظامنا التربوي المدرسي أثبت عدم نجاعته في تحصين الفرد واعتزازه بعناصر هويته مع ما فيه من بقية الخير، فكيف بالسعي لتفريغه من عناصر التحصين وبقية الخير الذي هو عليه من الدين واللغة؟  29 شهر ذي الحجة 1439

الخاطرة 82

سياسة أمريكا الجديدة هي الحرب الاقتصادية، بالاعتماد على عملتها الدولار، والتنصل بل تعطيل الهيآت الدولية التي كان لها فيها أعظم المساهمات لتحقيق مصالحها.. إنها المرحلة الثالثة مما مرت به الدول الكبرى منذ ما ينيف على السبعين سنة. تركت هذه الدول الاعتماد على الحرب الشاملة لتحقيق مصالحها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حين أيقنت أن ذلك لا يحقق لها مصلحة، مع اتفاقها الضمني على غض الطرف عن تقاسم المصالح، والسكوت عند تزاحمها على الذي يسبق إليها. وقد اعتاضت عن هذا بصورة حرب جديدة هي سباق التسلح، وما سمي بالحرب الباردة، فنشط الحلفان العسكريان: الأطلسي ووارسو مدة، ثم أخذا يفقدان أهميتهما بالتدريج. انتهى حلف وارسو وتفكك بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وانضمام دولة مقره وهي بولونيا إلى المعسكر الغربي، وأعيد ترتيب مواقع دول أوربا الشرقية التي كانت أعضاء فيه، فضمت إلى الاتحاد الأوربي، لأنه هيئة سياسية واقتصادية، فتململ الروس وتجرعوا هذه الهزيمة في انتظار الثأر، وقد تحقق لهم باسترجاع جزيرة القرم. وها هو ذا حلف الناتو يذبل بالتدريج، وسنوات بقائه فيما يبدو معدودة، فإن الرئيس الأمريكي المتهور ترمب ما إن استقر له الأمر حتى طالب دول أوربا بتحمل الأعباء المالية فيه، وكاشفهم بأن أمريكا لا تدافع عنهم مجانا!! وقد أخذ الخلاف يظهر بين أعضائه لتضارب مصالحهم، وأقرب أمثلته الخلاف الحاد بين إيطاليا وفرنسا في الشأن الليبي هذه الأيام، وموقف تركيا التي تضع رجلا في البر وأخرى في البحر!! ولهذا لا أستبعد أن يتصاعد الخلاف على المصالح ليتجاوز حدود اللياقة التي تتكلفها دوله ثم ينهار، وقد قال ربنا سبحانه: "وأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"، كان هذا لاختلاف عقائدهم، واليوم يحصل لاختلاف مصالحهم، وهذا الذي أخبر الله عنه قد يمنع مانع أو أكثر من ظهوره، لكن هذا لا يعني عدم حصوله. وقد تخلل مرحلة الحرب الباردة غزوات على الدول لذرائع مختلفة، لكنها اقتصرت على تلك التي لا تحميها أسلحة ردع كالعراق والصومال وأفغانستان وغيرها، أما المجاورة للأقوياء، والمتحالفة معهم، فظلت بمعزل عن الاجتياح كما هو شأن كوريا الشمالية وكوبا التي تجاور أمريكا. والقوى العظمى وإن لم تتقاتل كفاحا منذ الحرب العالمية الثانية فإنها تمارس ذلك بوساطة السذج الغافلين ولاسيما المسلمون منهم كما جرى في التحالف على العراق، وفي أفغانستان، وما يجري في سوريا الآن. ولأن ما كان منوطا بالأحلاف التقليدية لم يعد ناجعا، بل ولا ممكنا، لاتساع نادي الدول النووية إلى نحو عشر؛ فقد لجأت الدول الكبرى إلى إنشاء أحلاف جديدة التقي فيها الخصوم، متذرعة بأمور قد تكون هي من دفع إلى ظهورها، أو أعان عليها وشجع، أبرزها (دولة الخلافة الإسلامية)، ونفوذ إيران وتغلل عملها في دول الجوار، وقد تحقق لها بهذه الأحلاف جملة من الأغراض:  * تبرير أعمالها القتالية حتى لا تظهر بمظهر الغازي المنفرد للبلد الذي تريد غزوه كما كان الأمر يجري من قبل. * التخفف من وطأة النفقات العسكرية الباهضة بإشراك حلفاء صوريين تابعين موجهين. * استمرارها مع ذلك في تجريب أسلحتها الجديدة وتحفيز قواتها. * توفير سوق لبيع الأسلحة والمعدات العسكرية لإنعاش اقتصادها واستمرار آلة إنتاجها ولم تكتف بهذه الأحلاف التي تقودها هي، بل ألقت بفكرة التحالف هذه إلى الدول التابعة الضعيفة، أو أقرتها عليها، كما تراه في دول الساحل بأفريقيا، وفي التحالف الإسلامي!! وفي سوريا، والعراق. ولما كانت أمريكا حتى الآن هي القوة العالمية العسكرية الأولى، ورأت أن هذا لم يعد كافيا لتحقيق مصالحها؛ دشنت حربا اقتصادية كانت موجودة من قبل، لكنها أعملتها بقوة منذ وصول رئيسها هذا إلى الحكم، وأحسب أن هذا الاتجاه سيفضي بها إلى التخلي عن بعض الهيآت الأممية التي لم تعد محتاجة إليها، وليكن ذلك مجلس الأمن نفسه، حيث كثر فيه استعمال حق النقض، وهيآت دولية أخرى لم تعد تحقق لها أغراضها ومنها محكمة الجنايات الدولية، بل ستعمل حسب ظني على حل بعضها.  ومن أمثلة هذا التوجه الأمريكي الجديد العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية بسبب برنامجها النووي، وقد حققت لها بعض النتائج في الظاهر.  * العقوبات الاقتصادية على الاتحاد الروسي منذ سنوات بسبب أزمة أوكرانيا والقرم. * العقوبات الاقتصادية على إيران التي أقرتها أمريكا مجددا بعد نقضها للاتفاق النووي.  * العقوبات التي ستشمل شركات دول أوروبا التي لم تستجب لمقاطعة إيران. * ما عاقبت به تركيا وهي من دول حلف الناتو بسبب اعتقال القس الأمريكي مما أدى إلى انهيار عملتها. * قطع منحتها عن منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين وهي بداية تنفيذ ما يسمى بصفقة القرن. * قطع مساعدتها عن السلطة الفلسطينية، ثم إغلاق ممثليتها. * إلغاء مساعدتها للجيش الباكستاني بعد (اكتشافها) ما قالت إنه مخادعة منه، لأنه كان يؤيد طالبان !! * الرسوم التي تفرضها بين الحين والآخر على الدول التي تخرج عن نفوذها وطاعتها!! ولا شك أن هذه العقوبات لا يمكن لدولة من دول العالم أن تؤثر بها تأثير أمريكا بها لاعتماد العالم على عملتها التي كبلت حركات الدول، وجعلتها أسيرة إرادتها. هذا مجرد وصف لما وقع ويقع هذه الأيام، وليس فيه إقرار له، فعلى الذين يريدون أن يتحرروا من هيمنة هذه الدولة الطاغية التي تبتكر من صور الحروب ما تشاء أن يشرعوا في المسيرة التي قد تنتهي بتحرير الاقتصاد الدولي من طغيانها المالي، وقد قال ربنا: "وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا". غرة محرم 1440

الخاطرة 83

قبل أكثر من عقدين رصدت الجهات المختصة في مدينة معسكر تسع منظمات وإذاعات نصرانية من مناطق مختلفة في العالم تبعث الرسائل إلى سكان هذه المدينة لنشر التنصير، تحصل على العناوين من دليل الهاتف الذي كانت وزارة البريد والمواصلات تعده، وكنت ممن وصلتهم هذه الرسائل!!  أما اليوم فلا أدري ما حجم هذا الاتصال الذي تيسرت سبله، وتضاغفت، ولم تعد في حاجة إلى بريد تراقبه المباحث إن شاءت.  في ولاية معسكر كنائس كثيرة صارت مساجد أو مدارس لتعليم القرآن، وفي معسكر اثنتان منها، بنى الفرنسيون إحداهما على بعد أمتار من المسجد العتيق الذي أقامه العثمانيون يتحدون السكان بذلك، وهي الآن مكتبة.  والكنيسة الثانية استعملت مركزا صحيا قبل ربع قرن، بعد أن أزيل من على رأسها الصليب الحديدي الضخم، لكن القطاع الصحي أخلاها ليستلمها أحد النصارى ويحولها إلى بؤرة لنشاطه المحموم الذي مارسه خارج نطاق القانون سنوات، أما الآن فيقوم به محميا بالقانون، تحت عنوان جمعية الأمل!! ومن آثاره ارتداد بعض الناس، وقد عرفت واحدا منهم، ثم هداه ا̖ لله فرجع إلى دينه.  من صور نشاط هذا القس التي رصدتها خلال أزيد من عشرين سنة، توفير المجلات العلمية الدورية لطلاب جامعة معسكر، وتقديم حليب الأطفال للنساء، وإنشاء مشغل لتعليم الخياطة، وتأسيس مكتبة في الكنيسة من مهامها إهداء نسخ (الإنجيل) إلى الذين يفدون عليها، وإنشاء فريق رياضي، السعي في حصول بعض الناس على التأشيرة للهجرة إلى فرنسا، وربما أقام في الكنيسة محاضرات يلقيها المثقفون المسلمون (المنفتحون)!! حتى صار دخول الناس إلى الكنيسة أمرا لا ضير فيه!! إنها نشاطات لا يسمح بها القانون الذي يحتمي به هذا النصراني، وما سمح به منها لا تقوم به جمعية واحدة، بل ينبغي أن تؤسس من أجله أكثر من جمعية حسب قانون الدولة التي تؤويه، وهو لا يحترمه!!!  وأذكر أن شعبة جمعية العلماء في الولاية وهي تنشط منذ عشر سنين لم تتجاوز الأعمال المقررة في قانونها الأساس في قليل ولا كثير، مع حاجة الناس إلى الأعمال النفعية الخيرية.  أما المتحدث عنه فلا حرج عليه، لم يسأله أحد عن مصدر تمويله، ولا عن الجهات التي كانت تبعث إليه حاويات الألبسة المستعملة التي كانت تصله من فرنسا قبل أن تمنع، ولا سألته عن توزيع نسخ (الإنجيل) الكثيرة التي سمح بدخولها الرقيب!! ولا آخذته بخروج نشاطه عن المأذون فيه، وهلم جرا.  لا أجد ما أذكره إلا هذا المثل الشعبي الذي أخشى أن لا يفهمه بعض القراء، وهو: (أدخل يا مولى العمود، واخرج يا مولى القرمود)!! ومعنى (مولى) صاحب، وكنوا بصاحب العمود عن الطارئ الدخيل، وبصاحب القرمود عن الساكن الأصيل!! ذكرت أمر هذا النصراني لمدير الشؤون الدينية والأوقاف بمعسكر مطلع القرن الميلادي الواحد والعشرين آملا أن يبلغ ذلك للسلطات المختصة لتفعل ما ينبغي، فلم يحرك المدير ساكنا، وأحسب أن المانع هو علمه أن الوالي كان يحضر الحفل السنوي الذي يقيمه بعض غلاة المتصوفة ممن كانت لهم زوايا غير مرخصة، وكان يحضرها هذا النصراني، فيمدح ويطرى على رؤوس الأشهاد!! فكان هذا مما مكن له حتى صار بعض الناس لا يعلمون أنه نصراني لهذا التغلغل، وللحية التي أرسلها، تعانقت البدعة الفاجرة، والمعصية الكافرة.  دفعني ذلك إلى كتابة رسالة شخصية للوالي بينت هذا الأمر وناشدته التدخل وهو (ابن زاوية)، فلما مضى شهران دخل علي رجلان فسلما وتلطفا في الطلب، وهو أن أذكر لهما ما عندي من أخبار عن ذلك النصراني! فعدلت عن الجواب إلى ضحك تجاوز التبسم قليلا على غير عادتي!! فأبديا التعجب من صنعي، فشرحت لهما بقولي: هذه مهمتكم وهي حماية البلاد من مثل هذه الأخطار، وانا آخذ عنكم، لكني لم أبخل بما كان بحوزتي من المعلومات، وسلمت لهما نسخ (الإنجيل) التي كانت على مكتبي، وختمت بقولي: إن للرجل فريقا رياضيا يخرج إلى القرية الفلانية في سباق كل أسبوع، ولو فعلت أنا هذا لاتهمت بأنني أهيئ الفريق لعمل ما!! وقد قيل ذلك لبعض الأئمة، فضحك الرجلان، وفهما مرادي، وانتهى اللقاء.  كان هذا النصراني كثير الزيارة لي، عظيم التودد إلي، وكنت أعلل ذلك بظنه أني على صلة بمن يمكنهم أن يلحقوا به أذى!! كما كان غيره يظن!! فافتعل تلك الصلة حماية لنفسه، وأكتفي بهذا، وما أحسب أنني ألام على هذا الذي أفضيت به بعد صبر طويل.  5 من شهر المحرم 1440

الخاطرة 84

موريس أودان مواطن فرنسي، عالم في الرياضيات، عضو في الحزب الشيوعي، من أبرز الفرنسيين الذين وقفوا إلى جانب ثورتنا الجهادية، كان العالم يومها منقسما بين نظامين مختلفين في السياسة والاقتصاد: النظام الرأسمالي، والنظام الشيوعي الاشتراكي، وكان التوجه الشيوعي في عمومه دولا وأحزابا وأفرادا مناهضا لسياسة الاستعمار الغربي، مؤيدا لاستقلال الدول المحتلة، لا حبا في هذه الدول، بل يريد أن يكسب بذلك مواقع نفوذ فيها، وكان له ما أراد،ولاسيما في العربية والإسلامية منها، إذ تأسست فيها أحزاب شيوعية لاقت بعض (القبول) بسبب هذا التأييد، وبسبب مزاعم العدالة الاجتماعية التي كان يبشر بها الشيوعيون، واحتضنت جانبها الاقتصادي بعض الدول منها دولتنا، ثم ذهبت أدراج الرياح كالباطل الزهوق.  في هذا السياق ينبغي أن يوضع تأييد موريس أودان للثورة الجزائرية، وإذا قيل إنه تأييد ينم عن شجاعة وجرأة فهذا حق، ولم يبخس الرجل حقه في هذه الدنيا، فقد نال منها حظه، ومنه تسمية إحدى الساحات في عاصمة بلادنا باسمه(!!)، وتأليف بعض الجزائريين كتبا في سيرته، لكنه ما له في الآخرة من نصيب.  المسلم لا يجوز له أن تنسيه السياسة حقائق دينه، وخصوصية عقيدته، فيتجاوزها مهما كان الموقف، إلا حالة الإكراه، فكيف بحالات الاسترضاء والمجاملة التي تنسي بعض المسلمين أصولهم؟ لقد سمعت أحدهم يقول: الشهيد موريس!!  قال ربنا عز وجل: "والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا"  وقال: "مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف"، فأعمالهم كيفما كانت غير معتبرة عند ا̖لله وهي ما بين عدم محض، ووجود لا ينفعهم عند ربهم.  وفي صحيح مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي ا̖لله عنها قالت: قلت يا رسول ا̖لله: ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: "لا ينفعه، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"  اعتراف الرئاسة الفرنسية بنظام التعذيب الذي طال موريس وغيره جاء وفاء بالعهد لأحد المهتمين بقضية هذا الرجل، وهو عالم رياضيات مثله، يسمى سيدريك فليني، وقد كان ممن أيد ماكرون في حملته الانتخابية، وبناء على نضال استمر عقودا انخرط فيه فرنسيون، في مقدمتهم أرملة موريس التي ما فتئت تطالب رؤساء فرنسا بهذا الاعتراف، إلى أن أعلنه ماكرون، ليكافئ من سانده في الوصول إلى الرئاسة!! وليخدم موقعه في الحملة الانتخابية المقبلة، ثم ليخفف من تهمته بالانحياز لليمين، وقد بدأ في الحملة مستقلا!! أصحاب مصالح همهم الاستعلاء والفساد.  لم يكتف رئيس فرنسا ببيان الرئاسة حتى انتقل إلى منزل الأرملة، وقدم لها الاعتذار بعد أزيد من ستين سنة على موت زوجها: (2018- 1957،(فأين الجزائر من هذا كله؟ وما علاقتها بهذا الاعتراف؟ وإذا سمحتم فإني أذكر لكم هذا المثل الشعبي: قال أحدهم لغيره: مسه يلصق!! فرد عليه الآخر: هو يلصق بلا مس!! وبعد: هل نحن محتاجون إلى اعتراف فرنسا بما ارتكبته من جرائم في هذا البلد؟ ثم ما حجم الاعتراف بتعذيب فرد - لو وقع- إلى تعذيب عشرات الآلاف من المسلمين، وقتل الملايين منهم، واستعمار بلد بكامله  مدة قرن وثلث، وجلب عشرات الآلاف ليستوطنوا فيه، واعتبار سكانه في منزلة أدنى من الفرنسيين الدخلاء، وتدمير مؤسساته، والاستيلاء على ثرواته، وبناء مآت الكنائس فيه، وحرق قراه، وإتلاف الحرث والنسل بإجراء التجارب النووية على أرضه، وزرع عشرات الآلاف من الألغام التي ما فتئت تخلف القتلى والمعطوبين إلى اليوم، أيصح أن يقارن شيئ من ذلك بهذا الاعتراف الذي لم ننل (شرف) توجيهه لنا، أولا يعتبر هذا الاهتمام إزراء بمآت الآلاف من المجاهدين، وهل يحتاج ما ذكر إلى اعتراف ماكرون أو غيره؟: وليس يصح في الأذهان شيء* إذا احتاج النهار إلى دليل !! إن فرنسا لن ننال منها هذا الاعتراف الوهم الذي كثر اللهاث وراءه، والذي يعلق عليه بعض الناس تحسين العلاقات معها، وكأنها لما تحسن بعد !! إن كان هذا الاعتراف نافعا في شيء - وما إخاله - فلن تتكرم به علينا إلا بمقدار ما تحصل عليه مما تراه من مصالحها إن كان قد بقي لها شيء تظفر به. 7 شهر محرم 1440

الخاطرة 85

من حسن التربية أن لا تكاشف غيرك بما تعرفه عنه من سوء يخفيه، وأن تسعى في تقويمه بالإشارة والتلويح، فإن المكاشفة ترفع برقع الحياء الذي يمنع المجاهرة.  واستخفاء المرء بما يشين دليل على وفرة حيائه الذي يحد من التمادي، ويردع عن التظاهر، فينحصر الشر، ولهذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يجبه الناس بما يعلم عنهم، بل يقول: "ما بال أقوام"؟  وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب قال: "إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ̖ صلى الله عليه وآله وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، ا̖لله يحاسبه في  سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة".  وإذا كان هذا فيما يعلمه المرء عن الناس بالتوسم والقرائن، فإن التتبع والتقصي يفسدهم كما في حديث معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى ا̖لله عليه وآله وسلم قال: "إنك إن اتبعت عورات الناس،أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم" قال أبو الدرداء: "كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفعه الله بها" وقال معاوية ذلك عن نفسه أيضا.  وفي قصة يوسف عليه الصلاة والسلام من هذا الأمر مثالان:  * أولهما: اعتذار يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه عن إرسال يوسف معهم بأعذار ثلاثة، مع وجود قرائن على كراهتهم له وكيدهم، كيف وقد قص ابنه عليه رؤياه، وهي جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة، فأخذ منها ما ذكره له من الاجتباء والتمكين، ونهاه أن يقصها عليهم؟ لكنه لم يظهر لهم ما يريبه منهم. * "قال إني ليحزنني أن تذهبوا به"، فمفارقة ابنه تحزنه، لتعوده على ملازمته، وهو كاف في صرفهم عن طلبهم لو بروه، كيف يسعىالولد فيما يحزن أباه؟ وهو لا يجوز له أن يتسبب في حزن غيره: "إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه". * "وأخاف أن يأكله الذيب" وهذا يدل على عدم تعوده الخروج معهم للرعي، وفيه إشارة إلى أن هذا الأمر كان معروفا في زمانهم، وهو أكل الذئاب من تستضعفه من الناس، وأصنافها تتفاوت في الضراوة بحسب البلدان. "وأنتم عنه غافلون"، هي جملة حالية من المفعول به في "يأكله" وهو تغافل من يعقوب ومساترة وكتمان لما يعلمه عنهم من التهمة، كما أنه تسليم لهم بصدقهم في دعوى الحفظ له!  ومما يتعجب منه أن أبناءه اعتمدوا على هذين الأمرين في التبرؤ من فعلتهم بعد أن ألقوا أخاهم في الجب، ظنوا أن أباهم يسهل عليه تقبلهما لأنه كان يتوقعهما !! فصار كأنه اقترحهما عليهم!!  وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي مجلز قال: "لا ينبغي لأحد أن يلقن ابنه الشر، فإن بني يعقوب لم يدركوا أن الذئب يأكل الناس"!! حتى قال لهم أبوهم: "إني أخاف أن يأكله الذئب وروي مرفوعا عن ابن عمر كما هو في مسند الفردوس للديلمي.  وقيل إنه خافهم عليه أن يقتلوه، فكنى عنهم بالذئب مساترة لهم!!  وذكر بعضهم أن ابن عباس قال: سماهم ذئابا!!  أقول:أما التغاضي فقد علمته، وهو حق، وأما الكناية فخلاف الظاهر، وكيف لا يعلمون طبيعة الذئب وهم رعاة؟  وثانيهما: من يظن أن امرأة العزيز وهي من هي في منزلتها وكبريائها، وقد أقام يوسف سنوات في بيتها، فشغفها حبه وأخذ بمجامع نفسها أنها تهوي فجأة إلى مراودته عن نفسه، من غير تدرج في أفانين الإغراء، وأساليب الإغواء، مع صنوف الاستعلاء، ويوسف  الصديق يدأب على تجاهلها، غير عابئ بكشف أمرها، ماض في خدمتها، هو في شغل شاغل، كأنه يرى ربه، أو يراه ربه، أما هي فيراها، وكأنه لا يراها!! عصمة واستعصام، وتسام لا يرام، حتى إذا صارحته من غير  مواربة، لاذ بجناب مولاه، وزجرها بقوله: معاذ ا̖لله !!  قد تقول: تكتم يعقوب لم يثن أبناءه عما دبروه، وإعراض يوسف لم يصرف امرأة العزيز عن الكشف عما لوحت به، والجواب: ما لك وللقدر؟ اعمل ما كلفت به، وأمسك عما حجب عنك، فما مكر إخوته، وإلقاؤه في الجب، وبيعه، وكيد امرأة العزيز، وسجنه،، وتعبير رؤيا الفتيين إلا تصاريف الأقدار، انتهت إلى ما تنتهي إليه عاقبة الأبرار، وربك يريد، وهو فعال لما يريد.

الخاطرة 86

من الأمور التي سنها الشيخ عبد الرحمن شيبان رحمه ا̖لله إبان توليه وزارة الشؤون الدينية أنه كان في زياراته للولايات؛ لا يكتفي في الاجتماع الذي يعقده مع الحكام وأئمة المساجد بكلمات الترحيب والمجاملة، وما يتلوها من كلمته هو أو غيره.  كان المعتاد أن يقدم أحد الأئمة درسا في التفسير أو في الحديث أو غيرهما، على أن تعقبه مناقشة لتقويمه وإبداء الملاحظات عليه، وربما اتخذ الوزير بناء على ذلك قرارا بترقية الإمام عن طريق تزكية يطلبها من الشيخ أحمد حماني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى رحمه الله.  وممن كان يحضر الاجتماع أعضاء مجلس التنسيق الولائي كما كان يسمى وقتئذ، وهم المحافظ الوطني للحزب، وقائد القطاع العسكري، ووالي الولاية، والنائب العام، فكان في ذلك نفع عظيم لهم بمعرفة شيء عن دينهم، وكأنه رحمه الله ̖ شعر بحاجة المسؤولين الماسة إلى أن يعيشوا أجواء الإيمان ليكتشفوا أو الكثير منهم جهلهم بما هو بديهي في دينهم، وهو الغالب مع الأسف على مسؤولينا الكبار، فهم أحوج إلى أن يتعلموا كيف يتأدبون إذا تحدثوا عن دينهم، وذلك بأن لا يخوضوا فيما لا يعلمون، هم أحوج إلى هذا من ذاك الذي أتقنوه وبرعوا فيه من الكلمات المنمقات، وعبارات المجاملات.  أذكر أن محافظ الحزب في ولاية بلعباس قال في تدخله: "كفانا حديثا عن الجنة والنار! تحدثوا عن الحياة"!! فرد عليه إمام مسجد مدينة حمام بوحجر الشيخ تازغات رحمه الله ̖ قائلا: الجنة والنار ولم يكف ذلك فيكم"!!  لو أن هذا المسؤول طلب من الأئمة أن يعالجوا في جملة ما يحدثون الناس به شؤون الحياة لكان محقا، على أنه لا أحد ينكر أنهم يفعلون، بل قد يغلون، لكن حديثهم ليس كحديث الإعلاميين أو السياسيين أو الكتاب والمحللين، فهذا المسؤول لجهله بدينه ظهر بمظهر المتذمر من ذكر الجنة والنار، فأثار غضب ذلك الإمام وغيره، وما أحسب أن هذا قصده، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الجنة: "حولها ندندن"!!  على ما ذا يدل قول والي إحدى ولاياتنا: "خلينا من أبي هريرة ؟أهو جاهل بمدلول قوله؟ ما أحسب ذلك، بدليل أنه لا يستسيغ أو لا يجرؤ أن يقول ذلك عن مسؤول في العلن يعلوه رتبة، لأنه يعتبر استخفافا.  أم هو جهله بأن دينه نظام حياة شامل لا شيء يند عنه كما قال الله ̖تعالى: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء، والأحاديث التي رواها أبو هريرة رضي ا̖لله عنه وهي بالآلاف لا يخلو باب من أبواب العلم إلا وله فيه حديث أو أحاديث، ومن ذلك النظافة التي يهتم الوالي بالحديث عنها.  أم هو جهل بمكانة أبي هريرة بحيث لا يعلم أنه صحابي، فهل يقبل هذا من مسؤول قد يحفظ أسماء من لا يحسن أن يذكروا، وقد يعرف تفاصيل حياتهم؟  هذه الاحتمالات التي يعطيها كلام هذا الوالي مستبعدة لما جاء في بيانه الذي أوضح فيه أن ذكره لأبي هريرة جاء ردا عفويا على مواطن كان حاضرا يردد اسم هذا الصحابي الجليل، وأن الكلام حصل فيه بتر، وأن التسجيل قديم، فجزاه ا̖ خيرا على هذا التوضيح، وهذا هو المظنون بالمسلم، ومع هذا فذكره لأبي هريرة بهذا الأسلوب لا يليق.  لقد تكرر هذا الأمر على ألسنة ولاة ووزراء وغيرهم، فمن ناصح للأحزاب أن لا تعلم الناس الوضوء في حملاتها الانتخابية!! إلى قائل دعنا من "قل أعوذ برب الفلق"!! إلى غير ذلك، فاتقوا ا̖لله في دينكم.  استمعت إلى الذين ترشحوا للانتخابات الرئاسية إبان سنوات الفتنة فكنت أقول في نفسي إن أصلحهم للرئاسة (فلان) وقد اغتيل رحمه ا̖لله، أتدرون ما سبب قولي هذا في نفسي؟ كنت لا أعلم في المترشحين من يعرف دينه، وقد يترشح من لا يعرف المعلوم منه بالضرورة، فكيف بما فوقه؟ فنزلت بالمعيار الى التحفظ، فلما استمعت إلى ذلك الرجل ورأيته لا يخوض فيما لا يعرفه من دينه مع الحاجة يومئذ إلى المزايدات والمهاترات؛ قلت هذا الذي قلته.  15 شهر محرم 1440

الخاطرة 87

العزيز لقب كبير وزراء مصر، أقواله في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام تدل على فراسته، وقد يؤخذ منها تساهله في عرضه !! * فمن تفرسه في يوسف الصلاح والنباهة - غير متأثر بالذين باعوه بثمن بخس وكانوا فيه من الزاهدين - قول الله تعالى: "وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو تتخذه ولدا". * أمر امرأته أن تكرم مقامه، فدل على حرصه على إكرامه، وما هذا بمعتاد لأمثاله في معاملة مملوكه. * وأمل نفعه، يقوم ببعض شؤونه، أو شؤون دولته، أما اتخاذه ولدا فيجمع هذا وغيره: تقر به أعينهم، ويرث مجدهم، ولعله كان لا يولد له، وهو نظير ما قالته آسية امرأة فرعون عن موسى عليه الصلاة والسلام: "لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو تتخذه ولدا". * وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: "أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته: "أكرمي مثواه والقوم فيه زاهدون، وأبو بكر حين تفرس في عمر فاستخلفه، والمرأة التي قالت: ياأبت استاجره". وهذا تجوز في معنى الفراسة، فإن أبا بكر خالط عمر وعرفه، والمرأة شهدت قوة موسى وأمانته حين سقى لها ومشى معها. * بدخول يوسف قصر العزيز سلك به طريق التمكين، وإن عرضت فتن وسجن، فلهذا قال الله عقب وصية العزيز لامرأته: "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض". هي بداية التمكين الذي لا يعلمه إلا الله، ويستبعده معظم الناس: "ولكن أكثر الناس لا يعلمون". أما ذروة هذا التمكين فبعد أن تسلم يوسف إدارة خزائن مصر، وانتقل إليه لقب العزيز، والله يؤتي ملكه من يشاء: "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء".  * وقول يوسف: "معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي"، تذكير لنفسه بجميل العزيز، وتذكير لامرأته بخطورة الخيانة، فالمانع له ما فطره الله عليه من الطهر والنقاء، وخوفه من ربه، لكن منه أيضا أن يخون من ائتمنه، وامتناع المرء من الشر محمود كيفما كان مانعه، والوفاء خلق قد تجده في المتدين وغيره، وإن اختلفا في الجزاء. وقد قالت ليلى الأخيلية:  وذي حاجة قلنا له لا تبح بها * فليس إليها ما حييت سبيل !! لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه * وأنت لأخرى صاحب وخليل. * ومن ذلك قول العزيز وقد علم أن امرأته متهمة: "يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين"، نداء ليوسف باسمه، ولامرأته بضمير الخطاب، ينبئ عن شيء في نفس الوزير، وفي هذا الموقف حلم وأناة يحسب له لو أثمر ثمرته.  * ومن ذلك أنه وافق أهل بيته أو سكت على الزج بيوسف في السجن بعد أن رأوا آيات براءته كما قال الله تعالى: "ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين". هو سجن غير محدود بزمن، وهو موجود إلى اليوم في الدول، يسجن بريء كان حقيقا أن يكافأ، لكن المصلحة اقتضته!! ومن المصلحة إسكات الأصوات المنتقدة، وصرف الناس عن اللغط والخوض في شؤون القصر. أما السبب الحقيقي فهو إلحاق الصغار بيوسف لتطويعه، وهو ما تعهدت به المرأة أمام خلائلها، أمر يستبعد أن يخفى على كثير من الناس فكيف بكبير الوزراء؟: "ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين"؟ تأمل تدرج هذه المرأة في البوح بما صنعت: أجملت في اتهام يوسف وأبهمت: "ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم"، وكلمة "سوء" نكرة تتناول العظيم والحقير، وهي جنس يحتمل أفرادا كثرا، فلما سكت عنها، وفشا الأمر، ورأت افتتان النسوة بما افتتنت به؛ انتقلت من اتهامه إلى التبجح والمجاهرة بأنها هي من أراد (السوء) لا يوسف، ومع ذلك تولت تفسيره متوعدة!! هكذا تنمو الرذائل في الفرد وفي الجماعة بالتساهل، وبالسكوت، وبالمحيط الوبيئ!! قال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار: "هذا يدل على أن هذه المرأة كانت مالكة لقياد زوجها الوزير الكبير!! تقوده بقرنيه كيف شاء هواها، وأنه كان فاقدا للغيرة كأمثاله من كبراء الدنيا، صغار الأنفس، عبيد الشهوات !!  16 شهر محرم 1440

الخاطرة 88

إعراض المشتغلين بالدعوة عن الكتابة في الأمور السياسية بالقيود الشرعية متى كانوا قادرين؛ ليس محمودا.  إن التواطؤ على هذا إقرار ضمني بإخراج السياسة من الدين، وهذا باطل، وإن كان هو الغالب على فهوم كثير من الناس، وعلى سلوك معظم الدعاة، وهو مطلب العلمانيين الذين حققوا منه معظم ما يبتغون، وما يزالون يفعلون.  إن في كل شيء حكما عرفه من عرفه، وجهله من جهله، وهذه الأحكام شرعت لإصلاح الحياة، وبلوغ سعادة ما بعد الحياة: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط".  والغرض من وجود الحاكم خليفة عاما كان أو في قطر هو "خلافة النبوة لحراسة الدين وسياسة الدنيا"، كما قال الماوردي رحمه الله ̖، وكون حال المسلمين على خلاف هذا لا يبيح السكوت والتسليم، بل يلزم معه البيان والتوضيح.  وفي هذا المعنى جاء قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون...الحديث".  فما كان الأنبياء في بني إسرائيل يقومون به ومنهم داود وسليمان ويوسف وموسى عليهم الصلاة والسلام، وما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم صار إلى من يتولى أمر المسلمين من الحكام.  ولو قدرنا عدم ذكر الخلفاء في الحديث فكيف يكون في الرسالات المحدودة المكان والزمان ما لا يكون في الدين الذي هو خاتم الأديان، الصالح لكل زمان ومكان؟ ومن أنكر هذا فقد خلع ربقة الإيمان.  لهذا فإن هذه الكتابة لازمة فيما أرى، وهي من جملة العلم اللازم بيانه، وعدم كتمانه، هي دعوة إلى الحق، وتصحيح للخطإ، وفتح الباب لصنع قاعدة في الرأي العام، تعرف حقائق دينها، وتتعود على الرجوع إليه ولو في القليل من أمورها، فلا يموت في الأمة فقه السياسة الشرعية، كما يعمل له كثير من الناس، إما بإقامة الديموقراطية والعلمانية والدولة المدنية، وإما بالسكوت الذي هو كالتسليم بهذا الأمر الذي قد يشترك في ترسيخه من يأباه ويعتقد أنه باطل من حيث لا يدري.  وحاجتنا إلى هذه الكتابة ليست التنظير العام، وبيان صلاحية الإسلام، فإن البحوث النظرية قد بلغت حد التخمة، وهي تمضي في خط مواز للحياة الناكبة المخالفة لها في السياسة الداخلية والخارجية على السواء، وفي معظم المجالات.  الكتابة عن نظام الحكم في الإسلام في مختلف الميادين كان في عهود قيادة الإسلام للحياة، حيث كان العلماء يؤلفون في الأحكام السلطانية ليجري عليها الحكام، وقد يطلب الحكام ذلك منهم.  أما اليوم وقد صارت معظم دول المسلمين إلى قوانين وضعية فحاجتنا ماسة إلى نقد هذا الواقع في الجزئيات بالاعتماد على المنظور الشرعي، وذكر ما ينبغي أن يكون، مع الابتعاد عن التهريج والتهييج.  ولا يصح أن يحتج بأن هذه الكتابة لا تأثير لها، فإن الواقع يتغير بتغير النفوس، والعلم لا يهلك إلا إذا كان سرا، كما قال عمر بن عبد العزيز، وقد قال الله ̖تعالى: "إن ا̖لله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "، ولأن هذا المبدأ لو اعتمد مانعا ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر.  قد يحجم المرء عن الكتابة لخوفه من استغلال بعض المعلقين ما يكتبه، فيفرغون مخبوء صدورهم، وقد يكون ضغائن أو دسائس، ويلصقون بما يكتب ما وعته رؤوسهم من الأفكار، ونفوسهم من الميول إزاء الأفراد والدول بمناسبة وبدونها، وهذا لا ينبغي أن يكون مانعا لمن له القدرة على بيان الحق ونصح المسلمين.  وخروج الناس بالكلام عن المقصود منه ليس بالجديد، وإسرافهم في الباطل ليس عذرا في السكوت، فقد قال الله تعالى: "أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين".  كتبت منشورا مؤرخا في غرة ذي الحجة 1439 بعد أن أعلن ترامب خروجه من الاتفاق النووي مع إيران ثم عدلت عن نشره لما قدرته حينئذ، وقد استودعته بعض إخواني، حتى إذا قرأت ما قاله رئيس أمريكا في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 16 محرم برح الخفاء وزال السر، وصار الظن يقينا.  قال: "إنه سيرفع الحماية العسكرية عن الدول المنتجة للنفط إذا لم تخفض سعر البترول"!! ومن المقطوع أنه إنما يريد بعض هذه الدول، التي يزعم أنه يحميها من إيران، ومن العجب أني سمعت بمسعى جديد لإنشاء حلف في منطقة الخليج، فيا ̖لله للمسلمين!! مما قلته في تلك الخاطرة: عسر علي أن أصدق أن أمريكا تفرض على دولة إيران عقوبات اقتصادية لتحافظ على أمن دول المنطقة، وتمنع تدخل إيران في شؤونها محبة في شعوبها!!  وقلت: لا يمكن منع إيران من أن تصبح دولة نووية، حتى ولو أعيدت صياغة الاتفاق النووي كما تريده أمريكا، بل قد تكون هذه المقاطعة مما يدفعها إلى المضي في طريق امتلاك تلك الأسلحة.  وأقول الآن: ها هي ذي وسائط التجسس والأقمار الصناعية تكشف ما قيل إنه مخزون هذه الدولة من المواد الذرية مما يرجح هذا الذي قلته، ومثل إيران في ذلك كوريا الشمالية التي أبدت هذه المرونة المفاجئة في معاملة أمريكا، فليس، فليس ذلك منهما إلا التقاط للأنفاس، واستراحة مقاتل كما يقولون. ومما قلته: لا يساورني أدنى شك أن العقوبات الاقتصادية التي فرضها الرئيس الأمريكي على دولة إيران سيعقبها ابتزاز للدول السنية لم يسبق له مثيل.  ومما ختمت به وهو المقصود من المنشور أريد به الخير للمسلمين: "ولهذا فالخير لدول الخليج أن تبحث عن طريقة أخرى لتصحيح علاقاتها والحفاظ على أستقرارها، ولتتخذ من الإجراءات ما تصون به خصوصيتها ومنهجها، فإن هذا -وا̖لله- خير من الاستنصار بأمريكا، أو استعدائها، فقد كدت أجزم أن الدول الكبرى ترى اليوم مصالحها مرتبطة بمناطق التوتر والاضطراب، فهي إما تصنعه، وإما أن تذكيه.

الخاطرة 89

قال لي بعضهم: لم تنكرون على الناس أن يقيموا الوعدة؟ أليست من أسباب تقوية الصلة بين أفراد القبيلة، وهي فرصة لجمع الناس، وإطعام الطعام، والترويح عن النفس، واللعب بالخيل، وغير ذلك من الأمور المباحة؟  فقلت: كل ما في الوعدة من مصالح؛ هو موجود في مواسم المسلمين، وأعيادهم، ومناسباتهم العامة والخاصة، وعلى رأس ذلك كله اجتماعهم للصلوات الخمس، وللجمعة، والصلوات المسنونة، ومناسبات السرور، كطعام الوليمة، والوكيرة، والعقيقة، والإعذار، والخرس، والنقيعة، والمأدبة، ويصنعون الطعام عند العودة من الحج والعمرة، وهم يجتمعون في الجنائز، وهو اجتماع غير مشروع، ومن ذلك إطعام المحتاجين في الكفارات المختلفة لو شاؤوا. فالمناسبات المشروعة كثيرة، و̖لله الحمد، تتكرر في العام، وتتجدد في الأسبوع، وفي اليوم، ففيها كفاية، فلم الإصرار على هذه الوعدات التي لا يجري فيها إلا ما هو باطل محرم، قد يبلغ درك الإشراك بالله ̖ تعالى، أو هو وسيلة إلى الباطل، أو حق في غير موضعه؟:  فما لك والتلدد نحو نجد؟ ** وقد ضاقت تهامة بالرجال !! المخالفات في الوعدة كثيرة، وأدنى ما يرتكبه المشارك أن يحضر للتفرج، فيكثر سواد المبطلين، فكيف بمن يهتبل الفرصة للبيع والشراء والنقل وغيرها؟  * في الوعدة نسبة الطعام إلى أصحاب الضرائح، فيقال وعدة فلان، وطعام فلان، والكامل عندهم أن يقال ركب فلان، إذا لزم السفر لموضع الوعدة!!  * وإطعام الطعام من المبار العظيمة، لكن لا تشرع نسبته لشخص، من منع أحدا أن يجمع الناس ليطعمهم بمناسبة وغيرها من غير هذه التسمية؟  * ما دلالة هذه النسبة؟ أليست مشعرة بأن الطعام صنع من أجل صاحب الضريح؟ إما لأنهم يتصدقون عليه كما يزعمون، أو يسترضونه به ويستشفعون، وقد يكون إرضاء لفلان الحي، أو مراءاة لفلان، فأين هذا من قول الله ̖ تعالى: "ويطعمون الطعام على حبه"؟ وقوله: "وآتى المال على حبه"؟ * فإن قالوا إن الوعدة صدقة على جد القبيلة!! فقل: لم تتصدق على جدك العشرين، وتترك أباك؟ أتنكر أن الصدقة على أبيك لا تجلب لك محمدة ولا شهرة ؟ ولهذا تنسبها إلى من تقول إنه جدك، على أنها بهذه الصورة ليست من الصدقة في شيء، أما إن كان استشفاعا أو استرضاء فالأمر بيّن.  * هذه الوعدة تعظيم للميت بما لم يشرعه ا̖لله ولا رسوله صلى ا̖لله عليه وآله وسلم، بل هو غلو فيه، في الكثير من جهات البلد يربطون بين وقت الوعدة وبين الحاجة إلى الأمطار، فيعملونها مرتين في العام: في الخريف الذي فيه وقت الحرث، وفي الربيع حيث يحتاج الزرع إلى الغيث ليكتمل.  * تتنافس القبائل في إقامتها لترتفع مكانتها عند الناس بتعظيم جدها، فيزداد التعلق بأصحاب الأضرحة، وطلب الحاجات منهم، والاستشفاء بزيارتهم، وأخذ تربة قبورهم، وتقديم النذور لهم، وتعليق الستائر عليهم، وإيقاد الشموع، وطلب الذرية منهم، وشد الرحال إليهم، والحلف بهم، وإضاعة الأموال في تجديد قبابهم، وقد يطاف بهم، وقد يذبح لهم، ويوصفون بأنهم رجال البلاد الذين لهم دخل في التدبير، وكل ذلك محرم، وبعضه شرك، فهل يشك عاقل بعد هذا في تحريم هذه الوعدات؟  * واعتياد مكان يقصد للطعام يعتبر تعييدا، لأن العيد كما يطلق على الزمان الذي يكون فيه العيد يطلق على المكان الذي يجري فيه، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا...".  * ومن معاصي الوعدة شد الرحال طلبا لبركة صاحب الضريح، وذلك منهي عنه، فإن المساجد خير بقاع الأرض، ومع ذلك لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة منها، وأصحاب الوعدات يعتبرون وعدة الركب أكمل أنواعها.  * ومن مفاسد الوعدات إقامة الاحتفالات في المقابر، والتفاخر فيها، والاشتغال باللهو واللعب، بدل الاتعاظ والاعتبار، وقال الله ̖ تعالى: "ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر"، وقد كانت زيارة القبور محرمة سدا للذريعة، ثم شرعت ليتذكر الزائر بها الدار الآخرة، ويستحضر الموت، وأصحاب الوعدة جعلوها موضعا للفرح واللهو واللعب وسباق الخيل ولا حاجة إلى ذكر المنكرات التي يعملونها مما لا خلاف في تحريمه.  * ومن المخالفات تربية الخيل لأجل الوعدة، وإنفاق الأموال الكثيرة عليها، ونقلها إلى عشرات الكيلومترات، وثمن الحصان قد يصل إلى 60 مليون سنتيم، وما ينفق عليه في اليوم يكفي الإنفاق على أسرة.  * فلينظر أصحاب خيل الوعدة في أي الأقسام الثلاثة تسلك خيلهم ويسلكون؟ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الخيل لثلاثة: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر..، وبين النوع الثالث فقال: "ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي له وزر".  * وليعذرني من قرأ كلامي، فإن كلمة الوعدة ليست صحيحة في لغة العرب، فهي كما قال الشاعر: "نبئت زرعة والسفاهة كاسمها"!! وقد سمعت غير مرة من (كبار) المسؤولين يقول للناس: إن الوعدة من الوعد، يريد أن يطمئنهم على أنهم في طاعة ̖!! فيكذب عليهم، ويلبس عليهم دينهم، ويزين لهم المنكرات والمعاصي، فإن كانت كما قال، فهو وعد الشيطان، لا وعد الرحمن.

الخاطرة 90

في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام مواقف تتشوف أن تجد له فيها كلاما فلا تجده!!  فلا كلام له في قول أبيه عن كيد إخوته، ولا حديث له وهم يلقونه في الجب، ولا تذمر وهو يخفى كأنه بضاعة، ويباع بثمن بخس، ويلقى في السجن بعد أن ظهرت براءته، ولا كلام وقد تضاعف عدد الداعيات الفاتنات إلا قوله: "رب السجن أحب الي مما يدعونني إليه.. الآية"  وأين عتابه لساقي الملك وقد نسي وصاته؟....  ما جدوى الكلام إذا كان تشكيا لمن لن يشكيك، أو تذمرا ممن عزم أن يؤذيك، أو تلهفا على فائت لن يعود؟  الخير أن تنزل شكواك بربك، وأن توطن نفسك على الصبر حيث لا قدرة لك على الدفع.  لكنك لا تفقد ليوسف كلاما فيما يعني وينفع:  فمنه ما يدفع به السوء عن نفسه، مستعيذا بربه.  ومنه تضرعه إليه وهو يختار السجن على التنعم اتقاء معصيته.  ومنه سعيه في خلاص نفسه، فيوصي المسجون أن يذكره عند مالكه.  ومنه تعبيره الرؤيا مقرونة بما تواجه به السنون الشداد.  ومنه إباؤه الخروج حتى تظهر براءته، لكأنه تمهيد لتوليته.  ومنه طلبه الولاية على خزائن مصر لينفع الخلق، وهم كفار، معللا ذلك بحفظه وعلمه..  أما أطول كلام له فقد منحه الدعوة إلى توحيد ربه، وترك الإشراك به، وفيه:  * أولوية العقيدة في الدعوة، حيث أجل تعبير الرؤيا، حتى إذا عبرها أتت في جملتين!!  * تنبيه السائل إلى ما هو أولى بسؤاله متى عرف حاله.  * تلطف في دفع الضجر عن الفتيين، فضرب لهما أمدا أقصى لتعبير الرؤيا: "لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما".  * اقتناص الداعي الفرص المناسبة لدعوته، فإن حديثه قد جاء بعد طلب صاحبي السجن تعبير رؤياهما. * تأثير سلوك الداعي ومعاملته في الناس، ففي خطاب الفتيين:"نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين"، وفي كلام ساقي الملك: "يوسف أيها الصديق "، شهدا بذلك لما رأياه من سلوكه وحسن سيرته ونفعه للمسجونين.  * الصحبة التي لا مناص منها: "يا صاحبي السجن"، أي ياصاحبي في السجن، لقد تماثلوا في الضراء، وتوافقوا في غالب الأحوال، وإن كان هذا لا يمحو الفروق: وما أنا منهم بالعيش فيهم ** ولكن معدن الذهب الرغام!! * بيان الداعي مصدر الفضل المعترف له به: "ذلكما مما علمني ربي"، وقد جعله تمهيدا لما بعده.  * بيانه دينه وعقيدته: "إني تركت ملة قوم لا يؤمنون با̖لله وهم بالآخرة هم كافرون".  * وفي السابق تعريض بكفرهما قبل مجابهتهما به في قوله: "ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله ̖ بها من سلطان".  * ذكر اقتدائه بآبائه فيما كانوا عليه من الصلاح: "واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب".  * الشرك ينافي الفطرة: "ما كان لنا أن نشرك با̖لله من شيء".  * المقارنة بين حال من يعبد إلها واحدا ومن يعبد آلهة متفرقين متشاكسين، كما كان عليه المصريون.  وفي السياق من الفوائد:  * تعلق المسجون بما يخفف الضيق، ويستشرف به ما غاب عنه، لانقطاع الأخبار.  * عناية المصريين بالرؤى.  * ضبط مواعيد الطعام في سجونهم.

الخاطرة 91

كان مسجد طارق بن زياد في معسكر سنة 1983 يسع نحو ثلاثين فردا، تغشاه جماعة تقيم فيه الجمعة من غير إذن، وربما زلت الألسن فبلغ الأمر الدعوة إلى الجهاد من على المنبر، فسعيت في علاج الأمر بعرض انخراط خطباء المصلى في التدريس في المساجد، فأبوا، لأن التعاون مع الحاكم عندهم يذهب ببريق الدعوة الذي يستقطب فريقا من الناس، ولأنه تعاون مع الطاغوت كما كانوا يظنون!!  لكن الخبر بلغ والي الولاية وهو خليفة بن جديد أخو الرئيس السابق الشاذلي بن جديد رحمه ا̖لله، فدعاني، وأمرني بمعالجة الأمر، وهدد بأنه سيهدم المصلى وهو بناء خفيف بطريقة ما، فأطلعت وزير الشؤون الدينية وهو الشيخ عبد الرحمن شيبان رحمه الله ̖، فقال لي: "من لم يقبل أن يتعاون معك فليودع السجن"!!  لكن ا̖لله تعالى جعل كلمة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سببا في هدوء الوالي ورجوعه عن تهديده، وترك الأمر إلي أعالجه بالطريقة التي أراها.  قلت للوالي: كان بعضهم ينم لمعاوية كلام الناس فيه، ونقدهم لحكمه، فكان مما يقوله: "والله̖ لا أحمل السيف على من لا سيف له، وان تكن إلا كلمة يشتفي بها مشتف جعلتها دبر أذني وتحت قدمي"!! فقال لي متعجبا: "معاوية يقول هذا؟ قلت: نعم!! فقال: تصرف!!  ولعل هذا الذي كان عليه معاوية وهو حاكم المسلمين جاءه من حديث نفعه ا̖لله به، وهو ما رواه أبوداود عنه قال سمعت رسول الله صلى ا̖لله عليه وآله وسلم يقول: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم".  شهد له بالانتفاع بهذا الحديث أبو الدرداء رضي الله عنه إذ قال: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله ̖ عليه وآله وسلم نفعه الله̖ بها".  لئن كان الحق هو الابتعاد عن تهييج الناس بالقول وغيره على الحكام، فإن الحق أيضا أن يكف عن مدح الجائر منهم، وأن يدعى بالصلاح لهم، وليربأوا بأنفسهم عن هذا الذي هم عليه من التضييق على الناس، وليسلكوا أسلوبا آخر في معاملة المخالفين لهم، لاسيما وقد أمضوا على ما يلزمون أنفسهم به من المعاهدات والمواثيق الدولية التي كثيرا ما يلزمون أنفسهم به من المعاهدات والمواثيق الدولية التي كثيرا ما تجمع بين الحق والباطل.  أما أن يصل الأمر بالحكام كيفما كانت منازلهم إلى الفتك بمن خالفهم كهذه الجريمة الفظيعة التي أفضت إلى قتل جمال خشقجي رحمه الله ظلما وعدوانا؛ فالأمر جلل، فمتى ثبت القتل فالقصاص متعين من كل من باشر القتل أو أعان أو تواطأ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لكبهم الله̖ عز وجل في النار"  وقد قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيلة، وقال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا".

الخاطرة 92

س - هل ترى من مخرج لما نحن فيه من الفساد الذي لا ينكر عاقل استفحاله؟ ج - المخرج هو ما نعتقده مما نقل عن سلفنا أن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها. س - وما السبيل إلى هذا الإصلاح؟ ج - الإصلاح المعتبر هو الذي يتجه إلى الفرد قبل أي شيء آخر، بتغيير نفسه، بالعقائد الحقة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، ومن أعظم ما يجب الاهتمام به أن يقف المسلم على التصور الصحيح للحياة، وموقع المسلم فيها، ووظيفته. س - وما موقع الحاكم في هذا الإصلاح؟ ج - الحاكم في الأمة بمثابة القلب من الجسد، فلا يكون الإصلاح على الوجه المبتغى إلا بصلاح الراعي الذي يصون الحياة العامة من الفساد، وهي إحدى عوامل التأثير الخطيرة في الفرد اليوم. س - هل من نفع في الإصلاح الذي لا يتجه إلى تربية الفرد؟ ج - لو زعم زاعم أنه أصلح كل شيء، غير أنه أغفل إصلاح الفرد، فإن كل شيء سيفسد بفساده، وقد أنجزنا الكثير في بلدنا، لكننا لم نرب الفرد، فكأننا لم نفعل شيئا. س - وما أثر الثروة على تربية الفرد؟ ج - كان لها أثر كبير في بناء البلد بناء ماديا، لكن أثرها كان بالغ الضرر على الفرد، لقد تعود بها على العيش السهل، ومن الصعب جدا أن يتقبل الوضع الذي يناسب جهده وعمله. إن من عقاب الله لخلقه أن يسلبهم نعمه لكفرانهم وعصيانهم، إلا أن العقاب ليس مقصورا على الفقر والشدائد، فقد تكون سعة موارد الدول إذا أسيء استعمالها نقمة لما تورثه من الدعة والكسل والتواكل، وقد يكون الفقر حافزا للهمم باعثا على الجد والعمل، وقد لمست الفارق في هذا الأمر بين الجزائر والمغرب في هذا اليوم. ومن أخطر أنواع العقاب أن يكل الله تعالى الخلق إلى أنفسهم فيضلوا، ثم لا يستطيعون سبيلا إلى الخروج مما هم فيه، ولهذا كان مما علمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة رضي الله عنها أن تقول إذا أصبحت وأمست: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، وأصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين". وقال الله تعالى عن سلب نعمته عباده بظلمهم ومعاصيهم: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، وقال أيضا: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". والذين نزلت الآيتان فيهم كفار ضموا إلى كفرهم مناهضة الحق الذي جاء به رسولهم، فسلبهم الله نعمه. إن الإصلاح الذي يقتصر على جانب أو جوانب كشكل الحكم، والمال، والاقتصاد، والقضاء، والإدارة، وغير ذلك مما يدندن الناس حوله مع إهمالهم أعظم مقوماته وهو تربية الفرد، فإما أنه لا عبرة به، إذا كان في إصلاح تلك الميادين مخالفة للحق، وإما أنه لا يكفي، لأنه إصلاح جزئي، والميادين المتناولة ليست شيئا إزاء الميادين المهملة. س - لكن هذا الإصلاح مع ذلك تنضبط به الحياة العامة، وتتضح علاقات الأفراد بعضهم ببعض، فيرتاح له كثير من الناس، لشعورهم بالاطمئنان والعدل والمساواة(!)، كما هو الحال في دول الغرب، فما علينا إذا نهجنا نهجهم؟ ج - مما لا يتفطن له الذين يعمدون إلى هذا الذي يعتبرونه إصلاحا -لو كانوا جادين فيه وأقاموه عمليا كما يخططون نظريا- أنه قد يجدي بعض الوقت في المجتمعات الغربية، فيتأخر انهيار أنظمتها لتلك المعاني التي ذكرت، لأن غرضها الوحيد هو العمل للدنيا واللهاث خلف المصالح الموهومة، فيلتقي نظامهم بمعتقدهم فينسجمون معه، لكنه لا يجدي في المجتمعات المسلمة، لأنه لا يتوافق مع نفسية المسلم وفطرته التي ما يزال فيها بقية خير. إن علاقة المسلم بما يخالف معتقده تحكمها قوتان متضادتان: إحداهما جاذبة بسبب زخرف القول وتزيين الهوى، تدعوه إلى الانخراط فيه، والأخرى طاردة تدعوه إلى الانقباض عنه، فلا يتم مقصود المصلحين المزعومين بسبب هذا العامل النفسي الفطري، وهذا التناقض بين ما يعتقده المسلم وما يعيشه!!  س: لماذا لا نسكت عن هذا الضرب ليتحقق به ما تحقق في الدول الغربية مما ذكرت؟ ج: لو تم شيء من هذا الإصلاح في مناطق العفو المتروكة لاجتهاد الناس، فقد يكون فيه خير من حيث التقليل من فتنة المسلمين بما أحرزه الغرب في هذه الأمور، وإن كان ليس هو ما يتمناه وينتظره المسلم التواق إلى اليوم الذي يرى فيه ما يعتقده من شمولية دينه واقعا معيشا. تأمل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن العالم كله قبل مبعثه: "إن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب"، وقد كان من بين دول العالم دولتا الروم والفرس اللتان قال عنهما نبينا عليه الصلاة والسلام ما يشير إلى قوة تأثيرهما يومئذ: "فمن غيرهما"؟ ولك أن تقرأ كلام عمرو بن العاص الذي في صحيح مسلم عن المستورد بن شداد، وفيه قول عمرو مبينا ما كان يعلمه عن الروم: "إن فيهم خصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وأرحمهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وآمنهم من ظلم الملوك"! والغرض أنهم مع هذا الذي كانوا عليه من هذه الخصال التي شهد لهم بها من خبرهم وهو عمرو، فما أغنت عنهم شيئا، حيث دخلوا فيمن مقتهم الله كما سلف.  ولا شك أن ما جد من المعاصي والمفاسد اليوم يفوق ما كان عليه العالم يومئذ، وإن كان الأفراد المؤمنون اليوم أكثر عددا. جال هذ في خاطري وقد قرأت شاهدا من شواهد نصب المضارع بأن المصدرية بعد أو، والشاهد هو: وكنت إذا غمزت قناة قوم ** كسرت كعوبها أو تستقيما!! وقد أعجبني ما قاله الصبان في حاشيته على الأشموني يبين معنى هذا الشاهد: "شبه حاله إذا أخذ في إصلاح قوم عرفوا بالفساد فلا يكف عن حسم المواد التي نشأ عنها فسادهم إلا أن يحصل صلاحهم". الدار البيضاء- 16صفر 1440

الخاطرة 93

[في المغرب الاقصى] مما جاء في السنة عن تنظيم العمران قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع"، وقوله لأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه حين اختار أن يسكن في السفل: "إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت"، وقال: "الرفق في السفل"، وبنى مسكنه إلى جوار مسجده، وقال عن المنافذ إلى مسجده: " سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر"، وقال في بيع الدار: "من باع دارا ثم لم يجعل ثمنها في مثلها لم يبارك له فيها"، وقال: "ثلاثة من السعادة..، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق"، وحدد حريم النخلة بمد جريدها"، أي طوله، وحذر من الجلوس في الطرقات إلا لمن أعطى الطريق حقه، وغير ذلك كثير.  قد تستغرب إن ذكرت لك أني صرفت اهتمامي حين دخلت الدار البيضاء بالمغرب إلى جملة أمور لا يعتبرها كثير من الناس ذات شأن!!  ووجه ذلك أن دلالتها واضحة على حضور الدولة وهيبتها واحترام الناس القواعد التي تسنها فيلتزمونها، وأن السلطان الذي يزع ا̖لله به ما لا يزع بالقرآن ليس القوة الظاهرة المستعرضة، وقد قال نبينا صلى ا̖لله عليه وآله وسلم: "علقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنه لهم أدب"، ومن هذه الأمور: * تحديد عدد الطوابق في البنايات حسب نوع الأحياء وسعة الطرقات، وكنت قد سجلت هذا في مدينة عمان بالأردن.  * إلزام الذين يبنون المساكن وغيرها بإنهاء أعمال البناء، ولم أشاهد بناية واحدة مسكونة غير كاملة!!  * كل الممهلات التي مررت بها متساوية الحجم والعلو، ويظهر أنها دائمة، ومواقعها مدروسة بعناية، يتحقق بها الهدف، ولا تضر بالسيارات، وما خالف قليل لا يكاد يذكر.  * تمنع السلطة تعليق المقعرات والدشوش على واجهات البنايات لتشويهها النسق المعماري.  * تتولى الشركات بناء عمارات السكنى ونحوها فتستغلها مدة ما ثم تؤول إلى ملكية الدولة.  * كراء المحلات التجارية شهري في الغالب، وهذا يحدث حركة تجارية نشطة، إذ يتمكن التاجر بها من تغيير النشاط أو الموضع إن لم ير عمله مجديا، ويتمكن صاحب المحل من تعديل مبلغ الكراء.  * منع استعمال الأكياس البلاستيكية وإنزال العقوبة بمن يستعملها وقد استبدل بها أكياس من الكتان، وقرأت على بعضها "قابل للتحلل 100%. * تنظيم استغلال حظائر السيارات، فيمكن لمن يوقف سيارته في موضع أن يقف في موضع آخر من المدينة مجانا إذا لم ينقض الوقت المحدد له.  * خلال يومين كنت أتساءل عن الشرطة أهم موجودون؟ لأني لم أر شرطة المرور إلا مرتين مع كثرة الأحياء التي جبتها، وقد يكونون في زي مدني!! ولم أسمع صوت سياراتهم.  * لا تكاد ترى بابا أو نافذة أو شرفة عليها سياج حديد، وهي قرينة على الأمن الذي يتمتع به السكان.  ليس غرضي دعاية سياحية، ولا التغطية على السلبيات، بل المراد الحديث عن النظام العام واحترام السكان له.

الخاطرة 94

قال الله تعالى: "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين". هذه آثارنا تدل علينا ** فانظروا بعدنا إلى الآثار!! حي الأحباس (الأوقاف) نواته بنايات ذات هندسة معمارية إسلامية، من الحجارة المنحوتة، يقع به المسجد المحمدي الذي بني في عهد محمد الخامس رحمه الله ابتداء من سنة 1355 (1934م)، وبه (درب العدول)، وهم أشخاص اعتمدتهم الدولة يتولون توثيق عقود النكاح، وفي أطرافه عدد كبير من المكتبات. جئت إلى هذا الحي لأبحث عن أقارب لي في موضع مجاور هو درب السلطان، أقام به جدهم ابن عم أبي منذ 1365(1945)، وقد زارهم والدي رحمه الله أكثر من مرة، فيسر الله لي قبل تحقيق تلك الصلة؛ صلة أخرى لم تكن في الحسبان. ذلك أن من سكان هذا الحي (الدا مولاي علي بليزيد) المشهور "بعلي ما شاء الله"، لكثرة ذكره هذه الجملة رحمه الله، كان له محل تجاري في هذا الحي، وهو من جماعة التبليغ، طوف في بلدان كثيرة عدة أشهر، ثم ترك هذه الجماعة لشيء رآه. حدثنا ابنه عبد الصمد الذي جلسنا معه في علية دكان أبيه وقتا طويلا أنه كان ذا عناية عظيمة بالدعوة عمليا، مهتما بتبليغ ما يسمعه في الدروس بالمسجد المحمدي إلى الناس طيلة الأسبوع، فهدى الله بهذه الطريقة على يده خلقا كثيرا، وكان يكره التصوير كراهة شديدة، ليس له إلا صورة بطاقة التعريف التي ما زالت عند ابنه. من أهل العلم الذين التقى بهم واستضافهم الشيخ أبو بكر جابر الجزائري، أقام في بيته مدة منذ سنة 1973، حيث كان الشيخ يلقي دروسا في المسجد المحمدي، وأخبرنا أنه كان يستقبل القبلة أثناء الدرس خلاف ما يفعل الناس، وهو الذي تولى طبع كتابه (منهاج المسلم) أول مرة، وتولى هو وزوجته توزيعه سرا، وقد حدثتنا بذلك زوجته بالهاتف، كما تولى طبع كتاب (المزدكية هي أصل الإشتراكية) لمؤلفه الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله بدار الكتاب. ومن أهل العلم الذين زاروه الشيخ تقي الدين الهلالي رحمه الله، ومما ذكره عنه أنه كان يرى أن وقت الفجر عند الفلكيين متقدم على وقته الشرعي، فلما سمع الشيخ أبو بكر جابر بذلك انتدب الرجل المذكور مع شخص آخر وراقب الثلاثة طلوع الفجر فوجدوه مطابقا لتوقيت الفلكيين، فنادى عليهما في المسجد خلال الدرس ليشهدا بما علما أمام الناس!! ومنهم أبو الحسن علي الندوي رحمه الله، وقد ذكره في كتاب له سماه (أسبوعان في المغرب الأقصى). ومنهم المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله حين جاء المغرب للاستفادة من مكتبة الرباط، فلما سمع الملك الحسن الثاني رحمه الله بذلك قرر أن يستقبله بصفة رسمية، فأبى الشيخ ذلك، واكتفى بأن تسهل له الاستفادة من المكتبة، وحصل للوسيط حرج عظيم بسبب رفض الشيخ. استفدت هذه الأخبار - يزيد بعض رواتها على بعض - من عبد الصمد بن مولاي علي، ومن زوجته أم عبد الصمد، ومن ابن بنتها، ومن إمام المسجد المحمدي الشيخ محمد عبد الشكور وهو إمام به منذ صفر 1440

الخاطرة 95

"إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا"، هكذا قال ربنا عز وجل، وقال عن المساجد: "يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة"، وقال: "وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر". وسئل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ فقال: "الصلاة على وقتها"، وكان من آخر ما قال: "الصلاة، وما ملكت أيمانكم".  وحال المسلمين لا يصلح ما لم ينظموا أوقاتهم على وفق الصلاة لربهم ما استطاعوا، ومعظمهم لا يفعلون، وعدد من يغشى منهم مسجد القرويين للصلاة شاهد على ما أقول. حياة الناس حول هذا المسجد فيها ما يقلق، وفيها ما يريح، المسجد يتوسط مدينة هي من أكبر المدن الأثرية، طول سورها المحيط بها 15 كلم، بها مئات الدروب التي لا يبلغ عرضها مترين، مكتظة بالسلع من كل الأنواع، ما تزال تحمل أسماء الحرف والصناعات التي كانت معروفة بها كالعشابين والصباغين والعطارين. لا يسعف بالنقل في هذه الطرق إلا الحمير والبغال التي تنقل كل شيء حتى القمامة، وكذا العربات التي يشتغل بها الشباب لبيع الخضروات وحمل الأمتعة، عليها عبارة (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية)، وغرضها شبيه بما تتولاه الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب عندنا، مع الفارق الذي لا أرغب في التحدث عنه!! ترى أوروبيين لا هم لهم إلا الوقوف على الآثار والتصوير لحفظ الذكريات، والتجمع أمام أبواب المسجد - وقد منعوا من دخوله - للظفر بصورة!! يتعبون خيلهم في باطل، ويرهقون أجسامهم في غير طائل، وجوه كالحة، وثياب فاضحة، ضاقوا ذرعا بحضارة الترف، فصاروا يهوون العناء والشظف!! لكنك لا تفقد من يمر بتلك الدروب على ما فيها من متاعب كأنه غريب أو عابر سبيل، همه أن يؤدي الصلوات مع الجماعة في ذلك المسجد الشاهد على حضارة أمة عظيمة قد خلت، فهل تعود !! رأيت في ذلك الخضم مواقيت الصلاة الصادرة عن دار المؤقت بفاس معلقة داخل مقهى قد ذيلت بهذه الأبيات، فهانت في عيني الحياة وهي هينة تافهة، فاللهم ارحم قائلها:  وقم لصلاة الخمس عند وُقُوتها ** ولا تك ذا سهو عن الفرض تقعدُ ** وحافظ عليها في الجماعة دائبا** لعلك في دار النعيم تُخلَّدُ ** ولا خير فيمن كان بالوقت جاهلا** ولم يك ذا علم بما يتعبدُ.

الخاطرة 96

إذا سألت عن دوافع اشتداد الدعوة إلى المرجعية الوطنية في العقيدة والفقه والسلوك في دول المغرب العربي كالجزائر والمغرب وموريتانيا في المدة الأخيرة؛ فاعلم أن وراء ذلك عوامل أذكرها هنا واصفا، لا مقرا، ومنها:  * حدة خطاب الذين يدعون إلى ترك التمذهب، وهم ما بين صادق محب للسنة، غيور عليها، وجاهل مقلد يدعو إلى ترك التعصب، وهو يتعصب!!  * إهمال بعض الدعاة سنة التدرج لإخراج الناس من التعصب المذهبي الذي هيمن على الأمة أكثر من عشرة قرون، ومن المعلوم أن الناس-ولاسيما الكبار- لا يسلسون القياد إلا لمن جربوه وخبروه، وكثيرا ما يعترف الناس للشخص بالعلم والفضل، ومع ذلك لا يتبعونه، فكيف بالصغار؟ وكيف إذا اجتمع صغر السن وانعدام العلم؟ وقد قال عمر رضي ا̖لله عنه: آفة الناس إذا جاء العلم من الصغير نفر منه الكبير!!  * ما رافق هذه الدعوة من الفهوم الخاطئة التي تعتبر المذهبية مخالفة لاتباع السنة بإطلاق!!  * غفلة بعضهم عن كون المذهبية تتلقى وتنتقل غالبا عن طريق التقليد والمحاكاة البعيدين عن التعلم الصحيح، على أن التعليم هذا غير متوفر لمعظم الناس لو قدرنا أنهم يقبلونه.  هذا عن الأسباب الآتية من دعاة ترك التمذهب، أما من جانب المتعصبين فأمور، بعضها حق، وبعضها أوهام وظنون:  * أولها التقليل من تأثير الأحزاب السياسية (الإسلامية) على الجمهور، ومن ثم على الأنظمة القائمة، للربط الخاطئ بين ما للحاكم شرعا من خصوصية في مسألة النصح والتقويم، وبين التمذهب.  * اعتبار الخروج على الحاكم والتكفير ناشئين عن التحرر من المذاهب.  * المحافظة على مصالح الطرقية، التي لا ينتهي توالدها وانقسامها، والتعصب المذهبي يخدم هذه النزعة.  * ما في التعصب المذهبي من التسليم الذي يترعرع في ظله التسلط والاستبداد والهيمنة من الهيآت والوجهاء.  * المحافظة على الوحدة الوطنية كما يظن بعضهم، ساكتين عن مفسدات هذه الوحدة، متجاهلين أو جاهلين أن الذي يجمع الناس ويحافظ به على وحدة الجماعة إنما هو الحق والعلم لا التقليد.  * التقليد والجمود الذي عليه كثير من الناس ومنهم (المثقفون) الذين يتعلمون كل شيء إلا أمور دينهم.  لكني لا أحسب أن هذه الدعوة تنجح في الإبقاء على المذهبية كما كان الأمر، لعدة أسباب منها:  * أنها دعوة غير مطردة، فقد اختصرت المرجعية هذه في العبادات، بل في الصلاة وحدها، وداخل المساجد لا خارجها، فالصلاة هي الأمر الوحيد الذي يمكنها أن تضبطه من خلال المساجد، ومع هذا فإنها لا تتحكم إلا في الإمام: تأمره وتلزمه، والإمام لا يمكنه أن يلزم غيره!!  كما تلحظ هذه المرجعية في منع قراءة غير نافع رحمه ا̖لله، وفي التزام وقف الهبطي، وقراءة الحزب الراتب، والتزام الخط المغربي الذي تعسر قراءته على معظم الناس اليوم، وأخيرا نغمة البلد في الأذان!!  * ثم إن هذه الدعوة غير صادقة في هذا الذي اختارته لإقامة المرجعية فيه، فإن الكثير من الأمور التي نراها في المساجد ليس عليها مذهب مالك، بل مردها إلى الماجريات (ما جرى به العمل)، أو إلى أقوال ضعيفة في المذهب، وضعت ضوابط للعمل بها، فضلا عن مشهور المذهب الضعيف الذي قوته السياسة من قبل!!  * ومن ذلك أن المدارس لا يتلقى فيها التلميذ لا مذهب مالك ولا غيره، وقد ذكرت في كتاب لي أن سؤالا قدم للتلاميذ عن المذهب السائد في البلد، فأجاب غالبهم بأنه مذهب الشافعي، وأحسب أنه جواب ليس منهم، فهم لا يعرفون الشافعي ولا غيره.  * ومنها أن كثيرا ممن يلزمون الناس بمذهب مالك لا يعرفونه، ولك أن تقول إنه لا يعرفه الآمر ولا المأمور في الغالب، لأن فقه مالك لا يدرس اليوم في المساجد إلا نادرا لأسباب عدة.  * ومنها وسائل الإعلام التي خرجت أو كادت عن سيطرة الدول، إذ لم يبق في يد الجهة الحاكمة إلا القنوات الفضائية الرسمية، وهذه ما يفتأ متتبعوها يقلون وأهميتها تتراجع.  * ومنها كراهية الناس لما يصدر عن الحكام أو من ينوب عنهم في الأمور الشرعية ولو كانت حقا، للتناقض الذي ألمحت إليه من قبل، وأنا هنا إنما أصف واقعا، ووصفي ليس إقرار له كما قلت.  وإنما استمرت المذاهب في البلدان التي عمرت فيها قرونا لأنها كانت شاملة لمجالات الحياة، ولاسيما القضاء، ومظاهر الحياة العامة، وكان التعليم يغرس تلك المذاهب في النفوس، فأين هذا مما نحن فيه؟  وإني لأعجب ممن يستميت في الدعوة إلى مذهب ما في أمر عملي، وفي الصلاة وحدها والخلاف فيه لا يضر، ثم لا يحرك ساكنا إزاء ما اتفق المسلمون عليه، وقد غلب على الناس فعله أو تركه، ولا إخالني في حاجة إلى ذكر أمثلة.  ليس هناك فرق كبير في هذا الأمر بين مساجد الجزائر ومساجد المغرب، صانهما ا̖لله وسائر بلدان المسلمين، وقد بلغ الأمر أن تصدر المراسيم والأظهرة في مسائل فقهية عملية، وللحديث بقية.

الخاطرة 97

المحير في مسجد القرويين هو أمر القبلة، وقد أشار إليه أحد السكان ونحن ذاهبون إليه، فلم نفهم مراده، ولا سبب قلقه، حتى إذا عرفنا الأمر أدركنا ذلك الذي لم نستطع عليه صبرا. لما أنهى المسمع إقامة الصلاة أمر المصلين بالانحراف مجاراة للإمام قائلا: "تحرفوا بتحرف الإمام"!! فاستجاب بعضهم واستمر الكثير متجهين إلى الجنوب، فلم تقم للصف فائمة!! مقدار الانحراف هو 65 درجة، وقد يقال إنه لا يخرج عن قوله تعالى: "ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام"، أي جهته، وهو مبين بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"، فيكون ما بين الشمال والجنوب قبلة. وقد قال خليل بن إسحاق المالكي رحمه الله: "وإن تبين خطأ بصلاة قطع غير أعمى ومنحرف يسيرا فيستقبلانها"، وقد بين علماء المذهب مفهوم اليسير وهو أن يشرق أو يغرب، لكن هذا لا يعطي جواز المخالفة ابتداء. جزى الله المؤذنين الذين تداولوا على الإقامة في هذا المسجد منذ عقود، وهم لا يفتأون يرددون هذه العبارة التي صارت من لوازم إقامة الصلاة في هذا المسجد.  والممتنع هو الجمع بين اتجاه الصف نحو الجنوب مواجها لجدار المسجد، وبين التوجه إلى القبلة، مع استواء الصف، فإن المصلي إذا اتجه إليها لزمه أن يتأخر عن صاحبه قليلا، وهكذا الذي يليه ثم الذي يليه إلى آخر الصف، فيقفون في خط متعرج!! ترجع القصة إلى سنة 955 هجرية حين انتبه الشيخ التاجوري رحمه الله إلى انحراف المحراب عن القبلة، فكتب إلى أمير فاس أحمد الوطاسي يخبره أن المصلين يتجهون إلى الجنوب، فاعترض عليه علماء البلد، إلى أن جاء الأمير محمد الشيخ الأصغر المتوفى سنة 1064 فأمر بوضع علامات على المحاريب تبين اتجاه القبلة، والعلامة موجودة داخل المحراب في جهته اليسرى وهي كلمة (القبلة)، لكن الداخل إلى المسجد لا يعرف هذا الانحراف حتى يصلي الفرض مع الإمام. فهل تقوم المحافظة على شكل المسجد المستطيل والإبقاء على سواريه الضخمة مانعا من إصلاح هذا الوضع الذي يعرض صلاة رواد المسجد للفساد، وصفوفهم لعدم الاستواء، وهل عجز المهندسون المعماريون المسلمون عن إيجاد الحل لهذه المعضلة التي عمرت قرونا في هذا المسجد الذي مر على إنشائه أكثر من عشرة قرون؟ ما أظن أن ملك هذه البلاد محمد السادس -وفقه الله إلى كل خير- إذا عرض الموضوع عليه يتأخر في إعطاء الأوامر بإصلاحه فيناله إن شاء الله من الذكر الحسن ما هو عاجل بشرى المؤمن، ومن الأجر الجزيل عند الله ما هو خير وأبقى.

الخاطرة 98

يرجع إنشاء مسجد القرويين إلى سنة 245 هجرية، بنته فاطمة الفهرية، وبعده بسنتين بنت أختها مسجدا بعدوة الأندلس!! ثم توالت توسعته على يد السلاطين الذين حكموا المغرب، إلى أن أخذ وضعه الحاضر. يقرأ فيه الحزب الراتب بعد صلاتي الصبح والمغرب، ومن بين ما تختم القراءة به الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والترضي على الخلفاء الراشدين وبقية العشرة المبشرين بالجنة وفاطمة وعائشة وخديجة والحسن والحسين والعباس وحمزة، يذكرون بأسمائهم!! يؤتى عقيب الصلوات كلها بالأذكار جهرا، ويدعى للسلطان بالنصر والتأييد. يضم المسجد جامعة القرويين، والدراسة تتم داخلها في نصف النهار الأول، ومن الظهر إلى العصر. ينتسب إلى الجامعة بشروط ثلاثة: حفظ القرآن الكريم كله، والحصول على شهادة البكالوريا، وإجراء مقابلة. أنشئت خزانة (مكتبة) المسجد سنة 750 هجرية، ترى هذا على لوحة باب هذه الخزانة "الحمد لله وحده، أمر بعمل هذه الخزانة السعيدة مولانا أمير المؤمنين المتوكل على رب العالمين عبد الله فارس أيد الله أمره وأعز نصره، بتاريخ شهر شوال سنة خمسين وسبعمائة رزقنا الله خيرها". من نوادر المخطوطات في هذه الخزانة التي توسعت منذ ذلك التاريخ، وهي إلى جوار المسجد:  * أرجوزة ابن طفيل في الطب عدد أبياتها 7700 بيت، وصف فيها مئات الأمراض وأدويتها، وهي نسخة لا نظير لها في العالم. * نسخة من كتاب البيان والتحصيل لابن رشد الجد رحمه الله، كتبت بأمر أحد السلاطين، سطرت تراجمها بماء الذهب!! * تاريخ عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله، وقفه المؤلف نفسه على الخزانة، وفيه خطه. * مصحف قديم قيل إنه كتب قبل 1100 سنة. * نسخة من الإنجيل قديمة جدا لعله إنجيل لوقا.

الخاطرة 99

[أثر الايمان في الامتثال] للنحاة في جزم الفعل "ينفقوا"؛ من قوله تعالى: "قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية"؛ أقوال: منها أن قوله "يقيموا" خبر في معنى الأمر، وهذا لا يصلح، لأن الفعل مجزوم بحذف نون الرفع، فإنه من الأفعال الخمسة، والنون لا تحذف في هذا المقام. دليله قول الله تعالى: "هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله"، فقوله "تؤمنون" خبر مراد به الأمر، أي آمنوا بالله ورسوله، وجوابه هو قوله سبحانه: "يغفر لكم ذنوبكم"، وهو مجزوم. والقول الثاني: أنه مجزوم بلام الأمر المقدرة حذفت تخفيفا، أي قل لهم "ليقيموا الصلاة وينفقوا"، وهذا الحذف يكثر بعد القول خاصة، وقصر حذفها بدر الدين نجل ابن مالك صاحب الخلاصة على النظم، وذكر له شاهدين من شعر العرب. والثالث: أنه مجزوم في جواب الأمر، وهو "قل"، ومقول القول محذوف، أي قل لهم "أقيموا الصلاة وأنفقوا؛ يقيموا الصلاة وينفقوا"، لأن الأمر مضمن معنى الشرط. وحذف مقول القول يدل على كمال طاعة المؤمنين المخاطبين، وعظيم مسارعتهم إلى الامتثال، فهم متحفزون متهيئون، وقد روى أبو داود عن جابر قال: لما استوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة قال "اجلسوا"، فجلس ابن مسعود على باب المسجد!! فقال: "تعال يا عبد الله بن مسعود". ونظير آية سورة إبراهيم عليه السلام قوله تعالى: "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن"، وقوله تعالى: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم"، وقوله: "يا أيها النبيء قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن"، غير أن الفعل الواقع جوابا للأمر مبني هنا. وفيه دليل على أن طاعة المؤمن متوقفة على علمه بالأمر من الله ورسوله، فمتى أمر امتثل، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم"، وقوله تعالى: "إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا"، وقوله: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما"، وقوله: "إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا إلى قوله "أولئك هم الصادقون"، وقوله: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون". وقد يعترض على هذا الوجه بأنه يلزم أن لا يتخلف أحد عن طاعة الله تعالى ورسوله، لأنه وقع جوابا، والواقع شاهد بخلافه، فإن كثيرا من المؤمنين اليوم يقعون في المعاصي بفعل المحظور وترك المأمور. والجواب من وجهين: * أولهما أن الخطاب موجه لجملة المؤمنين، وغالبهم ممن يستجيبون ويمتثلون!! * والثاني -وهو الأولى- أن المقصود المؤمنون الذين ينطبق عليهم وصف الإيمان حقا كما دلت علية النصوص المتقدم ذكرها. والغرض أنه بمقدار رسوخ الإيمان في النفس يمتثل المؤمن، فيفعل الأوامر ويجتنب النواهي، والعكس صحيح، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.. الحديث.  أما من لم يكن كذلك فإن الإيمان الذي معه إنما ينفعه في عدم ضياع طاعته بسبب ضعف إيمانه، كما ينفعه في عدم خلوده في النار إن لم ينله من الأسباب ما تغفر به ذنوبه.  ومع هذا فهؤلاء المؤمنون عرضة للفتن، ولاسيما في هذا العصر كما هو مشاهد معيش، إذ ليس عندهم من الحصانة الذاتية العقدية، ومن الحماية الإيمانية ما يقيهم شر الفتن، وليس في الحياة العامة ما يعينهم على تدارك ضعفها، وجبر كسرها، بل فيها غالبا ما تزداد به ضعفا.  ولهذا فجهد الدعاة والمربين والمعلمين ينبغي أن يصرف في إيجاد هذا التحصين قبل غيره.  وقد قال الله تعالى: "قالت الاعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من اَعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم".  قال ابن القيم رحمه الله مبينا وجه نفي الإيمان عنهم وهو يرد على من ذهب إلى أن الآية في المنافقين كالبخاري رحمه الله: "...لأنهم ليسوا ممن باشر الإيمان قلبه، فذاق حلاوته وطعمه، وهذا حال أكثر المنتسبين إلى الإسلام، وليس هؤلاء كفارا، فإنه سبحانه أثبت لهم الإسلام بقوله: " قولوا أسلمنا"، ولم يرد قولوا بألسنتكم من غير تواطؤ القلب". وإذا كان هذا حال المسلمين في وقته وبيضة الإسلام محمية، وشريعته في الجملة معمول بها فكيف بحالهم اليوم؟  وفي الحديث:.."فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية"، وفيه "صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل". وعن ابن مسعود رضي الله عنه: "اليقين الإيمان كله".

الخاطرة 100

[في معاملة النساء] الدين تصديق الأخبار، والقيام بالأعمال، والأول أصل الثاني، لا يستقيم بدونه، ومما اتفق المسلمون عليه أركان الإيمان الستة، ومنها الإخبار عن أحوال الأفراد والأمم السابقة، واللاحقة، وحقائق الخلق، وطبائع النفوس، وغير ذلك، كله يلزم من بلغه التصديق به، يستوي فيه ما جاء في الكتاب وفي السنة الصحيحة، والغرض منه الاستبشار بما كان منه خيرا، والتوقي مما كان شرا، وهو من أعلام النبوة، وغير ذلك. الدين تصديق الأخبار، والقيام بالأعمال، والأول أصل الثاني، لا يستقيم بدونه، ومما اتفق المسلمون عليه أركان الإيمان الستة، ومنها الإخبار عن أحوال الأفراد والأمم السابقة، واللاحقة، وحقائق الخلق، وطبائع النفوس، وغير ذلك، كله يلزم من بلغه التصديق به، يستوي فيه ما جاء في الكتاب وفي السنة الصحيحة، والغرض منه الاستبشار بما كان منه خيرا، والتوقي مما كان شرا، وهو من أعلام النبوة، وغير ذلك. ومنه فتنة النساء التي هي من أعظم فتن هذا العصر شدة وانتشارا، لا يماري فيها إلا جاهل بدينه، أو كاتم لخبره، أو مريد تحسينه بغير صبغته، أو متبع لشهوته.  جاء في ذلك قول النبي صلى الله ̖ عليه وآله وسلم عما يأتي بعده: "ما تركت بعدي فتنة أضر بالرجال من النساء" ، وقال عما قبله مما جرى لبني إسرائيل: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء". جعل اتقاءهن تاليا لعموم اتقاء الدنيا لخطورته.  وجاء هذا الترتيب في قول الله تعالى: "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين.. الآية، والمذكورات فيها هي أصول الشهوات، وفي طالعها ما زين من النساء، وهو مما جبل عليه البشر، فنال فريق حظه المشروع، وتهوك بعضهم في الممنوع.  وجاء مرتبا كذلك في قول النبي صلى الله ̖ عليه وآله وسلم: "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة" ، قرن بين أفضل أمور الدنيا وأفضل أمور الآخرة، فإن الصلاة أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، وهو ما بينه في قوله: "الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة"، وقد رأيت بعضهم يتحرج من ذكر المتاع حرصا على الدين أن ينال منه!! فقل له هو تمتع من طرفين، وإن الذين تخشى أن تنفرهم هذه الحقيقة قد جعلوا المرأة وسيلة لترويج المتاع، فهي عندهم أحط رتبة من المتاع.  وجاء هذا النسق في سياق التحذير في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم"، بعض الأزواج والأولاد يصدونكم عن سبيل الله، ويثبطونكم عن طاعته، فاحذروهم أن تقبلوا منهم ما يأمرونكم به. قد تثقل على بعض الأسماع كلمة العدو؛ فليعلم أن أصلها هو تجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه، وفاعل ذلك هو العادي، وهذا غير خاف في سيرة كثير من النساء والأولاد، وإن كان للآية سبب نزول خاص، وليستحضر (المتحرج) قوله تعالى: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"، وقوله: "هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم".  وقال عليه الصلاة والسلام: "يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار" ، فقالت امرأة منهن جزلة: "وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟" قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن"! ربما سرت الجملة الأخيرة بعضهن ففرحن بها!! وأغضبتهن اللتان قبلها فأنكرنهما!:  ومن يك ذا فم مر مريض ** يجد مرا به الماء الزلالا!! وقال: "إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها" ومع بيان هذه الحقيقة جاء هذا الأمر: "فاستوصوا بالنساء خيرا"، فإن بيان حقائق الأمور وطبائعها شيء، والعلاقة بها وحكم الله فيها أمر آخر، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.  سمع الصالحون والصالحات هذه النصوص وغيرها فآمنوا بها، وصدقوها، ولم يجدوا في أنفسهم حرجا منها؛ فكانت لهم عونا على تدارك النقص، وجبر الكسر، وأخذ الحذر، والتكامل في الأعمال، والتعاون على تربية النشء، وترك التشوف إلى ما فضل به بعضهم على بعض، ومجافاة المشاححة، فعلا شأنهم، وارتفع ذكرهم، وصلحت مجتمعاتهم.  وسمعها آخرون وأخريات فركبهم الشك، وأخذتهم العزة بالإثم، وأزتهم شياطين الإنس والجن، والذين يتبعون الشهوات؛ فتفلتوا، وتمردوا، فكان ما ترى من الفتن.. 6 ربيع الأول 1440  •

الخاطرة 101

النهي في قول الله تعالى: "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا" يدخل فيه كل الذرائع المفضية إلى الزنا، وهي كثيرة، مبينة في الكتاب والسنة، وقل أن تعثر في المنهيات على مثلها كثرة، للحاجة الشديدة إلى سد طرق الفتنة بالنساء، التي هي من أعظم الفتن، كما يدخل فيها ما يدفع المنهي عنه من المباحات والمأمورات.  فأولها: النهي عن التبرج، قال الله تعالى: "ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى "، وهذا خطاب لأزواج النبي صلى ا̖لله عليه وآله وسلم، وهن الطاهرات اللاتي أراد الله أن يذهب عنهن الرجس، والجاهلية الأولى هي ما قبل الإسلام، وقبل نزول هذه الأحكام.  وقال الله تعالى: "والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم"، خفف ا̖لله عن القواعد من النساء أن يضعن ثيابهن التي لا يؤدي وضعها إلى كشف العورة كالجلباب والرداء، ومع هذا قيد التخفيف بأن لا يقصدن بما يضعن منها إظهار الزينة، فيأثمن بمجرد القصد!! لأن الغرض التيسير عليهن، والخير أن لا يضعن!! ثم جاء التهديد بذكر الاسمين الكريمين، وإذا كان هذا فيمن لا ترجو النكاح من العجائز، فكيف بمن يرجونه من الكواعب؟.  وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير نسائكم الولود الودود المواسية المواتية إذا اتقين الله، وشر نسائكم المتبرجات، المتخيلات، وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم".  والغراب الأعصم هو الذي في جناحيه أو رجليه بياض، وهو نادر الوجود، فكذلك من يدخل الجنة ابتداء من المتبرجات المتخيلات، أي المختالات.  والتبرج إظهار المرأة محاسن ذاتها وثيابها وحليها وكل ما يستدعي شهوة الرجال، كالتبختر والتكسر والتعطر، وأصل التبرج الظهور والبروز.  ومن صوره كشف ما يجب ستره من الجسد، وهو ما عدا الوجه والكفين، على أحد القولين المأثورين عن السلف في تفسير الزينة الجائز إظهارها لغير المحارم والأزواج.  ومن صوره اللباس الذي يشف ويكشف تحته، فإنه كالعدم، ومنها ما كان منه ضيقا يصف الجسد، وأقبح ما عم في هذه السنين منه لبس النساء السراويلات التي كان ينكر لبس الضيق منها على الرجال، ويكرهه الفقهاء في الصلاة لتحديدها العورة، وهي مكروهة خارجها أيضا، فلما صار إليها النساء نسينا ما كنا ننكر، وألفنا ما هو أخطر منه، والعجب أن كثيرا من النساء صرن يغطين رؤوسهن ويكشفن أردافهن وأفخاذهن وسوآتهن، وقد يقال عنهن إنهن متحجبات، وقد أذيع أن الكونغرس الأمريكي دخلته أول مسلمة متحجبة!!  كثير من النساء اليوم لا يكتفين بإظهار محاسنهن، إنها جديرة أن تدعى مساوئ وا̖لله، فإن العورة تسمى السوأة لأن ظهورها يسوء من كان سليم الفطرة، تتقزز منها نفسه، وتكون قذى لعينه، ونفرة لقلبه .  إن نساء هذا الزمن لم يتركن شيئا مما يدخل في التبرج وفي سائر الذرائع إلى فاحشة الزنا إلا فعلنه، وقد جاء في الحديث: صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا "، ولا أحسب إلا أن هذين الصنفين قد ظهرا قبل قرون، أما نساء زماننا فقد تجاوزن هذا بكثير!! وأخشى أن يصل الأمر إلى ما جاء في حديث التسافد.  ولدرء شر فتنة التبرج هذه ولمن شاء أن يقي نفسه وأهله النار أقول: ينبغي تعويد الأطفال منذ الصبا على اللباس الشرعي بالتعليم قولا وفعلا، وقد نص العلماء على أنهم مطالبون بالأحكام عن طريق أوليائهم وحديث أمرهم بالصلاة لسبع وضربهم عليها لعشر والتفريق بينهم في المضاجع واعتبار حج من حج منهم حجة في هذا المقام.  ومن ذلك الامتناع من صنع الثياب المحرم الظهور بها وكذا المتاجرة بها ونقلها والإشهار لها ونحو ذلك .  ومنها إنشاء مشاغل في البيوت وخارجها لصنع الثياب التي تتوفر على ضوابط اللباس المشروع مع عدم حملها للشارات والرسوم المحظورة.  ومنها سن مساعدات مالية من الجهات الحاكمة لدعم هذه الأعمال. ومنها استثمار ذوي اليسار أموالهم في إنشاء الشركات التي تعنى باللباس المحلي التقليدي عموما ولباس المرأة المسلمة خصوصا .  ومنها تأسيس الجمعيات الخيرية النفعية التي تعنى بالترويج للباس المشروع وإشاعته وتوزيعه مجانا .  والعجب أن الجهات الإدارية والتربوية التي تجرأت على منع النقاب الذي هو طاعة ̖لله ولرسوله وأعانها عليه قوم آخرون لم تفرض إلى الآن الحد الأدنى من اللباس الذي يسمونه المحتشم فا̖لله المستعان .  سارعوا إلى الخيرات والمبرات، عسى أن تكونوا من السابقين، فإن في حديث نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: "في كل قرن من أمتي سابقون" . يا ابنتي إن أردت آية حسن** وجمالا يزين جسما وعقلا فانبذي عادة التبرج نبذا ** **فجمال النفوس أسمى وأغلى يصنع الصانعون وردا ولكن ** وردة الروض لا تضارع شكلا !! 11ربيع الأول 1440  •

الخاطرة 102

توسع الناس في وسائل إبقاء ذكرياتهم، وذكريات أقاربهم، وأصدقائهم، وزعمائهم، ومن يهوونهم، أو هم قدوة لهم، يعتبرون ذلك وفاء، ولمآثرهم تخليدا، ولأمجاد أوطانهم عرفانا. دخل في هذا إحياء المواليد، والوفيات، وبناء القبور، والكتابة عليها، وإقامة الضرائح، ونصب صور الزعماء في الإدارات، ونقشها على العملات. كثير منهم لا يبالون بأحكام الله، وقد يضمرون عدم مناسبتها لعصر النور كما يزعمون، أو يجهلونها، ويسكت العارفون لانتشار المخالفة، وكثرة المواقعين لها، كأن ليس في الأمر شيء، ليستمر مسلسل انتقاض أحكام الإسلام. ما الدافع إلى هذا الولوع المفرط بالقيم المادية؟ ألا يستخفي وراءه غلو في حب النفس أو الغير؟ أم هو الحرص على البقاء، والهروب المتوهم من الفناء؟ مسكين الإنسان، تائه حائر، كم يتعنى في خدمة جسده حيا، ويأمل في تخليد ذكراه ميتا، لا يكاد يدري ما يفعل، ولا يعرف ما قدره، أنسي أن الذي ينفعه إنما هو عمله وسعيه؟، وأنه منقطع بموته إلا ما استثني؟، وأن هذا الذي يدعوه تخليدا ليس هذا سبيله، ما له يؤمن ثم يعمل على خلاف ما يؤمن؟، قل صدق الله، وهو أصدق القائلين: "بل يريد الإنسان ليفجر أمامه"، أي هو ماض قدما لا ينزع عن فجور، مطيع أمله، مسوف توبته!! مما يلخص هذه الحيرة القديمة الجديدة في فكر معظم الناس قول لبيد بن ربيعة العامري رضي الله عنه: ألا تسألان المرء ماذا يحاول؟ ** أنحب فيقضى أم ضلال وباطل!! أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم * بلى كل ذي لب إلى الله واصل كان لبيد ذائع الصيت بجودة شعره، وحصافة فكره، واستقامة نظرته للحياة، وعمره الطويل في الجاهلية وفي الإسلام، وهو الذي قال: "ألا كل شيء ما خلا الله باطل"، فقال عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أصدق كلمة قالها الشاعر"، لكنه لما أسلم كف عن النظم، مع أن من الشعر حكمة، حتى إنه لم يقل بعد ذلك إلا هذا البيت: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ** حتى لبست من الإسلام سربالا فيا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به. ثبت في الحديث أن عدد الرسل ثلاثمئة وأربعة عشر، فهل تعرف قبر واحد منهم على وجه القطع غير نبينا صلى الله عليه وآله وسلم؟ وقد حُدِّث مالك رحمه الله عن موضع قبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال: وما أدراهم؟ فلو كان أحد يستأهل أن يبقى على ذكره بهذه الوسائل، أو كان من مقاصد الشرع أن تبقى القبور أبدا لكان الأنبياء أولى لصلاحهم وفضلهم، وعظيم نفعهم للبشرية، ولأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم. ما الحاجة إلى إقامة هذا التمثال للقائد العثماني البحار المغوار (بابا عروج) رحمه الله، لقد قالوا إن إنجازه استغرق خمسة أشهر!! أي إنجاز هذا والمصورون أشد الناس عذابا يوم القيامة؟ هل يعلم بهذا الآمر والصانع؟ أم إنها المصلحة المزعومة والتحسين والتقبيح الذي صار إليه كثير ممن يدعون مثقفين في هذا العصر؟ فحازوا في اتباع الأهواء قصب السبق، حتى إنك لتجد في المدينة التي لا يصل عدد سكانها الى خمسين ومائة ألف نحو عشرة تماثيل، فما أحسن مثلنا الشعبي الذي فيه (قش لالا غير هيادر)!!  فهل استنفذنا وسائل توثيق الصلات بيننا وبين دولة تركيا فلم نجد إلا إقامة هذا التمثال عربونا على الاعتراف بدور إخواننا في صد هجمات الإسبان؟ وهل هذا التمثال سيزيدنا معرفة بهذ القائد البطل؟ لم نلجأ إلى هذا العمل الذي جمع ثلاث مساوئ:  - كونه معصية لله تعالى ورسوله إذ أجمع المسلمون على تحريم نصب الصور الكاملة للأحياء فكيف بما كان منها مجسما؟.  - فيه تضييع أموال الأمة وتبذيرها في الآثام مع الزعم بان الوقت وقت تقشف!!  - التشبه بالكفار أو تقليدهم في أمر لسنا في حاجة إليه، وقد قال النبي صلى ا̖لله عليه وآله وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم"، وأقل ما يؤخذ من هذا الحديث التحريم.  قال بعض العلماء: "لقد حظر الشرع الإسلامي نصب التماثيل لأنها إما شرك، أو ذريعة إليه، أو تشبه بأهله، وهي على هذا الترتيب فيها التدلي، فأغلظها أولها، وأخفها ثالثها".  أقول: وهذا الثالث الذي هو الأخف محرم بالإجماع، فكيف لا يعرف هذا المحرم المجمع عليه وزير ثقافة في بلد مسلم؟:  فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة * وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم!! 16 ربيع الأول 1440  •

الخاطرة 103

لا يصح أن يحاج المسلمون بغير ما شرعه ا̖لله من الأدلة، وهي كتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وإجماع المسلمين، وغيرها اتفاقا واختلافا، فالرد على الباطل لا يكون إلا بالحق، وإلا مكنت للباطل في نفوس من تحاجهم، ورسخت الاحتجاج به من حيث لا تدري في أذهانهم، فخير للمرء أن ُيغلَب من أنَ يغِلب بالباطل.  لا جدال بالباطل، ولو لنصرة الحق، ولا جدال عن الباطل، ولو بما ظهر للناس أنه حق .  سمعت بعض الدعاة يقول منافحا عن انتقاب المرأة: اتركوا للمنتقبة حريتها، كما تركتم للمتبرجة حريتها!!، نهى عن منكر واحد، وأقر قاعدتين باطلتين: جعل التشريع من حيث لا يدري لغير الله، وأرجع التبرج والتحجب إلى الحرية الشخصية لا إلى شرع الله. ورد بعضهم على الأصوات المنادية في تونس بالمساواة في الميراث بين الذكر والأنثى فقال: إن المرأة ترث مثل الرجل أو أكثر منه في بعض الحالات، ثم ذهب يستعرضها.  أحكام ا̖لله القطعية لا تحتاج في تقريرها أن تظهر بمظهر المعتذر، أو تبحث لها عن مبرر، يكفي عن كل ذلك أن يذكر دليلها، ولا بأس ببيان العلل من غير تكلف، والوقوف على الحكم، وإلا فما الفرق إذا بين المسلم وغيره؟، وقد قال الله تعالى: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".  وقرأت لبعضهم ما يدل على سروره وهو يتحدث عن الانتقاب، ثم احتج أن الوزير الأول في بلادنا لم يذكر في منشوره أن النقاب ممنوع، فكأنه لو ذكره فالأمر كما قالت العرب: قطعت جهيزة قول كل خطيب.  واحتج بعض الدعاة التونسيين في مسألة الميراث بأن رئيسهم قد خرق الدستور لأنه ينص على أن الإسلام دين الدولة!!، فانتظر أن يقولوا لك: والدستور ينص على المساواة بين المواطنين وبين الرجال والنساء !!، سلسلة من التنازلات ما أدري إلى أين تنتهي.  تأمل قول الله ̖ تعالى: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق " ، فإن القذف هو الرمي، والدمغ إصابة الدماغ، والزهوق الذهاب والاضمحلال، من زهوق الروح وهو الموت، ففي هذه الآية أمور :  * أن الحق والباطل لا يجتمعان، والسعي في التوفيق بينهما قد يكون نفاقا، يتدثر أصحابه بمزاعم الإصلاح .  * وأن الباطل يدفع بالحق لا بالباطل، وإلا كان تمكينا له من حيث لا يدري الفاعل .  * وأن الحق يعلو على الباطل، دل عليه حرف الجر (على) الذي للاستعلاء .  * وأن دفع الحق للباطل يشبه الرمي في قوته!! ، لكن السلاح بيد حامله !!.  * وأن الحق يدمغ الباطل، أي يصيب مقتله كإصابة الدماغ من الإنسان، فلا تبقى له باقية .  * وأن إهلاك الحق للباطل سريع، بدلالة الفاء التي للتعقيب .  * ودل على سرعة زهوق الباطل بدليل إذا الفجائية .  فإذا رأيت خلاف هذا الذي قررته الآية في واقع الحياة؛ فليس ذلك لضعف الحق، بل لاختلال في التكافؤ، وتفرق في الصف، وتفاوت في الإسناد . 27 ربيع الأول 1440  •

الخاطرة 104

حدثت هذا المساء أن بعض الأطفال لما سمعوا بمظاهرات فرنسا المقررة يوم غد السبت تساءلوا عن بعض جيراننا الذين يترددون على باريس يخشون أن يصيبهم مكروه، بل طلبوا منا أن نمنعهم من السفر!!  فهل هي بداية أن يمس الضر الغرب كما مسنا؟ وأن يصيبه بعض ما أصابنا؟ أما آن له أن يتجرع مرارة تجرعناها غصصا متوالية، ونكبات متلاحقة تترى؟ .  ما كان لدين أو نظام غير الإسلام أن يصمد هذا الصمود في وجه هذا الذي أصابه من أنواع الغزو العسكري والثقافي والفكري والإعلامي والسياسي والاقتصادي، الذي امتد قرونا، والتقى عليه ابن الدار مع الطارئ الدخيل.  هل يسرنا ما يصيبهم؟ ألا يكون فيه اشتفاء من بعض ما نعاني من آلام نفسية وضربات مبرحة جراء ظلمهم وطغيانهم؟ وهل اهتزاز نظامهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يخفف من وطأة افتتان كثير من المسلمين أو المحسوبين على الإسلام بهم من العلمانيين والحداثيين والمقلدين الجاهلين، والكثير منهم في سدة حكم المسلمين؟ كيفما كان الجواب فإنه لا يعفينا من مسؤولية ما نحن فيه من التفريط في ديننا، والتخلف في دنيانا، ولا ينهض مبررا لما نحن عليه من الهزيمة النفسية إزاءهم، والتقاعس عن العمل، والجد في الابتكار والمغالبة.  لا يصح أن نلقي أسباب ما نحن فيه من تدهور على غيرنا، وليس صحيحا أن بداية استعمارنا هي بداية تخلفنا، إن الاستعمار كان نتيجة لذلك، وإن ازداد به تقهقرنا وهواننا كما قال نبينا صلى ا̖لله عليه وآله وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" .  الأصل فيما يصيب الخلق هو قول الله تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير، هي سنة ا̖لله العامة التي لا يعدوها بر ولا فاجر، ولن تجد لسنة الله ̖ تبديلا.  مع هذا فاعتقادنا راسخ أنه مهما كان جدهم الخارق العجيب في خدمة حياتهم، وتفانيهم في صيانة أنظمتهم، ومراجعتها باستمرار، وإعداد الخطط البديلة لتدارك ما يتوقع من الاختلال؛ فإن بذور الفناء كامنة فيها وا̖لله، وهي كفيلة بأن تقضي على ما فيها من إيجابيات لا يصح أن تنكر، بل ينبغي أن تحتذى.  إنها حضارة تنتج ما يدمرها، وإن فتنت الذين لا يوقنون بمظهرها، هي أشبه بعملاق رجلاه من خزف!!  وهل نسيت أنها عرفت أعظم مقتلة بشرية في التاريخ مات فيها 70 مليون قتيل!! في حربين ليس بينهما الا عشرون عاما؟ وقد قال ربنا: "إن ا̖لله لا يصلح عمل المفسدين"، وقال: "ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد ا̖لله".  نحن جازمون أن استقامة حياتهم في الظاهر ليس لسلامة منهجهم، ولا لصلاح نظام حياتهم، وصفاء تصورهم وتفكيرهم، لكننا نعي جيدا أن تأخر انهيار أنظمتهم مرده إلى انضباطهم في باطلهم، وتمضية قواعد العمل والمعاملة عندهم، وشعور شعوبهم بأن حكامهم يخدمون مصالحهم الدنيوية كما يرونها، فيحترمون أنظمتهم وقوانينهم، فيقع بينهم في الغالب الوئام والانسجام، وهي عوامل يستمسك معها الباطل ويقوى، ولكن إلى حين: "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل".  إنهم متى شعر أفرادهم بالحيف عملوا على استرداد الحكم ممن ليسوا له بأهل، إما بالانتخابات التي يديرون فيها ظهورهم إلى من أخل بالتزاماته، وإما باستقالة حكامهم، وإما بتصحيح المسار بالاحتجاجات والمعارضات .  لقد توسعوا في الفراغ الذي أحدثناه بأيدينا، إذ عملنا على طي بساط حضارتنا الربانية، ليقيموا هم على أنقاضها هذه الحضارة المادية البهيمية، بعض ثرائهم يرجع إلى الثروات التي منحنا الله ̖ إياها فأهدرناها إهدار السفهاء، وإلى كفاءاتنا العلمية التي لم نقم لها وزنا فيممت أرضهم، وبعضها إلى الأيدي العاملة التي عوضوا بها مجتمعاتهم الهرمة، ثم هم يستقوون باختلافنا وتفرقنا وضعفنا، فهل من مدكر؟ 30 ربيع الأول 1440 •

الخاطرة 105

الهجمة مستمرة على دين الأمة: في الحياة العملية التي لا تفتأ توغل في الصدود عن الحق، وبالحروب التي تشن على دواوين الإسلام ورجاله، وها هي تيمم صوب أداة التفكير المنضبط بالشرع، أعني طريقة التعامل مع نصوص الوحيين، فيدعى إلى الثورة عليها في قناة القرآن الكريم الفضائية الجزائرية، والغريب أن تجري هذه الهجمة تحت غطاء التنفير من التقليد، والداعي إلى ذلك مقلد غير واع لمدرسة الحداثة .  ظهر في هذه القناة الدكتور حاج دواق في مظهر الغيور على الإسلام، فكان من غيرته أن عاب على علمائه اعتمادهم في طريقة تفكيرهم على ما كان عليه الشافعي رحمه ا̖لله في القرن الثاني، حيث خدم عصره - كما قال - بأدوات اجتهاد كانت صالحة حينئذ، وليست هي اليوم كذلك، هذا مضمون كلامه .  ومما رآه أن العقل الإسلامي ينبغي أن يستفز، ليستجيب لمتطلبات العولمة، وليتمكن من مواكبة الطفرة العلمية الحديثة، وهذه دعوة سافرة إلى ذوبان المسلم في هذه الحضارة، والتخلي عن طريقة استنباط الأحكام الشرعية التي لا يختلف العلماء في جملتها، وكونها قطعية في أصلها، وإن اختلفوا في الكثير من تفاصيلها، ولا يخفى عنك - إذا تأملت - أن هذا أخطر من الدعوة إلى ترك مفردات الأحكام، انبهر الرجل بمحدثات هذا العصر وبريقه المادي الزائف، فعثر على العلاج في الدعوة الى ترك تقليد الشافعي في قواعد الاستنباط .  إن علم أصول الفقه نظام تفكير يصون العقل المسلم من التوهان والخبط حين تصديه لاستنباط أحكام ا̖لله تعالى من كتابه أو من سنة نبيه صلى الله ̖ عليه وآله وسلم أو بواسطة غيرهما من الأدلة التي دلا عليها، وقد عرفه أصحابه بأنه القواعد التي يتمكن بها من استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية .  وهو في تدوينه كعلم العربية، كان سليقة عند الأولين، ثم احتيج إلى ضبطه وتدوينه فصار ِعْلما ُيتلقى، وكذا الشأن في السنة التي ضبط علماء الحديث منهجها بما لم تعرفه البشرية من قبل ولا من بعد، إذ بلغ المنتهى في سبل التحري في إثبات الأخبار بعد أن امتدت سلسلة رواتها، وبعدت الشقة الزمنية عن مصدر الوحي .  وهكذا كان الأمر في أصول الفقه الذي سبق إلى فتح باب التدوين فيه الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه المشهور باسم الرسالة.  أما هذا الدكتور فيظن أن الشافعي اخترع هذا العلم من عنده، فأبدى امتعاضه من الاعتماد على فكره وقد مات؟!!، حري به بناء على هذا الفهم (البديع) أن يقول إن سيبويه لما دون (الكتاب) كان هو واضع لغة العرب لا مستقرئا لقواعدها من كلامهم، وأن الخليل واضع العروض هو الذي ألهم شعراء العرب تلك البحور قبل أن يخلق بقرون!!، وان شئت فقل له: فما بال الذين سبقوا الشافعي من أئمة المذاهب المدونة وغيرها؟، أتظن أنهم كانوا يخبطون على غير نظام ومنهج فيما ذهبوا إليه من الاستنباط؟، لو كان الأمر كذلك فلم التقت استنباطات كثير منهم من قبل الشافعي ومن بعده على زمر من الأقوال، وما جمعهم عصر واحد، ولا أمكنهم التواصي بالتوافق، ما الذي جمعهم على قطعيات الشريعة ومتواترها وأمهات مسائلها؟، ثم متى كان علماء المسلمين وهم ملتزمون بقواعد هذا العلم القطعية في الجملة؛ أسرى تفكير الشافعي رحمه ا̖لله أو سجناء تقليده إلا فيما لا بد لهم من الإذعان له؟، وقد قال الربيع رحمه الله في مقدمة مختصره وهو من أتباعه ومن نقلة علمه: "مع إعلاميهم نهيه عن تقليده وتقليد غيره"، أو لا يعلم هذا المتقول أن أهل السنة لا يرون العصمة لغير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم لا يقبلون أن يكون قدوتهم غيره مع عظيم إجلالهم للعلماء وتقديرهم، وإن كان فيهم المتعصبة المقلدة، وقد قال ابن عمر عن أبيه رضي الله عنهما: ألا تخشون أن تنزل عليكم حجارة من السماء؟ أقول لكم قال رسول ا̖لله، وتقولون قال عمر!! هذا مع ما لعمر رضي الله عنه من المنزلة العظيمة فإنه الخليفة الراشد المقتدى به بنص الحديث.  جهل الرجل أن علم أصول الفقه ليس تفكيرا إنسانيا مجردا، ولا فلسفة، فجعله من إنتاج الشافعي مضمونا وقواعد، ثم أنحى باللائمة على العلماء تقليد الأموات ونبزهم بالعجز عن تجاوز كلامهم.  أيليق بباحث مثل هذا الدكتور أن يتجاسر على ما لا علم له به، ومنه جهله أن هذا العلم مستمد من الكتاب والسنة، ومن لغة العرب التي هي لسانهما، ومن أحكام العقل التي لا يختلف الناس فيها، والشافعي إنما نال شرف السبق إلى تدوينه كما سبق إلى ضبط قواعد التعامل مع الأحاديث المتعارضة في الظاهر، وهو علم مختلف الحديث، لكن الناس لم يفهموا من هذا أن العلماء لم يكونوا يمارسون تلك القواعد في استنباطهم أحكام ا̖لله فيكون منهم المصيب والمخطئ.  إن قواعد هذا العلم لا تستمد من التجربة والاختبار ولا من التفكير المجرد، ولهذا لا يستقيم أن يقال إنها تعدل وفق محيط المستنبط وبيئته فتختلف من عصر لآخر، لاختلاف التجارب، وتطور العلوم، وتقدم المعارف والحاجاِت، والنوازل التي هال صاحَبكم أمُرها تحتويها الأدلة الشرعية من غير شك، دون أن يفهم من هذا أنها أداة طيعة في يد من أراد الاستجابة لما يحدثه الناس من المعاملات والسلوك والأنظمة مخالفين ما شرعه ا̖لله ورسوله، فإن لازم هذا أنها تابعة لا متبوعة، وأنها ليست الرسالة الخاتمة، ولو قيل هذا فيما سكت عنه الشرع رحمة بالخلق، وفي مناطق العفو التي تركت لأعراف الناس وعاداتهم وتجاربهم وهي كثيرة لكان ذلك حقا.  إذا أردت أن تعرف أمثلة تطبيقية لمنهج الاستنباط الذي دعا إليه هذا الرجل؛ فخذ ذلك مما أبدى استنكاره له وهو أن فريقا من المسلمين ما زالوا ينظرون إلى الكافر على أنه نجس! ويرون أن الكفار ملعونون! وهو مشفق من قول الفقيه في تفسير معنى تغيير خلق ا̖لله، فيراه ساذجا!!  ماذا يريد إذن؟ لا شك أن مؤدى هذا أن المشركين أطهار، وأن يمنع لعن الكفار، وأن يفسر تغيير خلق ا̖لله بما لا يتعارض مع تغيير خلق الذكر إلى أنثى، والأنثى إلى ذكر؟ وأن يقال بجواز الاستنساخ، وهب أنك ظفرت بمن يسمع لك؛ فهل تدعو إلى ترك تلاوة قول ربنا: "إنما المشركون نجس"، وقوله سبحانه: "فلعنة الله على الكافرين". ومما يستجيب به المسلم عند هذا الرجل لمتطلبات العولمة أن يكون ذا وجهين: أحدهما يلقى به التوحيديين، والآخر يلقى به الإلاهيين: تمخض الجبل فولد فأرا!!  وبعد: فإني لا أريد بهذا أن علم أصول الفقه غير قابل للتهذيب، ولا أنه غير مفتقر إلى الإصلاح: في طريقة عرض مباحثه، وكسر سورة ما في أسلوبه من تعقيد بلغ حد الالغاز، وكذا تجريده مما أقحم فيه من المباحث الغريبة عنه لكونها من اهتمام علوم أخرى كنشأة اللغة ووضعها، وتراكيب الكلام، ومسائل رواية الأخبار، والمباحث التي لا ثمرة من وراء الخلاف فيها، ورسالة الشافعي مبرأة من هذا كله، وللعلماء في هذا التهذيب جهود مشكورة، الله̖ الهادي . 5 ربيع الثاني 1440  •

الخاطرة 106

الزوج في لغة العرب ضد الفرد، وهو الشيء يقترن بغيره، كما قال الله تعالى: "جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرأكم فيه"، ويطلق على أفراد الجنس يجمعهم وصف ما، يكونون به مجموعات، كما قال الله تعالى: "وكنتم أزواجا ثلاثة"، وقال: "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم"، أي قرناءهم. والتزاوج سنة كونية عامة، يقف الناس على كنهها في بعض الأجناس، ويجهلون وجهها في كثير من المخلوقات من الأحياء والجماد، تدخل فيها صلة الذكر بالأنثى، وما بين المعاني من التكامل، أو من التقابل والتضاد، ومنها السالب والموجب في الكهرباء. وقد دل على شمول هذه الثنائية المخلوقات كلها قول الله تعالى: "سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون"، وما أكثر ما لا نعلم من هذه الأزواج، ومن أسرار ما نعلم منها، وقال: "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون"، وهذا يعم المخلوقات كلها، وبعدها: "ففروا إلى الله"، أي إذا كان الأمر كذلك فلا يكون اللجأ إلا إلى الله لأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وهذا نظير قوله تعالى: "ليس كمثله شيء" عقب تقرير السنة الكونية في التزاوج في سورة الشورى، فالتزاوج في المخلوقات من أعظم البراهين على وحدانية الله. والتزاوج في الحيوان والنبات الذي هو وسيلة التكاثر والتوالد وما دونها من المصالح والمنافع، سخر الله لحصوله أسبابا يتم بها، منها الغرائز في الإنسان والحيوان، ومنها وسائل التلقيح الأخرى في النبات كالرياح والحشرات والماء، أما تدخل الإنسان في التلقيح فهو استثناء، وأبرز محل له فيما أحسب النخل يؤبر، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وآلله وسلم حين هاجر إلى المدينة، ثم ترك أمره للناس لأنه من أمور الدنيا، فما حقيقة نهيه؟، وما وجه إذنه؟، وما معنى أنه من أمور الدنيا والحال أنه صلى الله عليه وآله وسلم أعلم بمجال التشريع من غيره الذي يرجع إلى التجربة والاختبار؟، فلننظر في نصوص الأحاديث الواردة في التأبير أولا، ثم لنقف عليها بما قد يصلح جوابا عن تلك الأسئلة . 16 ربيع الثاني 1440 •

الخاطرة 106

(02) أذكر في هذا الجزء الأحاديث الواردة في تأبير النخل، وقد جاءت عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، منهم أم المؤمنين عائشة، وأنس، ورافع بن خديج، وطلحة، وجابر بن عبد الله، وهي في الجملة في مسند أحمد، وأبي داود الطيالسي، والبزار، وصحيح ابن حبان، وسنن ابن ماجة، ومعجمي الطبراني: الأوسط والكبير، وغيرها، وأحاديث الأربعة الأول هي في صحيح مسلم. فمنها ما رواه عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: "قدم نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وهم يأبرون النخل: يقولون يلقحون النخل، فقال: ما تصنعون؟" قالوا: كنا نصنعه"، قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا"، فتركوه، فنفضت، أو فنقصت، قال: "فذكروا ذلك له فقال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر"، وهو في صحيح ابن حبان والمعجم الكبير للطبراني . وروى عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: "مررت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوم على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء"؟، فقالوا: "يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال: "ما أظن يغني ذلك شيئا، قال: "فأخبروا بذلك فتركوه"، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل"، وهو في مسند أحمد، وأبي داود الطيالسي، والبزار، وسنن ابن ماجة . كما روى عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بقوم يلقحون، فقال: "لو لم تفعلوا لصلح، قال فخرج شيصا، فمر بهم فقال:"ما لنخلكم؟!، قالوا: قلت كذا وكذا"، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" . وروى الطبراني في معجمه الأوسط عن جابر قال: "أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس يلقحون النخل، فقال: "ما للناس؟! قال: "يلقحون يا رسول الله، قال: "لا لقاح"، أو ما أرى اللقاح بشيء" فتركوا اللقاح، فجاء تمر الناس شيصا، فقال: "ما أنا بزارع، ولا صاحب نخل، لقحوا". غريب الحديث: قوله "يأبرون"، هو ثلاثي، ويقال أيضا يؤبرون رباعي، ومعناه يلقحون، وقد فسر التلقيح في الحديث بأنه وضع الذكر على الأنثى، وقوله "شيصا"، هو الحشف، التمر الذي لا لحم فيه، أو الذي لا يشتد نواه ويقوى، وقوله "فنفضت"، أي تساقط تمرها، وقوله "نقصت"، النقص لازم للنفض، ومن المجرب عند فلاحي جهتنا أن وضع ذكر شجر التين على أنثاه يقل به النفض، وأذكر في الجزء الآتي إن شاء الله كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التأبير وأقوال أهل العلم في معنى هذه الأحاديث. 19 شهر ربيع الثاني 1440 •

الخاطرة 106

(03) ظاهر أحاديث تأبير النخل التي قيلت في المدينة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ما لم يعهده من قبل وهو التأبير، وقد شكك في ذلك بعضهم محتجا بكونه عربيا نشأ في بلاد العرب، وعمره كان يومئذ ثلاثا وخمسين سنة، فكيف يجهل التأبير؟، وسيأتي ذكر ما فيه . وفي الأحاديث دلالة على أن إنكاره قد تكرر، لاختلاف الألفاظ، وتعدد الرواة، وانه قد شاع وعلم، فبلغ أم المؤمنين عائشة، وأنه لم يوح إليه فيه شيء رغم طول المدة. وكلامه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأحاديث ذو مقامات ثلاثة: الأول هو سؤاله عن التأبير، ومنه قوله: "ما للناس"؟، وقوله: "ما تصنعون"؟، وقوله: "ما يصنع هؤلاء"؟، وهذا سؤال عما يعني، لما قد يترتب على الجواب من حكم بالجواز أو المنع، ولأن الأصل بناء الأعمال على العلم بالشرع، وهو دليل على استمراره على الإنكار لتعدد الوقائع، والسؤال لا يلزم أن يكون لتطلب الفهم، بل قد يقع من أجل ترتيب الحكم عليه، وفي حديث عائشة ابتدأ بالإنكار من غير سؤال . والمقام الثاني هو مقام الإنكار، وأشده قوله "لا لقاح"، إذ معناه لا لقاح مشروع، فيكون نهيا، وعمومه يتعدى تأبير النخل إلى غيره من تلقيح النبات، بل إنه يتجاوز ذلك إلى كل تلقيح في الحيوان أو النبات يكون بفعل الإنسان، وهو في الحيوان من القياس الأولوي، للاستغناء عنه بالغريزة الجنسية، ودون قوله: "لا لقاح"؛ قوله: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا"، وقوله: "لو لم تفعلوا لصلح"، يليه "ما أظن يغني ذلك شيئا" . والثالث مقام الإذن والإقرار، وفيه قوله: "إنما أنا بشر: إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر"، وأصرح منه قوله: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، ومثله في المعنى "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه"، لكنه علق الجواز على حصول المنفعة، وحرف "إن" يفيد قلة وقوع ما يدخل عليه، مما يشير إلى أن الأصل عدم الجواز، فلعله هو الذي تمسك به حين أنكر التلقيح، وأقوى من ذلك كله قوله في حديث جابر إن صح: "لقحوا" . وقوله في حديث رافع: "وإذا أمرتكم بشيء من رأيي..الخ"؛ قد لا يكون بلفظه، لقول عكرمة بن عمار أحد رواته: "أو نحو هذا"، لكن ينبغي التنبه بخصوص الرأي إلى شيئين: أولهما أن الرأي المذموم هو ما كان في مقابل الدليل، وهذا هو الذي يحمل عليه كلام السلف ومن دونهم من العلماء في ذمه، والثاني أن رأي الذي يعيش للشرع ويذعن له، وقد خالط الحق دمه ولحمه ليس كرأي غيره ممن على خلافه، فكيف بالنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ . وقد يقال إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما أنا بشر"، خرج مخرج الاعتذار، فكيف ذلك؟، فالظاهر أن المقصود من ذكر بشريته هنا تقرير أنه مثل غيره فيما يخضع للتجربة والاختبار، لكن تقريره لهذا الأصل لا يلزم منه أن يسوى بغيره فيه، وحمله الأبي شارح صحيح مسلم رحمهما الله على أمر آخر فقال: "هذا كله إعتذار لمن ضعف عقله خوف أن يزله الشيطان فيكذب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فلم يقع منه ما يحتاج إلى عذر . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، لا يراد به العموم، بل هو عموم مراد به الخصوص، فالمقصود ما كان من القبيل الذي ورد عليه، يفسره قوله : "ما أنا بزارع ولا صاحب نخل"، وإلا فما أكثر أمور الدنيا التي تناولها الدين بالتشريع الذي لا يختلف المسلمون في لزومه. ويتجه هنا سؤال مهم، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن سلمنا بأنه في هذه الأمور كغيره لأنها ليست من أمور الدين إلا أنه من غير شك أعلم من غيره بأمور الدنيا التي ليست موضع تشريع، فكيف أنكر التأبير إن كان من الأمور التي لا يدخلها التشريع؟، وللحديث تتمة . 23 ربيع الثاني 1440 •

الخاطرة 106

(04) أذكر في هذا الجزء بعض أقوال الناس التي عرفتها في أحاديث التأبير وهي أربعة: الأول: وهو الذي عليه جمهور أهل العلم أن إنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتأبير خطأ في أمور المعاش لأن مردها إلى التجربة والاختبار، ونظير ذلك همه بالنهي عن الغيل فلما علم أن فارس يفعلونه فلا يضرهم أذن فيه، لقلة الضرر في مقابل المصلحة الغالبة، وهذا هو ما مدلول الترجمة التي في صحيح مسلم وهي (وجوب امتثال ما قاله شرعا، دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي) . قال النووي رحمه الله، قال العلماء: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من رأيي"، أي في أمر الدنيا ومعايشها، لا على التشريع، فأما ما قاله باجتهاده ورآه شرعا، (فـ)يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله"، وقال: "وقال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرا، وإنما كان ظنا،...، ورأيه صلى الله عليه وآله وسلم في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها"، انتهى، قلت: "تكرر الإنكار منه صلى الله عليه وآله وسلم للتأبير، وهو يراه شائعا معمولا به، ويخبرونه أنهم كانوا يفعلونه، وأنهم يضعون الذكر على الأنثى فتلقح، لا يساعد على إطلاق هذا الذي قاله النووي رحمه الله. وأرجع الطحاوي في كتابه (شرح مشكل الآثار) ذلك إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرى "أن الإناث في غير بني آدم لا تأخذ من الذكران شيئا، وهو الذي يغلب على القلوب، ولم يكن ذلك إخبارا عن وحي؟..."، انتهى، قلت: يخدش في هذا القول أن الفطن إذا علم أن من النخل ذكورا وإناثا يتجه ذهنه إلى الغاية من ذلك، ولا بد من علاقة، والفطانة من صفات الأنبياء اللازمة . والقول الثاني يقع في مقابل الأول، ومضمونه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عربي نشأ في بلاد العرب، وكان عمره حين الهجرة ثلاثا وخمسين سنة، فكيف يسوغ أن يقال إنه يجهل أن النخل يصلح بالتأبير؟، وأول من علمته قال هذا قبل أكثر من أربعين سنة هو الأمير عبد القادر الجزائري رحمه الله في كتابه (المواقف)، وهو ليس عندي الآن لأثبت كلامه، وكتابه هذا فيه أباطيل عقدية كثيرة، وقد أنكر بعض حفدته نسبته إليه، وقد وجه الأمير عبد القادر الحديث بأنه أراد أن يصرفهم عن الاعتماد على الأسباب في تحصيل المنافع، ويرد هذا القول أن النبي صلى الله عليه واله وسلم يمتنع ان يلجأ في هذا الأمر العقدي إلى التعمية فينهاهم عن التأبير، ثم يأذن لهم، بل الحديث نفسه يرد هذا القول لأن ترك التأبير أفضى إلى فساد الثمرة، وهو أمر يربطهم أكثر من ذي قبل بالسبب، ثم إن هذا القول يرفع الثقة بالأخبار وبأخذ المعاني والمقاصد من الألفاظ، والالتفات إلى الأسباب من غير اعتقاد أن الله خالقها شرك، والإعراض عنها حمق وتفريط وتواكل، واصطناعها -لأنها مشروعة- طاعة وتوكل وتوحيد. وقريب من هذا ما ذكره الشيخ محمد عوامة في كتابه (حجية أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصوليا وحديثيا..)، ومما قاله: "إن مما يقرره علماء العقيدة والكلام ضرورة العقل الكامل في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عامة، للقيام بحسن الدعوة والتعامل، وبيان شريعة الله لأقوامهم، فهل يوصف بالعقل الكامل من يجهل بدهيا من بدهيات قومه، وأمرا ضروريا من ضروريات معاشهم"؟ ومما ذكره لتقوية ما ذهب إليه معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدقيقة بشوك السعدان مع أن موطنه نجد، كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري عند الشيخين، حيث قال في وصف الصراط: "عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيقاء تكون بنجد يقال لها السعدان"، قال: "فمن عرف هذا الوصف الدقيق لشوكة غليظة تكون في بادية نجد لا في بادية الحجاز..، هل يخفى عليه حاجة النخيل إلى تلقيح؟.." لكنه سدده الله لم يقدم جوابا عن الأحاديث، بل اكتفى ضمنا باستبعاد ظاهرها كما ترى، وفي كلامه ما يتعقب. 25 ربيع الثاني 1440 •

الخاطرة 106

(5 ) القول الثالث هو النسخ، ذكره الحافظ محمد بن موسى الحازمي الهمداني في كتابه (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)، اذ ترجم للمسألة بقوله "نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن لقاح النخل، ثم الإذن بعد ذلك"، ومن قال بالنسخ أخذه من حديث جابر الذي رواه الحازمي بسنده، وقد سبق ذكر رواية الطبراني له، كما رواه الطحاوي: الثلاثة من طريق مجالد بن سعيد عن عامر الشعبي عن جابر، وفيه قوله : "لا لقاح"، وهذا أبلغ في النهي، ثم قال بعد ذلك "لقحوا" . قال الحازمي: "ذهب بعضهم إلى أن قوله "لا لقاح" في حديث جابر صيغة تدل على النهي، نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، و"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، قالوا: ولا يقال إن هذا من قبيل المصالح الدنياوية، ولا مدخل له في الأحكام الشرعية، لأن للشارع أن يتحكم في أفعال العباد كيف أراد، فهو من قبيل قوله تعالى: "فإذا طعمتم فانتشروا..."، ثم علل رده هذا الذي نقله من دعوى النسخ قائلا: "لأن المسلمين اتفقوا على استحالة وقوع ما يناقض مدلول المعجزة في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بدليل العقل، وذلك نحو الكفر والجهل بالله تعالى والكذب والخطإ في الأحكام الشرعية والغلط، غير أن طائفة ذهبت إلى جواز الغلط عليهم فيما يثبتون بالاجتهاد، لكنهم قالوا لا يقرون عليه..."، ثم انتهى الحازمي إلى أن الحديث يحتمل المذهبين، على ميل منه إلى القول بالنسخ .  قال كاتبه: ما رد به الحازمي دعوى النسخ ليس واضحا، لأن قوله "لا لقاح" ليس خبرا، حتى يقال إن النسخ لا يدخل الأخبار، بل المعنى لا لقاح مشروع، فهو حكم تكليفي، فلو ثبت حديث جابر باللفظ الذي صدر به الحازمي، واعتمد عليه من نقل عنهم القول بالنسخ؛ لأمكن التسليم لما قالوا، لكن الحديث فيه مجالد بن سعيد وكان قد اختلط كما قال الهيثمي في (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد)، فلو رد الحازمي القول بالنسخ بضعف الحديث لكفى، وليس من السهل أخذ النسخ من الألفاظ الأخرى.  القول الرابع: يقف عليه من تأمل الألفاظ التي صحت في أحاديث التأبير في جانبي الإنكار والإقرار، فإنه لا يجد فيها ما فيه جزم بالمنع، ولا ما هو صريح في الجواز دون قيد، فاستحضر قوله صلى الله عليه وآله وسلم "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا"، وقوله "ما أظن ذلك يغني شيئا"، وقوله "إن كان ينفعهم فليصنعوه"، وقوله: "وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر"، فهي دائرة بين الظن، والرأي، وتعليق الجواز على النفع، والتفريق بين ما كان دينا، وما كان من أمور الدنيا المتروكة للناس، وكلام الشارع لا يصح أن يضرب بعضه ببعض، والمقدم عند علماء الأصول هو الجمع بين الأدلة وطاعتها جميعا، فإن لم يتأت الجمع وعلم التاريخ كان المتأخر ناسخا، وإن جهل التاريخ اعتمد على الترجيح، والمرجحات كثيرة، والجمع هنا متيسر. فإن تساءلت عن وجه التردد الذي تبين لك من كلام المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم؛ فاعلم أن مرده إلى التعارض بين أصل غير مشروع علمه من سنة الله في تلاقح الحيوان والنبات، واستثناء من ذلك الأصل لم يعلمه، وهو تدخل الإنسان، وسيأتي لهذا الأمر إن شاء الله مزيد بيان، والله المستعان. 28ربيع الثاني 1440 •

الخاطرة 106

(7) أكثر ما عرفه العرب من تلقيح النبات تأبير النخل، قال صاحب مقاييس اللغة ما معناه: اللقاح في لغتهم يدل على إحبال ذكر لأنثى، ثم يقاس عليه ما يشبه، ومنه لقاح النعم والشجر، أما النعم فتلقحها ذكرانها، وأما الشجر فتلقحه الرياح". أما التهجين فلم يشع في لغتهم استعماله في النبات، بل قصروه على الحيوان متى لم يكن نتاجه خالصا، أو حصل قبل وقته، كما استعملوه في النطق المدخول، فيقولون: في نطق فلان هجنة، ويقولون هجين لمن أبوه خير من أمه، ويطلقون الهجنة على غلظ الخلق في الخيل كغلظ البراذين، والهاجن التي تحمل قبل وقت السفاد، ويقولون: نكح فلان في بني فلان (فبغلهم!!)، أي هجن اولادهم، ويقولون: أهجنت الشاة إذا حمل عليها في صغرها، وربما قالوا نخلة مهتجنة إذا حملت وهي صغيرة. وإنما لم يشع في لغتهم تهجين النبات؛ لأنه يحصل من غير فعل الناس بين فصائل الجنس الواحد، وأحسب أنه يحصل في الحيوان على نطاق أقل من النبات، والعبرة اختلاف الألوان والأشكال مع اتحاد الاصل، قال الله تعالى: "ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك"، وقال: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج". فهذا التهجين هو السبب في تعدد الأصناف في الحيوان والنبات من حيث الشكل واللون والحجم والطعم والريح والصلابة واللين وغيرها، إذ يحصل بذلك بعض التغيير في مكونات التوريث، كما قد يحصل بالمناخ والتربة والماء. ثم انتقل التهجين من هذا الذي ذُكر ومن المعالجة المحدودة التي قد يقوم بها الإنسان إلى صناعة تخصص لها المخابر، وتمارس على نطاق واسع في النبات وفي الحيوان لأغراض كثيرة منذ نهايات الثلث الأول من القرن الميلادي العشرين، ثم تزايدت الأغراض واختلفت مع مرور الزمان، ومنها الحصول على نبات جديد، أو سلالة على صفات خاصة مرغوبة لونا وطعما، ووقت نضج، ومقاومة للأمراض وللحد من تأثير الحشرات والظروف المناخية. ثم تجاوز الأمر هذا الحد إلى التدخل في تعديل المورثات لأغراض اقتصادية في الغالب، وقد تكون لمجرد البحث ولحب الاطلاع كما في الاستنساخ، ومما صار معروفا من هذه الأغراض: * تغيير شكل الثمرة الكروي إلى الشكل المكعب ليتناسب مع التعبئة!! * ومنها تغليظ قشر الثمرة لوقايتها من الفساد مدة ما!! * ومنها توفير ظروف مناخية لا تتوفر في الطبيعة بالزراعات البلاستيكية. * ومنها حفظ الخضر والفواكه مدة ما في البيوت المبردة. * ومنها التحكم في النضج بتوفير درجة الحرارة المناسبة في تلك الغرف. * ومنها قصر صلاحية الحب على البذر أو الاستهلاك!! ويقول الذين يعنون بالتاريخ لهذا الأمور إنه قد تم بيع بذور الذرة المهجنة للمزارعين أول مرة عام 1922 وبحلول منتصف الأربعينيات من القرن الماضي كانت معظم نباتات الذرة المزروعة في المناطق الرئيسة من النوع المهجن، أما اليوم فقد عم التهجين غير الذرة من الحبوب، وصرنا نعرف البذور المهجنة برموز خاصة تدون على أوعيتها. إذا كان كل هذا قد تم في أقل من قرن فلك أن تتساءل عن الحد الذي سينتهي إليه هذا المسار في تغيير خلق النبات، وطمس معالم تميز اجناسه، وما لذلك من الأثر على الإنسان. لست مؤهلا للكلام عن تفاصيل هذا التأثير، لكن بإمكاني القول غير متردد إن الناس قد تجاوزوا في هذا التدخل القدر النافع لهم، وهو الذي أذن به النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: "إن كان ينفعهم فليصنعوه"، وماذا وراء النفع غير الضر بصحة الناس؟ والكلام هنا لأهل التخصص، وإن كانت بعض الآثار بادية، 4 جمادى الأولى 1440 •

الخاطرة 106

(8) روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان - يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم - عبدا مأمورا، بلغ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء، إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس".  وروى أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "أهديت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا الحمير على الخيل، فكان لنا مثل هذه"!! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما يفعل ذلك من لا يعلمون"!. قارن بين صيغة الإنكار على تدخل الإنسان في تلاقح الحيوان، وما سبق ذكره في إنكاره تأبير النخل، ثم إذنه المعلق على النفع، أما هنا فأنكر مطلقا، مع أن البغال نفعها عظيم للناس . قال الخطابي في شرحه لسنن أبي داود المسمى (معالم السنن): "يشبه أن يكون المعنى في ذلك -والله أعلم- أن الحمر إذا حملت على الخيل تعطلت منافع الخيل، وقل عددها، وانقطع نماؤها، والخيل يحتاج إليها للركوب والركض والطلب، وعليها يجاهد العدو، وتحرز الغنائم، ولحمها مأكول..، إلى أن قال: إلا أن يتأول متأول أن المراد بالحديث صيانة الخيل عن مزاوجة الحمر، وكراهية اختلاط مائها بمائها، لئلا يضيع طرقها، ولئلا يكون منه الحيوان المركب من نوعين مختلفين". فأنت ترى أنه علل الحكم بعلة مركبة، ومن أجزائها منافع الخيل في الجهاد، وأكل لحومها، وبعض ما علل به قد انقطع، وبعضه مختلف فيه، والتعليل بالعلة الدائمة مقدم، لأن الدوام هو الأصل في الأحكام، حتى قال العلماء إن الحكم وإن نص على دوامه كان قابلا للنسخ لأن ذلك هو أصله، قال في مراقي السعود: وينسخ الإنشا ولو مؤبدا ** والقيد في الفعل أو الحكم بدا. والعلة المذكورة هو ما قاله الخطابي ممرضا من أن المراد صيانة الخيل عن مزاوجة الحمر، أقول:  لا خصوصية للخيل، لأن الذي أنكره النبي عليه الصلاة والسلام هو تدخل الإنسان في تلاقح الحيوان، فهذا هو الأصل، قال الله تعالى: "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم"، وقال الله تعالى: "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلاب وهي غير مأذون في اتخاذها ولا في بيعها: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا كل أسود بهيم". إذا كان تدخل الناس في تهجين النبات قد ظهرت بعض أضراره نتيجة تجاوز حد تحصيل المنفعة المشروعة كما سبق ذكره؛ فإنهم أوغلو إيغالا عظيما في تهجين الحيوان، ووصلوا بتطبيقاته إلى ما يصح أن يعتبر إفسادا للأجناس، ومنه ما هو طريق إلى إفساد الأنساب، وإلى المحرم الذي لا يختلف فيه المسلمون، وإن كان قد حقق بعض المنافع، كخروج بعض الحالات التي كانت تظن عقما في الناس، فعولجت بطريقة أطفال الأنابيب، والتلقيح الصناعي. ومن الأمور التي هي محرمة، أو مفضية إلى المحرم، أو إلى إفساد طبائع الأشياء لما فيها من مخالفة ما فطر الله المخلوقات عليه: * اختصار دورة الحيوان الجنسية في لقاح يوضع في رحم الأنثى!! * ابتكار وسائل تحرك الغريزة للحصول على التوالد في أوقات معينة. * استخراج لقاح الحيوان وحفظه وبيعه وقد أقبل كثير من الدول عليه لرخصه. * حفظ لقاح الانسان واستخدامه. * ومن آثاره فساد الأنساب إذ يمكن أن تحمل من تشاء بمن تشاء!! * ومن آثاره إمكان حمل المرأة من زوجها بعد موته!! * ومن آثاره كراء أرحام النساء لاستقبال الجنين الناتج عن التلقيح. لعل في هذا الذي كتبته عن حديث تأبير النخل ما يجلي وجه إنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك التأبير، ثم إذنه فيه مقيدا، حيث جاء هذا الذي أشرت إليه من توسع الناس في تهجين النبات والحيوان ما علم به وجه ذلك. لقد رأينا من العلماء الربانيين من أنكر أشياء في بداية أمرها لم يتفطن لها غيره، ثم استفحل أمرها، وانتشر خطرها، وقد ذكرت أمثلة عنها في غير هذا الموضع، وقد قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يوتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به"، فإذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء فكيف بالأنبياء؟، وكيف بمقدمهم وسيد ولد آدم الذي ختمت شريعته الشرائع، وجاءت حافظة لمصالح الخلق في الدنيا والآخرة؟ فاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، والحمد لله رب العالمين. 21 جمادى الأولى 1440 •

الخاطرة 107

* قرأت مقالا لأحدهم ينكر حديث "الخلافة في قريش"، ملمحا أن القرشيين اختلقوه ليستولوا على الحكم، وقال بعضهم لنستبدل (غير المسلمين)، بكلمة (الكفار)، ولنترك تقسيم البلدان إلى (دار الإسلام) ودار الحرب (الكفر)، لثقلها على سمعه!، فقلت متندرا: يريد أن يكون العالم للدواب فقط!!، لأنها غير مكلفة!!، وكذب آخر حديث: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر دواء"، ونال من راويه أبي هريرة رضي الله عنه، أكثر الصحابة حفظا للحديث، وأحرصهم عليه بشهادة المعصوم، وهو من المهاجرين، وكراهية الأنصار نفاق، والمهاجرين مقدمون عليهم. * كذب الزاوي وسخافة فكره لا تحتاج إلى بيان، لكن أمثاله كثر، لكنهم يستخفون، فهم أخطر منه، وأحسن أحوالهم أن يكونوا كالمعتزلة مع الفارق الكبير الذي لا يخفى عنك بين أولئك وهؤلاء، فلنعرض عن جهالتهم، ولننظر في حكم خوضهم فيما لا يعلمون . جاء قول الله تعالى: "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ياتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين"، في المشركين الذين كذبوا بأن القرآن من عند الله، زاعمين أنه مفترى وأساطير الأولين:  * فقوله تعالى"بما لم يحيطوا بعلمه" قاعدة منهجية عظيمة، هي امتناع التكذيب بالخبر، ما لم تبحث تفاصيله، وتعرف معانيه، ويستفرغ الجهد في استقصائه، واستعراض محتملاته، وقد يلزم معرفة بيئته، متى جاء ممن الأصل فيه أن يصدق، بل اللازم حينئذ هو التصديق، فإن التثبت إنما يكون في خبر الفاسق، كما قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا"، وقال: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم"، والمكذبون يعلمون صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال الله تعالى: "أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون"؟، فكل من كذب بما لم يحط به علما مذموم، وموبخ ملوم، وهو مما يقرع به يوم القيامة: "حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون" . * التكذيب بالخبر الصحيح تكذيب للمخبر، واستنقاص لمن تلقاه، وتجهيل للعامل على وفقه، ورفع للثقة بأي منقول، مع أن النقل أصل الدين، فكيف إذا اتجه التكذيب لأمة بكاملها، من محدثيها ومفسريها وفقهائها ومؤرخيها وحكامها، أهذه هي المرجعية التي يدعون إليها ؟. * من خالط كتب المحدثين وشروحهم استيقن انهم لا نظير لهم في اقامة هذا الميزان العلمي في البحث عن الأخبار من جانبي الرواية والدراية، والإحاطة بتفاصيلها، وتتبع طرقها، واختلاف ألفاظها، قبل أن يصدروا الحكم عليها، فرحمهم الله، فأين المنهج العلمي في كلام هؤلاء الكذبة، وهو لا يفتأون يتغنون بالفكر وعمق البحث، والحياد في إصدار الأحكام؟ !!، إن صبرهم على فهم كلام الناس، والبحث له عن المخارج لعظيم، وإن أدبهم مع الفسقة الكفار، والعابثين الفجار، يفوق بكثير - والله - جهدهم في تفهم كلام ربهم وسنة نبيهم إن كانوا مسلمين، بل أجزم أن بعضهم يرى عبثا أن يفتح سفرا من أسفار علمائنا العظام ليفهم معنى آية، أو يعرف تأويل حديث، فهم كما قال الله تعالى: "ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون"، لم يحترمون كل اختصاص غير علوم الشرع؟، فيستثقلون أو ينكرون كل ما لم يتسق مع أذواقهم وأهوائهم وعاداتهم . * وقوله تعالى: "ولما يأتيهم تأويله" أي كذبوا ولما يأتهم مصداقه، وهو متوقع بما يصيبهم مما أوعدوا به من الغلب والانكسار، أو من الحقائق التي لم يحن وقت ظهورها، إنهم المتعجلون، كلما رأوا ظواهر الأمور على خلاف فهمهم للنصوص ردوها، قصر نظر، وضيق عطن، قبل عقود استمعت إلى أحد الكتاب الإسلاميين يرد حديث أبي بكرة المرفوع وهو في البخاري: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، بحكم مارغريت تاتشر لبريطانيا، وباندرا نايكا لسرنديب، ومايير لليهود، ومقصوده أن (الفلاح) قد حصل لهذه الشعوب التي حكمتها النساء فكان هذا دليلا على بطلان الحديث عنده !! . * وقوله تعالى: " كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين"، فيه تشبيه تكذيبهم بتكذيب الأمم السابقة لرسلهم، والدعوة إلى الاعتبار بما جرى لهم، فهو تسلية لكل متمسك بالحق داع إليه، والآية وإن كانت في المشركين فلا مانع أن ينزع بها في الإنكار على كل من رد الحق، فإن المكذبين بما لم يحيطوا بعلمه دركات:  * المكابرون الذين استيقنوا الحق وجحدوه، كما قال الله تعالى: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين" . * والجاهلون الذين لا علم عندهم . * والمتبعون للشبهات، قال تعالى: "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه"، وفي الحديث: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" * التاركون لما ترجح عندهم . * والمعتمدون على العادة والتقليد . * ومن حجتهم استبعاد عقولهم . 16 جمادى الأولى 1440 •

الخاطرة 108

قال الأخ هشام الهاشمي في تعليقه على شيء كتبته "يكفينا من كلامك استئناسنا وتخفيف الوحشة في هذا الزمان زمن الإلحاد والانتكاس" . ذكرني كلامه وفقه الله بتقصيرنا في بث الأمل، وذكر المبشرات، فإن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وهو من هو في ثقته بربه واستيقانه أن العاقبة للمتقين، فإن الله يقص عليه من أخبار إخوانه الرسل ما يثبت به فؤاده، وينهاه فيقول له"ولا تحزن عليهم"، ويقول: "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات"، ويقول: "لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين"، وقال لبعض أصحابه: "والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"، وهذا عن زمانه، وجاء عنه ما يتجاوزه مما أدركته أجيال المؤمنين ومما ستدركه، وقد أخبر وهو الصادق أن خلافة النبوة من بعده ثلاثون سنة، ثم ذكر أنواعا من الحكم، وختم بخلافة النبوة مجددا، فعلى هذا المنوال ينبغي أن نسير . فلا تجعل أيها المؤمن لليأس سبيلا إلى نفسك، مهما عظمت وطأة الباطل، وأرغى وأزبد دعاته، بل لو رأيت من نصب اللات والعزى يعبدهما فاجعله أمارة على قرب الفرج، لكنك مع ذلك تنهى وتأمر وتسعى في الإصلاح . اعرف حال أمتك، واسع في إصلاحه جهدك، ولا يحجبن عنك ظلام الليل إسفار الصبح الوضاء المرتقب، فسيشع النور، وينكشف الظلام، ويختفي الفنان ويتضوع الأريج. ليكن لك سهم فيما تنتظر لهذا العالم من الخير الذي سيعمه بلا ريب. لا عليك إن لم تدرك قطف الجنى، فما أدرك نبيك امتداد ملك أمته، مع أنه قد بشر به. يكفيك أن تكون حلقة من حلقات موكب الإيمان، وجنديا من جنود الرحمن، ولا يعنيك أفي المقدمة كنت، ام في الساقة، همك أن تكون في الموكب الممتد من عهد أبيك آدم عليه السلام إلى آخر موحد على الأرض. أولست تدعو في صلواتك أن يهديك الله صراطهم، وتتوق أن تكون في رفقتهم؟ عش في صلتك بربك على خوف منه، ورجاء فيه، وإشفاق من خشيته، واستقلال لجهدك في طاعته. وكن في صلتك مع الناس حريصا على إيصال الخير لهم ونفعهم في أي ميدان كنت، تخاف عليهم عاقبة المعصية، لكنك تنتظر منهم الفيأة، وتجاهد بنفسك ومالك، وبقولك وفعلك، وبسلوكك ودعائك. إن رأيت من أهل الحق قلة فاقرأ "وقليل ما هم". وإن هالك فشو الباطل فاتل"إن الباطل كان زهوقا". وإن أحسست بغربة فاستحضر "فطوبى للغرباء". وإن اشتد بك عسر، فدونك "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" وإن رأيت صولة للكفر فمعك قول ربك: "فلا يغررك تقلبهم في البلاد". وإن شعرت بضعف فيك فاجتهد أن تقوى، وتعوذ بالله من العجز والكسل . والمؤمن القوي خير وأحب الله إلى الله من المؤمن الضعيف . وإن أقعدك ضعفك فلا تنس أن فيك خيرا، فإن إخوانك ينتصرون بدعائك ويرزقون .  يحق لك أن تعيش على أمل النصر والتمكين متى كنت ساعيا في توفير أسبابه، وهذه مبشرات من كلام نبيك صلى الله عليه وآله وسلم تقوي عزيمتك، وتشد أزرك: فقد قال"لا يذهب الليل والنهار حتى يعبد اللات والعزى، قالت عائشة: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)، أن ذلك تاما"، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله". وقال: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل به الكفر". وقال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". وقال: "إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها". 20 جمادى الأولى 1440 •

الخاطرة 109

دأب علماء المسلمين وحكامهم في معاملتهم لليهود والنصارى الذين لهم ذمة أن يرجعوا إلى العهد الذي كتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لنصارى الشام حين صالحهم، وكان ذلك بمحضر المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، فكان كالإجماع منهم. وهذا الكتاب محفوظ في دواوين التاريخ منها (فتح البلدان) للبلاذري، وتاريخ ابن خلدون، وأورده ابن حزم رحمه الله في المحلى، واعتبره كالبيان للصغار المذكور في قوله تعالى: "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"، وذكره ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى، ومما تضمنه هذا العهد أن يتميز غير المسلم عن المسلم بأمر ظاهر لا يحتاج معه إلى سؤاله عن دينه، لما يترتب على خلاف ذلك من التباس الحلال والحرام في المأكل والمشرب والمنكح والبيع والشراء والشهادة والدفن وغيرها. وقد جرى أمر المسلمين على ما في هذا العهد ابان الخلافة العباسية والأموية في الجملة، قال ابن خلدون رحمه الله: "وعلى أحكام هذا الكتاب جرت فتاوى الفقهاء في أهل الذمة نصا وقياسا"، وقال ابن تيمية رحمه الله: "وهذه الشروط ما زال يجددها عليهم من وفقه الله تعالى من ولاة أمور المسلمين، كما جدد عمر بن عبد العزيز في خلافته، وبالغ في اتباع سنة عمر بن الخطاب،...، وجددها هارون الرشيد وجعفر المتوكل وغيرهما". وما كتبه المتوكل إلى عماله في ذلك هو في تاريخ الطبري وغيره مؤرخا في سنة خمس وثلاثين ومائتين، وقد كان تمييز النصارى واليهود عن المسلمين باللباس وغيره معمولا به في مصر حتى القرن الثامن كما ذكره المقريزي في كتابه المسمى المواعظ والاعتبار. ومما قاله بعضهم بعد أن ترك هذا الأمر وانقلبت الأوضاع في عهد بني عبيد الزنادقة: إذا حكم النصارى في الفروج ** وغالوا بالبغال وبالسروج  وذلت دولة الإسلام طرا ** وصار الأمر في أيدي العلوج فقل للأعور الدجال هذا ** زمانك إن عزمت على الخروج!! ومما جاء في عهد عمر"ولا يحدثوا في مدنهم وما حولها ديرا، ولا صومعة، ولا كنيسة، ولا قلابة لراهب، ولا يجددوا ما خرب..، وفيه "ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم: من قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا يتكنوا بكناهم..، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، وفيه كما في مجموع الفتاوى"ويشدوا الزنانير على أوساطهم"، والزنانير جمع زنار هو كالمنطقة توضع فوق اللباس في الوسط، ولهذا كان لبسه من موجبات الردة، قال خليل في المختصر ذاكر ما يستوجبها: "وشد زنار".  والمقصود ما في هذا العهد من تمييز غير المسلمين رجالا ونساء عن المسلمين، لما يترتب عليه من الأحكام التي لا تخفى، لكن هذا الأمر قد ترك بالكلية، واستفحل بعد انقسام أرض الإسلام، وسقوط الخلافة، وأنا لا أشك أن كثيرا من غير المسلمين يتزوجون بالمسلمات، والعكس، وكثير من المرتدين والمرتدات كذلك، ويتوارثون، وهذا فجور عظيم، وجناية على الدين بطمس معالمه، وهل تشك أن بعض النصارى والملحدين يدفنون في مقابر المسلمين؟ وقد تنازعت جماعتان قبل سنوات في دفن نصراني في مقبرة للمسلمين ببلاد القبائل، واستفتي الشيخ أبو سعيد سدده الله فأجاب بأن الأمر للحاكم، ومنع بذلك وقوع مقتلة، وهو محق فيما قال، وشنع عليه بعض المتعجلين زاعما أنه يجيز دفن الكفار في مقابر المسلمين. إن أقل ما ينبغي أن يميز به بين المسلمين وغيرهم في بلدنا أن ينص على ديانتهم في بطاقات تعريفهم، فهل من مجيب؟  وللقارئ الربط بين هذا الذي ذكرته وبين ما صرح به مدير مركب الشروق من أنه يتعامل مع المسيحيين (النصارى)، والملحدين، ومن لا لون لهم، ومع الإسلاميين، لأن وصف المواطنة يجمعهم!! وهذا تلبيس على الناس الذين لا يعرفون دينهم، ويظنون من يخاطبونهم مسلمين، واجمع هذا إلى الذي قررته وزارة التجارة من (الترخيص) باستيراد لحوم الحمير والبغال! بعد أن كان من يذبحها يتابع، كنا نحذر من لحوم الغنم والبقر المستوردة، فانتقلنا إلى هذه اللحوم يستوردها من شاء، لقد صار من العسير التعرف على الحلال من اللحوم المقطعة والمفرومة فضلا عن المطبوخة في المطاعم والفنادق، وحسبنا الله ونعم الوكيل. 23 جمادى الأولى 1440 •

الخاطرة 110

كثير من الدعاة لا يختلفون عن السياسيين فيما يترتب على عملهم ظاهرا، وإن اختلفوا في مضامين أقوالهم، يلتقون على الجري وراء استرضاء الناس، وتحشيدهم، هذا يكسبهم لحزبه، وهذا يكسبهم -كما يظن- لدعوته، وجهد الفريقين مصروف إلى ربط الناس بهم، وتكثير عددهم. ومن جعل هذا غرضه استتبع ألا يبصر من يخاطبهم بعيوبهم، ولا ينتقدهم في شيء من سلوكهم، فكيف يعلمهم ما لا بد لهم منه من حقائق دينهم؟ إنه غش للمسلمين، وترك لمناصحتهم الواجبة، وآثاره على الأمة خطيرة. فإذا طال الأمد على المستمعين - كما هو واقع - صار الدين في فهومهم صحراء بلا معالم، وظنوا أن ما هم عليه هو الدين، فركبهم الغرور، واستولت عليهم العزة بالإثم، فعسر إصلاحهم، فاشبهوا من تربوا في حجور السياسيين، الذين تلفيهم غالبا عن الحق مستكبرين، وهذا يفسر لك إقبال الحكام وذوو المكانة والجاه على خطاب مثل هؤلاء، وإفساح المجال لهم، والإكبار من شأنهم، وعلى هذا المنوال تنسج وسائل الإعلام في الغالب. قد يكون قصد مثل هذا الداعي حسنا، فيظن أنه إذا كثر الناس المرتبطون به والمتابعون له سهل عليه بث الحق فيهم، وتعليمهم، وقد يعلل صنعه بأنه يلتقي بالحكام ويخالطهم ليصل إلى مناصحتهم، لكنه ينسى أنه تعود في مخاطبتهم على المجاملة والإجمال والإغراب، وعلى المواعظ والقصص وربما المزاح والنكت التي لا كلفة فيها عليهم، فإذا أراد الرجوع بهم إلى بعض الجد -وأنى له ذلك- انفضوا من حوله، وقل المستمعون إليه، ولو رجع إلى الحق فاستمع إلى بعض ما قال في لحظات هدوئه ومحاسبته نفسه لاستحيا أن يستمع إليه منفردا فكيف بسماع غيره له؟. قرأت كلاما لبعض الدعاة الذين خاطبوا الجمهور في قالمة بما تجاوز هذا الذي ذكرته لك بكثير، ومما قاله: "لا تخافوا على الجيل القادم"، وهذا تهوين من المخاطر التي تواجه الشباب ولا تخفى على عاقل، فما ذا عليه لو قال لهم راقبوا أولادكم من غير أن تضيقوا عليهم فإنكم مسؤولون عنهم، وتلا عليهم قول ربه عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا". ومما قاله: أن شبابنا يحتاجون إلى من يفهمهم لا من يفهمهم"، هي كلمات مزخرفة يرتاح لها كل من أراد أن يتفلت من أي التزام، وهو واقع معظم شبابنا اليوم، والحق أنهم محتاجون أن يَفهموا وأن يُفهموا. ومما قاله: كنا نقول للآباء وللأبناء اهبطوا إلى مستوى تفكير أبنائكم، أما اليوم مع ثورة العولمة أقول بملء في: ارتفعوا إلى مستوى تفكير أبنائكم وبناتكم"، وهذا فيه خلط للحق بالباطل، إذ لا ندري هذا الذي دعانا إلى أن نهبط له، ولا هذا الذي نرتفع إليه!! ومن الحق الذي قاله في الجملة: "يتعين علينا تعليم أبنائنا بالرحمة، وأن نعطف عليهم ونتودد إليهم، ونستمع إليهم. ثم ختم بهذا الكلام العجيب: "هؤلاء الأجيال الذين نظن أنهم بعيدون عن الطريق وعن الالتزام، بعد سنوات سأسميهم المسلمين والمسلمات الجدد، فسيدخلون الإسلام عن قناعة كما دخل كفار قريش"!! اعذرني أيها القارئ إن لم تفهم كلامه كما فهمته أنا، لقد فهمت أنه يدعو من (يناصحهم) من الأولياء والكبار أن يتركوا أبناءهم وبناتهم يكفرون، وسيأتي اليوم الذي فيه إلى الإسلام يعودون!؟ إن صح هذا عن الرجل فقد خولط عقله بالنشوة التي غمرته لكثرة الحاضرين، أو أن الجريدة قد تقولت عليه، فليتب إلى الله ولينشر تكذيبا لما نسب إليه، (جريدة الخبر 28 جمادى الأولى 1440). ولعل وزيرة التربية بمنعها المصليات في المدارس تلتقي مع هذا الذي قرأته، وإني لأعجب كيف يعزل وال، والظن من عزله أنه غاظ مواطنا في البليدة ثم عزل آخر في المسيلة، ويرتضي المسؤولون صنع هذه الوزيرة، وهي تعتدي على شعب بكامله، وعلى أعظم ركن عملي في دينه، فليصل أولادنا في المدارس الظهر والعصر إذا خافوا خروج الوقت، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وليسوا محتاجين إلى مصليات خاصة، فقد فضلنا على من سبقنا من الأمم بأن جعلت لنا الأرض مسجدا وتربتها طهورا. 29 جمادى الثانية 1440 •

الخاطرة 111

قول الله تعالى: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير"، هو قاعدة تضبط علاقة المسلم بالكافر، اشتمل على نهي، ووعيد، واستثناء، وتحذير، وتذييل. * فالنهي هو عن ولاية المؤمن للكافر، والولاية باطنة وظاهرة، فالباطنة المحبة والمودة من أجل الدين، والظاهرة النصرة والعون، وقيد الدين يخرج المحبة لغيره كمحبة الولد والوالد والزوجة والشريك الكافرين لمقتض آخر . وقوله "من دون المؤمنين"، قيد في النهي، فالمنهي عنه هو ما أفضى إلى تقديم مصلحة الكفار على مصلحة المؤمنين، فمن بلغ هذه المنزلة انقطع ولاؤه للمؤمنين. وقيل ليس قيدا، لمجيء النهي مطلقا في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين"، وقوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض"، فهذا الاتخاذ محظور ولو والى فاعله المؤمنين، إذ لا يجتمع في القلب الواحد موالاة هؤلا وهؤلاء، وقد قيل: إذا والى صديقك من تعادي ** فقد عاداك وانقطع الكلام !! والظاهر أنهما منزلتان في الموالاة، أولاهما يقطع فيها بكفر الفاعل، والثانية محل نظر. * والوعيد هو "ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء"، أي فليس في شيء مهما قل من ولاية الله، أو من دينه، وهذا حكم بكفره، لأنه نفي لأي صلة له بالله، فلزم أن لا ولاية بينه وبين المسلمين، لأن كل مؤمن ولي لله، كما قال الله تعالى: "الله ولي الذين آمنوا"، وقال: "وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون"، ولم يقل فليس من المؤمنين في شيء بل نفى صلته بأصل ما يوالي عليه المؤمنون بعضهم بعضا . * والاستثناء في قوله: "إلا أن تتقوا منهم تقاة"، منقطع، أي ذاك هو حكم موالاتهم، لكن في حال الاضطرار إلى التوقي من شرهم يجوز لكم مخالفة ذلك في الظاهر بقدر ما تدفعون به ما تحذرونه منهم . * والتحذير هو قوله: "ويحذركم الله نفسه"، أي يحذركم من نفسه، وهو تشديد بلغ النهاية، إذ لم يقل يحذركم غضبه او مقته أو عقابه، وإن كان ذلك لازما لهذا الفعل البالغ السوء المخرج عن الإيمان . ومما يدخل في التحذير مجاوزة ما يدفع به الضرر قدرا ومدة، فلا يجوز أن يزاد فيه أو يستمر عليه، فإن المسلم مؤتمن على دينه، والله يعلم ما يسره وما يعلنه: "واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه". وما استثناه الله متفاوت بحسب حال أفراد المسلمين ودولهم، ولا يشك البصير بدينه أن هذا التجاوز يقع فيه اليوم معظم حكام المسلمين، وكثير من أفرادهم، لا يفتأون ينتهكون هذا النهي العقدي، ويتعدون القدر الذي قد يلجأون إليه، ثم يألفونه فيزداد تجاوزهم حتى يصير الاستثناء قاعدة، والرخصة دائمة، وينعدم الفرق بين علاقة المسلم بأخيه وعلاقته بغيره، وقد قال الله تعالى عن هذا الخلط في الولاء: "إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"، ووضع دول المسلمين شاهد صدق على هذه الفتنة والفساد. ومن أمثلة هذا التجاوز ما رأيناه قبل مدة في تطويب القساوسة في وهران، وما صحبه من تكريم للنصارى في المسجد القطب، فإن هذه العملية لم تجر من قبل إلا في دولة الفاتكان، فهل نحن في حاجة إليها أو إلى ما دونها نلتقي الشر ؟، أرى أن بلدي من أقدر الدول على الاستقلال فيما يقدم عليه من الأعمال، لو توفر استقلال الفكر والقصد، وقد استمعت إلى بعض رجال الدولة يشيدون بقبول البابا إجراء ذلك العمل في الجزائر كأنه منة منه وفضل . ورأينا قبل يومين استقبال البابا في الإمارات والحفاوة التي حظي بها، وحشد عشرات الآلاف لاستقباله، وجمع الناس له لإقامة أول قداس في منطقة الخليج، وهذا تعظيم للكفار قد يستتبع تعظيم الكفر، والعلماء على أن ما يعد تعظيما للكفار في العرف يحرم، على أن كثيرا من الدول غيرت طريقة الاستقبال وتخلت عن الشكليات المصاحبة لها في استقبال رؤساء الدول، فكيف بما نحن فيه، والله الهادي . 2 جمادى الثانية 1440

الخاطرة 112

قال وزير الشؤون الدينية والأوقاف -هدانا الله وإياه- اسمحوا لي أن أعطي انتقادا عبرت عنه أكثر من مرة، وسأقوله في كل مرة: إن برنامج التربية الإسلامية أو العلوم الإسلامية في الثانويات أصبح يخرج لنا مُختصين في التكفير، وفي التمييز، وفي الإقصاء، بدون أن يكونوا متدينين(!!)، تجده ليس متدينا، لا يرتاد المسجد(؟)، ويسب لك دينك لأنك لم تتخذ موقفا لحماية الإسلام، ويستعمل الكلام الفاحش... الخ ما قال. ولا أريد أن أزيد على بعض التساؤلات التي يثيرها تصريح الوزير وهو غريب حقا: * لما ذا جاء التصريح في هذا الوقت؟ لكأنه إذا ضم إلى غيره شيء يراد!! * ما صلته بالكلام على الصلاة في المؤسسات التربوية؟ * إذا كان في البرنامج شيئ ضار فلما ذا لم يبين بدل أن يعمم الأمر على البرنامج كله؟ * كيف عرفنا أن سبب ما ذكره من التكفير وغيره هو البرنامج لا غيره من المؤثرات؟ * هل يفهم من كلام الوزير أن من كان متدينا لا بأس أن يمارس التكفير؟ * كيف عرفنا أن هذا التكفيري لا يرتاد المسجد؟ * وإذا علمنا أنه تفكيري فلما ذا نسكت عليه؟ * المعروف عند الناس أن الذي يمارس الإقصاء هو القادر فما قدرة هذا التكفيري عليه؟  * كل مسلم مطالب بالحفاظ على دينه، فكيف بمن كان في موقع القيادة؟  * لو قدرنا أن البرنامج سبب زيغانا لفرد أو أفراد فهل ذلك دليل على عدم صلاحه؟ أسأل الله تعالى أن بيرم لهذا البلد أمر رشد وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. 4 جمادى الثانية 1440 •

الخاطرة 113

قال الله تعالى في سياق بيان حرمان الكفار من دلائل الاهتداء: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال". هذا مثل ضربه الله تعالى للحق في طهارته وصفائه، وخلوصه وثباته، وفي نفعه وبقائه، مقابلا للباطل في انتفاخه فزهوقه واضمحلاله . شبه الحق بالماء الذي أنزله من السماء، "فسالت أودية بقدرها"، أي جرى الماء في بعض الأودية كل منها بقدر سعته، ولم يجر في بعضها، فإن الأودية نكرة في سياق الإثبات فلا تعم. "فاحتمل السيل زبدأ رابيا" أي حمل غثاء عاليا، وعلوه لا يدل على بقائه ولا نفعه، ومن ذا الذي يجهل أن ما تحته هو النافع دونه؟ ومن لم يعرفه فها هو ذا غيره: "ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله"، فمثل الباطل الذي ينتفخ ويعلو ليس خاصا بزبد الماء، فله نظائر منها خبث المعدن إذا عرض على النار، واختلاف الصور، لا يمنع تشابه المصير!! "كذلك يضرب الله الحق والباطل"، هكذا قال ربنا (بحذف المضاف)، فكأن الذي ضرب مثلا للحق هو الحق نفسه، وما ضرب مثلا للباطل هو الباطل نفسه، هو من التعبير عن المعقول بالمحسوس لتقريبه، وتيسير فهمه. وقد ضرب للحق والباطل النور في مقابل الظلمة، والبصر في مقابل العمى، والعلم في مقابل الجهل، فالحمد لله الذي علمنا، قال سبحانه: "ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل". "فأما الزبد فيذهب جفاء"، أي مرميا مقذوفا به. "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"، تأمل كيف أثبت نفع الحق لعموم الناس، فإنه لا ينفع متبعيه وحدهم، بل يشملهم مع مناوئيه، ولم يثبت للباطل ضرا، لأنه إن حصل فهو محدود، وإن استمر فهو ضرر الدنيا، وهو هين على المستمسك بدينه. لكن زبد الماء إنما ظهر وتميز بحركة الماء وجريانه، كما أن خبث المعدن إنما انفصل بعرضه على النار، قال ربنا عز وجل: "ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض". "كذلك يضرب الله الأمثال"، كما ضرب هذا المثل العجيب للحق والباطل يضرب الأمثال لغيرهما من المعاني المختلفة لتقريبها للتالين كتابه المنتفعين به. عن عمرو بن مرة قال: "ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني، لأني سمعت الله تعالى يقول: "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون". 21 جمادى الثانية 1440 •

الخاطرة 114

عرف العلماء الإمامة بأنها "خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"، وهي متوقفة على الحاكم، وصفاته، وما يحكم به، وطريقة وصوله . فهذه أربع مقامات لا بد منها، بعضها بت الشرع فيه وحسم أمره، وبعضها سكت عنه، وهو طريقة الوصول إلى الحكم التي هي من مناطق العفو في هذا الدين، كي يختار الناس الصورة التي يرونها ممكنة التحقيق، وافية بالمصلحة. وأسوأ هذه الطرق اليوم الانتخابات المباشرة، لأن إفضاءها إلى من يصلح للحكم متوقف على معرفة الناخبين مصالحهم، بعد صلاح أنفسهم، فلا تؤدي إلى المبتغى إلا في المجتمع الصالح أفراده، وأين نحن منه؟، لكن ضررها يقل أو يتلاشى لو كان كل المترشحين صالحين من حيث المبدأ، فكيف إذا كان كثير منهم لا يصلح لقيادة أسرته، إن لم أقل إنه ممن ينبغي أن يحجر عليهم؟ . وقد عرفت خلافة النبوة التي دامت ثلاثين سنة ثلاث طرق لنصب الحاكم: تولى أبو بكر بالبيعة العامة، ومثله في الجملة علي، ووليها عمر بن الخطاب بعهد من أبي بكر، وجعلها عمر في الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راض، فاختير لها عثمان رضي الله عن الصحابة أجمعين . ولو كانت وسائل الانتخابات المباشرة متاحة يومئذ لما كان في ذلك ضرر، وأهل السنة على أن الخلفاء الراشدين مرتبون في الفضل ترتيبهم في الخلافة، وفي الموازنة بين علي وعثمان خلاف غير معتبر، وروي مرفوعا: "كما تكونون يولى عليكم"، وقد كانوا يقولون: "إذا فسد الناس أمر عليهم شرارهم" . لقد جعل الناس الأدنى أهمية - وهو طريقة اختيار الحاكم - أكبر همهم، ومع أنهم ضبطوها في الدساتير فإن إقامتها على الوجه الذي دونوه مفقود أو نادر، فما أيسر التحايل عليها وتكييفها أو تعديلها على وفق الرغبات والمصالح المتوهمة، والنتيجة أن لا تصلح الحياة بالراعي، ولا يسلم الناس لأحقيته بمنصبه . لقد تدخلت عناصر المال والجاه والإغراء والوعود الكاذبة والقول المزخرف وتدخلات الدول وجهل عموم الناخبين - وهو أخطرها - لتقذف إلى الحكم بمن لا يصلح لإقامة دين ولا لإصلاح دنيا . مضمون الحكم هو أعظم مقومات الولاية في الإسلام، كما قال الله تعالى: "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله"، وقال: "وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم"، وقال الله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"، وقال: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" . ومع أن الشرع جعل الخلافة في قريش، واستمر عمل المسلمين عليها قرونا، إلا أنه لم يجعل افتقاد هذا الوصف مانعا من لزوم طاعة الحاكم إذا قاد رعيته بكتاب الله . أما صفات الحاكم التي تؤهله لتحقيق المقصد من الولاية وهي الإسلام والبلوغ والعقل والعلم وسلامة الحواس والأعضاء وحصافة الرأي والشجاعة والنجدة، وجماعها القوة والأمانة؛ فلم يبق منها عند الناس إلا ما لا يتميز به صالح من طالح، ولا بر من فاجر، ولا عالم من جاهل، بل غطت عليها صفات أخرى كالمواطنة والانتماءات القبلية والجهوية والتوجهات الفكرية، وغيرها، مما لا يقوم به حكم راشد في أمور الدنيا، فضلا عن الحكم الذي يحرس الدين ويسوس الدنيا . تأمل ما جاء في جواب أحد انبياء بني إسرائيل حين أخبرهم بتمليك طالوت عليهم، فاعترضوا على ولايته بقلة ماله، متأثرين بعاداتهم وبمن حولهم، فاحتج بما هو عليه من العلم الذي يقلل من افتقاره إلى غيره، وقوة الجسم التي يقود بها جيشهم في القتال: "قالوا انى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم"، قال ابن كثير: "ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه"، وقال الزمخشري: "لا بد أن يكون من أهل العلم، فإن الجاهل مزدرى غير منتفع به، وأن يكون جسيما يملأ العين جهارة لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب"، ومع أن سلامة الحواس والأعضاء لا بد منها، فإن ما زاد على ذلك شرط كمال كما دل عليه حديث: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل حبشي كأن رأسه زبيبة"!!. ولما طلب يوسف عليه الصلاة والسلام الولاية على خزائن أرض مصر لينفذ خطته علل طلبه بما هو عليه من حفظ وصيانة ما يتولاه، ومن علمه به: "قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"، ولا تجد في هذا الدين الذي لم نرق رقيه من صفات الحاكم إلا تلك التي لها مدخل في قيامه بمهامه على الوجه المرتضى، أما وصف القرشية الذي نقمه على الأمة بعض المتخرصين فإن له ما يبرره: من سابقة قريش إلى الإسلام، وكونهم أهل الحرم الذي فيه قبلة المسلمين، ونزول القرآن بلغتهم، وما لهم من الشوكة والمنعة، وغير ذلك مما يسلم الناس له ويطمئنون إليه . 16 جمادى الثانية 1440 • الخاطرة رقم 115 المظاهرات التي انطلقت قبل أربعة أيام ما تزال مستمرة، وهي وإن كانت سلمية كما يقولون، فإن ما علمناه من تجارب البلدان التي ابتليت بها يدل على أنها تتطور نحو الاسوإ، وأن كل يوم يمر عليها يقلل من إمكانية اجتناب انزلاق الأوضاع، إذ تتصاعد مطالب المحتجين، وربما استغلتها جهات لتحقيق أغراضها فتقوم بأفعال ما وتنسبها إلى من تريد، لكن الأمر ما يزال في مرحلة التدارك، ولهذا أدعو المسؤولين الأعلون إلى السعي الحثيث في إيجاد مخرج لهذه الأوضاع، وإيقاف مسلسل تطورها المحتمل، حيث لا تتاح السيطرة والتحكم، وهم قادرون بإذن الله على ذلك . إن كلامهم في المناسبات ينبغي أن يوجه إلى الأمة كلها، فإنهم حكامها، لا إلى جهة ضد جهة، فإن هذا مما يذكي الخلاف ويثير الحفائظ. ولا يفوتني أن أكرر ما قلته من قبل هذا ناصحا لإخواني المنخرطين في هذه الاحتجاجات أن عدولكم عنها خير لكم، وأرضى لربكم، وأن دعوتنا هذه لا تعني إقرارا لظلم، ولا قبولا بباطل . قد لا تصل هذه الأسطر إلا إلى القليل ممن هم مثلي لا يملكون من الأمر شيئا، ومع هذا كتبتها تبرئة للذمة من مسؤولية هذا الواجب الوقتي، وبعد أن استيقنت أن القول بمنع المظاهرات - كما أعتقده - ليس كافيا في اطفاء هذا الحريق، فالله الله أيها الإخوة حكاما ومحكومين في بلدكم، وقد ينفع الأمة عملكم اليوم، ولا ينفعها غدا، فاحذروا أن يستجرينكم الشيطان، ونعوذ بالله من الفتن. 20 جمادى الثانية 1440 • الخاطرة رقم 116 مما يفوت الانتفاع بالكلام أن يصرفه متلقيه عن المراد منه، لاشتغاله بما فيه من تفاصيل ليست مقصودة من سوقه، وهو ينم عن ضعف الاستيعاب عند المستمع والقارئ، كما تراه في التعقيب على ما ينشر في هذا الفضاء الاعتباري، وقد قيل:  شكونا إليهم خراب العراق ** فعابوا علينا شحوم البقر ** فكانوا كما قيل فيما مضى** أريها السهى وتريني القمر !! ولهذا كان تقديم المعنى الإجمالي لدى شرح النصوص أجدى قبل الاهتمام بالتفاصيل، وهو ما جرى الناس على خلافه، بل يحسن أن يستغنى عنها مع غير المتخصصين. لكن صرف الكلام عن المقصود منه لهذا السبب قد يحتمل لضعف مدرك الصارف، والمستقبح أن يعمد المرء إلى ذلك قصدا للتشويش على ما أراده الكاتب، فيكون من جنس تحريف الكلم عن مواضعه، فإن تجاوز ذلك إلى اهتبال الفرصة للحط عليه بما لا علاقة له بالمنشور فهي دلالة على جهل عريض وقلب مريض . وقد يكون في الحديثين الآتيين ما له صلة بالنوع الأول:  أولهما ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يوما يحدث - وعنده رجل من أهل البادية - أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟، قال: بلى، ولكن أحب أن أزرع!، قال: فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء!!، فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشيا أو أنصاريا، فإنهم أصحاب زرع"، فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم !! . الأمر الرئيس في الحديث هو بيان أن الله تعالى يعطي أهل الجنة ما يشتهون، كما قال: "وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين"، بل يعطيهم ما لا يخطر بالبال، وهكذا تكليم الله تعالى لهم، وفيه ما دون ذلك من الدلالة على شره الإنسان، واستمراره في الآخرة على بعض اهتماماته في الدنيا، لكن الأعرابي اهتم بهذا الذي رغب أن يزرع في الجنة من هو؟ ليربط بين ما اشتهاه فيها، وما كان مهتما به في الدنيا، ثم قصر الأمر على ما عرف من الجهات، وهي مكة والمدينة، وهو ربط جميل لا يخلو من طرفة!، فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم .  قال ابن بطال رحمه الله: "دل ضحكه على إصابة الأعرابي للحق في استدلاله"، قلت: الظاهر أنه إنما ضحك لإغراب الأعرابي فيما ذهب إليه من الاهتمام، وانصرافه عما كان ينبغي له أن يعنى به، فليس هذا الضحك للتقرير.  والثاني ما رواه مالك ومن طريقه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لتتركن المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الكلب أو الذئب يغذي على بعض سواري المسجد أو على المنبر، فقالوا يا رسول الله: فلمن تكون الثمار ذلك الزمان؟، قال: "للعوافي: الطير والسباع". اهتم السائل بأمر جزئي يضيع معه ما سيق الحديث لأجله، فإن خلو المدينة من سكانها، بحيث لا يبقى فيها من يعمر المسجد حتى تدخله الحيوانات المتوحشة فضلا عن الأليفة وتبول مطمئنة نبأ مهول، لكن السائل انصرف عن هذا الأمر الجلل وسأل عمن تكون له الثمار!!، والحال أن البقعة إذا خلت من الناس فلم يبق إلا الحيوان، ومع ذلك صبر عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يثرب عليه، بل أجابه بما هو بديهي لا يحتاج إلى جواب، فصلى الله وسلم وبارك على من أرسل رحمة للعالمين . حملت نفسي على هذا الذي كتبته قسرا، لأنصرف قليلا عن التفكير في واقع بلدي، واستبدلت به ما قد أكتبه عنه وأنا أعلم أنه صرخة في واد، ونفخة في رماد، كيف وأنا أرى الأهواء متبعة، والآراء معجبا بها، وقد قال ربنا: "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين"، وقال: "فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى"، فليتذكر من يخشى. 26 جمادى الثانية 1440 الصفحة الرّسمية للشيخ العابدين بن حنفية الجمعة 26 جمادى الثانية مارس 2019 صبيحة المظاهرات • إلى أين تتجه الأحداث؟ وإلى أين تنتهي؟ من يدري؟ إنما نقدر على الدعاء، فاللهم اصرف عن بلدنا كل مكروه، وجنبه شر الفتن، ما علمنا منها وما لم نعلم، وأبدلنا من هذا الضلال هدى، ومن هذا الفساد صلاحا، ويا مسؤولي البلد، اتقوا الله ربكم، تداركوا الأمر، قولوا خيرا، خاطبوا الناس بما يطمئنهم، ولنحرص جميعا على أمن بلدنا فإنه نعمة لا نعرفها حتى نفقدها. بن حنفية العابدين •

الخاطرة 117

من الشعارات التي رددت في هذه الأيام العصيبة "الجزائر حرة ديمقراطية"، كلمات انخدع بها الناس، وكادوا يطبقون على المطالبة بها، فصارت أكبر همهم، ومبلغ علمهم، حتى التي سميت بالأحزاب الاسلامية لا يفتأ المنتمون إليها بها يلهجون، وإذا كانت المظاهرات قد اختلف الناس فيها من أجل ما هو شرع ودين، فكيف بما نحن فيه؟ سيقولون: إننا نحاجهم بما واثقونا عليه، ولأن هذا هو الممكن، ولأن في الديموقراطية تكافؤ الفرص، وسننتقل منها إلى غيرها، وهلم جرا، مما ليس هذا وقت الكلام فيه. نتعامل مع الواقع دون أن يحجب عنا ما نعتقده، وما نسعى إليه، وما نؤمل أن يتحقق، أدركناه أو لم ندركه، لكننا لا ندعو إلى ما خالف الشرع الذي تعبدنا الله به، ولا نقره فيما نقول ونكتب، ولا نستعمل مصطلحاته وعباراته، إلا على ألسنة معتقديه، والمروجين له، أو مصحوبة بالتمسك بهذا الذي خالط منا اللحم والدم، نعتقد أن هذا الواقع قضاه الله وقدره، فلا حرج أن نكيف معاملتنا معه، على أن لا نذوب فيه، بل قد نستفيد منه شيئا للدعوة، لكننا لا ننسى أننا مكلفون بتجاوزه وإصلاحه، وبالتقليل من شره، بالوسائل التي شرعها الله ورسوله . شعار دولتنا هو الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، هو شعار يعلم الله أنه ثقيل على لساني باستثناء اسم بلدي الجزائر الذي أحبه، ومع تخبط نظامنا السياسي وتقلبه في أربع مراحل منذ استعادة الاستقلال؛ ظل ذلك الوصف كما هو، يلعب الساسة بمضمونه كما شاؤوا، وإن كان الذين قادوا البلد به جيل واحد، وتوجه واحد أو متقارب. كان ديمقراطيا يوم كان منتميا لنظام اشتراكي يقال عنه إنه لا رجعة فيه، وعمر ستا وعشرين سنة، ثم افتعلت أحداث سنة 1988 للانتقال إلى نظام جديد يمنع سقوط القديم!، اقتضاه أفول نجم الشيوعية، وهو التعددية الحزبية التي عمرت أقل من ثلاث سنوات: ، فلما افضت إلى غير ما كان ينتظره الداعون إليها اجهضت، وصرنا إلى مرحلة تعطلت فيها المؤسسات الدستورية كما تسمى، دامت ثماني سنوات: 1992 - 1999، واستمر وصف الديموقراطية، ثم جاءت المرحلة الرابعة ومدتها عشرون سنة: 1999 - 2019، عدل فيها الدستور أكثر من مرة، باسم الديمقراطية، فتلك سبع وخمسون سنة كاملة !! . لم تعرف بلادنا فسادا شمل كل المجالات كالذي حصل في المرحلة الأخيرة، فإنه قد مس كل مفاصل الدولة، ولهذا فإن انتقالنا إلى نظام جديد سيلقى مقاومة شرسة من أصحاب النفوذ، ومراكز المال، وقوى الاحتكار، ووكلاء الجهات الخارجية، ومن كل من يتضرر بتغيير النظام، وما أكثرهم!! ولهذا الأمر ربط من كتبوا الرسالة باسم الرئيس تغيير النظام بمدة انتقالية، لتوفير المخارج اللازمة لما نحن فيه في السر وفي العلن، فهل تكفي سنة لحصول الانتقال السلس من نظام دام ستين سنة إلى نظام جديد؟ خطورة الانتقال المفاجئ لا تخفى على البصير، ومن ذا الذي يجهل أثرها على الحياة العامة، وما فيه من احتمال تفكك أوصال الدولة؟ ولذلك فإذا توفرت الضمانات الكافية الملزمة لتنفيذ الانتقال إلى هذا النظام فإن هذا مما ينصح به، إنه مسلك فيه اقل الخسائر الحسية، لكني أكرر ما قلته قبل أيام إن هناك محطة أخرى في المسار الانتخابي هي صلاحية المترشحين الجسمية لممارسة الحكم، يتمكن بها الذين يحكمون البلد إن شاؤوا من تجنيبنا هذه الفتنة، مع ما في ذلك من استرجاع شيء من مصداقية هيآت الدولة في الداخل وفي الخارج، أقول هذا من باب دفع الشر، أو تقليله، وإن كنا في نظامنا السياسي في مساره كله من الاستقلال إلى اليوم نعيش خيانة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم لما مات من أجله الملايين من أبناء هذه الأمة . 28 جمادى الثانية 1440 •

الخاطرة 118

لا تحتاج الجزائر وشعبها إلى دعم أمريكا ولا فرنسا ولا غيرهما فإن كثيرا مما نحن فيه هم من تسببوا فيه . 30 جمادى الثانية 1440 تذكروا : - رجب من الأشهر الحرم - ويوم جمعة أفضل يوم طلعت عليه الشمس. - فارعوا حرمة اليوم والشهر. - اسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع . - اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون . - أكثروا من الصلاة على نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم . - اغتنموا هذا اليوم فإن فيه ساعة يجاب فيها الدعاء . - حافظوا على حرمة المساجد فقد أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه . - استحضروا أن كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه . - تعلموا أن إفساد المال العام أعظم جرما ووزرا من المال الخاص . - المسلم ليس سبابا ولا طعانا ولا فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا . - الشعارات الطائفية والفئوية والحزبية منتة ضارة . -- اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان. - قال مالك بلغني أنه كان يقال: "الحمد لله الذي خلق كل شيء كما ينبغي، الذي لا يعجل شيء أناه وقدره، حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله مرمى . الجمعة غرة رجب /3/2019 •

الخاطرة 119

كفاءاتنا العلمية الشرعية كثيرة، لكن من يحظى بالقبول الواسع عند الناس لنلجأ إليه في هذا المصاب الجلل منعدم، من يخاطب الناس فيستمعوا إليه؟ أو يرضى به المختلفون حكما؟ لقد جد الحكام في وأد أي مرجعية علمية لها مصداقية منذ الاستقلال، بدءا بالبشير الإبراهيمي رحمه الله، ولم ياذنوا بالظهور إلا لمن ارتبط بهم شكليا في المناسبات، وثقة الناس في المرتبط بهم -ولو حازوا العلم- مهزوزة، ثم إنه ليس عندنا زعامة سياسية -على ما فيها من عوج- يثق فيها الناس لما جربوا من صدقها، واستقامة سيرتها في الحكم أو في المعارضة، فإذا تكلمت أنصتوا ووثقوا بوعودها، فصار حالنا كما قال الآخر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ** ولا سراة إذا جهالهم سادوا . قد تقول وما ذا يصنع الدعاة؟ فأقول: الديموقراطية مرفوضة لأنها تتنافى مع شرع الله الذي ندعو إليه، وفي بلدنا لم تقم على وجهها الذي قد تستفيد منه الدعوة بما تتضمنه من تكافؤ الفرص، والمساواة بين الناس، وإن كانت المساواة بين الحق والباطل مرفوضة، ولهذا فإنه يحرم على المسلم أن ينخرط في الدعوة اليها والترويج لها، فكيف بالدعاة؟ بل يتعين أن لا ترد على ألسنتهم كأنهم يزكونها، فيستبدلوها بأحكام الله، حتى ولو كان هذا هو واقع معظم بلدان المسلمين، ولا يخفى أن لازم الديمقراطية كفر، وإن كان التكفير باللازم مرفوضا. إننا نفرق بين تقرير أحكام الله تعالى، واعتقادها، والسعي في إقامتها بالطرق المشروعة، وبين التعامل مع هذا الذي يجري في البلد، فإن من الخطإ التفرج على المشهد، وانتظار ما سيسفر عنه من غير فعل شيء في إطار دفع المفاسد وتقليلها. إن من باب التعامل مع هذا الواقع للتقليل من شره أن نقول للمحكومين: اتقوا الله في دينكم فإنه هو الذي تسألون عنه يوم القيامة، وهو مناط سعادتكم في الدارين، وحافظوا على بلدكم، ونقول للحكام: لقد واثقتم رعيتكم على مدة حكم لا تتجاوزونها، وعلى شروط يلزم أن تتوفر فيمن يحكم، أنتم من دونتموها وتعهدتم برعايتها، ولا شك أن الأمرين مفقودان، وأن الحلول التي قدمت لم تنفع، وصيغ نقل الحكم تعرفونها، فبادروا بها، نسأل الله أن يوفقكم لما فيه خير أمتكم. •

الخاطرة 120

(1) سبب نزول هاتين الآيتين أن أهل الكتاب أعرضوا عن الإسلام، وجحدوا ما عرفوا عنه في كتبهم، مستنكفين أن يتراجعوا عن صدارة العالمين، ركبهم الحسد، ونسوا أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، وكانوا قبل أن يعرفوا عالمية رسالة الاسلام؛ يستفتحون على الكافرين، كما قال ربنا: "وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين"، وقال: "أم لهم نصيب من الملك فإذن لا يؤتون الناس نقيرا أم يحسدون الناس على ما اتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما". فلهذا سلى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بتقرير هذه الحقيقة الكونية، والسنة الإلهية، وهي تصرف الله المطلق في خلقه، مفتتحة بالأمر بندائه، تمجيدا له وتعظيما، فلا يستعجل المسلمون النصر والتمكين. واستحضار المرء معتقده، وتذكيره به مع ما يلزم من العمل المشروع؛ أكبر عون على الثبات في وقت المحن، ويكفيك دليلا على ذلك؛ دعاء الكرب الذي ليس فيه سؤال حاجة، ولا شكوى كربة، وإنما هو تمجيد لله بالشهادة بإلهيته، وبعلمه وحلمه، وبعظمة ملكه وعرشه: "لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم". ومن جنس ذلك السياق قول الله تعالى: "قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون"، لكن فيهما من صفات الباري في الموضعين ما يناسب المقامين. قوله تعالى: "قل اللهم مالك الملك"، المعنى يا الله، يا مالك الملك، هما نداءان لله، الأول بصيغة (اللهم) التي لم تعهد إلا في اسمه (الله)، كأن المقصود أن يبدأ النداء بالاسم الكريم نفسه من غير فاصل، ولو كان الفاصل حرف النداء، لأن ربنا يناجى، فاعتيض عنه بالميم في الأخير، فمن دعا بهذا الاسم فقد دعا الله بأسمائه كلها، قال ابن مالك:  والأكثر اللهم بالتعويض * وشذ يا اللهم في قريض" . والثاني وهو (مالك الملك) مناسب لما سيق الكلام له، وهو إيتاء الملك ونزعه، وما معه من فعله سبحانه للشيء وضده . فمالك كل شيء في الدنيا والآخرة هو الله، يتصرف فيه بالعطاء والمنع، والزيادة والنقص، وليس ذلك على الحقيقة إلا له، ولما كانت شبهة الملك قائمة في الدنيا لغير الله، وقد اغتر بها كثير من الناس؛ جاء التقييد بالآخرة في بعض المواضع، كقوله تعالى: "ملك يوم الدين"، "لمن الملك اليوم" "قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور" والملك في قوله "تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء" هو حصة من ذلك الملك العام الشامل، محدودة في المكان والزمان، والمقصود السلطة والتصرف في الأمور، وقد فسر الملك بالنبوة، ولا شك أنها أتم وأعلى صوره، لجمعها بين العمل للدنيا والآخرة، غير أن الملك ليس هو الغرض منها، بل هو من لوازم التشريع فيها كالقضاء وإقامة الحدود والجهاد، ولهذا كان نبوة، ثم أعقبته الخلافة، ثم صار ملكا، إما مطلقا دائما في قبيلة أو أسرة، أو محدودا بمدة في غيرهما. ومما يدل على هذا أن ابا سفيان قال للعباس رضي الله عنهما حين رأى جيش المسلمين زاحفا نحو مكة: "لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما"!! فرد عليه بقوله: "كلا، إنها النبوة"!! ويدل على أن الملك ليس مقصودا في هذه الشريعة ان الإمارة لا تسأل كما دل عليه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنا لا نعطي هذا الأمر من سأله ولا من حرص عليه"، وجاء أن "من سأل الإمارة وكل إليها، ومن أعطيها أعين عليها"، وكان العلماء يفرون من تولي القضاء، وقد يلزم طلب الحكم إذا تعين كما في حال يوسف عليه الصلاة والسلام ... . التاسع من رجب 1440 •

الخاطرة 120

(2) قوله تعالى: "وَتَنزِعُ ٱلمُلكَ مِمَّن تَشَاءُ"، نزع الملك إزالته من الأفراد والطوائف والقبائل والشعوب، وزيدت الأحزاب في هذا العصر، ولله في ذلك من الحكمة البالغة الجارية على وفق السنن التي أودعها خلقه، كضعف الحاكم وظلمه وجوره وغير ذلك من أسباب الزوال التي يحتاط من بعضها، ويجهل أو يغفل عن أهمها. وجاء التعبير بالنزع بدل المنع - وهو المقابل للإيتاء - لأنه أقوى دلالة على قدرة الله، فإن أصحاب الملك يمكنون له ويثبتونه بالولاءات والأعوان والمؤيدين، ولا شيئ من ذلك يحول دون قدر الله. وقد أشار كتاب الله إلى نوع آخر من نزع الملك بتغيير حدود ملك الأرض بصدد تهديد الكفار بزوال ملكهم لكفرهم وجحدهم الحق، كما قال ربنا: "أولا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب"، وقال: "أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون"، كلا بل هم المغلوبون، ولكنهم لا يعلمون. ومن مبتكرات التعبير في السنة عن حلاوة إيتاء الملك ومرارة نزعه؛ قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة"، ابتدأ بذكر عاقبتها في الآخرة، لأنها هي الأعظم خطرا وضررا، أما في الدنيا فهي كالمرضعة، لما في الحكم من الجاه والمال ونفاذ الكلمة واللذات الحسية والوهمية، ولما في نزعه من ذهاب ذلك أو كثير منه بالعجز والموت والتغلب وغير ذلك، وكل هذا في الحكم المشروع، فكيف بالجائر العضوض؟ وما أشبه كثيرا من الحكام في تصرفاتهم بسذاجة الأطفال، لكنهم ليسوا على فطرتهم.  وقوله: "وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ‌ "، ذكر اعزازه سبحانه واذلاله من يشاء منفصلين عن إيتاء الملك ونزعه، لانهما لا يقتضيان عزا ولا ذلا إلا في الظاهر الخادع الذي يغتر به معظم الناس، فالعز الحق هو الإيمان والطاعة، والذل هو الكفر والمعصية، والحاكم العدل يقيم أسباب العز، ويمنع أسباب الذل، فيحصل له من العز بقدر فعله، كما يناله من الذل بقدر صنعه، وقد يجتمع الحكم مع الذل، ويحصل العز من غير حكم، ويؤتى الحكم الفجار، كما يعطاه الأبرار، ولا يعز من عاداه الله، ولا يذل من والاه. وقوله: "بِيَدِكَ ٱلخَيرُ"؛ أي كله، وفيه إشارة إلى أن كلا من الإيتاء والمنع خير، وإن ظهر الأمر بخلاف ذلك للناس، إذ ليس في أفعال الله شر، كلها والله جميلة، وحكم بالغة، كما جاء في الحديث: "والخير كله بيديك، والشر ليس إليك" . وقوله: "تُولِجُ ٱلَّيلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيلِ"، تنقص من هذا فيقصر، وتزيد في الآخر فيطول، أو تجعلهما خلفة يتعاقبان ليتذكر من شاء، والناس يعرفون أن الزيادة والنقص لا يتخلفان، لكنهم يغفلون أو ينسون أن ذلك لا يتخلف في إيتاء الملك ونزعه عن ميعاده أيضا، فيستوي في حكم الله وتصرفه تغيير الليل والنهار والتداول على الحكم، لا يرد ذلك راد، ولا تنفع فيه حيلة:  لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ** بأجل أسباب السماء تعلقي  لكن من رزق الحجا حرم الغنى** ضدان مفترقان أي تفرق ! وقوله: "وَتُخرِجُ ٱلحَىَّ مِنَ ٱلمَيِّتِ وَتُخرِجُ ٱلمَيِّتَ مِنَ ٱلحَىِّ‌"، وهذا في المحسوسات والمعقولات على السواء، ينبت الشجرة من النواة، ويخرج الطير من البيضة، والمؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل، والذكي من الغبي، والطيب من الخبيث، ويحصل العكس أيضا، وهذا يجري بالأقدار على غير ما ينتظره الناس، أو يعتادونه فلا يتدبرونه، لكننا لا نعرف المقدور، بل نحن مكلفون باتباع المأمور، لسنا مكلفين بمعرفة ما يترتب على ما قدره الله وشاءه، وإنما نحن مطالبون بالتزام ما شرعه وكلف به، ولكن الشيطان يزين، والنفس أمارة، والفتن يحتار فيها الحليم، ويرى فيها العاقل حسنا ما ليس بالحسن . وقوله: "وَتَرزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ"؛ والرزق أعم مما تقوم به الحياة من المآكل والمشارب وغيرها، بل يدخل فيه إيتاء الملك وغيره مما يمنحه الله عبده من العلم والحلم والأناة وغير ذلك من الأخلاق، التي قسمها الله كما قسم الأرزاق . =20 مارس 2019 • الخاطرة رقم 121 أخذت فصول المشهد تتكشف، والزعامات تظهر، والتسابق على القيادة يشتد، كل يدعي وصلا بليلى، المؤيدون من الحزبيين والمستقلين صاروا معارضين، فروا من سفينة تتجه إلى الغرق، يبحثون عن مراكب جديدة، وولاءات ظرفية، الكل يبدئ في شأن البلد ويعيد، ويعلن أنه يريد، تحول غريب، وتلون عجيب، الساكتون نطقوا، والناطقون صرخوا، والهادئون احتدوا وتشنجوا، ذهب الحلم والأناة اللتان يحبهما الله، لا عجب إذا فقد عاصم الدين والعقل والخلق، ومن كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت!! انضم إلى المحتجين كثير من النواب والقضاة والمحامين وأحزاب المعارضة واتحاد العمال والنساء وعمال سوناطراك والمعلمين والأساتذة وعمال التربية وغيرهم، بل كثير من رؤوس الحزب الحاكم ونوابه ومحافظيه التحقوا بالركب، وهم يطالبون من نصبوه رئيسا للبرلمان على خلاف قواعدهم بالاستقالة، وقد يأتي هذا الأمر على مسيري الدولة كلهم، فيقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ما ذا بقي من الدولة؟ بقي أن ينضم إلى الحراك رئيس الجمهورية. كلكم تبكون فمن سرق المصحف؟ من مارس الفساد، من ظلم العباد، من نهب المال، من أعان على الإثم، من سكت عن النصح، من آثر دنياه على آخرته، ومن قدم مصلحته على مصلحة أمته، من حارب دين الأمة، من جعلها شيعا، من رفع بعض فئاتها على رقاب بعض، ولو ذهبت أعدد مفردات الفساد لضاق المجال، أيعقل أن ينسب ذلك إلى أفراد معدودين آمرين، لولا القابلية للفساد عند المنفذين المأمورين؟ "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون"، وقال ربنا: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار". جربتم الحزب الواحد فما صلح به البلد، وجربتم التعددية فكان الحال أسوأ، لم يعد لدينكم ذكر فيما تنادون به، بل تلهجون بما يضاده، مع أنه لا صلاح لكم ولا فلاح إلا به، حتى تلك العبارة الفضفاضة (المحتشمة) التي تضمنها بيان الثورة الجهادية لا وجود لها في قوانين الدولة ونظمها، هي عبارة (المبادئ الإسلامية) التي تبنى الدولة في إطارها كما قيل . ثقوا أنه قد يتغير شيء من شكل الحكم وصورته، وترتيبات ممارسته، لكن جوهره لا يتغير، لأن صانعيه أمس هم من يتأهبون لصنعه غدا، التغيير نحو الأفضل ينطلق من إصلاح الفرد، وهذا لم نقم به إلى الآن، بل نعمل على إفساد الفرد في نظامنا التربوي والثقافي والإعلامي، والمسؤول الله تعالى أن يحفظ بلدنا، وأن لا يزداد حالنا سوءا. 11 رجب 1440 • أرى أن هذه الفقرة متشائمة مثبطة.. ولو أن الشيخ -وفقه الله- حورها قليلا لكانت متفائلة مشجعة.. ثقوا أنه قد يتغير شيء من شكل الحكم وصورته، وترتيبات ممارسته، لكن جوهره لا يتغير، إذا بقي صانعوه بالأمس هم من يتأهبون لصنعه غدا.. التغيير الصحيح نحو الأفضل ينطلق من إصلاح الفرد، وهذا ما ينبغي أن نشمر له ونعمل عليه جادين، ويجب أن نتفق جميعا على إصلاح هذه العقود الماضية من إفساد الفرد في نظامنا التربوي والثقافي والإعلامي.. والمسؤول الله تعالى أن يحفظ بلدنا، وأن يغير حالنا إلى الأحسن. حكيم •

الخاطرة 122

لقد تبين أن هذا شيء كان يراد، فقد دخل الوضع في بلادنا مرحلة خطرة اليوم، تالله ما كنت أتوقع أن يلجأ إليها السياسيون، ولاسيما أولئك الذين عاشوا وعرفوا عن كثب محن تدخل القوى العظمى في أحداث الدول، وتدافع مصالحها، ولم يروا إلى الآن دولة خرجت سالمة منه، ولموقف حكومة البلد التي التزمت الحياد إبان ما سمي بالربيع العربي، وكان موقفا محمودا في الجملة، فكيف يخالفون هذا الذي ساروا عليه ولو كان مجرد استشارة لدولة (صديقة)؟ الضرر قائم لو تدخلت هذه القوى من تلقاء نفسها بالكلام، فكيف إذا استنجدنا بها؟، أولا يعلمون أن هذا سيثير القوى المنافسة لروسيا وفي مقدمتها أمريكا للدفع نحو ما تراه من مصالحها، فتؤيد الطرف المقابل الذي يقف إلى جانبه الخصم، ثم ينتقل الأمر إلى تلك القوى تتفاهم خارج إرادة المتنازعين راضين أو رافضين، فنصير رهائن لها حكاما ومحكومين؟ فإن لم تحقق ما تصبو إليه نقلت النزاع إلى المنظمات الدولية وهلم جرا... هذه هي السلسلة المعتادة اليوم داخل الدول، وفيما بينها، قد رأينا أولى حلقاتها، فهل يفوت الجزائريون في أرض الجهاد على الحاقدين مقاصدهم الخبيثة؟ فإن لم يفعلوا فقد بدأت رحلة التيه!! فاللهم رحماك، ألا يوجد فينا من أولي الرشد والنهى من هم محل ثقة من أهل العلم ومن السياسيين وغيرهم فيضمنون تنفيذ ما يتفق عليه الحكام والمحكومون، ونخرج بأقل الخسائر؟. = 19 مارس • الخاطرة رقم 123 روى البيهقي عن علي الجراح قال: "سألت أولاد بني أمية ما سبب زوال دولتكم؟ قالوا: خصال أربع، أولها: أن وزراءنا كتموا عنا ما يجب إظهاره لنا، الثانية: أن جباة خراجنا ظلموا الناس، فرحلوا عن أوطانهم، فخلت بيوت أموالنا، الثالثة: انقطعت الأرزاق عن الجند، فتركوا طاعتنا، الرابعة: يئسوا من إنصافنا، فاستراحت نفوسهم لغيرنا"، ذكره المناوي في فيض القدير. لك أن ترجع هذه الأسباب كلها إلى الأول منها، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تأثير المقربين في الحكام وإن كان الحكام صالحين: "إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك؛ جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه"، وقد يكون تسليط الوزير السوء على الحاكم الصالح لدسيسة يعلمها الله منه، كما قال العلماء فيمن يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. 17 رجب 1440  •

الخاطرة 124

روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "ما كان منذ كانت الدنيا رأس مائة سنة؛ إلا كان عند رأس المائة أمر ...". تبين لي أن لهذا الأثر صلة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه . ثم وقفت على هذه الصلة بين الحديثين عند أبي عمرو الداني رحمه الله، إذ أورد حديث تجديد الدين في كتابه المسمى (السنن الواردة في الفتن)، ووجه ذلك أن الفتن تعقبها آثار ضارة على الأمة في مجال أو أكثر، والعلم الشرعي من العالم البصير الذي هو الذي يعين على تماسكها وتجاوز محنها، وكما أن الحديث صالح في الخلافة التي كانت تنتظم أرض الإسلام أو جلها؛ هو صالح اليوم في أجزاء أرض الإسلام التي انقسمت إليها، والأمة ولله الحمد واحدة لم يضرها هذا الانقسام في جوهر وحدتها، وإن أثر كثيرا على مواجهتها أعداءها وتكاملها في المجالات المختلفة . ومن فقه أبي عمرو الداني أنه أورد بعد حديث التجديد؛ هذا الأثر عن أبي الدرداء أنه قال: "لن تزالوا بخير ما لم تعرفوا ما كنتم تنكرون، وما دام العالم يتكلم فيكم بعلمه، فلا يخاف أحدا". وقد ساق الحافظ السيوطي رحمه الله أثر عمرو بن العاص في كتابه (تاريخ الخلفاء)، ثم ذكر الفتن التي ظهرت في أرض الإسلام في كل مائة سنة، بداية من فتنة الحجاج بن يوسف في المائة الأولى، تلتها فتنة خلق القرآن في عهد المأمون، وما جرى فيها من خطوب، وفتنة القرامطة، وفتنة الحاكم بأمر إبليس (الحاكم بأمر الله)، واستيلاء الصليبيين على الشام وبيت المقدس، وفتنة الغلاء الذي لم يعرف له مثيل منذ عهد يوسف عليه الصلاة والسلام، وفتنة التتار التي أسالت دماء أهل الإسلام بحارا، وفتنة تيمورلنك التي فاقت فتنة التتار، وقال خاتما كتابه المذكور: وأسأل الله أن يقبضنا إلى رحمته قبل وقوع فتنة المائة التاسعة". لا يشك أحد أن الأمة عاشت في هذه المائة التي نحن فيها فتنا عظمى، منها آثار استيلاء اليهود على فلسطين، وما تلاها من مأسي أهلها وعواقب ذلك، وما جرى في أفغانستان وكوسوفو والعراق والشام واليمن ومصر وغيرها، ولسنا ندري ما يحصل بعد ذلك، فنعوذ بالله من الفتن، ونقول للساسة في بلادنا لا تراهنوا في حل أزمة بلادكم على مرور الوقت، فإنها مقامرة ومغامرة لا تعلم عواقبها.

الخاطرة 125

كنت مكلفا بإعداد خطبة الجمعة التي تبث على الإذاعة والتليفزيون سنة 1992 بوزارة الشؤون الدينية، وكان الذي يلقي الخطبة هو الأخ قادري الذي اغتالته الجماعة المسلحة رحمه الله. كان الشهر هو رجب الذي ارتبط بإحياء ذكرى الاسراء والمعراج، فكان هذا هو موضوع الخطبة، وجرت العادة أن يسمعها بعض إطارات الوزارة بحضور الوزير، وهو يومها الدكتور بالرضوان، وقد اعترض بعض الحاضرين أن أذكر فيها ما قام به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة من تأسيس دولة الإسلام لما تثيره هذه الجملة من حساسية، وتسبب من حرج للوزارة، وأذكر أني عملت في تيارت شهرا ونصفه ثم ارجعت إلى الوزارة بحجة أني أدعو إلى الجهاد، لأني قرأت في صلاة الصبح سورة الصف! خرج الذين استمعوا إلى الخطبة، واستبقاني الوزير الذي لم يكن راضيا على النقد، فطيب خاطري بقوله: تغط بنصوص القرآن والسنة، ففيهما كفاية! . تذكرت هذا اليوم، فرأيت الاكتفاء بذكر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من خارج يخرج - يعني من بيته - إلا بيده رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله؛ اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط الله؛ اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته"، رواه أحمد بإسناد صحيح . •

الخاطرة 126

تألمت كثيرا حين علمت بتشكيل حكومة تصريف الأعمال التي أعلنتها رئاسة الجمهورية، فازدادت مخاوفي على بلدي، فقلت مقالة مكوي الفؤاد حزين: إذا كان رئيس الجمهورية شفاه الله وختم لنا وله بالخير واعيا مدركا فقد خانه المحيطون به، ولم يطلعوه على حقيقة الوضع في بلده، ولا أعانوه على ما يصلحه به، فالله حسيبهم، لكني لم أستسغ أن أخوض في لجج التحليلات السياسة التي أفسدت على الناس حياتهم، وشغلتهم عن صالحات الأعمال هذه الأيام، فلنتركها وراءنا ظهريا، ولنشتغل بم يفيدنا مما يناسب المقام . فلنذكر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك؛ جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه". وقوله أيضا: "ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله"، فهذا خير لنا من قيل وقال، التي كرهها لك ربك، فأي خير يرجى فيما كرهه الله؟،  في الحديث الأول أمور : 1 - لا خصوصية للأمير، فيدخل الحاكم وأعوانه في أي مستوى كانوا . 2 - والوزير صيغة مبالغة، وهو إما من الثقل، لتحمله عمن فوقه بعض أعماله ومتاعبه، أو من الوزر -بفتح الزاي- وهو الملجأ، للجوئه إلى رأيه في مهمات الأمور. 3 - وقوله "وزير صدق"، لم يقل صادق، بل أضافه إلى المصدر الذي هو الصدق دلالة على عظم هذا الوصف فيه، فكأن الوزير هو الصدق نفسه!!. 4 - وقوله: "إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه"؛ يدل على أن الحاكم المتحدث عنه يعرف الحق، ويحرص عليه، وإنما يخشى عليه من النسيان، ومن قلة العون . 5 - الشارع إذا أطلق الوصف؛ انصرف إلى الفرد الكامل الذي يبتغيه ويقره . 6 - الحاكم الصالح الكفء قد يفسد عمله الوزير السوء، فكيف إذا لم يكن كذلك؟. 7 - وقوله: "وإذا أراد به غير ذلك"، أي مقابل الخير، وهو الشر، لم يذكره استقباحا له، ولأنه مقترن بإرادة الله، وليس في أفعاله شر محض. 8 - قوله: "جعل له وزير سوء"، وصفه بالمصدر على وجه المبالغة كالسابق، كأنه هو السوء نفسه، مع أنه يقتصر على عدم التذكير وعلى ترك الإعانة!! . 9 - ذكر حالتي الخير الخالص والشر الخالص في الحكم، وبينهما درجات. •

الخاطرة 127

علق بعضهم على مجلس تدارسنا فيه باب النسب من ألفية ابن مالك -وهو من أصعب الأبواب- قائلا: أنتم تعيشون خارج الزمان والمكان!!، هو يريد الإنكار على من يشتغل بهذا الأمر في هذا الظرف الذي تمر فيه البلاد بمخاطر جمة، فيقال: أتركت أنت اكلك وشربك ونومك وسائر ارتباطاتك لهذا الذي في بلدك؟، إنك لم تتركه قطعا، فلم لا تعتبر ما نحن فيه من قبيل ما لم تتركه أنت ولا نحن؟ وحاجة المسلم إلى العلم أعظم من حاجته إلى ما تتقاضاه نفسه مما ذكرت وغيره، لأنه يحتاجه في كل وقت. ما ذا تريد منا أن نفعل أو نقول؟ الذي يغلب على ما يسمع ويتداول هذه الأيام قد تطور من الكلام على مرض الرئيس، إلى دعوى موته، إلى العهدة الخامسة، فتمديد العهدة الرابعة، فالدعوة إلى إعلان شغور منصبه، فتفعيل المادة 102، المادة 6، والمادة 7، السلطة بيد الشعب، الشعب مصدر السلطات، الشعب يريد، حكومة تصريف الأعمال، لغو في لغو، بل إن بعض هذه المقولات من أكبر المعاصي، إن لم تكن أعظمها . وقد وصلنا اليوم إلى ازدواجية السلطة حيث يقال: إن التحفظ على كبار أرباب المال قد تم من غير استشارة الرئاسة، كأن هؤلاء لم يكونوا معروفين من قبل، ومن هذا القبيل أن يقال إن قيادة الجيش هي التي أقرت الأمر الفلاني دون الرئاسة، مع أن الرئيس يبقي على نائبه قائدا للأركان في الحكومة الجديدة!، ومن المضحكات أن يشاع أن ختم الرئاسة عند فلان!!، أو أنه هو الذي يملي أو يكتب الرسائل، كأن الرئيس في هذا البلد لا يراه أحد غير فلان؟، فلم سكت عن هذا كل هذه المدة حتى صار حكم بلدنا لغزا؟، ولم يسكت على فلان هذا وقد ارتكب كل هذه الأمور والحال أن شخصا يقول كلمة فيزج به في السجن!!، فكيف بمن يفعل هذه العظائم كلها، ويتسبب في هذه الفتنة التي لطف الله تعالى بنا فيها لطفا لم نعرف له نظيرا في نظائرها؟، أيحتاج هذا الأمر المضحك المبكي إلى اجتهاد كي يفهم ؟ . قلت قبل أيام إن كل هيآت الدولة قد انضمت إلى الحراك، وهي اليوم كلها - ولله الحمد - ضد الفساد!! إنها لعبة قذرة يراد لها أن تطول، إن لم تكن مسرحية لم يجد معدوها ترتيب الفصول، يلخصها شيئ قلته سنة 1990 بعد أن تعددت نقابات العمال ونشأت العديد من الهيآت التي قيل إنها مستقلة في إطار دستور التعددية الحزبية، قلت عنها وعن الحكم الذي أنشأها: إن مثلها ومثله كأناس أرادوا ضرب رجل فكان منهم الضارب ومنهم المتظاهر بالدفاع عنه، وهو الذي يسميه العامة عندنا (الفكاك والسواط)!! لعلك أيها الأخ الكريم قد أدركت أننا لسنا خارج الزمان والمكان، وأن الإعراض عن هذا هو الخير، فنسأل الله أن يغفر لنا هذا الخوض الذي خضناه .  •

الخاطرة 128

لقد استقال الرئيس فانتهت مرحلة، وابتدأت أخرى تضارب فيها اتجاهان: أحدهما يرى الإبقاء على هيآت الدولة القائمة لأنها دستورية، ويتباطأ في الاستجابة للمطالب، عسى أن يميتها المطال، أو يخفف وطأها مرور الوقت الذي يراه جزءا من الحل، أو يضعفها الخلاف المرتقب بين فئات الحراك التي جمعها شيء، والمنتظر أن تفرقها أشياء. والاتجاه الثاني يرى أن تلك الهيآت متجاوزة اعتمادا على الدستور أيضا، لأنه نص في مادتيه السابعة والثامنة على أن "الشعب مصدر كل سلطة"، وأن "السيادة الوطنية ملك للشعب وحده"، وأن "السلطة التأسيسية ملك للشعب"، وحيث إن الشعب رفض هذه السلطة فلترد إليه سيادته!، ووسيلة تحقيق هذا المطلب هي الاستمرار في المظاهرات التي تتكرر كل جمعة . مدونو هذه الدساتير قد يريدون ببعض موادها مجرد التباهي والتزين للعالم، والظهور بمظهر هو أبعد ما يكون عن واقع ممارسات الحكام، لكن هذه المواد التي أسميها مواد زينة وتجميل لجسم يصعب أن يحجب قبحه التجميل؛ لم يخطر ببال واضعيها انها قد تفعل، فيؤتون من حيث لم يحتسبوا كما تراه اليوم في تينك المادتين، فإن المشتغلين بالقانون الدستوري يرونهما حاكمتين على غيرهما وهو أمر لا يراه الآخرون المتمسكون بالمادة 102!!، فسبحان الله ما تصنع الأهواء بأصحابها !!. متى ينتهي هذا السجال الذي شغل الناس بهذا الذي كتبوه بأيديهم، ثم اختلفوا فيه أعظم ما يكون الاختلاف، وقد يحصل لهم الويل مما كتبوا، والويل مما اكتسبوا، أو ليس قد (غيرنا) أكثر من ثلث مواد هذا الدستور ما بين تعديل وتتميم وإدراج في أقل من ثلاثين سنة، ودون حاجة في الكثير منها، فلما قامت مصلحة الأمة والمحافظة على استقرارها عجزوا عن قبول (تأويل) سائغ لبعض مواده، وظهروا بمظهر الحريص على (ظاهره)، كل يتمسك بموقفه، فأعطوه من المكانة ما لم يعطوه لما تعبدهم ربهم بتلاوة لفظه وفهمه وتدبره والتزام أحكامه؟ . كنا نأمل أن ينتهي هذا اللغط إلى مجلس تأسيسي يعيد صياغة نظام الحكم الأساس وهو الدستور، او إلى ما يسمى اعلانا دستوريا تدار به المرحلة الانتقالية، او يسند منصب الرئاسة لمن هو مقبول لتنظيم الانتخابات، أو الى مجلس رئاسي، على أن يجري أي من هذه الأمور بإشراف الهيئة التي نالت القبول في (الظاهر)عند كثير من الناس . المؤكد أن تعدد هذه الحلول قد تقلص، وأن الوضع قد ازداد تأزما بتنصيب رئيس مجلس الأمة ليقوم بمهام الرئاسة مدة تسعين يوما، ولا أحسب أن الأمر ينتهي عند هذا الحد. ألا تعجلون بطي هذا الفصل قبل أن تعظم آثاره على الاقتصاد والحياة العامة، وهو أدنى الأضرار؟ الوضع غير مأمون العواقب إذا ما استمر الاحتجاج، ومن أعظم ما يخشى أن تتحول المطالب بتنحي الرؤوس الحاكمة من فوق؛ إلى من دونهم في الولايات والبلديات وسائر الهيآت التنفيذية فتعظم الأخطار، بل إن هذا الأمر قد أخذ في الظهور فاحذروا. •

الخاطرة 129

من أسباب انتشار الحكم بغير ما أنزل الله ترك تقنين الأحكام الشرعية، لا فرق بين الحدود والجنايات والمعاملات، ومن ذلك ما سماه علماؤنا الأحكام السلطانية التي دونوها وأهداها بعضهم للحكام ليقيموها في حكم رعيتهم . وجه ذلك أن هذا التقنين فيه من اليسر والضبط للذين يتولون هذه الأمور ما لا يخفى لو كانوا قادرين على معرفة الأحكام من أدلتها، فكيف والأمة تمر منذ قرون بحالة ضرورة في حكامها ومفتيها وشهودها وقضاتها؟، ولأن الاختلاف قد لا يقبل في القضايا المتشابهة في الدولة الواحدة، ولاسيما في هذا العصر، ولعل هذا الأمر قد طاف بذهن الخليفة أبي جعفر المنصور حين اقترح على مالك تعميم موطئه على أقاليم الخلافة، فأباه عليه رحمهما الله، ولكل منهما وجهة مقبولة في ذلك الوقت، وقد كان زمان صلاح وعلم واجتهاد، وقد قيل إن ذلك كان سبب تأليف مالك موطأه . هذا الأمر كان احد أسباب تثبيت الأحكام الوافدة مع احتلال الكفار لبلدان المسلمين، ثم ورثناها عنهم بعد أن خرجت جيوشهم واختفت راياتهم، وظننا أن بلداننا قد استقلت بسك عملاتها، ورفع أعلامها، وعزف اناشيدها، وما إلى ذلك مما اعتبر رموزا للسيادة، وما هو بها والله . لم يعد لهذا الأمر كبير فائدة الآن إلا أن يشاء الله، ومع ذلك ما يزال كثير من أهل العلم يرون أن تقنين الأحكام ذريعة إلى نشر التقليد، وهذا عجب، فيقال لهم: أين المجتهد فيمن يتولون القضاء والإدارة وغيرهما حتى يقال إن التقنين قد فوت عليهم الاجتهاد؟، هو قول لا يصلح اليوم في بلدان المسلمين كلها، ثم أين تقليد من خالط الشرع لحمه ودمه، وعاش حياته يرعى حرمته، ويرجو رحمة ربه بإقامته، ويخاف عذابه إن فرط في شيء منه؛ ممن شحن رأسه بالباطل، فصاغ للناس قوانين عمدته فيها تقليد الكفار، واتباع الأهواء؟، بل إن من الباطل أن نسوي بين ما قاله علماء الإسلام ولو كانت آراء لهم؛ لجأوا إليها في غيبة الدليل، أو ما رأوه فيه من التأويل، قاصدين بما قالوا طاعة ربهم، وبين آراء من تشبعوا بثقافة الغرب وقيمه، ثم وضعوها نصوصا ألزموا الناس بها ما لا يلزمهم، وأحلوها مقام التقديس والإجلال . كتبت إحدى الجرائد تستنكر ما اصطلح عليه بالإرهاب قبل أكثر من عقدين، فكان مما دعت إليه لحماية البلد منه منع تفسير ابن كثير من التداول لما جاء فيه من استنكاره (الياسق) الذي وضعه جانكيزخان، وقد رأيت أن أورد كلامه هنا للاعتبار، في خضم هذا السجال الذي ملأ البلد، وشغل الناس في الكلام على الدستور، مع أني لا أقر كل ما قاله رحمه الله، أقصد قوله بتكفير الفاعل بمجرد ذلك، ولأن كثيرا من مواد الدستور داخل في منطقة العفو التي تركها الشرع للناس رحمة بهم، وعلى الأخص طريقة نصب الحاكم . قال في تفسيره لقول الله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون): "ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات ...، إلى أن قال: "وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة من ملكهم جانكيزخان، الذي وضع لهم (الياسق)، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا، يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير...". •

الخاطرة 130

من الكلمات التي تجري على ألسنة القضاة والمحامين ورجال القانون كلمات "التشريع"، و"المشرع"، و"السلطة التشريعية"، ويجري على ألسنة غيرهم "الانتخابات التشريعية"، و"المجلس التشريعي"، وكلها ألفاظ لا يجوز استعمالها في هذا، لأن حق التشريع لله تعالى، ولنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من لا ينطق عن الهوى، إنها مسألة عقدية ينبغي لكل مسلم أن يحذر من إطلاقها فيما ذكر لتسلم عقيدته، وهكذا لفظ "الديمقراطية"، التي شغف بها الناس، فصارت أكبر همهم، يدعون اليها، ويحتجون بها، ومن ذلك "فقه القانون"، و"فقهاء القانون"، فإن هذا ابتذال لكلمات الفقه والفقيه والتفقه التي جرت لغة الشرع وإصطلاح علماء المسلمين على قصرها على التفقه في الدين، وإن كان معناها في اللغة هو الفهم، أو الفهم الدقيق . وللشيخ أحمد شاكر رحمه الله كلام أورده في اختصاره لتفسير ابن كثير عند الآية الخامسة والستين من سورة النساء، رأيت أن أثبته هنا لأهميته، قال رحمه الله: "... ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين ودراساتها كلمات "الفقه" و"الفقيه"، و"الشرع" و"المشرع"، وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماء الإسلام على الشريعة وعلمائها، وينحدرون فيجترئون على الموازنة بين دين الإسلام وشريعته، وبين دينهم المفترى الجديد..." . وقال أيضا: "فترى الرجل المنتسب للإسلام، المتمسك به في ظاهر أمره، المشرب قلبه هذه القوانين الوثنية؛ يتعصب لها ما لا يتعصب لدينه، بل يجتهد ليتبرأ من العصبية للإسلام، خشية أن يرمى بالجمود والرجعية، ثم هو يصلي كما يصلي المسلمون، ويصوم كما يصومون، وقد يحج كما يحج المسلمون، فإذا ما انتصب للقانون لبسه شيطان الدين الجديد، فقام له قومة الأسد، يحمي عرينه، ونفى عن عقله كل ما عرف من دينه الأصلي، ورأى أن هذه القوانين ألصق بقلبه، وأقرب إلى نفسه، هذا في المستمسك منهم بدين الإسلام، دع عنك أكثرهم ..." . •

الخاطرة 131

لعلك قد أعياك ما يجري في بلدك، وشغلك ما يتناهى منه إلى بصرك وسمعك، ثم تبرمت بهذا الحال الذي فتح فيه علم السياسة على غالب الناس، فغدوا خبراء عارفين، ومراقبين محنكين، ومحللين مستوعبين، وصار بعضهم كالعرافين المتكهنين، فلا يضيقن صدرك، إن كنت قد صنعت ما تراه حقا، ونصحت بما تعلمه نافعا، فإن الحق لا يعرف بالكثرة، فإن كان بك حاجة إلى ملجإ مما أنت فيه فهو تعلم دينك، والتمسك به، والجد في الدعوة إليه، غير مفرط في موقع ظفرت به، اعمد إلى حيث يكثر من يبلغهم صوتك، فقد بعث الأنبياء في القرى والمدن لأنها أيسر في البلاغ، وهم قدوة الدعاة، ومورثو العلماء، لقد تبين من أحداث بلدك قصور تأثير الدعوة في شؤون الأمة العامة، وفي الحكم بخاصة، فتدارك هذا في مستقبلك، وليبرم الدعاة أمرهم، على هيئة تجمعهم. سواء عليك أرأيت ثمار جهدك، أم حصل القطاف بعد ذهابك، فإنه "لكل أجل كتاب"، فإن أكرم الخلق على الله أنبياؤه، فاقرأ ما قاله لخاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم مريحا له من عناء ارتقاب ما قدر: "وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب"، وقال: "فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون"، وقال: "لست عليهم بمصيطر"، إن رأيت أملك في الإصلاح بعيد المنال، فتجاوز باستشرافك واقعك، وتخط بيقينك حاجز محيطك، فمهما رأيته فارا من الله، فامض أنت في الفرار إليه، استيقن حكم الله الذي تعلمه، يقينك بقدره الذي تجهله، فإنه زادك العقدي الذي يزكو على الإنفاق، ومددك الذي ليس بعده إملاق . •

الخاطرة 132

كثير من المستفتين لا يكاد يسأل إلا عن الطلاق، وربما ضقت ذرعا بذلك، فخففت عن نفسي بممازحة السائل أقول: أليس عندك ما تسأل عنه من أمور دينك غير هذا؟، ثم ارجع، فانحي على نفسي باللائمة، ذاكرا أن حرصه على أن تقام علاقته بزوجته على الشرع من دواعي السرور، وإن فرط في أحكام أخرى . وللشيخ عبد الواحد بن عاشر بيتان قالهما متذمرا مما رأى الناس قد أكثروا عليه فيه، ذكرهما تلميذه محمد بن أحمد بن محمد الشهير بميارة في مقدمة شرحه على نظم شيخه المسمى بالمرشد المعين، قال:  يزهدني في الفقه أني لا أرى ** بسائل عنه غير صنفين في الورى فزوجان راما رجعة بعد بتة ** وذئبان راما جيفة فتعسرا !! وليس هذا الأمر بالجديد، فقد جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما كما في صحيح البخاري حين سأله رجل عن دم البعوض، فقال: ممن أنت؟، فقال: "من أهل العراق"، فقال: "انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسمعته يقول: هما ريحانتاي من الجنة"، ولا شك أن كلا الأمرين فيهما لله حكم ينبغي أن يعلم، لكن بينهما من التفاوت عند المخالفة ما لا يخفى . ثم صرت الى أن هناك علاقة بين ما يلتزمه كثير من عوام المسلمين ويذعنون له من أحكام دينهم كالطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج وعقد النكاح والطلاق والنذور والأيمان والمواريث وغيرها، فيسألون عنه، ويحرصون على الرجوع إلى غيرهم فيه غالبا، وبين ما ينازعون فيه، أو لا يسألون عنه، لما يظهر لهم فيه من المصالح والمنافع، فيستبدون فيه بآرائهم، ويعتمدون في الإقدام عليه أو الإحجام على ما يرونه من ذلك، وقد يقلدون فيه من لا يرتضونه لدينهم، ويكثر هذا في المعاملات كالبيوع والإجارات والعلاقات الاجتماعية والسياسية، فإن الأسئلة عنها قليلة، ويتضح لك هذا فيما تراه في دول المسلمين من علاقة الحكام بالمحكومين، وقد تقوى بما استحدث من النظم التي أعدها أفراد منهم، ثم اعتبرت مواثيق بين الناس، وفيها المخالف للشرع والموافق . لكن لهذا الأمر علاقة بما تتميز به الأحكام بعضها عن بعض، فإن مجال النظر والتعليل والنوط بالمصالح الظاهرة محدود في العبادات، فلذا كان الأصل فيها المنع، وهو كثير في المعاملات، فكان الأصل فيها الجواز، وهي مع ذلك متفاوتة، فإن في بعضها من ظاهر تلك المعاني ما ليس في غيره، فكأن العوام قذف في قلوبهم هذا الفارق فجروا عليه!! وقد فطر الله الخلق على البحث عن مصالحهم، والسعي في تدبير وسائلها لتحصيلها، يستوي في هذا العاقل منهم وغيره كما قال: "والذي قدر فهدى"، وقال: "ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى"، لكنه سبحانه رحمة بخلقه وحفظا لهم أن يستأثر بعضهم على بعض أو يجور؛ جعل أوامره عناوين علي مصالحهم، ونواهيه عناوين على ما خالفها حتى تقوم الضرورة، أو تفقد الاستطاعة، ولا ينتظم أمرهم وتستقر حياتهم إلا بهذا، أما غير المكلفين من المخلوقات فمصالحها منوطة بالغرائز والسجايا والطبائع، جعلها الله كافية في ضبط نظام حياة البهائم وسائر العجماوات، لمحدودية تلك الصفات عندها، بخلاف الناس فإنه لا محدودية لرغائبهم وطموحاتهم، فإنه كما في الحديث "لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب"، فلا تصلح جماعتهم إلا بقوانين وضوابط، ومعتمد المسلمين فيها ما أنزله الله تعالى، وهو المشار إليه في قوله: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه"، والناس شأنهم الاختلاف والخصام، فلا يمكن أن يكون الخصم حكما، ولأن ما يصوغونه من نظم لحياتهم لا بد أن يتأثر بالبيئة وبما عليه الناس من الأعراف والتقاليد والأهواء كيفما كان التجرد أثناء الصياغة، فكيف إذا حصل ذلك بغرض آني كما يغلب على دساتير الدول وقوانينها؟ . ثم عثرت على كلام لبعض أهل العلم في جملة ما قاله تفسيرا لقول الله تعالى: "قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال"، قال: "الناس لا يتفقون على التقليد أو الاتباع فيما يرونه مخالفا لمصلحتهم الاجتماعية، ولذلك اختلف بنو إسرائيل على نبيهم في جعل طالوت ملكا عليهم، واحتجوا على ذلك بما لا ينهض حجة إلا في ظن المنكرين، ومن عجيب أمر الناس أن كلا منهم يحسب أنه يعرف الصواب في السياسة، ونظام الاجتماع، في الأمم والدول، فلا تعرض مسألة على عامي؛ إلا ويبدي فيها رأيا يقيم عليه دليلا، على أن هذا العلم هو أعلى من سائر العلوم التي يعترف الجاهلون فيها بجهلهم، فلا يحكمون فيها كما يحكمون في علم السياسة والاجتماع، وما يعقله إلا الأفراد من الناس" . •

الخاطرة 134

قد يكون في هذا الذي أكتبه بعض الغرابة، لأنه في أمر لست من أهله، لكن ما الحيلة وقد رأيت من كانوا ساكتين، أو متعاونين مع المفسدين، يرفعون عقيرتهم كأنهم برآء مما ألحق ببلدهم من الأضرار، وما المانع من الكلام والفساد الأخلاقي وتبديد أموال الأمة لم يعد يخفى على أحد؟ وهل هذا العدد ممن يقال إنهم استحوذوا على أكثر من نصف القروض التي منحتها الدولة؛ كانوا يختلسون المال في غفلة من الأجهزة المالية والادارية والخبراء والمراقبين والمفتشين الذين اكتظ بهم هرم الدولة وهم ألوف؟ ومن سن ما يدعى بالحصانة البرلمانية وغيرها ليحمي المفسدين؟ . لا أذكر أن وزيرا كان موضع تحقيق منذ الاستقلال إلا في هذا اليوم الخامس عشر من شعبان 1440، فهل هذا التحول المفاجئ في التعامل مع من أهدروا المال العام حقيقي؟ وما الذي منع النواب العامين من تحريك الدعاوى القضائية، والزعم قائم باستقلال القضاء؟ أم هو أمر اقتضته الظروف التي تمر بها البلاد لتطييب الخواطر، ثم يرخى الستار على مسرحية هزلية، ويلف النسيان هذا الأمر كما لف عشرات القضايا؟ مهما يكن فإننا نأمل خيرا . كنت منكرا لكثير من التصرفات المالية التي قامت بها الدولة منذ نهايات القرن الميلادي الماضي، وهي مما يعسر أن يتبين فيها الفساد، وقد يكون القصد من بعضها في الظاهر حسنا، ومن الإنصاف أن يقال إن بعضها كان نافعا، لكن كثيرا منها تفتقت عنه عبقرية المسؤولين الذين يمموا المال العام، يبددونه، ويسرفون في إنفاقه، بصور شتى يستبعد أن تكون موضع متابعة. كانت البداية شراء الذمم لحشد أكبر عدد من المتواطئين، بتضخيم رواتب الإطارات والنواب، وبالامتيازات الوظيفية التي منحت لهم، ليربطوا بصنم المنصب، حتى صار بعضهم عبدا له، همه التمسك به، كيفما كان الأمر الذي يكلف بتنفيذه، بل قد يبادر به لإرضاء من حوله ومن فوقه. ومن ذلك ما سمي شراء السلم بالمال، والسلم إنما يحصل بالعدل، وبإمكانك أن تدرج تحت هذا العنوان أمورا كثيرة أهدرت فيها الأموال، تحت ستار جميل الظاهر، وكنت أضرب لذلك مثلا ببعص الدول في القارة الإفريقية، فأقول: أين المال الذي عندها كي تشتري به السلم، مع أنها تتمتع به أفضل مما عندنا؟ من سوء تفسير الأحداث التي تلت إيقاف المسار الانتخابي أن عزت السلطة انخراط كثير من الشباب في الجماعات المسلحة إلى تذمرهم بسبب الفقر، وتدني المستوى المعيشي، ونسوا أن الدافع الرئيس هو ما أقدمت عليه مما يتناقض مع ما التزمته، وعاقدت مواطنيها عليه حقا كان أو باطلا، ثم إنها لم تتعظ، فعادت للأخطاء ذاتها. وشبيه بتفسيرهم ما قاله أحد الوزراء من أن مادة التربية الإسلامية هي سبب ظهور التكفير، بدل أن يقول أن انعدامها هو السبب، مع أني أرى أن الضرب على هذا الوتر يراد منه تصيير الدين دون معالم. لقد استحدث المسؤولون عناوين جميلة براقة غطوا بها إهدار المال العام، فكانت عواقبها وخيمة، وقد تستغرب إن قلت إن منها تشغيل الشباب، فقد كان بعيدا عن هذا الوصف، بل صار بطالة مقنعة، عودنا به كثيرا من اولادنا على الكسل وأخذ المال، حتى صار بعض الإسبان وغيرهم خدما عندنا!! ثم ابتدعنا صيغة ما قبل التشغيل، ومن الغريب أن الدولة تدفع المال للشاب كي (يعمل) عند صيدلي أو نجار أو مقاول، ولا تدفعه له ليعمل في النفع العام ممثلا في الجمعيات، وفي الغالب لا يعمل. ثم ابتكرنا توزيع الأموال على الشباب تحت عنوان الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب، والكلام على مفاسدها يطول. ومنه استحداث أسلاك وظيفية احتارت الدولة بعد زوال الحاجة إليها في طريقة التخلص منها، والأمثلة معروفة. ومن ذلك الاستنجاد بالإطارات المتقاعدة لتحافظ على الدولة في زعمهم، ومن بين القطاعات قطاع الشؤون الدينية لتحيط المسؤولين بهالة من المدح والتزلف والتبريك والدعاء، فصار الشخص الواحد يجمع بين جرايات ثلاثة: (الجهاد)، والتقاعد، وراتب الوظيفة. ومن ذلك التحالف بين السلطة والمحسوبين على التصوف من تجار الزوايا، فحملوهم على رقاب الناس، وبذلت لهم الأموال دون حساب، وصارت لهم الكلمة، حتى بلغت حظوة بعضهم عند المسؤولين الأعلون أعظم من الوزراء، لأنهم حراس المرجعية الوطنية التي كانت غطاء لإفساد عقائد الناس وإلهاء الأمة عن المكائد والمخاطر الحقيقية. ومن ذلك ما يسمى بتخصيص الشركات التي تنازلت عنها الدولة بأبخس الأثمان، فانتقلنا من توزيع الأرباح على الشركات المفلسة في عهد النظام الاشتراكي إلى بيعها، بدل أن نلجأ إلى مخطط للنهوض بها وتشغيل الناس فيها. ومنها قروض الفلاحين التي كانوا يعفون منها كلما اقتربت الانتخابات لتشترى ذممهم، وكثيرا ما كانت توجه لغير ما هي له، لتثمر أصوات ثلاثة ملايين يمتلكها فلان، أليست هذه الأمور وغيرها كثير في حاجة إلى أن تفتح ملفاتها ويعاقب عليها إن صحت العزائم؟..  • •

الخاطرة 135

قيل عن السجن إنه "منازل البلاء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء، وقبور الأحياء"، يدخله المظلوم كما يدخله الظالم، يتجاوران وبينهما كما بين السماء والأرض:  أما في رسول الله يوسف أسوة ** لمثلك محبوس على الجور والإفك؟ أقام جميل الصبر في السجن برهة ** فآل به الصبر الجميل إلى الملك!! من يدخل السجن كل يوم كثر، لا تسمع بهم كما تسمع هذه الأيام بالقليل الذي يلقى بهم فيه، شهرة العلو والفساد؛ أعقبتها شهرة الذلة والحقار، وكثيرا ما يورثهما الحكم والمال، كما تراه في فاتحة سورة القصص وخاتمتها، ومن لبس ثوب شهرة؛ ألبسه الله ثوب مهانة، فسبحان الله: إمهال من غير إهمال، وأخذ لا يوقته إلا الكبير المتعال. أغلب ما تعاقب به الدول اليوم السجن، وعقوبته في الشريعة التي أكرمنا الله بها، وفرطنا فيها؛ استثناء، صارت الحدود منسية في أغلب أرض الإسلام، وقد قال عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا"، والزعم بأن ترك حكام المسلمين إقامتها يرجع إلى ضغط دول الكفر، وما يسمى بمنظمات حقوق الإنسان؛ خرافة وتعلة لا تمضي، يردها أن حكام المسلمين يسنون من الأنظمة والقوانين لتحصين حكمهم ما لا ترتضيه تلك الجهات، ومع ذلك يتمسكون به، ويناضلون دونه، فأي الأمرين أحق بالنضال؟، وما ذا يقال عن سلطنة بروناي التي لا يتعدى سكانها الخمسمائة ألف، والحدود تقام فيها، بقطع النظر عما يقال عنها في أمور أخرى ؟ . لا مصلحة للأمة في سجن من نهبوا مالها، فيسجنون لينفق عليهم منه، استعادة تلك الأموال التي استولوا عليها بطرق ملتوية يعرفها المختصون؛ هو المطلوب، فليجتهدوا في تجلية الأمر، وتتبع مخابئ الفساد، وتصريحات قائد الجيش مطمئنة، والتعنت في المواقف، وتطوير المطالب تعجيز؛ قد يفسد كل شيء، فاحذروا التصعيد، وإياكم والرايات العمية!!.

الخاطرة 136

يقول علي الجارم رحمه الله:  والنفس تسأم إن تطاول جدها ** فاكشف سآمة جدها بمباح". وقد نسب إلى ابن مسعود رضي الله عنه قوله: "القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة"، وقال أبو العباس المبرد في كتابه الكامل: "نذكر في هذا الباب من كل شيء، ليكون فيه استراحة للقارئ، وانتقال ينفي الملل، لحسن موقع الاستطراف، ونخلط ما فيه من الجد، بشيء يسير من الهزل، يستريح إليه القلب، وتسكن إليه النفس" . والأصل أن تعمر الأوقات بالأعمال الصالحات، وبما لا بد منه من المباحات، كما قال الله تعالى: "فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب"، وقد ذكر لنا شيخنا عز الدين أنه كان يطرد عن نفسه الملل بالانتقال من فن إلى فن . في هذا الذي سأذكره عن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما شيء من هذا، لكن تعرف على بعض سيرته لتجد قبل الهزل، فقيس ليس من الشخصيات المشتهرة عند الناس، مع أن فيه خصالا عظيمة خلقية وخلقية قل أن تجتمع في واحد، منها أنه صحابي وابن صحابي، ثم هو أمير مجاهد، ومنها أنه تولى إمارة مصر في خلافة علي رضي الله عنه، وكان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير . ومن صفاته الذكاء واتقاد الذهن، فقد قالت له عجوز: "أشكو إليك قلة الجرذان"، فقال: "ما أحسن هذه الكناية!، وأمر أن يملأ بيتها خبزا ولحما وتمرا وسمنا". ومما يدل على دهائه قوله: "لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "المكر والخديعة في النار لكنت من أمكر هذه الأمة"!! . ومن خصاله الكرم ونفع الناس بالمال، فقد كان يطعم الناس في أسفاره مع النبي صلى الله عليه وإله وسلم، وكان يقرض المال ثم يبرئ المقترض، ويقول: "اللهم ارزقني مالا وفعالا، فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال" . وأبرز مثال على هذا ما حصل منه في غزوة سيف البحر، وهو في صحيح البخاري، إذ فنيت أزواد الجيش فجاعوا، حتى أكلوا شجر الخبط، فسمي جيشهم به، فاستدان قيس وذبح لهم جزائر عدة، حتى أشفق أبو عبيده بن الجراح أمير الجيش، فنهاه لخوفه عليه أن لا يقدر على الوفاء بالدين . وروي أنه لما رجع قال لأبيه سعد: "كنت في الجيش فجاعوا"، قال: "انحر"، قال: "نحرت"، قال: "ثم جاعوا"، قال: "انحر"، قال: "نحرت"، قال: "ثم جاعوا"، قال: "انحر"، قال: "نحرت"، قال: "ثم جاعوا"، قال: "انحر"، قال: "نهيت"، يقصد نهي أمير الجيش، وقد قيل إنه لما رجع إلى المدينة وهب له أبوه سعد أربعة حوائط أقلها يجذ خمسين وسقا، كأنه احتفاء بما صنع . وقد كان ضخم الجسم مشهورا بطوله، وقد قيل: إن ملك الروم أرسل إلى معاوية رضي الله عنه أطول رجل في الروم، لعله أراد أن يتحداهم بذلك، وقيل إن ملكهم طلب من معاوية أن يرسل إليه سراويل أطول رجل فيهم، فقال معاوية لقيس: لعلنا احتجنا إلى سراويلك !!، فنزع قيس سراويله، فكانت قدر قامة الرومي: طرفها على أنفه، وطرفها على الأرض، فلما عوتب قيس في نزع سراويله قال:  أردت لكيما يعلم الناس أنها ** سراويل قيس والوفود شهود وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ** سراويل عادي نمته ثمود !! . • الخاطرة137  مواقف الدعاة وطلاب العلم مما يجري في بلادنا ما بين ساكت يؤثر السلامة، وإن كان متعلقها متعددا عندهم، وربما علل السكوت بالمحافظة على الدعوة أن ينفر الناس منها إذا عورضوا فيما أبرموه لا يلوون على شيء، بل سمعت بعض الدعاة يصرح بذلك . ومنهم المجاهرون بمواقفهم، بكلمة تقال، يرون أنهم قد أبرأوا بها ذمتهم، وقد يرتقب فريق منهم المآلات، متمنين تفلت الأمور، وفساد الاحوال، ليستدل بسوء النتائج على بطلان الوسائل، وهذا امنية قبيحة، يسلك صاحبها في مبتغي الفتنة، وإن ظن أنه قد اتقاها، مع أنه ربط غير صحيح في حالتي النجاح والإخفاق . ومنهم المؤيدون باقوالهم أو بأفعالهم أيضا، لكنهم متفاوتون، ادناهم موقفا من يطل بكلمات أو تعاليق مقتضبة تشعرك بما لايرغبون أن يفصحوا عنه . وآخرون آثروا مواكبة الأحداث، مع أنهم لا يختلفون عمن تقدمهم، لكنهم يأملون أن يشاركوا في التوجيه صوب أقل الأخطار، لأنهم يفرقون بين أمرين: أن يبادروا بذكر ما يرونه حقا، أو يسألوا عنه فيجيبوا؛ وبين أن يتعاملوا مع أمر أحدق بهم، كمثل من شارك مقتحمي البيت يرجو أن يصرفهم عن احراقه، والمقصود المثال، وإلا فغالب المشاركين يبتغون الخير لوطنهم، وإن كانت المقاصد لا تكفي . وكيفما كان هذا الاختلاف فإن المحزن أن أثر الدعاة محدود فيما يجري، والخوف أن يكون محدودا أو مفقودا فيما يقرر بعد من مصير بلادنا إذا ما حان وقت الكتابة والتوثيق، فلا المؤيدون برزوا وقادوا، ولا المعارضون في الأحداث أثروا، ولا الساكتون - بل ولا الجميع - سلموا . ومع هذا فإني لا ارتاب أن كثيرا من المشاركين، بل أكثرهم يحتفظون لهم بالتقدير والاحترام، وإن كانوا موزعي الميول و(الولاءات) بينهم، كما لا أتردد في القول إن الخير الذي في الأمة وهو كثير والحمد لله، والتماسك الذي هي عليه - بعد توفيق الله - هو من آثار جهود الدعاة وأئمة المساجد على ما بينهم من الاختلاف، أنهم مع كل هذا النقص حراس ثغور الإسلام اليوم، فجزى الله الجميع خيرا . ان الواقع ناطق بان المشاركين في هذه الاحتجاجات وهم ألوف مؤلفة يقولون بلسان الحال نحن أبصر بهذه الأمور منكم، بل قال بعضهم إن العالم بالشرع لا يعرف الواقع، ولهذا فإنه يستوي هو والعامي إن لم يكن الاخير أبصر منه !! . وهذا وإن لم يكن على إطلاقه فإن له صلة بما هو معروف من أن بيان حكم الله في الشيء ذو منازل ثلاثة: معرفة الحكم مجردا، ومعرفة موضعه ومحله، ثم تنزيل الحكم عليه. وعلى الداعي بعد ذلك أن يخاطب الناس بما يعرفون، فإنه ليس من اليسير أن يقنعهم إذا اكتفى بتقرير الحق كما يراه، دون تلطف في عرضه، وذكر دافع من خالفه فيه، ومشاركته همه، ومعرفة نفسيته، وما يعانيه من ضغوط محيطه، وما للإعلام من التأثير عليه، ونوازع تحقيق الذات عند الشباب وإبراز شخصيته، مع ما يشاهد ويسمع من فساد وجور حكامه، وتوفر وسائل نقل ذلك وإشاعته، بما لم يسبق إليه، لعله بهذا يحسن القيادة، ويجتهد في ذكر البديل . المطلوب أن يتدبر الدعاة هذا الأمر، ويعتبروا بهذه الأحداث، ويحاسبوا أنفسهم فيشددوا عليها في الخلوات، ليقفوا على المانع لهم من التعاون والتنسيق، كي يتجاوزوا رعونات النفوس، فسيصلحوا ذات بينهم كما أمرهم الله، وما ذلك بعسير إن سلمت القلوب، سيرون إن شاء الله ثمرة تلاقيكم وتصافيكم سريعا في نفوس الناس وترابطهم، وإذا توقف هذا الأمل المرتجى على تواري بعضهم عن الساحة فالأمر هين، متى كان الخير للدعوة أن نتوارى قبل أن نوارى، كيفوا عملكم العلمي واشفعوه بالجهد العملي الميداني لعلكم تتداركون هذه الفجوة، بل الجفوة بينكم وبين الناس، ولا تغتروا بمن يغشى مجالسكم ممن يسلمون ويتقبلون كل ما تقولون، مع أنهم من القلة بموضع، ثم تنسون هذا الفريق الفاعل في الحياة من الأمة، وهم صناع الغد . 25 شعبان 1440 •

الخاطرة 138

الأزمنة أوعية الأعمال وخزائنها، ستسأل عما فيه أمضيتها، فاستودعها ما شئت تجده عند الله: "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا". لا تجعل عيشك نوما بغفلتك، فإن موتك يقظة لا تنفعك، وقد قال ربك: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"، جل الناس نيام، فإذا ماتوا استيقظوا: العيش نوم والمنية يقظة ** والمرء بينهما خيال سار زمانك فاضل إذا عمرته بصالح اعمالك، فكيف إذا انضم إلى فضل الزمن فضل العمل؟، وفاضل الأزمنة مزيد إحسان من الله لعباده، يعظم فيها أجر العاملين، عرفهم ربهم بعضها، ليتدارك المقصر تقصيره، ويستغل المشغول فراغه، فدونك الأشهر الحرم، ويوم الجمعة، وعشر ذي الحجة، والثلث الأخير من الليل، وما بين الأذان والإقامة، ووقت انتظار الصلوات، وأدبارها، وغيرها، فلا يهلك على هذا إلا هالك، قال الله تعالى: "وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو راد شكورا"، وقد أبهم الله منها ما شاء، ليعلم الحريص على الخير، فيرتقب ساعاته، ويتعرض لنفحاته، خائفا مقام ربه، مشفقا من تقصيره، مجتهدا في موافقتها كساعة الجمعة، وليلة القدر . أنت مقبل على شهر رمضان الذي ليس في الزمان مثله، ما من مسلم إلا ويعرف بعض فضله، وإن احتفاءك واهتمامك به على قدر منزلته في نفسك، فأبن عن هذه المنزلة بصالح عملك. مما قاله شيخنا عز الدين عن الوقت في قصيدة له عنوانها (كن مسلما): الوقت أغلى ما ملكت زمامه ** يمضي فيعقب مغرما أو مغنما  فاعرف نفاسته فما لك هاهنا ** عمر سواه فصنه أن يتثلما هو ما حرصت على البقاء مزايل ** بل مسرع فاحذر غدا أن تندما اعمره بالقول السديد تفز به ** ذخرا فمن رغب السعادة أقدما  واصحبه بالفعل الرشيد فمن رأى ** هول الحساب عن المفاسد أحجما  •

الخاطرة 139

أيها الجيش تدخل في السياسة، ولكن بـ (السياسة)!! ليست لي رغبة أن أقول شيئا عن الذي يجري في بلدنا منذ أزيد من شهرين، تكلمت كالمكره بما يكفي، دافعي المشاركة في إصلاح الوضع ولو بكلمة قد لا يقرأها إلا الأفراد، ذلك ليرتاح المرء من إحساسه بهذا الذي يثقله، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"، وأنا لم أر الصمت منجيا، والخير درجات، كما أن الشر دركات، وكلامنا ليس إلا من باب دفع المفسدة بما هو أهون منها، وموقفي من حكم ما جرى ويجري معروف، لكني أجعل نصب عيني قول الله تعالى: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون" . إن أخطر ما في الفتن غلبة العواطف، وتقلب المواقف، وفتح الباب للرايات العلنية والسرية، وكثرة الإراء وتضاربها، وهذا هو الذي حصل عندنا بعد أزيد من شهرين، كان المحتجون متفقين على شيء هو رفضهم العهدة الخامسة، فحصل ذلك، وظننا أن أكبر العقد قد انحلت، فتنفسنا الصعداء، ثم جاءت مراحل اختلف فيها المتفقون كما كان متوقعا، والمنتظر أن يعظم الاختلاف، وأحسب أن الرايات قد برزت الآن رغم تعمد التستر . إن المؤسسة الوطنية الوحيدة القوية المتماسكة في بلدنا والتي ما فتئت ثقة معظم الناس معلقة عليها هي الجيش الوطني الشعبي، وإن أخذت هذه الثقة تتآكل بعوامل موضوعية خارجية، لا بد أن تراعيها المؤسسة، وبمكر من جهات داخلية تريد لها السقوط لتدخل البلد في الفوضى العارمة . لست من المراقبين السياسيين، لكني شعرت قبل سنوات أن أمرا ما قد طرأ على الجيش، غير أني لم أتبين حقيقته، لقد كان المعتاد منذ الاستقلال أن لا يظهر القادة العسكريون إلا نادرا في المناسبات والذكريات، ثم جرى الأمر على خلاف ذلك منذ بداية العهدة الرئاسية الرابعة، فلما نجمت هذه الأحداث تبين بها أن الجيش كان يتهيأ لأمر ما سيحدث، لعل ملابساته ستكشف في المستقبل، فإني أستبعد عفوية هذه الأمور. إنهم يقولون: أيها الجيش تدخل في السياسة، أيها الجيش ما لك وللسياسة؟ أوليس مكانك الثكنات العسكرية؟ والمرابطة على الحدود الدولية؟ تدخل في السياسة حيث نريد، واتركها حيث لا نريد، تدخل فيها إرضاء لهذا الفريق، واتركها إرضاء لذاك لفريق.. أيها الجيش، قبلنا تدخلك في السياسة، بل طالبنا بها قبل أزيد من ربع قرن ليتعطل الدستور، ونرفض اليوم تدخلك فيها لأنك دعوت إلى احترام الدستور، لأنك تريد حماية النظام، لا نريد تدخلك لأنك كنت الحاكم من وراء وراء، منذ استعادة الاستقلال، ونحن نسعى لإقامة دولة مدنية.. رضينا بإبطالك العهدة الخامسة، والإيعاز بسجن رموز النظام من ذوي الفساد المالي والسياسي، والمتآمرين على البلد، الذين هم رموز الفساد حقا، وبالحرص على تجنيب المظاهرات القمع المعتاد منذ عقود، وحمايتها من الانفلات الذي يقود البلد لحالة الطوارئ، وبتحرير القضاء وحماية القضاة من أي تأثير، لكننا سخطنا ذلك لأنه وصاية على القضاء الحر! الذي لم يكن حرا في يوم ما إلا عندما حررته، لكن إياك أن تظن هذا، فالذي حرر الجزائر هو الحراك.. لا نرضى ببقاء فلان وفلان في الحكم لتنظيم الانتخابات، لأننا نريد تدخل الدول والمنظمات العالمية للمساعدة في الوصول إلى ما نبتغيه من خير للجزائر!! نحن لا نأتمنك على أن تكون ضامنا لإجراء انتخابات حرة، لأنك جزء من النظام الذي نسعى لذهابه، نريد أن نبني دولة جديدة كالتي بنيت في دول أخرى أصابها ما أصابنا بداية، ولعل الله يحمينا مما أصابها نهاية.. أما كاتب المقال فيقول: أيها الجيش تدخل في السياسة، ولكن بـ(السياسة). •

الخاطرة 140

إعراضنا عن الشرع كبير، وابتعادنا في انظمتنا السياسية وغيرها عن الحق لا يخفى، ومع هذا فعلى من يخاطب المسلمين وهو أهل هذا البلد أن يذكرهم بأحكام ربهم لعلهم يتقون. والناظر فيما ذكره العلماء من الشروط التي يجب أن تتوفر في الحاكم يلفي معظمها مفقودا، لكن هذا الواقع المر لا يصح أن يدفعنا إلى اليأس والتبرم بكل شيء، لا نملك إلا أن نذكر الناس وهم مسلمون بما كان عليه سلفهم من اتباع الحق والحرص عليه، ومن ذلك أن نصب الحاكم من الواجبات المؤكدة، بل قال القرطبي رحمه الله: "إنه ركن من أركان الدين، الذي به قوام المسلمين"، وكما دل على هذا الأمر الشرع؛ فقد دل عليه العقل، وجرى به عرف كل الدول اليوم. فالحاكم هو الذي يتولى مع معاونيه أمور الأمة، فيقيم العدل، ويوصل الحقوق إلى أصحابها، ويقمع المجرمين، وتجتمع عليه الكلمة، ويطاع في المعروف، أما التأخير فيقوى به الاختلاف ويزداد الافتراق. لا يصح أن يشغل عن هذه المهمة العظيمة شيء، ولاسيما الأمور التي يزداد معها الانقسام، ويقوى التحزب، مع كثرة التفسيرات الخاطئة لما يعجل من الإصلاح، كهذا الذي يجري في بلدنا، إلا ما لا بد منه مما يعظم شره، كمنع السفر عن المشبوهين، ووضعهم تحت المراقبة ونحو ذلك. فكما أن نصب الحاكم واجب فإن المبادرة به من غير تأخير واجبة أيضا، وفي تاريخ المسلمين وقائع تدل على المسارعة إلى ذلك، وتقديمه على غيره من الأمور المهمة، وأكتفي بذكر مثالين:  * أولهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي يوم الإثنين بعد الزوال، ودفن ليلة الأربعاء، ولم يدفن إلا وأبو بكر الصديق رضي الله عنه قد بويع خليفة بيعة خاصة في سقيفة بني ساعدة، ثم بويع البيعة العامة في المسجد، قال ابن كثير: "ذكر أمور مهمة وقعت بعد وفاته وقبل دفنه"، ثم أورد اختلاف المهاجرين والأنصار فيمن يكون خليفة، وانتهاء الأمر إلى مبايعة أبي بكر، وقال: "اشتغلوا ببيعة الصديق بقية يوم الإثنين، وبعض يوم الثلاثاء، فلما تمهدت، وتوطدت، وتمت؛ شرعوا بعد ذلك في تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقتدين في كل ما أشكل عليهم بأبي بكر الصديق رضي الله عنه". * وثانيهما: هو الذي سار عليه الخليفة الراشد علي رضي الله عنه حين أبى بعض الناس مبايعته حتى يقتص من قتلة عثمان، فأصر على إتمام بيعة من لم يبايعه قبل مقاتلة الخوارج الذين سفكوا دم عثمان، لأن الأمر قد يطول، ولحاجة القتال إلى اجتماع الكلمة على إمام واحد، وحشد القوة اللازمة له، فهذا فيه قدوة لنا كي نسارع إلى نصب الحاكم الذي به ينتظم أمرنا بالطريقة التي يصل فيها إلى الحكم من يرتضيه الناس.  ليلة •

الخاطرة 141

ماذا يريد هؤلاء المتهورون؟ وما هذا الذي يختلقونه فيفترون على الله الكذب؟ ولم ينسبونه للإسلام؟ أيظنون أنهم قادرون على التشكيك فيما لا يجوز أن يمتري فيه مسلم؟ المعلوم من الدين بالضرورة هو الحد الأدنى والجامع الأعظم بين المسلمين، لا يعذر أحد بجهله، لم تخالف فيه فرقة من فرقهم على كثرتها واختلافها، فمن أنكره فليس بمسلم، وقد توعد الله على مخالفة المسلمين بأعظم العقوبات في قوله: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا". لو كان هؤلاء يهودا أو نصارى أو أعلنوا انتماءهم إلى غيرهما من الملل -والكفر ملة واحدة- ما اهتممنا بأكاذيبهم، ولا احتجنا إلى دفع بهتانهم، أما أن يتكلموا زاعمين أنهم مسلمون، وهم يجهلون ما لا يجوز أن يجهله عوام الناس، ثم يتبجحون بأنهم مختصون في الشريعة، أو من نخبة المثقفين؛ فقبحا لهم وترحا. يقولون عن حجاب المرأة عادة، وعن الصوم اختيار، وعن الردة حرية، ويقولون غير هذا مما لم يقل به مسلم، ألا تسأل عن مقصودهم؟ أولا تعجب أن حكام المسلمين بل معظمهم لا يمنعون الناس من الإفطار في رمضان، ولا يلزمون امرأة بالستر، ولا يقيمون حدا من حدود الله، ويفرطون في الكثير من تلك الأحكام، ومع ذلك يتعب هؤلاء خيلهم فيما ترى، السبب يغيظهم التزام سكان هذا البلد بأحكام الله اعتقادا، والكثير منهم عملا وتطبيقا، يهولهم منظر هذه البقية المتمسكة بدينها في هذا الزمن العصيب، والقابض على دينه فيه كالقابض على الجمر، يرعبهم أن تعمر بيوت الله بالمصلين، في مساجد بلغت سبعة عشر ألفا، وأن يقبل الجزائريون على صوم رمضان، لا يتخلف عنه إلا الشاذ، وأن تعم الوطن موائد الإفطار في البدو والحضر، وأن يتسابقوا على الحج والعمرة بعشرات الآلاف في كل موسم، وأن يكثر فيهم حفظ القرآن الكريم والعناية بتجويده، وتكريم حفظته، على نحو لم تعرفه بلادنا من قبل، وأن يقتحم الدعاة ميدان الإعلام بعد أن كان حكرا على أهل النفوذ والمال، فيلاحقون أهل الباطل، ويذودون عن حياض الإسلام، هي جبهة مضادة ومقاومة تلقائية لا قائد لها إلا الإيمان، والاطمئنان، والحق الغلاب. يريدون اقتلاع هذه الأحكام من نفوس الناس، لأن أعظم علاقة تربط المسلم بأحكام الله هي اعتقادها، وهم يعلمون أن الاعتقاد هو المنطلق في إقامتها، والدعوة إليه، عموما متى يسر الله تعالى الحكم الراشد للمسلمين، أو خصوصا متى نالت رحمة الله عبده بتوبة وإنابة، ولأن اعتقاد الأحكام هو الفارق في المعلوم من الدين بالضرورة بين المسلم وغيره، فلما أعجزهم أن يصدوا عن هذه الأحكام قهرا وغلبة، وبكيد عظيم اصطنعوه، واعانهم عليه قوم آخرون خلال تسعينيات القرن الماضي؛ غيروا أسلوب المكر، هم يجهلون أن رسوخ الإسلام في نفوس الجزائرين أقوى من رسوخ الجبال، وأن المعاصي أدران سريعة الزوال، وما كان لمكرهم أن تزول منه الجبال: يا ناطح الجبل العالي ليوهنه ** أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل !!. • اعترض طريقي بعضهم يوم أمس في مدينة سعيدة، فجرى بيني وبينه هذا الكلام، فرأيت تسجيله من غير تصرف كبير، لما له من صلة اليوم بحمل بعض الأعمال النافعة للبلد على ما يتأول ويظن . * قال: السلام عليكم، أنا أعرفك! ما ذا تقول عما يجري في البلد؟ . * قلت: وعليكم السلام ورحمة الله، أسأل الله أن ينتهي إلى خير، لكن بعض الناس يريد نشر الفوضى، وإحراق البلد، لأنه لا يرضيه شيء، ولا أعمم، ولن يبلغ مراده إن شاء الله. * قال: أنت تحب الدولة! * قلت: نعم، أحب بلدي، وإن جار علي، والدولة ليست فلانا ولا فلانا ممن ظلم وأفسد. * قال: إيه!! لهذا رأيتك تحمل شعارا على صدرك يوما ما! * قلت: نعم، لعله شعار ملتقى شاركت فيه .  * قال: ما هو هذا الملتقى؟ * قلت: قد يكون ملتقى نظمته جمعية من الجمعيات. * قال: أتدري أن الدولة تنشئ الجمعيات لخدمة أغراضها، لا لنفع الناس؟ * قلت: ليكن، اسألني عن عملي لا مقصود غيري، وربي يعلم قصدي . * قال: وهل تريد الدولة نفع اليتامى بإنشاء جمعية كافل اليتيم مثلا ؟ . * قلت: ولم لا؟، وهل نترك فعل الخير لأن الدولة تريد بتسهيله أمرا آخر، أو نرفض اعمال البر بهذا التأويل؟ * قال: إذن، كل على نيته. * قلت: صدقت، التقينا. ثم حاولت أن أختم النقاش بما بدأني به فقلت: ينبغي أن تحب بالشرع لا بالعاطفة. * قال: أنا لا أحب بالعاطفة، أحب بالشرع. * قلت: تعلم الشرع كي تجعله مرجعا فيما تحب وما تكره. * قال: آه!! الدين أمور محدودة! تريدون أن تدخلوه في كل شيء! فآثرت الانقطاع لأني صائم. •

الخاطرة 142

شكونا إليهم خراب العراق * فعابوا علينا شحوم البقر فكانوا كما قيل فيما مضى * أريها السها وتريني القمر مما يستعظمه الذين يبغون للبلد العنت، تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة، ثم لا يرون بأسا أن يغرقوا فيها، وأن يلعبوا بمصطلحاتها، وأن يظهروا في صورة الحريص على رسومها فليتحدث فيها القاصي والداني، إلا هذه الهيئة التي أوجب عليها الدستور أن تتفرج على ما يفعل المغرضون بالبلد، وبعقول الدهماء، كل هذا وهم لا يجمعون على الاستماع لأحد، ولا يثقون بأحد، ولا يقبلون أن يتكلم باسمهم أحد، فلا آمر، ولا ناهي، إلا فخامة الشعب (!) كما يكذبون على الناس، وقد اغتر بهم الكثير، وشاركهم بعض الإسلاميين كما يدعون، يقولون الشعب قد استعاد السلطة، كلمة جميلة لكنها أشبه بالسراب، وهي الفوضى بعينها، فلنقف ضد الفوضى. أقول هذا مع أن المتتبع لأحداث بلادنا يعلم أن قيادة الجيش التي هي عضو في المجلس الأعلى للأمن لم تتدخل من غير اعتماد على النظم والقوانين التي تحكم البلد، بل كان المرجع فيما صدر عنها هو ما تقرر في اجتماع المجلس الأعلى للأمن غداة استقالة الرئيس مباشرة، وقد تحدثت عنه وسائل الإعلام؛ وهو ثلاثة أمور، أعظمها الحرص على حماية مؤسسات الدولة، وضمان استمرارها في أداء مهامها بصورة عادية، ووقايتها من المخاطر المحدقة، مما فوّت على المتربصين المندسين في صفوف المحتجين - والله أعلم بما يبيتون - ما كانوا يؤملونه من انهيار هذه الهيئات، والوصول بالبلاد إلى الهاوية . أما الأمر الثاني الذي تقرر في ذلك الاجتماع فمحاربة الفساد، وقد سار الأمر الأول كما ينبغني ولله الحمد، واتخذت خطوات جدية في تنفيذ الأمر الثاني ،والأمر الثالث التوقي من عودة الأعمال التخريبية بدخول عناصر من الدول المجاورة فلِم الاعتراض على أن تحرص تلك المؤسسة على تنفيذ ما تقرر؟ وأن يكون موضوع حديث من تكلم من قادتها في شؤون البلد؟ لا يظن ظان أن كل من دعا إلى تأييد هذه الهيئة أو تلك أنه راض عنها، أو أنه من المدّاحين الذين يحثی في وجوههم التراب، لكن هل البديل لهذا الرضا المفقود هو هذا العبث الذي طال أمده؟ أقول مرتاحا إن على قيادة الجيش إذا ما تأجلت الانتخابات أن تتجاوز هذا اللغط، وأن تبادر بالدفع نحو حوار يسفر عن هيئة تشرف على تنظيم الانتخابات في القريب العاجل وظني أن كل طريق للخروج مما نحن فيه لا ينتهي إلى شيء نافع دون إشراف الجيش. كتبت هذا منذ أيام، وتعطل نشره بسبب السفر، فلما جاء العزم على المضي في تنظيم الانتخابات في وقتها، فلنساند هذا المسار، بعيدا عن الأوهام التي يغرق فيها المغرضون، ويعجب بها الجاهلون. المدينة في •

الخاطرة 144

ركبنا الحافلة للانطلاق إلى مكة، زادها الله شرفا وتعظيما، فرمق صاحبي شخصا مكلفا من شركة بتوزيع العصير على التجار، تحدد هي سعر بيعه، رأيناه يزيل من على القارورة القسيمة التي تحمل السعر- وهو تسع ريالات بخط كبير- يزيلها بتسخين مادة اللصاق بولاعة، حتى إذا انتهى من العملية التي ربما سببت له أذى في الأنامل، سلم البضاعة إلى التجار. وقد هم صاحبي أن يصوره أثناء عملية إزالة قسيمة السعر، ثم عدل عن ذلك، لكنه ذهب واشترى واحدة ممن سلم لهم بعشر ريالات. كنا نظن أن الأمر يتعلق بإزالة تاريخ الانتاج، مما هو أخطر، فلما علمنا أنه يتعلق بتغيير السعر، هان الخطب. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من غشنا فليس منا"، وفي رواية هي أقوى "من غش فليس منا"، وقد كان بعض أهل العلم يكره تفسير الحديث بأنه ليس على طريقتنا، ليكون أبلغ في الزجر. هذا الذي ذكرته شذوذ لا يحجب ما في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم من خير وأعظمه هذا الكرم الذي بلغ المدى بتفطير الصائمين في تنافس لا تكاد ترى مثله، ولهم في نبينا صلى الله عليه وسلم قدوة، وقد كان في رمضان أجود من الريح المرسلة. بن حنفية العابدين •

الخاطرة 145

إذا قيل هذا أفضل من هذا؛ فقد يكون فيه إجمال، فينبغي أن يقيد بما وقع فيه التفضيل. فإن الفضل هو الزيادة، ولهذا لا يلزم أن يكون المفضل أفضل من كل وجه. وهذا ماض في تفضيل الفرد على الفرد مضيه في تفضيل الجملة على (مقلها) كتفضيل أبي بكر على عمر وعلي وغيرهما من الصحابة، وتفضيل التابعين على تابعيهم على تابعيهم، فالصلاة أعظم ركن بعد الشهادتين تليها الزكاة فالصوم ومع هذا قال الله تعالى: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا اجزي به". ومما قيل في معناه : أن لا يدخله الرياء بالفعل كما يدخل غيره، وإن دخله، ومن ذلك أنه لا مُقاصّة بثوابه ممن له على الصائم تبعة كما دل عليه حديت المفلس، فإذا ثبت الخبر بذلك كان مخصصا. وإذا قيل مكة أفضل من المدينة، فإن كان المقصود فضل المضاعفة على الصلاة في المسجد الحرام مقارنة بالصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهذا مما لا يصح أن ينصب فيه الخلاف، وإن كان في لفظ الحديث للقائلين به متعلق، وجاء في مكة الحديث المرفوع: "إنك لخير بلاد الله وأحب بلاد الله إلى الله"، لكن الأمر يختلف في الإقامة والسكنى بالمدينة، فإذا قال أحد إنها أفضل فيها فنعما ونعمة عين، فقد جاء في الحث على سكناها وذم من يتركها رغبة عنها ما لا يخفى، ومما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها لنا، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة"، وقال: "أحد جبل يحبنا ونحبه". قيل يحبنا على المجاز، وقيل على الحقيقة ولا مانع منها. وقد روى البخاري وغيره عن ابن عمر في رؤيا النبي صلى عليه وآله وسلم في المدينة "رأيت في في المنام كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى الجحفة" . قال ابن بطال: "من أقام بها يجد من ترابها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها" ،  وسبب دعائه بتحبيب المدينة ما أصيب به بعض الصحابة من التوعك بعد هجرتهم كأبي بكر وعائشة وبلال وغيرهم ، فإن قيل: كيف تكون مكة أحب بلاد الله إلى الله ثم يسأل النبي صلى الله عليه وأله وسلم ربه أن يحبب إليهم المدينة أشد من حبهم مكة ؟ فالجواب أن إقامة المهاجرين بالمدينة مما لا بد منه لوجوب الهجرة إليها، ومنع إقامتهم في مكة أكثر من ثلاثة أيام، فصار حبها حبا لشرعه وحكمه، وكان حب مكة حبا يمتزج فيه الطبع مع غيره، واطمئنان المرء في بلد ما متوقف على حبه، وكيف يكون مطمئنا بإقامته وهو كاره لها؟ وينبني على هذا أن يقال إن الصلاة في مسجدها وإن نزلت عن المسجد الحرام فهي فاضلة بالاعتبار الآخر، وقد كانت المدينة وَبيئةً يستوخمها من سكنها، واشتهر الأمر حتى كان مما قاله المشركون عن المسلمين في عمرة القضية: سيفد عليكم قوم أنهكتهم حمى يثرب! فشرع لذلك الاضطباع والرملان في طواف القادم على مكة، ليُظهر المسلمون قوتهم، واستمر الحكم وإن زالت علته، وقد أنكره ابن عباس، فلما علم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعَله في حجة الوداع رجع عن قوله. ومما ذكره ابن العربي في سياق كلامه على المفاضلة بين مكة والمدينة قوله إن: "الفضل كيفما وقع وتصرف إنما هو عبارة عن الزيادة، فإذا قال السائل أيهما أفضل؟ لم يستحق جوابا لأنه يقال له تريد بقولك أفضل في أي شيء؟ وذكر رحمه الله أنه قد بين هذا الأمر في كتاب سماه تفصيل التفضيل بين التحميد والتهليل. المسجد الحرام •

الخاطرة 150

(1) أخبرني أحد إخواننا أنه أثناء إمامته في صلاة التراويح سقطت إحدى ثناياه، فصار نطقه بالسين كالثاء، فظن بعض الحاضرين ذلك ناتجا عن خلل في مكبر الصوت، ثم علموا ما جرى، وعالج سنه، فعاد ينطق بالسين كالمعتاد . العرب تسمي قلب الراء غينا والسين ثاء لثغة، وقيل اللثغة أن تعدل الحرف إلى حرف غيره، ويسمى المنتصف بذلك ألثغ . تعلم بعض العوام مما حدث مخرج حرف السين، وعلاقته بالثنايا، وقد قال أهل التجويد عن مخرجه: إنه من طرف اللسان، مع ما بين الثنايا العليا، ولنستحضر قبل ذلك وبعده منة الله على عباده بالأسنان، لا في القطع والقضم والطحن، ولكن في جمال المنظر، وسلامة النطق وصحته، وصورة الضحك وغير ذلك . من اللثغة ما هو طبع لا ينفك عنه المرء، ومنه ما سببه ما رأيت، وهو مؤثر خللا في النطق، لعدم استمكان الحروف من مخارجها. وقد قال بعضهم في رجلين خطبا فكان أحدهما أحسن مخارج حروف فمدح خطبته بقوله: صحت مخارجها وتم حروفها ** فله بذاك مزية لا تنكر . وقد كان واصل بن عطاء المعتزلي ألثغ قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء، ولا يتفطن لذلك لاقتداره، وسهولة ألفاظه، فقيل فيه: ويجعل البر قمحا في تصرفه ** وخالف الراء حتى احتال للشعر!! ولم ينطق مطرا والقول يعجله ** فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر!! يريد أنه يستبدل بكلمة البر القمح، ويحتال فلا ينطق بكلمة الشعر، ويلوذ بكلمة الغيث خوفا أن ينطق بالمطر!! ولما سقطت ثنايا عبد الملك بن مروان في الطست قال: والله لولا الخطبة والنساء ما حفلت بها"، فانظر كيف اهتم بثناياه لتحسين النطق في خطبته والتزين لنسائه، وهذا مطلوب ما أكثر المتهاونين فيه مع يسره، وقد قال ابن عباس: "إني أتزين لامراتي كما تتزين لي"... وللمنشور بقية . (2) اعلم أن مجموع أسنان الإنسان اثنان وثلاثون، منها عشرون ضرسا، واثنتا عشرة سنا، هي الثنايا، فالرباعيات (بفتح الراء)، فالأنياب، من كل صنف أربعة، وبين الأنياب والأضراس؛ الضواحك، والعرب تسمي الجميع أسنانا، ومنافعها موزعة على التجميل، وسلامة النطق، وطحن الطعام وتنعيمه، فاصبر على ما أذكره لك عن ديتها من باب (برد هذا يذهب حر هذا). لقد اختلف العلماء في دية الأسنان على مذاهب: فمنهم من اجتهد في ديتها لعدم بلوغه النص، فرأوا أن فيها حكومة (أي تحكيما)، وهؤلاء اختلفوا بناء على المفاضلة بين الأسنان والأضراس في المنفعة . ومنهم من بلغهم النص فأبقوه على عمومه واعتبروا الأضراس من جملة الأسنان، وهذا أولى المذاهب بالحق، وقد قال الله تعالى: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالألف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص" . وقد يقال إن التعبير بالسن عن المجموع لظهور الأسنان حين النطق والضحك والقطع والقضم دون الضروس، ولأنها هي التي تتعرض لما يستوجب القصاص أو الدية غالبا. ومنهم من اعتبر الأمر موضع اجتهاد في الأضراس، لظنهم عدم دخولها في مسمى الأسنان، فاجتهدوا مراعين المنفعة والجمال، فرجح كل بحسب ما تبين له، قال الزبير رضي الله عنه: "إن كان في الثنية جمال، ففي الأضراس منفعة"، وقال معاوية: "لو عرف عمر من الأضراس ما عرفت لما فضل عليها الثنايا"!! . أما النص فهو حديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده في الكتاب الذي بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل اليمن، وقد رواه مالك والشافعي مرسلا، ووصله ابن حبان والحاكم والنسائي وغيرهم، وفيه: "وفي السن خمس من الإبل"، فلم يفرق النبي صلى الله عليه وآله بين أفراد هذا الجنس بحسب المنافع، ولهذا قال: "الأسنان سواء: الثنية والضرس سواء"، وهو الأمر الذي اعتمده في دية الأصابع، مع تفاوت منافعها، فتكون دية الأسنان كلها ستين ومائة بعير، وهي زائدة على دية النفس، وهذه الزيادة سبب آخر من أسباب الاختلاف في مقدار دية الضرس، لاعتبار بعضهم بهذه في هذه . فإذا قلنا إن قيمة البعير مائتا ألف دينار كانت دية السن مليون دينار، ومنها تعرف دية مجموع الأسنان وهي اثنتان وثلاثون، ولتقارن ذلك بما تقضي به المحاكم من التعويض اليوم لتعرف تعظيم الشرع شأن الدماء. وقد اجتمعت تلك المذاهب الثلاثة فيما رواه مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى في الأضراس ببعير بعير، وقضى معاوية بن أبي سفيان بخمسة أبعرة، خمسة أبعرة، فالدية تنقص في قضاء عمر بن الخطاب، وتزيد في قضاء معاوية، فلو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين، فتلك الدية سواء، وكل مجتهد مأجور". فقول سعيد بن المسيب: الدية تنقص في قضاء عمر... الخ، يريد أن دية الأسنان تنقص عن دية النفس في قضاء عمر، وتزيد عليها فيما قضى به معاوية، فدل اختلافهما في الأضراس على انهما متفقان على دية غيرها، لعلمهما بالحديث . فعلى قول عمر تكون دية الأسنان كلها ثمانين بعيرا، فظهر أنه يفضل الثنايا والرباعيات والأنياب على الأضراس، ورويت عنه التسوية أيضا . وعلى قول معاوية تكون ديتها ستين ومائة، وهو قول ابن عباس، وقد بعث إليه مروان يقول: "أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس"؟، فأجابه ابن عباس بقوله: "لو لم تعتبر ذلك إلا بالأصابع، عقلها سواء"، احتج عليه بما يقول به، وهو تساوي الأصابع في الدية، مع تفاوت منافعها تفاوتا عظيما . وعلى قول سعيد بن المسيب تكون الدية مائة بعير، ومراده من ذلك أن لا تزيد دية مجموع الأسنان عن دية النفس، فالظاهر أن السنة لم تبلغه، وإلا ما نسب الدية بخمسة أبعرة لمعاوية. والحق أن لا تعتبر دية الأسنان بدية النفس، فإن كلا منهما أصل، والأصول لا يرد بعضها إلى بعض، ومن أمثلة ذلك اختلاف القسامة عن غيرها في قاعدة (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، واختلاف الغسل عن الوضوء في لزوم الدلك في الوضوء، وعدم لزومه في الغسل، وهو رواية عن مالك، وقد اجتمع على هذين الأصلين في الطهارة النص واللغة. 6 شوال 1440  •

الخاطرة 151

أرسل إلي أحد القراء، بل المقرئين يقول: "في حصة على قناة (نوميديا) الجزائرية، رأيت معتوها جاهلا، يعلم المقامات الموسيقية في قراءة القرآن، في منظر تقشعر منه الأبدان" . هذا ما بعث به يشكو ما سمعه من عبث بأحكام قراءة القرآن، بإسناد بيانها إلى من ذكر، والرجل لا أعرف عنه حدة في الكلام، ولا شدة في الخطاب، بل الهدوء طبعه، والرزانة ديدنه، لكن الخروج عن الحق في أمر من الأمور؛ لا يتألم له أحد كتألم من كان به عالما، وقد قال الله تعالى: "فاسأل به خبيرا"، وقال: "ولا ينبئك مثل خبير"، والخبير في السياق هو الله تعالى، والغضب لانتهاك حرمات الله مشروع، فكيف باللعب بكلام الله ؟. وكثير من القنوات الضالة تستحدث حصصا لتوحي إلى الناس أنها تخدم الحق، وغرضها ربط الناس بها، للترويج لباطلها، وتكثير سواد من يتابعونها، وما أكثر الذين لا يفرقون بين التمر والجمر. وقد فتحت باب ابتداع المقامات هذا إحدى القنوات المصرية، وهي المسماة قناة الفجر قبل سنوات، فخلطت الحق بالباطل، والجيد بالزيف، فعجل الله بزوالها فلم تقم لها قائمة بعد، وما هي من الظالمين ببعيد. لا يختلف اثنان في هذا الذي هدى الله تعالى إليه أمتنا من العناية بكتابه، بإقامة المدارس له، وبحفظه وتعليمه، وترتيله وتجويده، وتكريم حفظته، والعناية بالحصول على الاجازات فيه، والتوسع في الإلمام بقراءاته، لقد صنعت هذه الأمة المرحومة ما تطيقه، ولن يضيع الله تعالى جهودها، ولن يترها أعمالها، مع أن أحكام القرآن غائبة عن حياتها العامة، وأن كثرة القراء لا تعني الصلاح دائما، وأثر ابن مسعود معروف، ولكل مقام مقال، بل الأمل قائم أن تكون هذه الهبة الإيمانية مقدمة لعودة الأمة إلى الحق، وصلاح الحال. لكن هذ لا يحجب عنا ما رافق هذه العناية المحمودة من المخالفات المذمومة التي انضمت إلى ما كان قبلها، أبرزها الغلو في تلاوة القرآن بتجاوز الحد المختلف فيه من التطريب، وهو الخروج به عن الوضع العربي، واختلاف العلماء في التطريب معروف، وأحسب أن مذهب المتحفظين أسدّ. ومنه التقعر في أداء ألفاظه، والتكلف في مخارج حروفه، وفي الحديث: "إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها". ومنه الاستعانة على تحسين الصوت وتحصيل طبقاته باليدين، وتشويه منظر الفم والوجه من أجل ذلك، مع أن تحسين الصوت مطلوب من غير تكلف. ومنه إطالة النفس لبلوغ قدر معين من التلاوة يكون مثار إعجاب المستمعين، كالوقوف على جواب الشرط في سورة التكوير، وعلى جواب القسم في سورة الشمس. ومن ذلك هذا الذي سمي بالمقامات، وصار معروفا بالأقاليم والجهات، ثم صارت قراءة القرآن ترافق بالرنات، بل بالآلات، وسرى ذلك إلى الأذان، وقد قال بعض مسؤولينا: لا أريد أن أسمع الأذان في الجزائر وكأنني في جدة (يريد مكة)، ولا في القاهرة!!. وقد جمع في المغرب بين الأذان وترانيم النصارى على وقع الموسيقى لدى زيارة البابا إلى المغرب، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ومنه التقليد في الأداء، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي موسى رضي الله عنه: "لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود"، ومع هذا لم نعلم أن احدا من الصحابة كان يقلد أبا موسى، ولو كان التقليد صحيحا لكان الأولى أن يقلد من لنا فيه القدوة الحسنة. ومنه المسارعة في حفظه، واختراع الوسائل (لاستفزاز) الحافظة في تلقيه، وهو أمر يحتاج إلى بحث، وقد كان السلف على خلاف ذلك كما هو معلوم مما صنعه ابن عمر رضي الله عنه، وموقف عمر وابن عباس رضي الله عنهما من المسارعة في الحفظ معروفة. إن علاقتنا بكتاب الله يضبطها على التمام قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اقرؤوا القرآن، واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به"، فمن فهم هذه الأمور الخمسة والتزمها كان من أخيار الأمة.  قال القرطبي رحمه الله بعد أن ذكر اختلاف أهل العلم في التطريب: "وهذا الخلاف إنما هو ما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة الترجيعات، فإذا زاد الأمر على ذلك بحيث لا يفهم معناه فذلك حرام باتفاق كما يفعل القراء بالديار المصرية الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز، ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز، ضل سعيهم، وخاب عملهم، فيستحلون بذلك تغيير كتاب الله، ويهونون على أنفسهم الاجتراء على الله، بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه، جهلا بدينهم، ومروقا عن سنة نبيهم، ورفضا لسير الصالحين من سلفهم، ونزوعا إلى ما يزين لهم الشيطان من أعمالهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فهم في غيهم يترددون، وبكتاب الله يتلاعبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.." .

الخاطرة 152

لعمرك ليس فوق الأرض باق ** ولا مما قضاه الله واق  وما للمرء عيش غير قوت ** وثوب فوقه عقد النطاق  وما للميت إلا قيد باع ** ولو كانت له أرض العراق ألا يا جامع الأموال هلا ** جمعت لها زمانا لافتراق !! رأيتك تطلب الأبحار سبقا ** وأنت تكاد تغرق في السواقي فضول المال ذاهبة جزافا ** كماء صب في كأس دهاق  إذا ملكت مال الأرض طرا ** فما لك فوق عيشك من تراق أتأكل كل يوم ألف كبش ** وتلبس ألف طاق فوق طاق؟ منذ أن شرع في حبس أهل البذخ والثراء المرابين، الذين استولوا على أموال الأمة، واتخذوا مراكزهم سلما للتحكم في توجيه سياستها في الداخل والخارج، وواطأءهم كبار المسؤولين، فاجتمع الفريقان على الطغيان المالي والسياسي، اللذين أثمرا العلو في الأرض والفساد، وقد جعل الله الدار الآخرة لمن لا يريد واحدا منهما، فكيف بمن بلغهما؟ . منذ ذلك الحين وفي نفسي شعور بالأسى والحزن، وآخر بالارتياح والاطمئنان، يتغلب أحدهما تارة، ويسيطر الآخر أخرى، أقاوم الإشفاق الذي يعروني بقول ربي وهو أرحم بخلقه منهم بأنفسهم: "ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله"، وبأمره بأذى المجرم: "واللذان يأتيانها منكم فآذوهما"، وقد نهى عن الأذى . وإذا حضرني قول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: "أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم إلا الحدود"، أبادر إلى نهنهة عواطفي وزجرها بالقول: أين أولو الهيآت في مسؤولي بلدي بالمقياس المختل المعتل الذي وضعه البشر، لا بالميزان الذي أنزله الله؟، أفلا تلتمس لاخيك العذر إن حزن أن يكون كبار المسؤولين في بلاده خونة في أنظار العالمين؟ . أنا في علاقتي ببلدي وسائر بلدان الإسلام كما قال الآخر: إني لأ حمل في هواك صبابة ** يا مصر قد قد خرجت عن الاطواق لهفي عليك متى أراك عزيزة ** يحمي كريم حماك شعب راق ؟ . كلف بأخلاق الكرام متيم ** بالبذل بين يديك والإنفاق !! . أأسى على هؤلاء فأتساءل: كيف لم يحسبوا للعواقب حسابا، وقد سمعوا بمن تقدمهم، وعلموا بالعواصف التي زلزلت عروشهم؟، أفلم يكونوا يسمعون؟، أم كانوا لا يعقلون؟، جاءتهم المصيبة وهم غافلون سادرون لكأنهم مثل اللاتي قيل فيهن:  أتتهن المصيبة غافلات ** فدمع الحزن في دمع الدلال !! . ما الذي حملهم على ما فعلوا وهم في رغد من العيش، وسعة بالغة من الرزق؟، أفيبلغ حب المال والجاه من المرء هذا المبلغ؟، صدقت بكلام الله ورسوله قبل وبعد، لكني ازددت تصديقا بما أرى، قال عليه الصلاة والسلام: "لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيا، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب"، وقال: "منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا"، المنهوم الشديد الحرص على الشيء . مهما يكن فجذور الفساد أبعد مما يظن كثير من الناس، والجزء الطافي على الماء مستند إلى الغائص فيه، والمتواطئون والله بالآلاف لا بالمئات، ومنهم من يتولى اليوم معاقبة من سكت عليه أو أعانه، ومما رددته عشرات المرات أننا أنجزنا كثيرا في بلادنا، لكننا لم نرب الفرد، فكأننا لم نفعل شيئا، فما لم يلتفت إليه من أنواع الفساد السياسي والتربوي والخلقي والإعلامي أخطر بكثير مما تتوجه إليه معظم الأنظار، ولا أنتظر أن يعاقب مرتكبوه إلا أن يشاء ربي شيئا، لكن التدرج في الإصلاح سنة كونية وشرعية، وما لا يدرك كله لا يترك جله. •

الخاطرة 153

دخلت ميضأة في مطار الحجاج بجدة؛ فإذا الماء يسيل من الصنبور(الحنفية) بالإيماء برهة، ثم ينقطع، فيحتاج المتوضئ وغيره إلى الإيماء ثانية وثالثة، وهكذا، فانظر مقدار الماء الذي يضيع، وأين أنت من تقليله في الوضوء، ولو كنت على نهر جار كما قال أهل العلم؟ . وقد توضأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمد، واغتسل بالصاع، وبأكثر، وصح عنه الوضوء بماء في إناء يسع ثلث المد، وهو مقدار كأس الشرب !!. لنحسن الظن بالذين اختاروا هذه الصنابير المتطورة، فلعلهم اصطنعوها كي لا يحتاجوا إلى إصلاح ما يفسد منها بكثرة الفتح والإقفال، لكنهم وقعوا فيما هو أعظم، وهو تضييع الماء، وفي منطقة؛ هو فيها عزيز، وكلفة تحليته كبيرة . ودخلت أحد المساجد الكبرى في الجهة الغربية من بلادنا، فألفيت الأمر على النقيض مما قي جدة، وإن التقيا على تضييع الماء، فلا تتمكن من تحصيل فضيلة تقليله في الوضوء أيضا، لأنه لا وجود للأواني!، فانظر كم مرة يحتاج المتوضئ إلى فتح الصنبور وإقفاله متى أراد أن يتوضأ ثلاثا ثلاثا، وهو الغالب على فعل الناس؟ . لا تضق ذرعا بهذه التفاصيل الفقهية التي أقحمتها هنا، سيقفله ويفتحه ثنتين وعشرين مرة على أقل تقدير !!، أما إن فصلنا غسل اليد عن الأخرى أولا، والمضمضة عن الاستنشاق، وجددنا الماء للأذنين كما هو مذهب المالكية، واتبعنا مذهب ابن عمر في عدد مرات غسل الرجلين المنوط بالإنقاء، وقد يصل السبع، وهو أحد القولين في المذهب؛ فإن العدد يفوق العشرين !! فكم يعمر هذا الصنبور إذن؟. مع هذا تسمع الدعوة إلى الاقتصاد في استعمال الماء، قول يناقض الفعل، كالشركات التي تصنع الدخان: تتفنن في تغليفه، وفي إغراء الناظر بالألوان، لكنها تضع تحذيرا على الغلاف يبين خطره على الصحة!!، وكما يفعل من يعقدون المؤتمرات لمحاربة السيدا مع أنهم يفتحون أعظم الذرائع اليها في اجتماعاتهم نفسها . وقد جاء أحد القائمين على المسجد ففتح الصنابير كلها، فتعجبت من فعله، وظننته معتوها، فسارعت إلى إقفالها، فقال لي اتركها تسيل!! فقلت متعجبا: لم؟، قال: كي نفرغ الماء الساخن لعدم الحاجة إليه!، فوضعت يدي على فمي، واسررت في نفسي: وما الحاجة إلى الماء الساخن في الصيف؟، ثم أحسست برجلي أن أرض الميضأة ساخنة أيضا، فازداد عجبي مما يعتقده العوام وهو الحرص على استعمال الماء المسخن في الصيف مع أن الأطباء ينصحون بالماء البارد في غير الصيف، وقد كره بعض العلماء الماء المشمس . وتصل درجة الحرارة خارج الحرمين الشريفين إلى خمس وأربعين درجة أو أكثر، لكنك إذا دخلت المسجد فقد تكون خمس عشرة درجة في بعض المواضع أو أقل، وبرودة المعتكف في المسجد الحرام معلومة، فلم هذا الفارق الكبير الذي يبدد المال، ويضر بصحة الناس، إذ ما أكثر من يزكمون، ووسائل التحكم متوفرة، والداعي الصحي قائم ؟!! .  •

الخاطرة 154

أذكر من نسي أن المشاركة في (الوعدة) بصنع الطعام، وحضور اللعب بالخيل، والتفرج، وغير ذلك؛ كان شرطا في تبرؤ المرء من علاقته بالإرهاب في تسعينيات القرن النصراني الماضي . وكانت البلديات وغيرها من هيآت الدولة تنفق عليها من المال العام، وأعلم أن بعضها كانت تكافئ المواطن على قصعة الطعام بخمسة آلاف دينار، وأدنى ما تقدمه أن توفر العلف للخيل، وأن تتولى نقلها داخل الولاية، ومن الولايات المجاورة, للعب بها في محيط المقابر والضرائح، وإمداد أصحابها بالبارود، وترميم الضرائح وتزيينها، والقيام بعمليات الإشهار، وقد يعلق على المشاركة فيها حصول المواطن على حقوقه، كالقروض الفلاحية، والبناء الريفي، والمرافق، فتعطى الأولوية لهذا على ذاك، وهذه الأمور وإن خفت اليوم فإنها موجودة. ولا تخلو العناية بهذه (الوعدات) من الأغراض الانتخابية، حيث تحشد بها الأحزاب في المجالس البلدية أفراد القبائل والعشائر لتأييد الحزب الذي يشاركهم في تعظيم أجدادهم، والتماس المرشحين البركة منهم، وقد علم الناس أن الحملات الانتخابية الرئاسية ربما انطلقت بزيارة الضرائح. والمعاصي المترتبة على ما يسمى بالوعدة أو الطعم كثيرة منها ما يبلغ الإشراك بالله، كما ستعلم، ومنها ما هو دون ذلك، ومنها: * نسبة الطعام إلى شخص، فيقال وعدة (سيدي) فلان، وهذه النسبة لا تجوز، لأن كثيرا من الناس يفهمون منها أن هذا من حقوقه عليهم، وأن الوعدة تجلب رضاه، وربما استدان الفقير فقرا مدقعا ليشتري شاة للوعدة، فلا يصح أن يحتج بأن هذه الإضافة لمجرد التمييز.  * وقد تنسب الوعدة إلى أشخاص يسميهم العامة (رجال البلاد)، وكثير منهم يعتقد أن لهم صلة بتدبير شؤون الخلق، وهذا شرك أكبر. ومما يؤسف له أن بعض من انتسب إلى جمعية العلماء ذهب إلى مشروعية هذا المعتقد قبل ستين سنة في بعض ما كتب، وتأول له تأويلا لا يشك في بطلانه، وقد ذكرته في كتابي عن أبي راس، وإن كان رجال الجمعية قاوموا هذا أعظم المقاومة. * ومن الأغراض التي تعمل لها الوعدة الحصول على رضا صاحب الضريح، وقد تصنع طلبا للغيث، فيربط بعضهم بين نزول الغيث وهذا الرضا. * ومنها الاجتماع على هذا الأمر في موضع يكون غالبا ضريحا أو مقبرة، فيتخذه الناس عيدا، وكثيرا ما يكون مرتين في العام في أوائل الصيف، وفي الخريف، وترى اهتمامهم به أعظم من اهتمامهم بالأعياد الشرعية. * ومنها شد الرحال إلى الضرائح والمزارات، لاعتقاد فضلها، والذبح عندها، والنهي عن شد الرحال لغير المساجد معروف .  * ومنها اتخاذ المقابر مواضع للأكل والشرب والفرح واللعب بالخيل، ومن المعلوم أن الشرع منع [زيارتها] أولا لسد الذريعة، ثم أذن في زيارتها لأنها تذكر الآخرة. * ومنها ما يرافق الوعدات من المنكرات كشرب الخمور والقمار ورقص الرجال والنساء والاختلاط، وهذا لا مناص منه، وإن كان بعض المشاركين في الوعدة يأباه. * ومنها تنافس القبائل في تعظيم أجدادهم بهذه الوعدات مما يؤدي إلى بناء الضرائح عليهم والقبب واتخاذ السدنة لها وتنشيط زيارتها لطلب الذرية والاستشفاء وغير ذلك مما لا يجوز أن يطلب إلا من الله. * ومنها ارتباط الخيل للفخر وللعب بها في الوعدات، وما يترتب على ذلك من تجهيزها والإنفاق الكثير عليها ونقلها من موضع إلى آخر. * ومما عشناه أن بعض الناس كان ينذر الشاة منذ ولادتها للولي فلان، ويرى لزاما عليه أن يفي بذلك، وهذا كما ترى نذر، ولا يكون إلا لله، وقد يقرن بعضهم اسم الله باسم من يذبح له، فيكون مما أهل لغير الله به. هذه كلمتي اتبرأ بها مما يروج له الجهلة من المنسوبين للعلم ويغتر بهم العوام في جهتي وغيرها والله ولي التوفيق. •

الخاطرة 155

أسأل الله تبارك وتعالى أن يرحم محمد مرسي، رئيس مصر المسجون بغير حق، وأن يغفر له، وأن ينتقم ممن ظلمه، ولفق له ولكثير من أبناء مصر التهم بالباطل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وليأخذ حكام المسلمين من موته في السجن عبرة، لعلهم يتداركون أمرهم بإطلاق سراح من ظلموهم قبل فوات الأوان بموتهم، أو بعاجل عقاب من الله لهم، فإن الله سبحانه يمهل ولا يهمل: "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".

الخاطرة 156

رأيت في بعض الرياض قبره ** تطير ابنها بأعلى الشجره وهي تقول يا جمال العش ** لا تعتمد على الجناح الهش  وقف على عود بجنب عودي ** وافعل كما أفعل في الصعود  فانفلتت من فنن إلى فنن ** وجعلت لكل نقلة زمن كي يستريح الفرخ في الأثناء ** فلا يمل ثقل الهواء  لكنه قد خالف الإشاره ** لما أراد يظهر الشطاره  وطار في الفضاء حتى ارتفعا ** فخانه جناحه فوقعا  فانكسرت في الحال ركبتاه ** ولم ينل من العلا مناه  ولو تأنى نال ما تمنى ** وعاش طول عمره مهنى لكل شيء في الحياة وقته ** وغاية المستعجلين فوته  تأبى نفسي أن أصطنع أساليب السياسيين فيما أذكره مما تمر به بلادي، لأنها قلب خلب، غالبها زخرف قول، وقد تكون كما قيل:  "إن الأفاعي وإن لانت ملامسها ** عند التقلب في أنيابها العطب . لم أجد مثلا لما تمر به بلادي، لأبين به مرادي، بعيدا عن المغامرة، وأساليب المقامرة، غير هذه الأبيات لأحمد شوقي رحمه الله، وهي من شعر الأمثال . لقد أبانت قيادة الجيش في تعاملها مع هذه الأزمة عن بعد نظر، وحصافة فكر، وصبر جميل، ورصانة فائقة، ووفت بالكثير مما وعدت، من رعاية الأمن، وضمان الاستقرار، وهي خصال لا احسب أنها موجودة في جيوش عالم اليوم، ثم إنها أدرى من غيرها بما يجري في البلد، وما يكاد له في الخفاء، وهي المؤسسة الوحيدة التي يمكنها ضمان ما يتفق عليه، فكيف تترك لهذه الخرائط التي كثرت، واجتمع عليها الذين لا يجتمعون؟ فلا مفر من تأييد ما تدعو إليه، وإن كان دون ما نعيش له، ونطمح إليه.

الخاطرة 157

نطق رئيس أمريكا هذه الأيام بحق، والكاذب قد يصدق كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه عن الشيطان: "صدقك وهو كذوب"!!. مضمون قوله أن أمريكا أكبر منتج للنفط في العالم، وليست بحاجة إلى غيرها، وهي أعظم قوة عسكرية أيضا، فعلى دول الخليج وغيرها ممن يستفيد من نفطها أن تضمن الأمن في ممراته المائية. جاء هذا إثر الهجوم على ناقلات النفط في مياه الخليج، وفي سياق إسقاط حرس إيران طائرة أمريكية مسيرة، وتصريح عسكرييها بأنها عدلت عن إسقاط اخرى بها جنود امريكيون، لأنها امتثلت لتحذير قواتها!! وقد اشتدت في هذه الأيام الهجمات البرية والجوية المتبادلة بين التحالف وجماعة الحوثي في اليمن والدول المجاورة. ماذا لو اغتنمت إيران وسائر دول المنطقة تصريحات هذا الرئيس المتعجرف المتلون تلون الغول عند العرب؛ لتنتهج طريقا آخر في معالجة علاقاتها، فتتفق على نظام تعامل تحافظ فيه الدول على خصوصياتها من غير تدخل، ومن غير تصدير لما عندها من العقائد والمناهج؟. لقد كان من الخطإ الذي أذكى الاضطرابات في مملكة البحرين، وفي شرق المملكة العربية السعودية، وفي اليمن وغيرها؛ أن السياسة الشرعية غائبة في التعامل مع الأقليات المذهبية، كنت منذ مدة أرى أن الذي جرى في إيران بعد سقوط الشاه رضا بهلوي يقتضي تقريب تلك الأقليات وربطها ببلدها حتى لا تتشوف إلى دولة (الفقيه) التي ظهرت في إيران ويقوى ولاءها لها، لتشارك في المؤامرات والمكايد المدبرة، وأحسب أن بعض دول المنطقة قد تفطنت لهذا الأمر متأخرة. هل من مشكك أن أمريكا تخوف دول المنطقة بإيران كي يستمر نفوذها عليها، ويدوم لها الابتزاز المالي بصنوفه، والسياسي بأنواعه، وأنها توحي إليها أنه لا منجا لها إلا بالاعتماد عليها لحمايتها؟ ما أمريكا بالدولة التي تعدل عن ضرب غيرها -لو تعلقت مصالحها بذلك- لأن عسكرييها قدروا أن ذلك سيخلف خمسين ومائة قتيل، فتشفق على الإيرانيين كما زعم رئيسها!! أمريكا وسائر دول الغرب دول مصالح لا دول مبادئ، كيف وقد دمرت العراق لتقيم فيه حكما شيعيا، ودمرت أفغانستان، وأقامت فيه حكما على مقاسها، وهي الآن تفاوض حركة طالبان، وتواطأت بالمشاركة حينا وبالصمت حينا آخر على تدمير سوريا بالكامل، ومكنت بذلك لإيران وروسيا بصورة لم تعرف من قبل، وهي الآن بصدد تدمير باقي دول الخليج السنية فيما احسب باستنزاف قدراتها المالية ولاقتصادية، وبطرق أخرى خبيثة ماكرة. ما قدرة إيران العسكرية مهما كانت، ومهما نسج الخصوم حولها من التهاويل؛ بالتي تواجه أمريكا يوما واحدا، فقد عشنا هذا تهويل أمريكا من شأن خصومها مرارا، لكن من ذا الذي يجهل أن القدرات العسكرية لحزب الله في لبنان وللحوثيين في اليمن وغيرهما تعود إلى الدعم العسكري والمالي الإيراني؟ وهل الذي يجري في البحر الأحمر، ومياه الخليج، وقصف المطارات في السعودية والإمارات يتم من غير دعم إيران؟ وهل المضادات الجوية الأمريكية التي اشترتها دول المنطقة عاجزة عن مواجهة الصواريخ الباليستية والطائرات الموجهة؟. الأمر هنا لا يختلف عن هذا الذي كان يظنه العرب والمسلمون وساطة امريكية لحل النزاع في فلسطين، ثم انتهى إلى ما عاشوه من انحياز أمريكا المكشوف لليهود، والاعتراف بالقدس عاصمة لهم، ثم اعترفوا لهم بهضبة الجولان المحتلة، ثم اختصرت قضية فلسطين في خطة اقتصادية تعتبر الفلسطينيين كأنهم مجرد متسولين، لتكون نهاية مطافهم الذي مر عليه أزيد من قرن منذ وعد بلفور. إن إيران دولة قوية لا يمكن تجاهل وزنها السياسي والاقتصادي والعسكري، وتأثيرها على المحيط، وما أحسب أن العقوبات الاقتصادية تمنعها من الحصول على السلاح النووي الذي هي منه قاب قوسين، إلا كما منعت تلك العقوبات كوريا الشمالية، أو كما أثر الحصار على الطريق الذي سلكته كوبا وهي من أمريكا على مرمى حجر. إن الطريق الصحيح لمعالجة مشاكل المنطقة ليس التدخل الأمريكي بحال، هذا هو الذي يقتضيه الشرع، ويؤيده العقل، فليت تلك الدول تتجاوز هذا الذي هي عليه فتلتقي وتتفاوض لتحافظ على أمنها واستقرارها بعيدا عن الاعتماد على أمريكا التي لا يحركها إلا مصالحها المتقلبة . كتبت هذا غير راغب والله لولا شعوري بالحاجة إليه، واني لا أجعل أحدا في حل أن يهتبل الفرصة ليخرج عما قصدته فيقع في التهريج والتهييج، فرحم الله امرأ قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم. • •

الخاطرة 158

الرَ تِلكَ ءَايَـٰتُ ٱلكِتَـٰبِ وَقُرءَانٍ مُّبِينٍ (١) رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَو كَانُواْ مُسلِمِينَ (٢) ذَرهُم يَاكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلهِهِمُ ٱلاَمَلُ فَسَوفَ يَعلَمُونَ(٣). في هذا السياق الكريم أربع مسائل: الأولى: "الر"، من أحسن ما وقفت عليه من كلام أهل العلم في المقصود بهذه الأحرف المقطعة؛ أنه لجلب انتباه السامع وشده إلى ما يذكر بعدها، وهو القرآن الكريم، فالمقصود قرع هذه الأحرف الأسماع بغير المعتاد عند العرب من الكلام، ومما يلجأ إليه في هذا الزمن لجلب الاهتمام تغليظ الخط، وإعطاؤه لونا مغايرا للون الكتابة العام، أو تمييزه بسطور تحته. والسور التي جاء فيها ذكر القرآن بعد هذه الأحرف هي سور البقرة وآل عمران والأعراف ويونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر وطه والشعراء والنمل والقصص ولقمان والسجدة ويس وص والمؤمن وفصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف وق . الثانية: "تِلكَ ءَايَـٰتُ ٱلكِتَـٰبِ وَقُرءَانٍ مُّبِينٍ"، قدم هنا ذكر الكتاب على القرآن، وجاء العكس في سورة النمل، فقدم القرآن على الكتاب: "طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين" . ووجهه أن الذي ولي الأحرف المقطعة في سورة الحجر قوله تعالى: "رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَو كَانُواْ مُسلِمِينَ"، والكفار ليسوا من قراءة القرآن في شيء، فكان تقديم وصف الكتاب هو المناسب، وفي ذكره كالتهديد لهم بأنه سيصير كتابا متداولا ويبقى، أما في سورة النمل فالسياق في المؤمنين، وهم مطالبون بقراءة القرآن، وبالاستماع إليه، فإنه هدى ورحمة لهم، فجاء بعدها: "هدى ورحمة للمحسنين"، أما الكتاب فهو وسيلة إلى القراءة . الثالثة: قوله تعالى: "رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَو كَانُواْ مُسلِمِينَ"، للعلماء فيما تفيده رب مذاهب، أشهرها أنها في الأصل للتقليل، فكيف يمضي هذا القول مع أن ندم الكفار حين يعاينون الموت محقق، وكذا فيما بعده، وقد حكى الله عنهم هذا وذاك في مواضع من كتابه كقوله: "حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت"، وقال: "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين"، وقال: "ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون"، فلم أوثر التقليل؟. وجهه أن العاقل يكفيه في تجنب الخطر أن يظن حصوله، فلا يقدم على ما فيه ضرره ولو ظنا، فكيف إذا كان موقنا به كما هو المطلوب في إيمان المؤمن بالغيب؟ ومن أمثلته قوله تعالى: "أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم"، قال صاحب المنار: "فإن صح إنكارهم له(يعني القرآن) وما هو بصحيح فلا ضرر عليهم من الاحتياط."، والمرء لا يعلم وقت موته، فكيف يسوف التوبة والرجوع إلى الحق؟ وقد فسر بعضهم الظن بهذا المعنى في قوله تعالى: "الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم"، وقوله تعالى: "إني ظننت أني ملاق حسابيه"، وليس بجيد، فإن الذين لا يستثقلون الصلاة إنما هم الموقنون. ومما قيل:  قال المنجم والطبيب كلاهما ** لا تبعث الأجساد قلت: إليكما! إن صح قولكما فلست بخاسر ** أو صح قولي فالخسار عليكما.

الخاطرة 158

(2) الرابعة: قوله تعالى: "ذَرهُم يَأڪلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلهِهِمُ ٱلأَمَلُ‌ فَسَوفَ يَعلَمُونَ" (٣) هو تهديد ووعيد، جاء في صورة الدعوة إلى متاركتهم، بدايته تلميح، ونهايته تصريح، وفيه أمور: 1-"ذَرهُم يَأڪلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ"، هو ذم لهم لقصر همهم على الجري وراء شهواتهم، فهم خدام أجسام، وقد شبههم بالأنعام. ومع ان الله أحل للمؤمنين الطيبات في الدنيا، وهي خالصة لهم يوم القيامة؛ فإنهم مدعوون إلى الاقتصاد، فلم يؤمروا بالأكل والشرب، إلا لبيان الإباحة، مقرونة بالنهي عن الإسراف، أو بالأمر بالشكر، أو لإبطال القول بتحريمها، أو لغير ذلك من الدواعي والقيود، والمقصود لا يخفى . ومنه الاكتفاء في سورة الأحقاف بذكر ما لهم في الآخرة من النعيم في مقابل ما ذكره من تمتع غيرهم في الدنيا إذ قال: "إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم". لكنك تجد ذلك في الجنة في سورة الطور: "إن المتقين في جنات ونعيم"، إلى قوله: "كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون"، ومثلها في المرسلات: "كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون"، وبعدها في الكفار: "كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون"، وفي سورة الحاقة: "كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية"، وقال: "وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا"، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن الإرفاه، وهو المبالغة في التنعم بمختلف صوره . 2- "وَيُلهِهِمُ ٱلأَمَلُ‌"، ذمهم بإلهاء الأمل لهم عما ينبغي أن يهتموا به، والأمل ما يتوقعونه من حصول ما يرغبون ويشتهون من زينة الدنيا، وقد قيل "ما أطال امرؤ الأمل إلا أساء العمل"، أما ما كان من الأمل طاعة، أو مشروعا غير مله عن حق؛ فلا ضير فيه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل" . 3 - تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا يأسى عليهم، ببيان "قلة جدوى الحرص على إيمانهم". 4 - وليس فيه حجة على ترك دعوتهم، فإن المقصود تثبيت فؤاد الداعي، فلا يفت في عضده إعراض الناس عن الحق، ولهذا كثيرا ما يقترن الأمران: التخفيف عن الداعي أثر الإعراض عن الحق، مع أمره بالاستمرار على الدعوة كما في قوله تعالى: "وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع"، وقوله سبحانه: "قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون"، وقوله: "أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين"، والقول بأن الآية على ظاهرها من المتاركة، وأنها منسوخة بآية السيف بعيد، وما أكثر ما جني على قواعد الدعوة وأصولها بآية السيف !! . 5 - يؤخذ من هذا أن السكوت على الباطل بحجة كثرة المعرضين عن الحق، أو لأن الكلام يشوه سمعة الدعاة عند الناس، فلا يستمعون إليهم، وما إلى ذلك؛ غير صحيح إن لم يكن من تلبيس إبليس . إنه لعجب أن تصنع الدعوة إلى الحق هذه المفاسد في نظر بعض الدعاة، ولا يصنع شيئا منها هذا الذي يجري بينهم، مما هو عفن أخلاقي من السب والشتم، ونشر القبائح، وتتبع السقطات، واستقصاء الهفوات، وتمجيد الأشخاص، والانتصارللأهواء، مما لم نسمع مثله ولا علمناه، وهو ينم عن خرق في العقول، ومرض مستحكم في النفوس، ولو أمسك امرؤ لسانه لخوفه على نفسه من الفتنة ما كان ملوما . 6 - "فَسَوفَ يَعلَمُونَ"، مع ما في هذا من التهديد فإن فيه تهيئة نفس الداعي لمزيد من المصابرة والمغالبة وعدم استعجال النتائج، وهو ما يفيده الحرف (سوف)، فإن زمانه أوسع من السين عند البصريين، وهو تهديد بعذاب الدنيا، وصوره كثيرة، وهي نائلة كل من اتصف بما ذكر لا فرق بين المؤمنين والكافرين، كل بحسبه، فلا محاباة في سنن الله التي لا تجد لها تبديلا ولا تحويلا . قال القرطبي: "طول الأمل داء ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتد علاجه، ولم يفارقه داء، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطباء، وبئس من بريئه الحكماء والعلماء، وحقيقة الأمل الحرص على الدنيا والانكباب عليها، والحب لها، والإعراض عن الآخرة، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخرها بالبخل والأمل". ويروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قام على درج مسجد دمشق فقال: يا أهل دمشق ألا تسمعون من أخ لكم ناصح؟ إن من قبلكم كانوا يجمعون كثيرا، ويبنون مشيدا، ويأملون بعيدا، فأصبح جمعهم بورا، وبناؤهم قبورا، وأملهم غرورا، هذه عاد قد ملأت الأرض مالا، وخيلا ورجالا، فمن يشتري مني اليوم تركتهم بدرهمين؟ وأنشد: يا ذا المؤمل آمالا وإن بعدت ** منه ويزعم أن يحظى بأقصاها !! أنى تفوز بما ترجوه ويك وما ** أصبحت في ثقة من نيل أدناها؟ • •

الخاطرة 159

[الداء العضال] ذكر مالك في كتاب الجامع من موطئه بلاغا؛ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يخرج إلى العراق فقال له كعب الأحبار: "لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسفة الجن، وبها الداء العضال" . هذا الذي ذكره كعب عن العراق بعضه لا يعرف إلا بتوقيف، كفسقة الجن، والغالب أن يكون من الإسرائيليات، وهي كثيرة فيما أثر عنه وعن وهب بن منبه، وأخطرها عنهما ما كان في التفسير، والداء العضال هو الذي لا يرجى برؤه، ويعيي الأطباء أمره، والمقصود ما تتعذر محاولة إصلاحه من أمور الدنيا والدين، ومن أخطر ذلك البدع، وليس يلازم أن يكون هذا الذي يذكر عن العراق أو عن غيره دائما. وإذا صح أن كعبا نصح عمر بهذا، فإنه لم يأخذ بقوله، وإلا لأخلى العراق ممن نزلها من الصحابة، فإن الخوف عليهم أشد من الخوف عليه، كيف وهو المسدد المقتدى به؟ وما سلك فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجه، وقد جاء أنه نصح عمر بالصلاة في موضع من المسجد الأقصى فأبى عليه، وقال: أما علمت أن لنا صدور المساجد؟ ومهما يكن فإن الأمر كما قال سلمان لأبي الدرداء رضي الله عنهما حين دعاه إلى القدوم إلى الأرض المقدسة فأجابه بقوله: "إن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الإنسان عمله"!! ومقابل هذا صحيح أيضا. وقد روى ابن حبيب عن مطرف أن مالكا سئل عن الداء العضال في كلام كعب؛ فقال: "أبو حنيفة وأصحابه"، وذلك أنه أضل الناس بوجهين: بالإرجاء، ونقض السنن بالرأي، والعالم قد يغيب عنه الدليل فيقول بالرأي والقياس ويستمر عليه ثم يتلقاه عنه أتباعه يناضلون دونه بغير حق. وقد تلطف أبو جعفر الداودي فأحسن في توجيه هذه الرواية عن مالك، واعتذر عنه بقوله: "إن هذا الذي ذكره ابن حبيب إن كان سلم من الغلط وثبت، فقد يكون ذلك من مالك في وقت حرج، اضطره لشيء ذكر له عنه، مما أنكره، فضاق به صدره، فقال ذلك، والعالم قد يحضره ضيق صدر؛ فيتقول ما يستغفر الله منه بعد وقت، إذا زال غضبه"، انتهى بالنقل عن المنتقى، فهل عرفت في الدعاة اليوم من تراجع عن شيء علنا مما وقع فيه في إخوانه؟ أم أنهم لا يصدر عنهم غير الحق؟. أما أبو الوليد الباجي رحمه الله فقد أنكر هذا النقل فقال: "وعندي أن هذه الرواية غير صحيحة عن مالك رضي الله عنه، لأن مالكا على ما يعرف من عقله وعلمه وفضله ودينه، وإمساكه عن القول في الناس إلا بما صح عنده وثبت؛ لم يكن ليطلق على أحد من المسلمين ما لم يتحققه، ومن أصحاب أبي حنيفة عبد الله بن المبارك، وقد اشتهر إكرام مالك له وتفضيله إياه، وقد علم أن مالكا ذكر أبا حنيفة بالعلم بالمسائل، وأخذ أبو حنيفة عنه أحاديث، وأخذ عنه محمد بن الحسن الموطأ، وهو مما أروي عن أبي ذر عن عبد (الله) بن أحمد رضي الله عنه، وقد شهر تناهي أبي حنيفة في العبادة، وزهده في الدنيا، وقد امتحن وضرب بالسوط على أن يلي القضاء فامتنع، وما كان مالك ليتكلم فيه إلا بما يليق بفضله، ولا نعلم أن مالكا تكلم في أحد من أهل الرأي، وإنما تكلم في قوم من أصحاب الحديث من جهة النقل، وقد روي عنه أنه قال: أدركت بالمدينة قوما لم تكن لهم عيوب فبحثوا عن عيوب الناس فذكر الناس لهم عيوبا، وأدركت بها قوما كانت لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فسكت الناس عن عيوبهم، فمالك رحمه الله يزهد الناس عن العيوب، ومن أين يبحث عن عيوب الناس؟ وكيف يذكر الأئمة بما لا يليق بفضله؟ وقد ذكرت في كتاب فرق الفقهاء ما نقل عنه من ذلك وبينت وجهه...". ربما كان فيما وصف به الباجي مالكا رحمهما الله ما يفتقر إلى البيان مما لم يقصده، فإنه لا يعني أن مالكا لم يكن يرد ما يراه مما خالف فيه أهل العراق الحق، ويكفيك أن تقرأ باب القضاء بالشاهد واليمين في الموطإ لتقف على هذا الأدب الذي كان عليه القوم في طريق الانتصار للحق، لا لنفوسهم، وأنهم يفرقون بين هذا وبين الطعن في الناس بأسمائهم إلا في الحال التي يلزم ذلك، واعتبر بما في كتاب ترك الحيل من صحيح البخاري الذي رد فيه على الحنفية كيف كان قوله، والمقصود ما في كلام الباجي من الإنصاف، وذكر ما كان معروفا عن أبي حنيفة من الفضل والعلم والزهد في الدنيا، وتحمل الأذى في طريق الحق، ولا يصح أن يقال إن المرء يسكت عن عيوب الناس التي تسبب ضررا للأمة في دينها خوفا من أن يتحدث الناس عن عيوبه، بل المقصود الترهيب من تتبع عورات الناس، فكيف بالفرح عند الظفر بها وإذاعتها كما عليه فريق من الناس اليوم؟ وقد جاء فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم؛ يتتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله". 4 من ذي القعدة 1440 •

الخاطرة 199

جاء في طبقات الشافعية الكبرى أن رجاء بن محمد المعدل قال: كنت عند الدارقطني يوما والقارئ يقرأ عليه وهو يتنفل، فمر حديث فيه (نسير بن ذعلوق)، فقال القارئ: بشير، فسبّح الدارقطني، فقال: بشير، فسبّح، فقال: بشير، فتلا الدارقطني: "ن. وَٱلقَلَمِ". وفيها أيضا قال حمزة بن محمد بن طاهر: كنت عند الدارقطني وهو قائم يصلي يتنفل، فقرأ عليه أبو عبد الله الكاتب: عمرو بن شعيب، فقال: عمرو بن سعيد، فسبّح الدارقطني، فأعاده، وقال: ابن سعيد ووقف، فتلا الدارقطني: "قَالُواْ يَـٰشُعَيب أَصَلَوٰتُكَ تَأمُرُكَ"، فقال: ابن شعيب" . وهذا في الحكايتين مع حسنه؛ فيه من أبي الحسين استعمال المسألة المشهورة فيمن أتى في الصلاة بشيء من نظم القرآن قاصدا القراءة وشيئا آخر؛ فإن صلاته لا تبطل على الأصح، ولو قصد ذلك الشيء وحده لبطلت . قلت: هذا التعليق غير ملائم للحكاية، لأن في هذا الخبر -إن صح- أن الدارقطني رحمه الله كان يقرأ عليه وهو يتنفل، والمسألة مفروضة فيمن يطرأ عليه ما يحتاج معه إلى ذلك، إذا لم يفهم عنه ما يريده بالتسبيح الذي هو الأصل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله". أما أن يحرم بالصلاة قاصدا الارتباط بأمر أجنبي عنها كما في هذه الحكاية فلا أعلم له مساغا، فإنه إذا كان حضور القلب في الصلاة صعبا مع عدم التعلق المقصود بغيرها، فكيف بالتعلق المقصود ولاسيما الاستماع إلى من يقرأ كما في هذه الحكاية؟، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الرجل لينصرف، وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها" . ومع ما سبق؛ فينبغي كما في مذهب مالك أن يكون ذلك الذكر المفهم بمحله، كمن كان ساجدا فرفع صوته بقوله: (سبحان ربي الأعلى) قصد التفهيم الذي صادف المحل، أو التسبيح المطلق في غير محله للأمر به، أما إن كان التفهيم بقراءة القرآن فمذهب مالك أن تحصل موافقة ما قصد التفهيم به محلها، كأن يستأذن عليه وهو بصدد قراءة قوله تعالى: "إِنَّ ٱلـمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ"، ثم يرفع صوته بقوله تعالى: "ٱدخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ءَامِنِين"َ، وقد جمع هذا المعنى خليل بن إسحاق رحمه الله في قوله وهو بصدد ذكر ما يجوز في الصلاة: "وذكر قصد التفهيم به بمحله، وإلا بطلت". وكتبه ابن حنفية العابدين يوم 2 ربيع الثاني 1441 •

الخاطرة 200

مما تميز به الشيخ الفاضل أبو سعيد بلعيد سدده الله ووفقه وزاده من فضله الحلم والأناة، وهما خصلتان يحبهما الله، وقد تزينت بهما الكلمة التي نصح بها العربي زيتوت، أسأل الله أن ينفعه بها، وأن يجعلها سببا في صلاح حاله، وحال أمثاله، وقد تضمنت الدعاء له بالهداية، وأن تغيير المنكر ومقاومة الفساد أمر مقرر في الشرع، يتم بالطرق التي شرعها الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن منهج الإسلام متميز عن غيره، فليس هو منهج السياسيين ولا الإعلاميين ولا الحزبيين. ومن ذلك ضرورة الرجوع إلى أهل العلم وسؤالهم في الأمور السياسية كما يسألون في غيرها، بل السؤال هنا أولى وأحرى، لأنها شؤون عامة يترتب على اقتحامها دون تبصر من الأخطار ما لا يترتب على الأمور الخاصة . وفي هذا تصحيح لخطإ عظيم وقع فيه بعض الناس وهو الزعم بأن الأمور السياسية لا يعرف المصلحة فيها أهل العلم، لأنهم لا خبرة لهم بواقع الناس، وهو تكريس لفصل الدين عن الحياة العامة، وإقرار بنهج العلمانية. ومن ذلك نفي التهمة التي اعتاد كثير من الناس إلصاقها بأهل العلم إذا لم يوافقوا اهواءهم، وما يوحيه إليهم المحللون والإعلاميون، وزعمهم بأنهم يمالئون الحكام، والذي نعلمه عن كثير منهم أنهم لا يرضون الحكام، ولا يجارون العوام، فهل يستجيب العربي زيتوت لهذه النصيحة؟، إن فعل فقد نفع نفسه، وإن لم يفعل فما أحسب أنه يحقق شيئا من غرضه. •

الخاطرة 200

مما تميز به الشيخ الفاضل أبو سعيد بلعيد سدده الله ووفقه وزاده من فضله الحلم والأناة، وهما خصلتان يحبهما الله، وقد تزينت بهما الكلمة التي نصح بها العربي زيتوت، أسأل الله أن ينفعه بها، وأن يجعلها سببا في صلاح حاله، وحال أمثاله، وقد تضمنت الدعاء له بالهداية، وأن تغيير المنكر ومقاومة الفساد أمر مقرر في الشرع، يتم بالطرق التي شرعها الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن منهج الإسلام متميز عن غيره، فليس هو منهج السياسيين ولا الإعلاميين ولا الحزبيين. ومن ذلك ضرورة الرجوع إلى أهل العلم وسؤالهم في الأمور السياسية كما يسألون في غيرها، بل السؤال هنا أولى وأحرى، لأنها شؤون عامة يترتب على اقتحامها دون تبصر من الأخطار ما لا يترتب على الأمور الخاصة . وفي هذا تصحيح لخطإ عظيم وقع فيه بعض الناس وهو الزعم بأن الأمور السياسية لا يعرف المصلحة فيها أهل العلم، لأنهم لا خبرة لهم بواقع الناس، وهو تكريس لفصل الدين عن الحياة العامة، وإقرار بنهج العلمانية. ومن ذلك نفي التهمة التي اعتاد كثير من الناس إلصاقها بأهل العلم إذا لم يوافقوا أهواءهم، وما يوحيه إليهم المحللون والإعلاميون، وزعمهم بأنهم يمالئون الحكام، والذي نعلمه عن كثير منهم أنهم لا يرضون الحكام، ولا يجارون العوام، فهل يستجيب العربي زيتوت لهذه النصيحة؟ إن فعل فقد نفع نفسه، وإن لم يفعل فما أحسب أنه يحقق شيئا من غرضه. 2 ربيع الثاني 1441 •

الخاطرة 201

ألا تعجب أن يصدر البرلمان الفرنسي سنة 2005 قانونا يمتدح فيه الاستعمار ويمجده، وفي مقدمة الممجد احتلال فرنسا للجزائر قرنا وثلثا، وما جرى خلال تلك المدة من التقتيل والتدمير والنفي والتشريد ومصادرة الأموال، وما خلفته حقول الألغام من القتلى والجرحى والمشوهين، وما نتج عن التجارب النووية بمنطقة رقان في الصحراء من الآثار المستمرة إلى اليوم، على البيئة والإنسان والحيوان، وأين هذه الخسائر الحسية من الأضرار الأخرى العلمية والثقافية والأخلاقية التي هي الخسارة الكبرى؟ وبدونها لا تتحقق نهضة الأمة المرجوة، لقد سد برلمانهم بهذا القانون الباب أمام أي مطلب بالتعويض أو الاعتذار عما ألحق بالبلد، كما حصل من بلدان أخرى. هذا هو الذي فعله الفرنسيون، أما نحن فقد سعى بعضنا في صدور قانون تجريم الاستعمار قبل سنوات، ردا على قانون التمجيد، لكن عملاء فرنسا في النظام الذي هو في طريق الانهيار إن شاء الله اعترضوا على المشروع فجمدوه كما جمدوا قانون اللغة العربية منذ ما يقرب من ثلاثة عقود. وسواء عندي أصدر هذا القانون أو لم يصدر، فما هذه إلا رسوم ورموز في دول اليوم، والعبرة بطبيعة العلاقة وكيفيه المعاملة واستقلال القرار أو تبعيته، وما جدوى تجريم الاستعمار إذا كنت تحتضن ما زرعه في بلدك من قيم وقوانين ولغة وعادات؟. لقد عاد الحديث هذه الأيام عن ذلك القانون للرد على موقف البرلمان الأوربي المنتقد لوضع الحريات في البلد، فهل هذا يعني أن هؤلاء حيارى مترددون في كون الاستعمار جريمة، يرونه كذلك إذا توترت العلاقة، وينقلب إحسانا إذا استقامت!! من فعل فهو فاسد المزاج، محتاج إلى علاج، حقا إنه لأمر غريب!! ومع هذا فيا ليتهم يفعلون. 5 شهر ربيع الثاني 1441 •

الخاطرة 202

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء، أنيابها بادية، مشوه خلقها، تشرف على الخلائق، فيقال: تعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذه!! فيقال: "هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها، بها تقاطعتم، وبها تحاسدتم، وتباغضتم، واغتررتم، ثم تقذف في جهنم، فتنادي أي رب: أين أتباعي وأشياعي؟، فيقول الله تعالى: "الحقوا بها أتباعها وأشياعها"، رواه البيهقي في الشعب وابن أبي الدنيا وغيرهما من طريق إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول قال ابن عباس. وهو منقطع. وأورده القرطبي في التذكرة، والغزالي في إحياء علوم الدين وغيرهما. 10 ربيع الثاني 1441 •

الخاطرة 203

إن سألتني من أختاره من المترشحين للانتخابات الرئاسية إذا بدا لي أن أنتخب؛ أقل لك: إني لم أجد ما أجيبك به مما يسهل عليك أن تتأكد من توفره في المترشح غير شيء واحد هو المحافظة على الصلاة، فاختر من تعلم أنه يحافظ عليها، فإن لم تعلم ذلك بنفسك؛ فاسأل من يعلم. فإن قلت: وهل تكفي المحافظة على الصلاة أمارة على القدرة على تسيير أمر البلد والنهوض به؟ وأين هذا من الحنكة السياسية، والمعارف الكثيرة المتنوعة المطلوبة؟ قلت: هي أمور لا بد منها، لكن أنى لنا أن نتأكد منها؟، وهل الذين هم وراء القضبان وغيرهم ممن لم يلحقوا بهم بعد فقراء في هذه المعارف؟ لم يزيدوا على أن وظفوها في الاحتيال والنهب، ألا ترى أن كل المترشحين يتبجحون بهذه المعرفة؟، فاكتف بما يمكنك أن تعرفه، ولم استقللت المحافظة على الصلاة وهي عماد الدين مقياسا للصلاحية؟، ألم تسمع قول الله تعالى: "إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنهَىٰ عَنِ ٱلفَحشَاءِ وَٱلمُنكَر‌"، أليس هذا خبرا من الله؟ ومن أصدق من الله حديثا؟. ذكرت صفات المؤمنين المفلحين مفتتحة بالخاشعين في صلاتهم، مختتمة بالمحافظين عليها، والفلاح الموعود ظاهر في أمور الدنيا بدليل المقابل وهو قوله تعالى في الختام: " أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلوَٲرِثُونَ (١٠) ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلفِردَوسَ هُم فِيهَا خَـٰلِدُونَ" . واستثنى الله تعالى في موضع آخر من الإنسان الذي طبيعته الهلع الجزع من كانت فيه جملة صفات أولها المداومة على الصلاة وآخرها المحافظة عليها، ثم وعدوا بالجنة كذلك. جمع السياقان بين الخشوع في الصلاة الذي هو روحها ولبها، وبين المداومة عليها في أوقاتها، والمحافظة عليها، فكأن الأوامر والنواهي المكتنفة من الجانبين بالصلاة في السياقين جعل الخشوع فيها والمداومة والمحافظة عليها ضمانا لالتزامها، باستحضار هيبة المناجاة في كل الأعمال والأقوال، فتكون لهذا ناهية عن الفحشاء والمنكر، وقد جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة وإقامتها خطا فاصلا بين حال وحال، حيث قال: "لا، ما صلوا"، وقال: "ما أقاموا فيكم الصلاة". فإن أنست أيها الأخ الكريم في المترشح وعدا بالمحافظة على دين الأمة، باعتباره مسلما ملزما بهذا الأمر، ثم بـ(تفعيل) المادتين الخاصتين برعاية مؤسسات الدولة للأخلاق الإسلامية، وبناء الدولة في إطار تلك المبادئ، مع التزامه بإعادة الاعتبار للغة العربية، وانتهاج سياسة خارجية مستقلة بحسب الإمكان، فهذا أجدر بالاختيار من غيره. 12 ربيع الثاني 1441 •

الخاطرة 204

يَـٰأَيُّها ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَولاً سَدِيدًا (٧) يُصلِح لَكُمُ أَعمَـٰلَكُم وَيَغفِرلَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزًا عَظِيمًا". قد يكون هذا آخر ما أكتبه عن هذه الأحداث التي نسأل الله تعالى أن يأذن لها بالانفراج، بعد ما يقرب من عشرة أشهر، أدار فيها القائمون على شؤون البلد الأزمة بكفاءة عالية، وبحنكة نادرة، لم تر في أي بلد عرف نظير ما جرى عندنا، وأني أدعو الله أن ييسر لهم تسخير هذه الحنكة والخبرة في استرجاع الأمة ما خسرته من قيم دينها وأصولها على مدار ما يقارب الستين سنة. ربما كانت راحة البدن والفكر، وسلامة العرض في اجتناب الحديث عن هذه المظاهرات والاحتجاجات، لكني آثرت معايشة أخبارها، ومواكبة تطورها، بما علمته من ديني، وبما قدرت عليه من النفع لبلدي، بعد يقيني أن الدعوة إلى الله لا يستقيم أن تنقبض عن المشاركة في توجيه الأحداث، وبيان الحق ممن كان له قدرة، وإني أستغفر الله لخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، واجعل في حل كل من وقع في عرضي بما كتبته أو قلته. هذه ليلة الخامس عشر من شهر ربيع الثاني سنة واحد وأربعين وأربعمائة وألف، الموافق للحادي عشر من شهر ديسمبر، سنة تسع عشرة وألفين، نأمل أن نكون فيها على مشارف عهد جديد في الحكم، متفائلين بأن يكون خيرا من النظام البائد الفاسد المفسد . أنتم أيها الجزائريون يوم غد أقسام: من اختاروا منكم أن لا ينتخبوا، فيسكت عنهم، والذين ينتخبون من يرونه خيرا من غيره بحسب علمهم، فهم بقصدهم إن شاء الله مأجورون، وقد ذكرت ما رأيته معيارا للاختيار، أما المعترضون بأقوالهم أو أفعالهم، فالذي يجمعهم أنهم متناقضون، وهم بعد ذلك متفاوتون: فمنهم الظالمون والخائنون، ومنهم الجاهلون والمغفلون والمستدرجون. ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلمُومِنُونَ كُلٌّ َامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعنَا وَأَطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ ٱلمَصِيرُ. لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا ٱكتَسَبَت رَبَّنَا لَا تُواخِذنَا إِن نَّسِينَا أَو اَخطَأنَا رَبَّنَا وَلَا تَحمِل عَلَينَا إِصرًا كَمَا حَمَلتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعفُ عَنَّا وَٱغفِر لَنَا وَٱرحَمنَا أَنتَ مَولَـٰنَا فَٱنصُرنَا عَلَى ٱلقَومِ ٱلكَـٰفِرِينَ. روى البخاري عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة كفتاه". 14 من شهر ربيع الثاني 1441 الموافق ل 11/12/2019 • الخاطرة: 205 الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، له الحمد كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، واليك يرجع الأمر كله، نسالك من الخير كله، ونعوذ بك من الشر كله، والصلاة والسلام على عبدك ورسولك، وخيرتك من خلقك، قلت وقولك الحق: "قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلمُلكِ تُوتِى ٱلمُلكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ ٱلمُلكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ‌ بِيَدِكَ ٱلخَيرُ‌ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىءٍ قَدِير"، وقلتَ: "يَـٰدَاوُدُ إِنَّا جَعَلنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلاَرضِ فَٱحكُم بَينَ ٱلنَّاسِ بِٱلحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُم عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَومَ ٱلحِسَاب" . بظهور نتائج الانتخابات الرئاسية صار الحاصل على الأغلبية المطلقة وهو ابن الجزائر عبد المجيد تبون رئيسا للبلد يجب على كل مسلم جزائري الدخول في عقد بيعته، كما يلزم ذلك من ليس مسلما بمقتضى ما انتحله من نظامه، لا فرق بين من وقع عليه اختياره، ومن ليس كذلك، وبين من انتخب ومن لم ينتخب، يلزم الجميع الإقرار به حاكما ورىيسا يطاع فيما كان طاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال ربنا: "يَـٰأَيُّها ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلاَمرِ مِنكُم"، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"، وهذا حرص عظيم من الشرع على انتظام أمر الناس وخروجهم من حالة التشتت والتفرق والاختلاف والتنازع التي هي حال أهل الجاهلية الذين كانوا قبائل وجماعات متفرقة، إلى حال الاجتماع والاتحاد وانضباط الأمور، ومن شابههم كان مثلهم، ومما يلزم الناس أيضا أن يعينوه على البر والتقوى كل حسب حاله وفي موقعه لقول الله تعالى: "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلبِرِّ وَٱلتَّقوَىٰ‌ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلاِثمِ وَٱلعُدوَٰنِ" . ولهذا أعلن عن مبايعة الرئيس عبد المجيد تبون على السمع والطاعة المشروطة بما سبق، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، مطيعا بذلك ربي، سائلا الله تعالى للرئيس أن يهيئ له الأعوان الصالحين الذين يذكرونه بالحق ويعينونه عليه، وأدعو الله له بالتوفيق لنصرة الدين وإقامة العدل ولم شمل الأمة على ما يرضي الله، واسترجاع كرامة الجزائر ومكانتها بين الدول وخروجها من التبعية لفرنسا ولغيرها. بن حنفية العابدين 17 شهر ربيع الثاني 1441 • قد يكون من منافع هذه البيعة - المسارعة إلى قطع الطريق على أعداء الوطن.. - وإظهار مفارقة هؤلاء المنازعين - وشد أزر الرئيس - وتشجيع من كان فيه تردد أو استحياء على مساندته.. وإني أرى أن هذه المصالح ليست بشيء بالنسبة للمفاسد التي تجلبها.. وأعظم هذه المفاسد عندي أنها تكرس جور الحكام الذي تعاني منه بلاد الاسلام منذ قرون.. وتفتح الباب لسنة سيئة وهي تؤيد مذهب المداخلة الفاسد في تقديس الحاكم.. وأحسب أنك توهمت مسرحية.. لما تعرفه من علاقتي بالشيخ.. وإنما أحببت أن أستخرج من المشايخ آراءهم في القضية. ولو تأملت المباحثة لوجدت أني ما زدت على طرح الاسئلة.. ولست ممن يداني الشيخ حفظه الله في التعليل لقوله والاستدلال له، كما أني أزعم أن لي من الفهم ما يرفعني عن دركة التقليد. وخلاصة رأيي في بيعة الشيخ هذه أنه "أخطأ من شدة الفرح"! وأمر آخر: جور الحكام يقوم على ركنين: استبداد الحاكم وخنوع المحكوم.. ومن تأمل مذهب المداخلة وجده قائما على هذا الخنوع من أول يوم.. فهو الاصل الذي تتفرع عنه كل "علوم" القوم وكل معاركهم.. وكل ما تراه من تعديل وتجريح وتفسيق وتكفير.. ومن ذب عن السنة وانتصار لمذهب السلف..... كل ذلك ما هو إلا تمويه ومخاتلة لخدمة لهذا الاصل: تقديس الحاكم .. علمه من علمه، وسعى فيه من سعى بجهل.. وقد باح به بعض أشقيائهم أخيرا في فتوى زنا الحاكم على التلفاز وأيدها بفتوى اللواط. حتى لا يبقي في نفس احد موضع للعذر او التاويل.. إنما يقوم الجور على ركنين: استبداد الحاكم، وخنوع المحكوم.. من "منافع" هذه البيعة أنها أتعبت المداخلة بعدها.. وأظن أن المداخلة لم يهنؤوا بنومة مذ بلغهم نبأ البيعة.. وهم يضربون أخماسا بأسداس: كيف فاتتنا هذه؟! حكيم التعليقات على الفايسبوك • محمد خربوش الشيخ البشير الجزائر الآن جمهورية ديمقراطية شعبية والبيعة من خصائص النظام الإسلامي فلا يوجد في النظام الديمقراطي بيعة وعبارة السمع والطاعة في المنشط والمكره وعدم منازعة.. فالديمقراطية تسمح بالمعارضة وتسمح بإنشاء أحزاب معارضة.. وأظن أن الديمقراطية لا تقبل نظام البيعة ولإظهار الطاعة أظن أننا لا نحتاج إلى كل هذا.. فالديمقراطية تقبل من مواطنيها الاعتراف بنتائج الانتخابات مع السماح بحق المعارضة الشيخ البشير أظن أن الخاطرة تحرج الديمقراطية ولا تتوافق معها ولا تقبل هذه الخاطرة.. وهذه الخاطرة تصلح لو قيلت قبل مئة وعشرين سنة تحياتي لكم الشيخ البشير ولفضيلة الشيخ الفقيه ابن حنفية. محمد خربوش حفظكم الله فضيلة الشيخ و نفع الله بكم.. و شكرا لكم على سعة صدوركم. استعمال مصطلح البيعة في نظام ديمقراطي يشبه استعمال مصطلح "الأم العازبة" تقبلوا مني صاحب الفضيلة هذا الملحظ وأتمنى عليكم نفعني الله بعلمكم وأدبكم و أخلاقكم أن تراجعوا هذه الخاطرة. بن حنفية العابدين محمد خربوش كلامك حق بارك الله فيك وانا لا أجهل ما ذكرت ولا أرى ضيرا أن أستعمل البيعة قاصدا بها الإقرار بالحاكم، أما الطاعة وقيودها فما أحسب أنها تختلف باختلاف صيغ الإقرار بحكم الحاكم. • إبراهيم دلمي ليت الشيخ يبقى في العلم كي لا يخسر إخوانه وأحبابه بتزكية هذه الذئاب علي الراشدي إبراهيم دلمي واذ أخذ الله ميثاق... وليس مطالبا ان يقول ما تشتهيه نفسك بن حنفية العابدين أخي ابراهيم دلمي ذاك ما أعتقد بارك الله فيك على التوضيح بن حنفية العابدين إبراهيم دلمي إذا خسرت إخواني من أجل ما أعتقد أنه صواب فلا بأس، فهل أكذب عليهم من أجل أن يحبوني؟ لا أقدر أن أفعل، وبارك الله فيك. • أمين بتقة لكن هو يقول لك: حاورني وعارضني بالسلمية ووو. ويقول لك انا رئيس منتخب ديموقراطيا ولست ولي أمرك ولم أدعك لمبايعتي.. هذه الخاطرة حيرتني والله بن حنفية العابدين أمين بتقة اقر له بأنه رئيس ولا بأس أن أحاوره كما تفضلت عبدالملك الأثري الحسني أمين بتقة اقرارك بيعة فلما التعقب أمين بتقة بن حنفية العابدين أقر له بالتأكيد ولكنه كما قال الشيخ الألباني (الحمد لله لم يطلبوا منا بيعة) اي حتى نعطيها لهم • عَلِي مُحَمَّد بـن يَطو أخي بن حنفية العابدين يُشكر لك رجوعُك عن كلامك السّابق اللّذي قلت فيه؛ (وإذا كان جمهور العلماء قد أقروا حكم المتغلّب سدا لذريعة الفتنة وحدث بعض التساهل في أهلية الحاكم الذاتية والعلمية مراعاة للأوضاع فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة لتحكيم الشرع فمن لم يحكّم الشرع فلا شرعية لحكمه عندهم ولا انعقاد لبيعته ولا نفوذ لولايته لأنَّ تفرُّقَ الأُمَّة على الحقِّ، أولى من اجتماعها على الباطل ولمَّا كانت دول المسلمين ليست متساوية في هذا الأمر الأخير، وحيث قلنا بأنَّ حُكْمَ هذا الحاكم غَيْرَ شَرْعِيٍّ ولا معتبر؛ فهو كالعدم)... ولن أعقّب على ما في منشورك من مخالفات ((فقهيّة))، بل سأكتفي بتنبيهك على أمر مهمّ أظنّ أنّك لو تنبّهت له لما كتبت المنشور من الأساس. نتائج الانتخابات أعلنتها اللّجنة المستقلّة لمراقبة الانتخابات، وهي نتائج أوّليّة وليست نهائيّة، إلى أن يصدر المجلس الدّستوري بيانًا بذالك وبعد مراجعته للطّعون إن وجدت، فحينها يمكن أن يقال إن تبّون قد صار حاكما، ومع هاذا لابدّ له من أن يؤدّي القسم وينصّب بعده حاكمًا فحينها فقط يمكن الكلام عن تبون [حاكمًا للجزائر] أمّا الآن فما زال بن صالح هو حاكمنا وأنت تعلم أنّه لايجوز عقد بيعتين في وقت واحد لرجلين في بلد واحد فأرجو أن تراجع كلامك وتصحّحه.. ولعلّي أزورك في بيتك - من بعد إذنك - فعندي أشياء كثيرة أريد مفاتحتك فيها. وفّقك [الله] للخير. بن حنفية العابدين الأخ محمد بن يطو، بارك الله فيك على الإفادة وعلى الاستدراك بخصوص الإجراءات القانونية التي لم تكتمل بعد، ولا شك أن القرائن دالة على الأمر الذي أشرت إليه.. ودافعي الى ما فعلت هو علمي بادخال رحيل الرئيس المنتخب ضمن مطالب أصحاب الحراك، من بعض الناعقين من منطقة الخليج، فكتبت الذي كتبت، نسأل الله السلامة.. أما التراجع الذي أشرت إليه فقد بينته قبل أزيد من سنة، وكتبته الليلة الماضية أيضا والسلام عليكم. عَلِي مُحَمَّد بـن يَطو كلّ ما ذكرتَه لا يبرّرالإستعجال بإعلان البيعة!، خاصّة ما أشرت إليه بقولك؛ القرائن...، فهي بالذّات لا مدخل لها في مثل هذا الميثاق الغليظ! .. وأمر آخر كنت أودّ أن أسمع منك الموافقة على اللّقاء بك في بيتك أو بيت أحد إخواننا هناك في سعيدة كأخي قصباوي - مثلاً - ولكن لابأس .. وعليكم السّلام ورحمة [الله] وبركاته. • أمير الحمراء الشيخ حفظه الله إن كان يقصد البيعة الشرعية.. فهي باطلة في الشرع والقانون... فالرئيس لم يصبح رئيسا بعد حتى يعلن المجلس الدستوري ذلك.. وهو مرشح فائز ومازال عبد القادر بن صالح رئيسا للدولة... ثم يجري عليها التنازع في شرعيتها من عدم ذلك بعد الإعلان .. وإن كان يقصد بيعة لغوية فهذا إيهام في معرض البيان وهو مالا ينبغي ...إذ الحرص على ضبط الألفاظ في هذه المشكلات مسلك ضروري حتى لا نقع في تغليط الناس محبكم بوعزة أنيم... بن حنفية العابدين أمير الحمراء أخي بوعزة اعتبرها معلقة على القيد الذي ذكرته ولعلك تسمع ما يوحى به من بعض المقيمين في الخليج والذين هم في اوربا من التصعيد، بالإيحاء بمطالب جديدة يتطلب ممن يريدون الخير لبلدهم أن يجتهدوا في درء الأخطار . بلال أبو رأفه البيعة عهد وميثاق غليظ .. وإنما تكون البيعة على الإسلام وشروطه وشرائعه ومعالمه.. ودون ذلك فخرط القتاد.. مع احترامنا للشيخ بن حنفية العابدين بلال أبو رأفه بارك الله فيك ليس الا الاقرار به حاكما عندما ينصب، او مقابله، وهو مقدمة لما هو معروف.. ولقد أوحي إلى أصحاب الحراك من مقيم في بلد خليجي هو دراجي أن يضم الى المطالب رحيل المنتخب، وصرح زيتوت بحرق العلم، ولعمر الله إن ذلك مقدمة شر دفعتني الى ما اعتبره بعض اخواني عجلة، ولأن أخطئ مع الصدق أهون من أن أصيب مع الروغان. • عبد السميع يوسف بن حنفية العابدين وهل توفرت في تبون شروط الحاكم الشرعي؟؟؟ بن حنفية العابدين عبد السميع يوسف لما لا يخفى عنك . بن حنفية العابدين عبد السميع يوسف البيعة مقيدة بما هو طاعة لله، وهي تعني الاقرار بأنه حاكم فعلي وخلاف ذلك مقدمة لما يخفى عنك. • أبو عبد الرزاق الذي فهمته من الشيخ- حفظه الله - بعدما علّق بيانا: 1- أن الشيخ إنما استعمل الأسماء الشرعية رغبة منه في الاكتفاء بمفرداتنا المميزة لنا وحبا لإشاعتها بين المتلقين، من غير أن يقصد حقائقها الشرعية الكاملة... وهذا تصرّف منه - رعاه الله- في نقل المصطلحات وهو أعلم بصحته عنده. 2- الشيخ يقصد بالبيعة مجرد الإقرار بحكم تبون، ونتيجة ذلك= إمضاء مخاطباته وتصرفاته وتصحيحها، وتقييد ذلك بالمعروف. 3- وجوب الطاعة = هو مجرد قبول تصرفات الرئيس ونوّابه ومن يقيم معه الدولة كسلطة القضاء، في الشأن الخاص والعام، وشرط ذلك المعروف= طاعة الله تعالى أو التصرف في منطقة العفو الشرعي، المقيد بالمصلحة. 4 - هذا المعنى جميعه موجود في علاقة المواطن الغربي - الكافر - بحاكمه- الكافر -، إذ هذا من المشترك الإنساني الذي تقره الفطرة الاجتماعية فلا معنى لنصب الحاكم إلا أن يطاع، وهذا أقل ما تتحقق به الطاعة، غير أن المسلم قد يقصد بها التعبد حفظا للمصلحة أو جلبا لها، ويكون تصرف الكافر براغماتيا خالصا. 5 - الذي يرفض هذا المستوى من الطاعة تلزمه أمور لا أظن أحدا يلتزمها فيما أرى= مطلق العصيان الذي يسمونه المدني، فلا قوانين تحترم ولا قانون المرور ولا نظم تقام ولا مؤسسات . 6 - ما سبق محاولة تخريج لكلام الشيخ على الظاهر من قصده وإن كنت أخالفه في التصرف المصطلحي لعدم انضباط نتائجه في أذهان المتلقين. •

الخاطرة 206

يقال في لغتنا: قص الأثر إذا تتبعه، واقتص الحديث إذا رواه على ما علمه، والقصص بكسر القاف جمع للقصة، وبفتحها هو المصدر، والقاص هو الذي يقرأ القصص والأخبار والمواعظ، وقيل سمي كذلك لأنه يتبع خبرا بعد خبر، ويسوق الكلام سوقا. وقد فشا في هذا العصر نقل الاخبار في وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، وغدت نشرات الأنباء أمرا لازما في القنوات الفضائية والإذاعات، وولع به الأفراد عبر وسائل الاتصال، فغدا من أعظم الوسائط المؤثرة على الرأي العام، ومن أشدها ترويجا للشائعات، وإفسادا للعلاقات. وقد جاء في السنة ما يدل على ذم القص مع الاختلاف الكبير بينه وبين ما هو عليه اليوم، إذ كثيرا ما يذكر القصاص الناس بالله، ويخوفونهم عقابه، ويرغبونهم في ثوابه، وقد كان من القصاص المحدثون، فذمه ليس مطلقا كما سنعلم. اخرج الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية عن خباب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا". قال ابن الجزري رحمه الله في النهاية: "ومنه الحديث: إن بني إسرائيل لما قصوا هلكوا"، وفي رواية "لما هلكوا قصوا"، أي اتكلوا على القول، وتركوا العمل، فكان ذلك سبب هلاكهم، أو بالعكس، لما هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص" . وقال الألباني رحمه الله في الصحيحة: "ومن الممكن أن يقال: إن سبب هلاكهم اهتمام وعاظهم بالقصص والحكايات، دون الفقه والعلم النافع الذي يعرف الناس بدينهم، فيحملهم ذلك على العمل"، قلت: رغبة الناس في الحكايات والقصص غير خافية، لأنه لا كلفة فيها ولا مؤنة، بخلاف الأحكام التكليفية. وروى الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه) عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: مر علي رضي الله عنه بقاص يقص فقال: تعلم الناسخ والمنسوخ؟، قال: لا، قال: هلكت وأهلكت"، لكأن عليا رضي الله عنه بلغه حديث هلاك بني إسرائيل بالقص، أو هداه الله إلى بناء هلاك القاص والمستمع له عليه، لأن الجهل بالأحكام الشرعية طريق إلى الهلاك ... يتبع . •

الخاطرة 207

والقص المحذر منه مقيد بأمور: * أن يغلب على الناس فيؤدي إلى ضعف الاهتمام بالأحكام الشرعية. * وأن لا يتحرى القاص الثابت من الأخبار. * وأن لا يكون فيما يقص منفعة بأخذ العبرة والعظة . * وأن لا يتولاه في الأماكن والوسائل العامة من لم يأذن له الحاكم. ومعظم هذا أو كله غير مراعى عند (القصاصين) المعاصرين . وروى أحمد عن عبد الجبار الخولاني قال: دخل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسجد فإذا كعب يقص فقال: من هذا؟ قالوا: كعب يقص، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لا يقص إلا أمير، أو مأمور، أو مختال"، فبلغ ذلك كعبا، فما رئي يقص بعد"، والظاهر أن المقصود كعب الأحبار . وقال السائب بن يزيد: إنه لم يكن يقص على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أبي بكر، وكان أول من قص تميما الداري، استأذن عمر أن يقص على الناس قائما، فأذن له عمر"، وهو في مسند أحمد رحمه الله. قال في النهاية عن معنى حديث الخولاني: "لا ينبغي ذلك إلا لأمير يعظ الناس ويخبرهم ليعتبروا، أو مأمور بذلك، فيكون حكمه حكم الأمير، ولا يقص تكسبا، أو يكون القاص مختالا يفعل ذلك تكبرا على الناس، أو مرائيا يرائي الناس بقوله وعمله، لا يكون وعظه وكلامه حقيقة. واعتبارها بالنصوص التي فيها الوعيد على كتم العلم بعد السؤال عنه، أو حين تقوم الحاجة إليه، والأمر المطلق بالدعوة إلى الله؛ يتجه القول إن الفتوى التي تهم الشأن العام ويحدث فشوها خللا في الأمة مما هو من موارد الاجتهاد لا يتولاها إلا من خوله الحاكم. فمن أراد اجتناب ضرر هذا الأمر على نفسه وعلى مجتمعه فليجعل نصب عينيه قواعد منها: * ترك ما لا يعني، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فكيف بما يضر من الغيبة والنميمة وإشاعة الفاحشة وإفشاء الأسرار وإفساد العلاقات وغيرها؟. * التثبت في النقل كما قال الله تعالى: " يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُم فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَومَا بِجَهَـٰلَةٍ فَتُصبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلتُم نَـٰدِمِينَ". * الرجوع في أخبار الشأن العام إلى أهل العلم الذين يحسنون التعامل معها، قال تعالى: "وَإِذَا جَاءَهُم أَمرٌ مِّنَ ٱلاَمنِ أَوِ ٱلخَوفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَو رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلاَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَستَنبِطُونَهُ ۥمِنهُم". * أن لا يحدث بكل ما سمع مما يجوز التحديث به، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع"، وقال: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع"، فجعله آثما وكاذبا بمجرد التحديث، وهو يصدق بتحديث الواحد فكيف بتحديث الآلاف وأكثر؟ . 23 ربيع الثاني 1441 •

الخاطرة 208

: الحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار، إنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله ميتنا قايد صالح، وغفر له، تألمنا لموته، وحزنا لفقدانه، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. كم عانى من أجل بلده طيلة هذه الأشهر العشرة، وقبلها بسنوات كانت كالتمهيد للخروج مما كنا فيه، والوصول لهذا الذي بلغناه، وكم تعب في تنقلاته في هذه السنوات الأربعة، وكم جهد وهو يقرأ خطبه بلغة بلده، وكم صبر على الشتائم والسباب والاستنقاص والتهم فتعالى عليها، ومن أبلغ ما أثر في أني سمعته في مجلس خاص يقول عن عمله لبلده: عملت هذا لله في سبيل الله، فجزاه الله تعالى خيرا، وتجاوز عنا وعنه . لكأن انقضاء أجله كان على ميعاد مع بداية الخروج من هذه الأزمة، أحسب أن ربنا عز وجل بحكمته جعله هو وإخوانه في قيادة الجيش سببا في تجنيبنا ما ابتليت به بلدان أخرى، نسألك يا مولانا أن تغفر له وترحمه وتكفر عنه سيآته. •

الخاطرة 249

- مسودة الدستور بفتح السين والواو المفتوحة المشددة من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الناس، ويكثر استعمالها هذا الأيام أصحاب الإعلام، بمناسبة الحديث عن تعديل الدستور؛ كلمة (مسودة). فمعظم الناس ينطقونها بضم الميم والسين الساكنة والواو المفتوحة المخففة، ومعناها -على نطقهم- ليس هو المقصود، فإنها من اسود يسود اسودادا، فهو مسود، إذا كان على اللون المقابل للبياض، كما في قول الله تعالى: "ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة"، وقوله: "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه". والصواب أن تنطق بفتح السين والواو المفتوحة المشددة، من سودت الشيء إذا غيرت بياضه سوادا، والمقصود ما يكتب أول الأمر، ثم يراجع فيصحح وينقح، ليكون في وضعه النهائي، وهو أن يبيض، ويقول أصحاب الحديث "بيض فلان للباب؛ إذا لم يذكر له ترجمة، بل اكتفى بكلمة باب. •

الخاطرة 250

مسودة الدستور: الديباجة لا بد أن أوضح أن مسودة الدستور قد أخرجها الحكام لتناقش، ويبدي الناس فيها آراءهم، ولولا هذا لاسترحنا، وسلمنا من الكلام في السياسة، والذي اسجله على كره لا يتناول إلا مواضع محدودة من هذه المسودة، والسكوت عما لم أذكره ليس قبولا له، وأنا أعلم أن كلامي لا يقدم ولا يؤخر، فقد شاركت في مثل هذه المناقشات قبل خمس وأربعين سنة، في قانون الأسرة، وفيما سمي بالميثاق الوطني وغيرهما، ومن داخل دواليب السلطة، وقد أثمرت تلك الجهود التي قام بها أناس أفضى معظمهم إلى ما قدم تخفيفا من الباطل، واذ أفعل مرة أخرى فإني أستحضر قول الله تعالى: "قَالُواْ مَعذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُم وَلَعَلَّهُم يَتَّقُونَ"، ذاكرا أن المنكر يجب تغييره بما يقدر عليه المسلم في المراتب الثلاثة المعروفة، والدستور اليوم بين أيدي الناس يتكلم عليه كل من أراد. وليعلم أن طريقة المناقشة هذه لا يقرها الشرع إلا في الأمور المسكوت عنها، على أن تكون موضع مشاورة بين الذين يمثلون الأمة وتثق فيهم من الحكام وعلماء الشريعة وغيرهم، أما ما كان مجمعا عليه أو منصوصا في الكتاب أو السنة فلا خيار للمسلم في التزامه. تكلفتُ قراءة تقرير لجنة الخبراء التي تولت تعديل الدستور وكتبتْ ديباجته، فوجدتُ الكلام فيها فجا يابسا لا يعكس نفسية من يعيش همّ أمته، ويهتم بمصالحها، ويتفاعل مع ماضيها الإسلامي المجيد، ومما آلمني أن دين الأمة بعظمته وخاتميّته وعالميته يحشر مع حقبة تاريخية، لا يجمعه بها شيء، فيعطف الداعي إلى التحرر باسم الإسلام، على من يدعو إلى الوثنية بعبادة غير الله في العهد النوميدي، قال الكاتبون: "لقد عرفت الجزائر في أعز اللحظات الحاسمة التي عاشها البحر الأبيض المتوسط كيف تجد في أبنائها منذ العهد النوميدي والفتح الإسلامي حتى الحروب التحريرية من الاستعمار روادا للحرية والوحدة والرقي وبناء دول ديمقراطية مزدهرة."! أيها الناس استيقنوا أن الأمة لا يجمعها إلا الحق، أما الباطل فإنها تزداد به فرقة، فالتلفيق لا يثمر غير التمزيق كما قال الله تعالى: "تَحسَبُهُم جَمِيعًا وَقُلُوبُهُم شَتَّىٰ‌"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم أو ليكونُن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرء بأنفه.. الحديث. ثم أين الديمقراطية فيما قبل استعادة الاستقلال في بلدنا؟ والحال أنها تسمية كفرية جاء بها التوجه الاشتراكي الذي هيمن على البلد من بداية الاستقلال إلى نهاية الثمانينات من القرن الميلادي الماضي، وقد كان نظامنا السياسي تحت نفوذ المعسكر الاشتراكي الذي يقوده الاتحاد السوفياتي، وكان يقال عنه يومئذ: إنه لا رجعة فيه، لكنه اندثر، وبقي منه هذا الأثر، فإطلاق هذا الكلام غير مقبول شرعا، ولا صحيح تاريخا، ولهذا فالتسمية اللائقة ببلدنا أن يقال الجزائر دولة مسلمة، على أن لا يكون مجرد مبتدإ وخبر يصف الواقع، الذي ليس له -إن شاء الله- من دافع. ليلة السادس عشر من رمضان 1441 •

الخاطرة 251

موقع الإسلام من الدستور أول ما تجده في المادة الأولى من الدستور المقترح هو (الجزائر جمهورية ديمقراطية شعبية..)، والجزائر نحبها لأنها بلد الإسلام وهي وطننا، وحب بلاد الإسلام من الدين، وقد قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: "أحد جبل يحبنا ونحبه"، لكننا لسنا ممن يقولون (الجزائر قبل كل شيء)، مع أنهم قد يقدمون عليها كل شيء. ما شعورك إذا قرأت الدستور كله فلم تعثر فيه على ذكر اسم لله، أو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتراه كالبيت الخرب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مثل البيت الذي يذكر فيه الله والذي لا يذكر فيه كمثل الحي والميت"، وقال: "كل خطبة لا تشهد فيها فهي كاليد الجذماء". فهل كان هذا مقصودا ليكون دستورنا في مستوى الدساتير العالمية رفعة وسموا وحيادا وتجردا !؟، استحضر هنا ما جرى عندما ازعجت جملة (بسم الله الرحمن الرحيم) وزيرة (التغبية) السابقة فحذفتها من الكتب المدرسية . قد تعتبر كلامي شكليا فتقول: إن مدون الدستور ليس واعظا وإنما هو مقنن، وشأن التقنين الاختصار، فيقال: لقد أسهب الكاتبون في الكثير من المواضع من غير حاجة، وهل يعقل أن لا تعرض لهم مناسبة في هذه المسودة التي كلفتهم وقتا طويلا تقودهم إلى ذكر الله تعالى، أو نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولو عرضا كما يقول أحدنا من غير قصد: (لا والله) فلا يؤاخذ بالكفارة لأن كلامه من لغو اليمين !! إلى من يوجه هذا الدستور؟، ألسنا نخاطب به أمة مسلمة؟، ولو خاطبنا به غير المسلمين لكان مطلوبا أن نسمي الله، كما سماه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في رسائله إلى ملوك الأرض، فما هذه الوثيقة التي لا أثر لذكر الله فيها في بلد مسلم؟، ألا فاذكروا الله فإنه إذا ذكر أدبر الشيطان وله ...!!، وقد قال عليه الصلاة والسلام عن الدنيا كلها وما فيها: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه". كلمة الإسلام نفسها ذكرت في هذه المواد التي بلغت الأربعين ومائتين مرات قليلة لم أحصها، ومنها المادة الثانية: (الإسلام دين الدولة)، لكن ينبغي أن تعلم أن هذه المادة لا يراد بها إلا وصف الواقع لا انها حاكمة على غيرها، مع انها من مواد السيادة كما يقولون، فأين سيادة الإسلام في مواد هذا الدستور وفي قوانين الدولة برمتها إذا استثنينا قانون الأسرة الذي لا تفتأ الغارات تشن عليه بالتعديلات المتوالية لتفرغه من محتواه؟. المادة الثانية مجرد وصف لواقع لم تصنعه الدساتير بل وجد قبل أربعة عشر قرنا، فلا مناص لمن يكتب الدستور من إثباته كما تثبت سائر الدساتير الواقع في دولها، لكنها تقننه، أما نحن فنثبته وصفا للواقع، من باب (مكره أخاك لا بطل)، فإذا لم يكن المقصود من هذه المادة التلبيس الذي بينته، كما هو في معظم دساتير الدول الإسلامة، ولا قدوة في الشر؛ فينبغي أن يضاف إليها جملة أو مادة أخرى: شريعة الإسلام هي المرجع في قوانين الدولة ونظمها . في كل الدساتير التي عرفتها بلادنا قيل إن (الجزائر (ديمقراطية) فهل كنا بذلك مجرد واصفين كما هو شأننا في المادة الثانية؟، لا والله، لقد سخرت الوسائل كلها لتجعل هذه الديقراطية واقعا حسب مفهومها عند من حكموا البلاد على ما جلبته من شر له، وقلنا هي (شعبية) فهل كنا مجرد واصفين أم اجتهدوا كي تكون كذلك في ظنهم؟، لكن لما قلنا إن (دين الدولة الإسلام) أثبتنا الواقع ومضينا -قصدا أو جهلا- في عزله عن الحياة العامة في مسار مطرد والله يراد له أن يننتهي إلى أن يكون علاقة مشوهة بين العبد وربه، كيف وقد صارت مساجده وهي خير البقاع في الأرض داخلة مع غيرها في مصطلح (دور العبادة)، دون تمييز كما تراه في المادة 51. فإن قلت: كيف يقال هذا ومساجدنا ولله الحمد قد بلغ عددها أكثر من خمسة عشر ألفا؟، فالجواب أن هذا من أجل نعم الله علينا، فمساجدنا هي الرياض التي نرتع فيها، ونرتاح في جنباتها من صخب الحياة الناكبة عن الحق، وكثير منها في بلدنا ثغور للإسلام حصينة، لكن لا تنس أن دينك أنزله الله ليقود لا ليقاد، فلا فائدة أن تزين بذكره الكتب والمجالس، وقد كان قائدا في أول عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وما في جزيرة العرب غير ثلاثة مساجد هي الحرمان ومسجد جواثا في البحرين.. 18 من شهر رمضان 1441 .

الخاطرة 252

للحكم جانبان: شكل ومضمون، ترك الشرع الأول غالبا للناس يختارون منه ما يناسبهم، ويحقق مصالحهم، وقد تختلف بحسب الزمان والمكان والأحوال، وأما الثاني فقد بينه الشرع أصولا وفروعا بلا هوادة، ودستور البلاد لا يصلح إلا إذا نص صراحة في المادة الثانية منه على ما يجعلها حاكمة كما قلت من قبل، ورصدت لها مع ذلك الكفاءات العلمية والسياسية لوضعها موضع التطبيق بالتدريج، وما هو بعزيز على الله، ولا بمستنكر على الجزائر إن شاء الله . يدخل في القسم الصوري طريقة انتقال السلطة، وترتيبات ممارستها، وتدرج المسؤوليات، وصلاحيات أصحابها، ومددها، وما إلى ذلك، فهذا متروك للناس يختارون منه ما يلائمهم، وهو معظم ما في هذه المسودة. ومنه ما تراه في دول العالم من النظام الرئاسي، والبرلماني، والمزيج منهما، والملكي المطلق، والدستوري، والصوري، فشكل الحكم ليس هو الذي يحقق مصالح الناس دائما، وإن كانت صورة النظام الرئاسي الشوري هي التي عرفت في عهد الخلافة الراشدة، وهي خير الأنواع، متى توفرت شروطها، وأبرزها أهل الشورى، ومجالها . وإذا أردت أن تقف على هذه المرونة التي قررها الشرع في صورة الحكم فتأمل كيف أن اشتراك الناس كلهم في بيعة الحاكم لما كان متعذرا؛ كان يكتفى ببيعة الحاضرين منهم، أو أولي الأمر، أو من نسميهم أهل الحل والعقد، ثم يتبعهم غيرهم، فلما تطورت وسائل النقل والاتصال صار إشراك الجميع ميسرا في هذا العصر، لكن ينبغي أن يكون هذا الإشراك محل تقويم ونظر، لأن المراد تحقيق مصلحة الأمة، لا أنه أمر شكلي من أشكال الديمقراطية الزائفة كما هو الشأن عندنا وعند كثير من بلدان المسلمين. طالع ما عرفته الخلافة الراشدة مدة ثلاثين سنة -وهي خلافة النبوة - من أضرب انتقال الحكم أربع مرات: من بيعة عامة لأبي بكر، إلى عهد منه بالخلافة لعمر، إلى جعل الخلافة في الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راض، فآل الأمر إلى أن ينتخب عثمان، بل اختاره واحد من الستة!!، رضي الله عن الصحابة أجمعين، ثم بايعه الناس، ثم كانت بيعة علي، فهي في الجملة ثلاثة أضرب، بيعة عامة بحسب الإمكان يومئذ، ثم عهد، ثم بيعة أولي الأمر، وكان نظام الحكم رئاسيا، إلا أنه كان شوريا بامتياز فيما لا نص فيه، ولم يكن للخلفاء جماعات ولا أحزاب تقف إلى جانبهم وتنتصر لهم، وهو من البدع التي أحدثها الحكام في هذا العصر، فجمعوا بين منزلتي الحَكَم والخصم في رعاياهم . ومما يشير إلى فرد من هذا الجانب الصوري الذي قد يتسامح فيه الشرع لتحقيق المقصد من الحُكم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل حبشي كأن رأسه زبيبة"، قال هذا مع أن الأحاديث قد تواترت بإسناد الخلافة إلى قريش، لكن هذه المرونه فيمن يحكم؛ قيدت بما يكون به الحكم، وهو كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا جاء في الحديث أيضا: "إن أمر عليكم عبد حبشي مجدع الأطراف فاسمعوا له وأطيعوا ما قادكم بكتاب الله"، وهذا يتضمن العلم به، إذ من أين لمن جهل كتاب الله أن يقود به؟. ندغدغ عواطف الناس من أول انتخابات بلدية جرت في ستينات القرن الميلادي الفارط بشعار (المجالس الشعبية) في مستوياتها البلدية والولائية والوطنية، وشعار (من الشعب وللشعب)، الذي وشحنا به واجهات بنايات البلديات، وشعار (باسم الشعب) الذي تصدر به الأحكام القضائية، وشعار الدولة (الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية)، وقد فقد هذا الوصف معناه عند الناس، وما عاد قادرا على ربطهم بحكامهم كما يظن، على أن إطلاقه ليس صحيحا في نفسه. ما المانع أن نعيد النظر في طريقة التمثيل هذه بما يجعلها صحيحة ونافعة، وهي مطبقة عندنا في بعض المجالس من حيث الشكل، فنخرج من هذا التيه الذي نصر عليه، لكن ما الحيلة وقد استمرت مواد الدستور كما كانت، فلم يستفد كاتبوه من تجارب خمسين سنة. في المادة 7 (الشعب مصدر كل سلطة)!!، وفي المادة 8 (لرئيس الجمهورية أن يرجع إلى إرادة الشعب مباشرة)، وفي المادة 11 (الشعب حر في اختيار ممثيله)!! وفي المادة 56 (لكل مواطن تتوفر فيه الشروط القانونية أن ينتخب وأن ينتخب)!!، هكذا، فلا علم يشترط، ولا صلاح، ولا أمانة، ولا كفاءة، وقد اشتملت المادة 91 التي تحدد شروط الترشح لرئاسة الجمهورية على 10 بنود، ليس فيها شرط العلم بالشرع، وهو أمر من شروط الحاكم المسلم باتفاق، ولا الكفاءة، ولا الاستقامة، فإذا كان هذا هو الشأن في شروط الرئيس فكيف بمن دونه؟. لقد غطى وصف المواطنة كل عيب، وشفع لصاحبه في كل نقص، فجنت براقش على نفسها، فكيف إذا تدخل المال والتزوير والنفوذ والقبيلة وغيرها كما هو الواقع؟ وللحديث بقية. ليلة 20 من شهر رمضان 1441. •

الخاطرة 253

- س: هب أن المادة الثانية من الدستور أريد لها أن يعمل بها، وتكون حاكمة على غيرها، فماذا نفعل؟ - ج: هذا القصد وحده يحصل به الأجر، فليعزم الحكام والمحكومون عليه، فقد قال نبينا صلى ال لله عليه وآله وسلم: "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة"، والحسنات متفاوتة تفاوتا عظيما، وهذه من أعظمها، والبداية أن نصنع كما صنعنا في امور احدثنا لها مجالس لوضعها موضع التطبيق . - س: أليس ذلك عسيرا يحتاج إلى وقت طويل؟. - ج: نبدأ كما بدأنا غيرها مما لا يدانيها، كان يبدو بعيدا، ثم صارت قريبا سهلا، ولا سهل إلا ما سهله الله تعالى . - س: علماء الشريعة غير قادرين على النهوض بهذا الأمر الجلل وحدهم . - ج: ليسوا وحدهم من يتولى هذا الأمر، بل هم من جملة من يشارك فيه من أصحاب التخصصات المختلفة التي تحفظ مصالح الأمة . - س: ما وجه مشاركة هؤلاء في شأن ديني، وهم غير متخصصين في الشريعة ؟ . - ج: المشاركون هم الذين يتولون شؤون الأمة في كل القطاعات، ممن حازوا ثقتها، وعرفوا بالكفاءة في تخصصاتهم، وبالحرص على مصالحها . - س: هل تقصد بهذا أن مهمة هذا المجلس لا تقتصر على المسائل الشرعية؟ !! . - ج: ليس الأمر كذلك، إن من الدين ما اتفق المسلمون كلهم عليه، ومنه ما بينه الله في كتابه، ومنه ما في سنة نبيه، ومنه ما يقاس على ما فيها، ومنه ما سكت الشرع عنه رحمة من الله بعباده، لأنه مما يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال، فهذا هو الذي يكون مجالا يتدارسه مجلس الشورى، ويقرر فيه ما يراه، فيصير لازم الطاعة، وهو الغالب على شؤون الحكم . - س: قكيف تصير آراء الناس لازمة الطاعة؟. - ج: هو مسكوت عنه في الدين، فما قرره فيه أهل الاختصاص مما رأوه مصلحة كان من الدين، لأن الدين يحفظ على الخلق مصالحهم بما فيه من أحكام، وهو ما لا خيار فيه للناس، وبما تركه لهم من أمور دنياهم، التي هم أعلم بها، لأنها متطورة متغيرة ... يتبع . ليلة 21 من شهر رمضان 1441 •

الخاطرة 254

س: كلمة (الأمر) في القرآن تأتي مسندة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تارة، وإلى المؤمنين أخرى، فما الفرق بينهما؟ ج: ذلك ليبن لنا ربنا ما وسع علينا فيه، فيختار أولو الأمر منا ما يناسب مصالحنا، وما لا خيار لنا فيه مما شرعه من العقائد والعبادات والمعاملات، فهذا لا بد لكل مسلم أن يلتزمه، فكيف بمن خير الناس في فعله وتركه، فضلا عمن ألزمهم المخالفة، وحملهم عليه كما هو شأن دساتير بلاد المسلمين وقوانينها، ولهذا يذكر في القرآن والسنة هذان القسمان، ويراد بأحدهما ما لا يراد بالآخر. فمن الأول ما مدح الله تعالى به جماعة المسلمين في قوله: "وَأَمرُهُم شُورَىٰ بَينَهُم"، فنسب الأمر إليهم كما ترى، لأنه مما وكل إليهم . ومنه ما أوجبه الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في أعقاب غزوة أحد، وهو مشاورة أصحابه، فإنه لا يشاورهم فيما فيه وحي، وقد فعل ذلك قبل الغزوة، وترك ما كان يراه من التحصن في المدينة إلى ما رآه أكثر أصحابه، وهو الخروج منها لمواجهة عدوهم، ثم جاء الأمر بعدها بالمشاورة إمعانا في تثبيت هذا المبدإ في نظام الحكم الإسلامي، وحتى لا يكون الذي حصل في الغزوة من الانتكاسة حائلا دون استمرار ممارسة الشورى، فلهذا قال: "فَٱعفُ عَنهُم وَٱستَغفِر لَهُم وَشَاوِرهُم فِى ٱلاَمرِ". ويدخل في هذا ما جعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس في تأبير النخل فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وهو لا يريد به شؤون الدنيا كلها قطعا . أما ما لا يدخل في المتروك للناس فثلاثة أقسام: * ما أضافه الله تعالى إلى ذاته العلية . * وما أضافه إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم . * وما أضافه الرسول إلى نفسه، فهذه الثلاثة لازمة الاتباع. فالأول كقوله تعالى: "أَلَا لَهُ ٱلخَلقُ وَٱلاَمرُ‌"، وقوله: "وَمَا كَانَ لِمُومِنٍ وَلَا مُومِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم" . والثاني كقوله: "فَليَحذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَن أَمرِهِ أَن تُصِيبَهُم فِتنَةٌ أَو يُصِيبَهُم عَذَابٌ اَلِيمٌ". والثالث كالذي في الحديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، ولفظه الآخر: "من عمل عملا ليس عليه عمرنا فهو رد". س: هل السلطة المسماة تشريعية لها أولوية على السلطتين التنفيذية والقضائية في إصلاح الدستور ؟ . ج: ينبغي التنبه إلى أنه لا يجوز أن يقال عن أي مجلس او هيئة إنه سلطة التشريعية، فإن اعتقاد هذا يتنافى تماما مع ما ينبغي أن يعتقده المسلم من أن الحكم لله وحده، وقد تبين هذا مما سبق بوضوح، حتى ولو اقتصرت مهمة هذا المجلس على ما يمارسه أهل الشورى الشرعية، لما في إطلاق هذه الكلمة من الإسهام والشبهة . أما الجواب فإن كل إصلاح لما في الدستور لا يتناول إصلاح نظام هذه السلطة من جهات ثلاثة وهي: * بيان كيف يصل إليها من هم أهل لها. * تحديد مهامها، فلا تتجاوز ما هو مشروع لها التداول فيه. * إبعادها عن أن تكون نهبا للتحزب الذي يجعلها لعبة في أيدي الكتل النيابية وأصحاب النفوذ المالي والسياسي . فكل إصلاح غير هذا فإنه أمر جزئي محدود الأهمية، لا يرقى إلى المعالجة الحقة، لأن أكبر المعاصي فيما اشتملت عليه الدساتير؛ هو الذي يناقض عقيدة المسلم بإسناد التشريع إلى غير الله ورسوله، فهو مقدم على كل ما سواه. أما السلطتان الأخريان فإنهما تتبعان هذه، فينبغي أن تتقيدا بما يصدر عنها، فإن الاجتهاد في القضاء اليوم -مع أنه ليس اجتهادا شرعيا في معظم الدول- يكاد يكون منعدما، وبعض رؤساء دول المسلمين لا يكادون يتجاوزون فيما يعرفون من دينهم المعلوم منه بالضرورة، فأين هم من الاجتهاد الذي عده العلماء من شروط توليهم الحكم؟ ثم وقع التسامح فيه حتى بلغ ما ترى، فينبغي من أجل هذا أن تقيد صلاحياتهم بما يصدر عن مجلس الشورى، ولا يستقلوا بالأوامر إلا فيما لا يرجع إلى اختصاصه . 23 من شهر رمضان 1441

الخاطرة 255

س: ما هو الفرق الأساس بين ما في دساتير الدول اليوم، وبين شريعة الإسلام؟ ج: الفرق الجوهري هو المواد التي تحوم حول مصدر سن القوانين، فإن الدين إما أن يكون لله كما قال الله تعالى: "وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‌"، أو يكون لغيره، وقد جمع الله لعباده بين أمرين، لا يصح الأول منهما إلا باجتناب الثاني، لكن هذه الدساتير تنحو منحى وسطا أحيانا، فتقترب من هذا الامر، أو تبتعد عنه بحسب حال كل بلد! ومن هذا القبيل مقولة (الشعب مصدر كل سلطة) و(السيادة الوطنية ملك للشعب وحده)، و(يمارس الشعب سلطته عن طريق ممثليه)، كما في المادة 7و 8 من المسودة. والهدف البعيد هو التخلص من البقية الباقية من الأحكام الشرعية بالتدريج، باعتماد التغطية بمهارة ومكر ممن يتولون الصياغة، ويقلدون الغرب الذي غلبت عليهم ثقافته وقيمه، وأحسن أحوالهم أن يكونوا جاهلين غير معذورين، وممثلو الشعب المتحدث عنهم لا يخفى حالهم، وطريقة اختيارهم . أما في شريعة الإسلام فمبدأ ممارسة الأمة سلطتها مرعي مكفول عن طريق ممثليها الشرعيين الذين ذكرهم الله في قوله: "وَأُوْلِى ٱلاَمرِ مِنكُم"، وهم أهل الحل والعقد، وهذا القول قد يؤخذ من كلام ابن جرير الطبري، وهو قول النيسابوري والرازي ومحمد رشيد رضا وغيرهم رحمهم الله، فهم أهل الشورى في غير المنصوص من الكتاب والسنة، لا الممثلون الذين لا يدرون ما يفعلون، بل ولا ما يفعل بهم !! . س: في دساتير اليوم: لا بد أن ينوب عن الأمة من يمثلها في وضع القوانين التي تحكمها، فماذا يقال ؟ ج: هذه العبارة وإن لم ترد في المسودة، فإن الواقع يشهد أنها ممارسة في تقنين بعض المحرمات القطعية كالربا والخمر، واستبدال بعض الأحكام الوضعية بالشرعية في الكثير من المجالات عندنا. فمن مهام المجلس الشعبي الوطني في المادة 144 في الفقرة1: قانون الأحوال الشخصية - الزواج- الطلاق - التركات، تحت غطاء (القواعد العامة)، وهي كلمة يفسرها كل بما يراه، وإنما اقتصرت على هذه لأن قانون الأسرة هو بقية أحكام الله في بلدنا بعد العبادات. مع هذا فشريعة الإسلام تقر مبدأ تمثيل الأمة بقيود لا تعترف بها هذه الدساتير، بل تسغني عنها بوصف المواطنة، مع التشدد في قيود أخرى شكلية، أو لا يقرها الشرع لقاعدة (ولا تزر وزارة وزر أخرى)، فمن الشكلية كون جنسية المترشح وجنسية زوجته جزائرية اصلا، وشروط أخرى لا يوجد ما ينافيها في الناس إلا نادرا، كما تراه في المادة 91، فقد مر على الزمن الذي يمكن أن يكون فيه المترشح للرئاسة ضد الثورة الجهادية نحو ستين سنة. فمهما كان الوصف مخلا بوظيفة النيابة مفوتا لجدواها فلا اعتراض عليه إذا كان القانون لا يعتبره كذلك، ولهذا ينوب عن الأمة من لا قدرة له على إدارة شؤون بيته، أو هو ممن ينبغي أن يحجر عليهم لسفهه، وهذا الخلل لا تجده في الدول التي قلدوها في وضع هذه الدساتير لأن الهيئة المنتخبة عندهم تعرف من (يصلح) ممن لا يصلح لتحقيق مصالحها كما تراها هي، والواقع شاهد، فلا الشرع اتبعوا، ولا المصالح المزعومة حققوا. س: يحصل التمثيل في هذه الدساتير بالانتخاب المباشر تارة والسلمي المتدرج تارة أخرى، فهل في هذا محذور شرعي؟ ج: هذا من صور الاختيار، موجود في انتخاب مجلس الأمة، والشرع لم يلزمنا بصورة معينة، فنختار المناسب لحالنا، وحالنا لا يلائمه الانتخاب المباشر لأسباب يطول ذكرها. س: تنص الدساتير على أن هؤلاء الممثلين إذا اتفقوا على شيء لزم الحكومة تنفيذه، ولزم الأمة طاعته، فهل فيه مخالغة شرعية؟ ج: هذا في شريعتنا لا مانع منه بشرط أن يكون المتداول فيه من القوانين غير منصوص . س: وما العمل إذا لم يتفق ممثلو الأمة على شيء؟. ج: الدساتير المعاصرة تقول إن الممثلين إذا اختلفوا لزم العمل برأي الأكثر إما مطلقا، وإما بقيد الثلثين أو غير ذلك، وبهذا يصبح القانون خاضعا لمصالح الأحزاب والكتل البرلمانية، وكثرة العدد في الشرع ليست دليلا على الحق دائما، وإن كان الغالب أن يكون الحق مع العدد الكثير إذا كان مؤهلا كما تراه في أقوال جمهور العلماء . فالمطلوب في هذه الحال اللجوء إلى تحكيم طرف ثالث، فيلزم إحداث هيئة شرعية مختصة تبت في الأمور التي يحصل فيها التنازع، وهو ما يدعى اليوم بـ(المحكمة الدستورية)، المقترح استبدالها ب (المجلس الدستوري) في المسودة، والعبرة بالمسمى لا بمجرد الاسم، فسمها أنت أيضا متفائلا (هيئة التحكيم العليا). س: هل من دليل على مشروعية إنشاء هذه الهيئة ؟ ج: يستند في إحداث هذه الهيئة إلى قول الله تعالى: "فَإِن تَنَـٰزَعتُم فِى شَىءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ"، فإن التنازع كما يقع بين اثنين؛ يقع بين جماعتين، والمختلفان إما أن يصلح بينهما ومنه اقتتال الطائفتين المسلمتين، وإما أن يحكم بينهما، وليس الذي نحن فيه مجال صلح. •

الخاطرة 256

ما أردت بهذا الذي كتبته عن مسودة الدستور أن أقترح تعديلا لبعض مواده قلت أو كثرت، لأني أرى أن تعديل هذه المادة أو تلك لا عبرة به، الأساس إذا أقيم على شفا جرف هار؛ لا جدوى من النظر في مادة بنيانه، وأكبر من هذا أن الاشتغال باقتراح التعديل كالقبول بالأصل، والرضا بالباطل الأكبر الذي لا علاج له إلا التخلي عنه، لكونه معصية كبرى لله ولرسوله، ثم لما فيه من الإضرار البالغ بمصلحة الأمة العاجلة والآجلة، ولا يجوز أن يغطى على هذه الحقائق المرة بانتهاج لغة الدبلوماسيين التي لا ترضي ولا تغضب، وتمسك العصا من وسطها . الدستور مقام على منطلقات الديمقراطية المهجنة الكاذبة المخالفة لأصل الشرع، أشرت إلى بعضها فيما سبق، وكان الأمل أن تصحح بعض مواده اعتمادا على التفاؤل الذي حصل بعد الانتخابات الرئاسية. الكثير من الذين يحبون لبلدهم الخير ويجتهدون في دفع السوء عنه كانوا قد(يقنعون) إذا رأوا تحسنا في بعض المواد بوضعها موضع التطبيق، لا رضا بما فيه، بل إن حالهم مع التغيير الذي كانوا ينتظرون كالسجين الذي يأمل أن يحسن حاله، لا أن يطلق سراحه، لكنهم فوجئوا بسوء أكبر من ذي قبل، فكانوا كمن نقل من زنزانة إلى أخرى أنكى. والذي أريد أن أشير إليه هنا هو عوار هذه السياسة المتبعة في العمل والممارسة، وفي سن القوانين وكتابة الدساتير، ووضع أنظمة التسيير. إنها سياسة الترضية: ترضية الفئات، والاتجاهات الفكرية، والطبقات، ومجموعات الموظفين بحسب الجدوى، والمنظمات العالمية، والجهات الإقليمية، والغرض الذي يختلف باختلافها؛ هو تسكين الأوجاع، وطرد الصداع، وكسب الأنصار، والتخفيف من المعارضات، وشراء السلم، وجلب الدعم، وهذه الأمور لا تستقيم معها قيادة الدول. هي سياسة ضارة بالأمة، اختلفت صورها في العهد الاشتراكي عنها في العهد الذي وليه، لكنها مستمرة، وخلفت آثارا مرة على تربية الفرد، بل إنها أعظم روافد الفساد الذي يقال إنه يحارب اليوم، والذي يحارب هو ثمرته لا بذرته . هم هذه الجهات المسترضاة الكسب بأنواعه، والحصول على الامتيازات، والخصوصيات، والاستثناءات، والجد في التمكين لقوى خارجية، مهما أرضي بعضها جدد المطالب وطورها، وبعضها يحسب ما أعطي ثمرة نضاله وكد يمينه، فيقول هل مزيد، والاستجابة حاضرة دائما على حساب أصول الأمة وثوابتها، أو مالها وثرواتها، وسأشير في آخر منشور أكتبه عن هذه المسودة المسودة إلى أمثلة من هذه السياسة، والله الهادي. ليلة 28 من شهر رمضان 1441 •

الخاطرة 257

تابع ...، إن الأمثلة كثيرة على سياسة الترضية التي دأب عليها من ساسوا البلد، ولا أريد أن أطيل عمر هذا الذي أكتبه عن المسودة، فأكتفي بالإشارة إلى بعض ما جاء فيها: المادة 4: (تمازيغت هي كذلك لغة وطنية رسمية). (تعمل الدولة لترقيتها وتطويرها بكل تنوعاتها اللسانية المستعملة عبر التراب الوطني). حرب على العربية التي هي اللغة الرسمية منذ استعادة الاستقلال، بضرة غير معروفة الوجود الكامل، تختلف لهجاتها من جهة لأخرى، فبأي اللهجات يؤخذ؟ وماذا لو قال أصحاب هذه (التنوعات) كما سموها من التوارق والقبائل والشاوية وغيرهم: نريد الإبقاء على لهجتنا، وأن تكون هي الغالبة؟ ثم بأي اللغات تكتب؟ وبأيها تنطق؟ لكأننا انتهينا من ترقية اللغة العربية وجعلها بالفعل اللغة الرسمية، والحال أن قانون تعميمها وإلزام المسؤولين التحدث بها معطل منذ ما يقرب من الثلاثين سنة، إذا استثنينا أسلاك الجيش والدرك والشرطة والحماية المدنية والجمارك والأحكام القضائية والجريدة الرسمية . وكونها هي اللغة الرسمية ليس منة على قومية أو عرق في هذا البلد؛ فيقابل بمنة أخرى على قومية أو عرق، إنها لغة الإسلام، لغة القرآن الكريم ولغة خاتم المرسلين. لا خيار لمن كان مسلما أن يعرف العربية ليعرف ما لا بد له من دينه، فمعرفة القدر الذي يتمكن به من هذه المعرفة واجب عيني، عربيا كان أو أعجميا، قال الشافعي رحمه الله في كتابه المسمى بالرسالة: "فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح، والتشهد، وغير ذلك، وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته، وأنزل به آخر كتبه كان خيرا له". أما غير المسلمين فما نسبتهم إلى المسلمين في هذا البلد حتى يبحث لهم عن لغة يجمع شتاتها من لهجات كثيرة؟ وهل اللغة تصنع؟ هم قلة، فليستعملوا لهجتهم إن شاءوا في محيطهم، وعليهم أن يتعلموا لغة بلدهم لأن القانون يلزمهم بذلك، وليتمكنوا من التعامل بها مع غيرهم ممن ارتبطت بهم مصالحهم، هذا هو الذي تقتضيه ديمقراطيهم، أما إن كانت الجزائر اتحادا من جملة دول، فهذا معمول به في الدول الاتحادية تكون للدولة لغتها. - المادة 16 (يمكن القانون أن يخص بعض البلديات بنظام خاص)، هكذا بإطلاق، وتفسير النظام سيوكل إلى القانونيين، فيفسر بضرب من اللامركزية، أو يطور فيكون حكما ذاتيا، والباعث على هذه المادة العجز عن المعالجة الصحيحة، وهو باب خطير إن فتح، سيشتد التنافس بين جهات البلد في الحصول على هذه الميزة، وتظهر مرجعيات عقدية وفقهية، بذورها موجودة، بل ممارسة، وقد تتصدر الجهات الصحراوية المشهد بسبب الثروة، ويتسع الخرق، ولا يستطاع الرتق، وتقسيم الولايات الإداري قد حصل فيه ما هو معروف، فكيف بشهية (الاستقلال) الذي تفتح بابها هذه المادة؟، وقد قال أحد زعماء الثورة قبل مدة إن أصلح وضع للمنطقة (الفلانية) أن تكون مثل كتالونيا بإسبانيا، فهل حان الأوان؟ المادة 59 (ترقية الحقوق السياسية للمرأة بتوسيع حظوظ تمثيلها)، ما الحاجة إلى هذه المادة والحال أن المرأة قد فرض لها ثلث المناصب في المجالس المنتخبة بقوة القانون مهما كان عدد الأصوات التي تحصل عليها النساء؟ سينال البلد الريادة في حرية المرأة المزعومة، ولتثمر بعد معصية الله ورسوله من تفكك الأسر بالطلاق والخلع والعنف وارتفاع نسبة العنوسة ما لا يخفى على البصير. المادة 71 (تعمل الدولة على ترقية التناصف بين الرجال والنساء في سوق التشغيل)، هكذا بإطلاق من غير فرق بين امرأة متزوجة وغيرها، وبين من ينفق عليها وغيرها، وبين وظيفة تصلح للمرأة أو لا تصلح، فتزداد البطالة بين الرجال الذين يعولون غيرهم، وهو مبدأ مخالف للنظرة الاقتصادية السليمة. وقد ذكرتني هذه المادة بكلام أحد رؤساء المجلس الإسلامي الأعلى وقد سئل عن قول الله تعالى: "لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ ٱلاُنثَيَينِ"، فقال ما له صلة بها نسبا وصهرا "النص صريح، لكنه مربوط بأوضاع اجتماعية، فالقرآن يشرع لأوضاع اجتماعية ولا يشرع في الفضاء..، يمكن للمجتمعات الإسلامية ذات يوم حين تصبح النساء قوامات على الرجال أن يعملن، والرجل في بعض الأحيان يلعب (الدومينو)، وإذا حدثت المساواة في العمل بين المرأة والرجل يمكن أن ننظر إلى الإرث نظرة جديدة، ولكن مطابقة لروح الشريعة الإسلامية"!! (جريدة الخبر 1/8//11/1999)، فهذه هي الحداثة في رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى قبل أزيد من عشرين عاما. اللهم اغفر لي هذا اللغو واللغط الذي اضطررت إليه، وصل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك . 29 رمضان 1441 غفر الله للشيخ وجزاه خيرا.. لكني أرى أن أولى من الشيخ بالاستغفار الذين اعتزلوا الحياة بالدعوى المشهورة "من السياسة ترك السياسة".. وهذه القضايا إن غاب عنها العلماء رتع فيها الجهال بجهلهم.. وما أحسن قول الشيخ البشير رحمه الله: "وجمعية العلماء ترى أنَّ العالِم الديني إذا لَم يكن عالِمًا بالسياسة، ولا عاملاً بها، فليس بعالِم، وإذا تَخلَّى العالِم الديني عن السياسة، فمَن يُصرِّفها ويُديرها" [ آثار الإبراهيمي 4/ 170].

الخاطرة 258

الأمر البارز التي ترسخ عندي عن وباء كورونا من حيث ظهوره وانتشاره وعدد الإصابات والوفيات؛ هو ارتباطه بأمرين هما الكفر ويلحق به الابتداع، والثاني درجة التحضر، وإن كان الحال قد أخذ في التغير بالعدوى، وتراخي الدول التي تباطأ انتشار الداء فيها في اتخاذ الإجراءات الوقائية الكافية، بعد مرور ما يقارب ثلاثة أشهر . تقف على هذا إذا استعرضت أسماء الدول التي أمعن فيها هذا الوباء تقتيلا وإصابة، وهي الصين وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا وروسيا وإيران، وقد انتقلت البؤرة اليوم إلى بعض دول أمريكا اللاتينية كالبرازيل والمكسيك . والدول المذكورة تتوفر على كفاءات طبية عالية، وقدرة تنظيمية ومالية كبيرتين، وإمكانات عظيمة في إنتاج أجهزة الوقاية، ووسائل العلاج، وسكانها أكثر انضباطا، فما أغنى ذلك عنها لأن مقتضي انتشار الوباء كان أقوى من المانع، وليس قصدي امتداح أضداد ما ذكرته عنها في الطب والتجهيز ونحوهما . ولست أريد بالابتداع ما يرجع إلى الأفراد، أو الجماعات المحدودة، بل ما يقوم عليه نظام الدولة نفسها، ولا نظير لدولة إيران في هذا، وأردت بالكفر النظام والأفراد معا، وإن كانت أنظمة كثير من دول المسلمين علمانية، لكن العلمنة وإن غلبت على القوانين فإنها لم تقدر على طمس معالم الإسلام في الفرد والمجتمع ظاهرا وباطنا . فمرد هذه الحماية الربانية إلى ما عليه الأفراد من طاعة الله تعالى، على تفاوت كبير فيها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس: "احفظ الله يحفظك"، ومن الأدعية المأثورة: "اللهم احفظني بالإسلام قائما واحفظني بالإسلام قاعدا واحفظني بالإسلام راقدا"، والحفظ المدعو به عام، وفي دول المسلمين كثير ممن حفظ الله وحافظ على دينه ما استطاع، فيحفظ الله عليه جسمه بطاعته، ويكون لعمله تأثير في حفظ محيطه . وعن ابن عباس في قوله تعالى عن الغلامين: "وكان أبوهما صالحا"، قال: حفظا بصلاح أبيهما، وما ذكر منهما صلاح" . ومن أسباب حفظ الله للمسلم ما شرعه له من الشرائع ما ظهرت مناسبته للذي أتحدث عنه، وما لم تظهر، كغسل اليدين والمضمضة والاستنشاق والاستنثار والاغتسال والاستياك والتطيب وأكل الحلال والزواج المشروع، والعبادات على اختلاف صورها، مع أنه شرع أيضا الحجر بعدم القدوم على أرض الوباء، وعدم الخروج منها، واجتناب الشخص المصاب بالوباء . وقد يعارض هذا بالطواعين التي ظهرت في بلاد الإسلام ومات بسببها الآلاف من خيرة المسلمين ومنهم الصحابة، والجواب أن الشيء الواحد قد يكون حصوله وعدم حصوله آية بحسب الزمان، وليس وقت ظهور سلطان الإسلام بحكمه كوقت ضعف سلطانه، ولا الوباء الذي يعم الأرض كالذي يصيب دولة أو منطقة وقد كان ظهور الكرامات فيما بعد القرون المفضلة أكثر منه فيها، وكما هو الشأن في حماية الكعبة من أصحاب الفيل وهدمها في آخر الزمان على ذي السويقتين، وكل آية . وأرجئ الكلام على السبب الثاني وهو درجة التحضر إلى الخاطرة المقبلة ليلة .. •

الخاطرة 259

الحلقة السابقة كانت عن النطاق الجغرافي الذي امتد فيه الوباء، وربطته بعاملين أحدهما الكفر والابتداع، وهذا أوان الكلام على الثاني، وهو درجة التحضر التي تقارن العامل المذكور غالبا، وأثرها في انتشار الوباء لا يخفى، عكس ما كان متوقعا، فإن معظم الناس كانوا ينتظرون أعدادا كبيرة من الموتى في الدول التي تدعى متخلفة أو نامية، فحصل خلاف المتوقع . إن هذه الحضارة كما دمرت فكر الإنسان ونفسه، فسلبته فطرته، وكرامته التي فضله الله بها، فقد خطت خطوات واسعة في تدمير حصانة جسمه بما غيرت من محيطه البيئي، ونوع أكله وشربه ولباسه، وكثير من مفردات حياته، فابتعد عن البساطة واليسر إلى التعقيد والعسر، ومع أن هذا الأمر ألحق ضررا بالغا بالناس فإن صوت المتفطنين له ما يزال خافتا ممثلا فيمن يسمون حماة البيئة، مع محدودية نظرتهم إلى الحماية التي ينادون بها، إذ يقصرونها على المحافظة على الأنواع، والتحذير من تلوث الهواء، ويتجاهلون الغذاء . وعنايتنا نحن المسلمين بصحة جسومنا مما يكمل مقصد سلامة قلوبنا، ويجعل لزكاة النفس التي هي أصل ديننا امتدادا عمليا في الحياة بالقدرة على إصلاحها، والتأثير الإيجابي فيها، وعمارة الكون، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز ... الحديث، والقوة المقصودة قوة الإيمان وما يخدم الإيمان من أنواعها الأخرى، وحسن التغذية من جملة أسباب ذلك، وقد جاء ذكره إلى جانب إحسان التعليم في الحديث الصحيح . ومن الخطإ الذي عليه معظم الناس ربط صحة الأجسام بالتفنن في المآكل والمشارب والملابس وسائر المتع، مع أن معظم المأكولات والمشروبات اليوم مركبة أو معدلة أو محفوظة أو مجمدة، وقد تجمع أكثر من وصف، وهذا من أعظم أسباب ضعف مناعة الأجسام، بل إنها من أسباب الأمراض كما هو مجرب معروف . ومن أخطر ما يجلب الأمراض التهجين في النباتات، وتعديل جينات الحبوب، وقد سرت الصنعة إلى كثير مما يظن أنه طبيعي من اللحوم والخضر والفواكه بالمواد الحافظة والتعليب، وسحب الهواء، وتوقيت الاستهلاك، وترتب على ذلك الاعتماد على الأدوية المركبة، ومضاعفاتها على الصحة لا تخفى، وكثيرا ما يكتشف ضررها فيعوض بها غيرها لأن مبنى الأدوية عند الأطباء على الحدس والتجربة، فتختلف باختلاف حال المريض وسنه وبيئته وطريقة عيشه، ومدة التداوي بها، هذا إذا أحسنا الظن، وإلا فثمة قرائن توحي بأن الهدف هو الجري وراء تحقيق الأرباح على حساب صحة الناس، والتضارب الذي يحصل اليوم بين المختصين في نجاعة الأدوية لهذا الوباء من هذا القبيل . الغذاء المركب والدواء المركب والحياة المعقدة حلقات بعضها آخذ برقاب بعض، فاجتهد أيها المسلم في التفلت منها، أو من بعضها، والكثير منها من الكماليات التي لا تقوم بها بنية، بل هي هادمة لها، وأنت قادر إن عزمت، وقد مرت بك فريضة الصيام وهي فرصة سانحة لتهذيب سلوكك، واكتساب محاسن العادات، والإقلاع عن الضار منها . إن أبرز ما تحقق به شيئا من هذا هو أن تستغني عن فضول الطعام، وقد كنت أقول وما زلت لولا أن الخبز وحده يكفي غذاء للإنسان ما جعله الشرع فدية ولا كفارة ولا زكاة فطر، ولا كان مغنيا للفقراء عن السؤال يوم العيد، ولا عليك من مقدار السعيرات الحرارية في الأطعمة التي ولع الناس بذكرها، كيف؟، وقد كان يمضي الشهر والشهران وما يوقد في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم نار، وكثيرا ما كان طعام أهله التمر والماء، ودعا ربه أن يجعل عيش آله قوتا . أعلم أن هذه درجة لا يلقاها معظم الناس، لكن الذين هم عليها اليوم يعتبرون في أدنى سلم المعيشة، وقد كانت عيش خير الناس، فمن لم يراجع سلوكه الغذائي زهدا في الدنيا فليفعل ذلك للحفاظ على صحته . تدرج في اجتناب الطعام الذي لا تعده في بيتك، ولا تستثقلن هذا ولا ترينه بعيدا، فإنه قريب مع العزم والتصميم، ولا بأس أن أضرب أمثلة فلا تقلقن لذكرها. هل السكر في القهوة أو في الشاي أمر لا بد منه للجسم؟، أم هو إلى الضرر أقرب منه إلى النفع؟ . وإذا أصررت على المذاق الحلو وتوفرت لك تمرة واحدة فإنها أنفع لك، فاشرب بها الشاي أو القهوة مع كل شربة جزء منها . وهل لا بد من شاي أو قهوة؟ إن كان لا بد لك من واحد منهما، فاختر ما تعلم أنه على طبيعته من غير خلط محتمل بغيره. وما الفائدة لجسمك في المشروبات الغازية التي لا تخلو موائد كثير من الناس منها؟ وأقل خطورة منها العصائر مع أن الأطباء ينصحون باجتنابها؟. وما حاجتك إلى الخل في صحن الخس والطماطم والخيار وغيرها ومذاقها بدونه ألذ، هذا إذا لم تكن شبهة في حله، ومثل ذلك كثير من التوابل. ولم هذه الخميرة المشكوك في حلها مع أن صنعها في الدار ممكن: دقيق لين مع شيء من اللبن إلى ماء ساخن يترك بعض الوقت. كثير منا لا يعجز عن توفير شيء من زيت الحبة السوداء، فما ذا لو وضع كل يوم قطرة واحدة منها في شرابه، مع صدق يقينه فيما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الحبة السوداء فيها شفاء من كل داء إلا الموت"، وحسبي هذا أمثلة يقاس عليها غيرها لمن أراد أن يغير سلوكه الغذائي . قال ابن القيم رحمه الله: وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء؛ لا يعدل عنه إلى الدواء، ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل عنه إلى المركب، وكل داء قدر على دفعه بالأغذية والحمية؛ لم يحاول دفعه بالأدوية . ليلة • الولايات التي رفع عنها الحجر ابتداء من يوم 8 شوال؛ هي مناطق جاذبة، فإن لم تؤخذ الإجراءات الاحترازية على حدودها فسترتفع نسبة الإصابات فيها بعامل الانتقال للأسواق والأعمال الحرة وغيرها، ولاسيما تلك التي تجاورها ولايات عدة. بن حنفية العابدين •

الخاطرة 260

لم أجد ما يعبر عن وضعنا نحن المسلمين خصوصا والناس عموما مع هذا الوباء الذي اشتغلنا بالحديث عنه عما ينبغي أن يعظم اهتمامنا به من الاتعاظ والاعتبار، لم أجد أفضل مما قال ابن القيم عليه رحمه الله تعالى متخلصا إليه من كلامه على الصرع الذي يسارع الناس إلى البحث عن علاجه، ويغفلون عن صرع آخر قل الناجون منه قال: وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا . ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الأرواح الخبيثة، وهي في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت، ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها، وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة، فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة، وبالله المستعان . وعلاج هذا الصرع اقتران العقل الصحيح، إلى الإيمان بما جاءت به الرسل، وأن تكون الجنة والنار نصب عينيه وقبلة قلبه، ويستحضر أهل الدنيا، وحلول المثلات والآفات بهم، ووقوعها خلال ديارهم كمواقع القطر، وهم صرعى لا يفيقون، وما أشد داء هذا الصرع!!، ولكن لما عمت البلية به بحيث لا يرى إلا مصروعا؛ لم يصر مستغربا ولا مستنكرا، بل صار لكثرة المصروعين عين المستنكر المستغرب خلافه !!. فإذا أراد الله بعبد خيرا أفاق من هذه الصرعة، ونظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم، فمنهم من أطبق به الجنون، ومنهم من يفيق أحيانا قليلة، ويعود إلى جنونه!!، ومنهم من يفيق مرة ويجن أخرى!!، فإذا أفاق؛ عمل عمل أهل الإفاقة والعقل، ثم يعاود الصرع فيقع في التخبط . •

الخاطرة 261

استحضر وأنت تسمع ما يجري في أمريكا ما أكرم الله به العالمين، من تعاليم هذا الدين، في جميع الميادين، فأعرض عنه أكثرهم، وهدى الله إليه بعضهم، ثم تفاوتوا في التزام هديه، فكان بعضهم فتنة للكفار فازدادوا افتتانا بما هم عليه . قال الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الناس ولد آدم، وآدم من تراب" . وقال: "إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم" . وقال: "لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه"، وقد حمل جمهور العلماء الأخوة هنا على غير أخوة الإسلام، بل قال بعض المالكية: يخطب على خطبة الفاسق المسلم، ولا يخطب على خطبة اليهودي والنصراني، لأن الشرع قررهما على دينهما، ولم يقرر المسلم الفاسق على فسقه !! . وقال تعالى: "اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم" إلى قوله "والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" . وقال: "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن" . وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" . وقال المعرور بن سويد: "لقيت أبا ذر وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك فقال: " إني ساببت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أعيرته بأمه؟!، إنك امرؤ فيك جاهلية!!، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم"، وهو أول حديث حفظته بعد حديث عمر رضي الله عنه في معالم الإسلام الثلاثة . وقال لبنته فاطمة رضي الله عنها: "يافاطمة بنت محمد اعملي لا أغني عنك من الله شيئا". وقال أيضا: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". وقال: "السمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة". وقال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" . وقال عن أعظم وصف بعد الإسلام حين استعمل في غير وجهه: "دعوها فإنها منتنة"، هذا صنع الإسلام بنا، أما الذي نجتهد في صنعه بأنفسنا فهو توثيق الفرقة، وترسيخ ثقافة العرق بالتقنين . المظاهرات التي تجتاح الولايات المتحدة الأمريكية بسبب مقتل أحد السود وما صاحبها من النهب والسلب للشركات والمحلات المشهورة تؤكد أمورا عدة . منها أن المساواة في دول الغرب - وهم يتباهون بها في نظمهم وقوانينهم - لا قدرة لها على محو الإحساس بالترفع والاستعلاء الذي استقر في النفوس بسبب اللون أو العرق، وهذا لا يختص بأمريكا، هو موجود في فرنسا، وفي ألمانيا، ومارسته بريطانيا في جنوب أفريقيا، وفرنسا في الجزائر، وهو من أسباب قيام حربين عالميتين، وانقرض بسببه الهنود الحمر في أمريكا أو كادوا، واستخدم الأفارقة السود في بناء هذه الدولة، وظلوا مع ذلك في الدرجة الثانية في مخيال البيض الذين غلبوا على أمرهم، ويعرب هذا الشعور عن نفسه، فيظهر للعلن أحيانا، فيقوى رد الفعل أو يضعف؛ بحسب قوة الفعل . إن هذا الإحساس لم تقتلعه من نفوس اليهود نصوص التوراة، فقد قالوا عن معاملتهم للعرب: "ليس علينا في الأميين سبيل"، وقال كفار قريش في اعتراضهم على رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: "لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" !!، مع أن الجميع عرب !! . هم يحاولون التغطية على هذه العنصرية بوصول بعض السود إلى الرئاسة أو ما دونها ليحققوا مصالح النفوذ في بعض جهات العالم كإفريقيا، حصل هذا ب رئاسة أوباما ووزارة كونزوليدا رايس وغيرهما، وهل ينسي الجدل الذي ساد عن كون أوباما مسلما؟، ومع هذا فهو اليوم وأسرته من بين المحتجين، بل إن السود يتهمون ترامب نفسه بالعنصرية، وهو يعتبر ما يجري إرهابا، ويهدد بإنزال العسكر لقمعه . ومما أفصحت عنه هذه المظاهرات وما جرى فيها من التدمير والنهب للمتاجر والمحلات الراقية الحنق الذي يضمره الفقراء للأثرياء، فعملية التحضر صورية شكلية لم تصل بهؤلاء إلى ما يزعم من تهذيب النفس واحترام حقوق الغير . ومما يثير الاستغراب أن الدول غربا وشرقا لم تنبس ببنت شفة عن هذا الذي يجري، كأنها تتضامن فيما بينها بتبادل السكوت في عملية (سلفني ونسلفك)، على أن الدول الغربية مع غير معارفها ومحيطها الثقافي والحضاري؛ ترصد الصغيرة والكبيرة، وتوعز إلى منظمات حقوق الإنسان وغيرها لاستصدار الإدانات والقرارات، وقد تتدخل بالحروب والغارات، مهما يكن فالنظم الغربية وإن أحكمت دولها فتل حبال أنظمتها واتسقت لهم الحياة في الظاهر؛ فإن سنن الله لا تتخلف، إنها نذر، وما تغني النذر؟. • سيكتشف الفريقان المتقاتلان في ليبيا بعد فوات الأوان أنهما قد استخدما - بالتناوب - لقتل بعضهم بعضا وتخريب بلاد المسلمين، المظلوم منهما والظالم سواء في الاستخدام، وما سوريا وغيرها منهما ببعيد، فاللهم أعنهم على تجاوز محنتهم بالانتصار على أهوائهم .بن حنفية العابدين •

الخاطرة 262

(1) دل على مشروعية صوم ستة أيام من شوال قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال؛ كان كصيام الدهر" . رواه مسلم، وهو عند أحمد وأصحاب السنن الثلاثة والنسائي في الكبرى والدارمي وابن أبي شيبة والبزار عن أبي أيوب رضي الله عنه . وفي رواية لأحمد تفسير المقصود من صوم الدهر: "من صام رمضان وستا من شوال فقد صام السنة". وفي قوله (وستا من شوال) إطلاق، فيحمل على الإتباع في رواية مسلم وغيره . وروى ابن ماجه وغيره من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من صام ستة أيام بعد الفطر؛ كان تمام السنة: "مَن جَاءَ بِٱلحَسَنَةِ فَلَهُ ۥ عَشرُ أَمثَالِهَا" . فقوله (بعد الفطر)، وقوله (وستا من شوال) مطلق؛ فيحمل على المقيد وهو شيآن: شوال، والإتباع في حديث أبي أيوب . وقوله (كان تمام السنة) تفسير لقوله (كصوم الدهر)، وإن كان صوم الدهر يحتمل ثلاثة أمور: أحدها: أن المراد به السنة، دل عليه ما سبق وما رواه النسائي في الكبرى عن ثوبان: "صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام من شوال بشهرين، فذلك صيام سنة"، لكن هذا اللفظ يوشك أن يكون الراوي قد أورده بالمعنى إذا كان المخرج واحدا، ومعنى السنة هو المقصود من النهي عن صوم الدهر، فإنه يتحقق بها وبأكثر منها . وفي الحديث حجة على أن ذكر شيئ في التشبيه الممدوح لا يعارض به النهي عنه، وهو هنا النهي عن صوم الدهر، ومثله ذكره في سياق الذم على وجه التشبيه، فلا يعارض به الإذن فيه، فإن لم يوجدا فلينظر . والثاني أن المراد بالدهر عمر الصائم، ووجهه التعريف الذي في الدهر، فيكون الحديث بهذا المعنى لو استقام مثبتا لمضاعفة زائدة على القاعدة المعروفة في مضاعفة الحسنات، فيرد به اعتراض من اعترض على تقييد الصوم بشوال بعموم تلك القاعدة، فإنها عامة في الأوقات، عمومها في الأعمال، وإن كان جزاء الصوم مستثنى لقول الله تعالى في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" . قال المناوي في شرحه المسمى (فيض القدير): لكن استبعده بعض آخر قائلا: "المراد الأبد، لأن الدهر المعرف بالألف واللام للعمر . والاحتمال الثالث في صوم الدهر هو عمر الدنيا، فيكون قد خرج مخرج التشبيه للمبالغة، وهذا أبعدها، لكن ليس في فضل الله استبعاد، وقد تبين أن أرجح الاحتمالات هو الأول لأنه مفسر بما في حديث ثوبان . وفي الحديث شرطان لتحصيل الفضل هما: صوم رمضان، وست من شوال، فمن لم يكمل صوم رمضان لأن عليه قضاء لا يحصل له الفضل المذكور، ومثله كفارة من أفطر متعمدا، ولا يلزم من هذا أن يكون صوم من عليه قضاء غير مشروع، لأن وقت القضاء موسع إلى ما قبل رمضان كما دل عليه فعل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في تأخيرها القضاء إلى شعبان، وهو مما يمتنع خفاؤه عن النبي صلى اله عليه وآله وسلم، فيكون تقريرا، ومعه قول بعض الصحابة بالفدية لمن أخر القضاء حتى أدركه رمضان . أما قيد صومها في شوال؛ فلا بد من اعتباره، إذ لا يصح أن يطلق ما قيده الشرع، ولا أن يقيد ما أطلقه، ولأن صوم هذه الستة هو كالراتبة بعد الفريضة، والأصل أن تتصل بها، والشارع وقتها بشوال كله، عدا يوم العيد المحرم صومه بالإجماع . ولا مانع أن تخصص قاعدة الحسنة بعشر أمثالها بهذا الحديث لما قد يكون في ذلك من الحكمة وهي ان يتعود بها المسلم على صوم التطوع، فيسهل عليه في بقية الشهور، وستذكر حكمة أخرى بعد، وذكر بعضهم وجها آخر له هو سهولة الصوم على المكلف في شوال لكونه قد اعتاده، وقيل بعكسه، وهو صعوبته فيعظم الأجر بعظم المشقة !!، والذي ذكرته أولى لأنه (منتج) وما ذكروه شبيه بالتعليل القاصر . وقد اختلف في مدلول قوله "وأتبعه ستا من شوال"، والظاهر أن الفضل يحصل لمن صامها في أي أجزاء الشهر، لأنه زمان التبعيض الذي أفاده حرف الجر (من)، لكن المبادرة أولى لعمومات القرآن والسنة، منها قول الله تعالى: "وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٍ مِّن رَّبِّڪُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٲتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ"، وقال عليه الصلاة والسلام: "التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة"، وقد يقال بتأخير صومها لمقتض آخر، أو لسد الذريعة التي أشار إليها أبو بكر بن العربي وسيأتي قوله في الجزء الثاني ... يتبع . •

الخاطرة 262

(2) قال في العارضة ملخصا معتمد المالكية في قولهم بكراهة صوم الستة في شوال : "ومن لم يفهم الشريعة لم يفهم هذا الحديث، وصلة الصوم بأيام شوال؛ مكروهة جدا، لأن الناس قد صاروا يقولون "شيع رمضان"، وكما لا يتقدم له؛ لا يشيع، ومن صام رمضان، وستة أيام من أيام الفطر؛ كتب له صوم الدهر قطعا بالقرآن (مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُ ۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَا‌ۖ )، شهر بعشر، وستة أيام بشهرين، فهذا صوم الدهر، كان من شوال أو من غيره، وربما كان من غيره أفضل، ومن وسطه أفضل من أوله، وهذا بين، وهو أحوى للشريعة، وأذهب للبدعة، وقال: ولو علمت من يصومها أول الشهر، وملكت الأمر لأدبته، وشردت به، لأن أهل الكتاب وغيرهم بمثل هذه الفعلة وأمثالها غيروا دينهم وأبدوا رهبانيتهم". بعض ما قاله من كلام مالك رحمه الله في الموطإ، وهو الكراهة، وخشية البدعة، وإلحاق الجهال صوم الستة برمضان، وظاهر كلامه أنه علم بالحديث وثبت عنده، خلافا لما قاله المازري رحمه الله، وإلا لم يعلل ما قاله بخشية افتراضه، بل دل كلامه على مشروعية صومه غير متصل بالفطر، وقد كثر الاختلاف في توجيهه، فقيل لم يبلغه الحديث، وقيل هو ضعيف عنده، وقيل رواته ليسوا مدنيين، وقيل عمل أهل المدينة على خلافه، وقيل وقيل !!. وخلاصة ما اعتمدوه فيما ذهبوا اليه ثلاثة أمور: 1- الطعن في سند الحديث، لأن أحد رواته وهو سعد بن سعيد مختلف فيه، ضعفه أحمد بن حنبل، وقال النسائي ليس بالقوي، وفي التقريب: "صدوق سيء الحفظ"، وجوابه أنه جاء مقرونا بصفوان بن سليم في سنن أبي داود وهو ثقة، ومر بك حديث ثوبان عند ابن ماجه وهو شاهد له . 2 - اعتبار متنه مما يقال بالرأي، قاله الزرقاني، فيقوى القول بوقفه كما نقل عن سفيان بن عيينة، لأن التضعيف لما كان مقطوعة به؛ فلا وجه لتقييده بشوال، والصواب أن هذا تمسك بالعموم وهو (مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُ ۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَا‌ۖ ) وأين الرأي من ذكر شوال؟ . 3 - سد الذريعة إلى اعتقاد وجوبه، والسبيل إلى ذلك هو التعليم لا كراهة ما احبه الشرع ورغب فيه . أما قول ابن العربي: "صلة الصوم بأيام شوال؛ مكروهة جدا"، فهو ما قاله خليل: "وكره البيض كستة من شوال"، قلت: المسارعة أولى للظواهر القرآنية والحديثية . ونقل عن مطرف ان مالكا إنما كره صيام ستة أيام من شوال لذي الجهل، لا من رغب في صيامها لما جاء فيها من الفضل، وهذا مما لا سبيل إلى إقامته، كيف يكون الحكم الواحد مكروها مستحبا؟، وفي التوضيح: ولم يأخذ مطرف وغيره بكراهة مالك وتعليله . أما تعليله الكراهة بما شاع من قولهم (شيع رمضان)، فقاسه رحمه الله على النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، وهو قياس في مقابل النص، فوإن الشارع منع هذا، وندب إلى هذا، لكن ما قاله حق، وقد تجدد عندنا في هذه السنوات يقولون: فلان عيد أم لا؟، ولهذا يعلم الناس بأن الأصل في التطوع الإخفاء . احتجاجه بأن مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لا تختص بشوال، فصومها في غيره كصومها فيه، بل خيرا منه للعلة التي ذكرها . قلت: لا مانع من تخصيص تلك القاعدة بالحديث لحكمة رام الشارع تحقيقها بقيد شوال، وإلا لقال (ثم صام ستة أيام من السنة)، كيف لا؟، وقد رغب في صوم الإثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر وعاشوراء ويوم عرفة وشعبان وفي الأشهر الحرم، والمضاعفة تتحقق بهذا، فلم لم يكتف بها؟، فظهر أنه لا بد من خصوصية للصوم في شوال عرفت أو جهلت، فإن كلام الشارع لا يصح أن يهدر شيء منه، بل من الحكمة أن يحصل الصائم على أجر صوم سنة فرضا، وإلا فلا فائدة في ذكر رمضان، ومنها التعود على الصوم كما مر . قوله: "وهو أحوى للشريعة"؛ يعني الجمع بين ادلتها، ومراعاة مقاصدها، قلت: ما سلكه ليس جمعا، لانه إلغاء لبعضها بعدم اعتبار القيد، أما المقصد فقد تبين . قوله: "وأذهب للبدعة"، أي المنع من اعتقاد وجوبها، والطريق هو بث العلم ببيان السنن ومنزلتها والحض عليها، لا بتركها، وإلا لترك كثير منها، وقد قال خليل رحمه الله عن توجيه القول بترك القبض في الفرض: "وهل كراهته في الفرض للاعتماد أو خيفة اعتقاد وجوبه أو إظهار خشوع؟؛ تأويلات، وهي علل معتلة . قوله: "ولو علمت من يصومها أول الشهر، وملكت الأمر لأدبته، وشردت به"؛ وهذا من غيرته على الشرع، وقد تأثر في بث علمه بممارسته القضاء الذي فيه الإلزام، وما كل غيرة تحمد آثارها، وقد قال عمن يجعل الطلاق الثلاث واحدة: إنه ما ذبح طيرا ولو وجد من يقول ذلك لذبحه !! . أحكام الله المختلف فيها اختلافا معتبرا ولاسيما العبادات ينبغي أن تترك ليعمل كل فيها بعلمه إن كان عالما، أو بقول من يستفتيه، ولا سلطان للحاكم فيها، إلا فيما يرجع للشأن العام، ومنه الأحكام القضائية التي يرفع حكمه الخلاف فيها بقيده، وهذا الذي قلته هو ما رمى إليه مالك بإبائه تعميم موطئه وقال قولته المشهورة التي يرددها الناس، لكنهم لا يقيمونها في واقعهم . •

الخاطرة 263

كتبت أسطرا في صوم الستة أيام من شوال قبل هذه، فخرجت عن معتادي من ترك الكتابة في المسائل التي عرف الاختلاف فيها، إذا لم يكن ثم ما يضاف إلى ما قيل وهو الغالب، بحيث لا يتجاوز الكاتب تقرير الخلاف، وإيراد الأدلة، واحتمالاتها، وذكر المعارضات، وجلب أقوال العلماء، وربما ضاع الحق في غمرة ما يكتب، أو رفع الرأي فوق الدليل، وقد يقسط أو يطفف في عرض أدلة المختلفين، وينتصر لهذا القول أو ذاك، ومن السهل في هذا الزمان الحصول على ذلك كله ونسخه . هو جهد كبير يصرفه بعض العلماء وطلاب العلم جزاهم الله خيرا، لكن جدواه ليست كفاء لنصبهم وثمين وقتهم، وما كتابتهم في إخراج الطعام أو القيمة في زكاة الفطر خلال شهر رمضان ببعيدة عنا، وإذا كان العلم ليس بكثرة الرواية، وغالبها في ماضينا الزاهر حفظ الصدور، فكيف بما نحن فيه من تصوير السطور؟، فقلت البحوث الأصيلة، وغلبت الهجينة، بالنسخ والإلصاق اللذين لا يبقيان لشخصية الكاتب أثرا . لكن كثيرا من طلاب العلم وإن لم تنقصهم القدرة بأنواعها على تلك الكتابات؛ فقد صرفوا - بتوفيق الله تعالى - إلى ما هو أنفع للناس، فعكفوا على المدارسة في حلق العلم، وسعوا في تقريب المعارف الشرعية في وسائل الاتصال، مع قلة كلام، وحسن عرض، ولم يغفلوا مع ذلك عن رصد افتراءات الضالين، والرد على المبطلين من الملحدين والعلمانيين والحداثيين، والعناية بحال أمتهم يشاركونها همومها وأفراحها بما استطاعوا، واقتحموا ابوابا أخرى من أعمال البر، من النفع المعجل، وقد يكون من واجب الوقت . هذا المنحى هو الذي آثره علماء جمعية العلماء، وفي مقدمتهم الشيخان عبد الحميد بن باديس ومحمد بن البشير الإبراهيمي، رحمهما الله، فهم وإن قلت تآليفهم، فقد عم نفعهم بالتربية والتعليم وإقامة المساجد والمدارس والنوادي والجرائد، فكانت حصونا تترست بها الأمة، وحافظت بها على مقوماتها إلى أن أذن الله بالفرج، وبعض ما نحن عليه من الخير من آثار دعوتهم . كتاباتنا في الكثير من مسائل العلم جهد ضائع، أو ترف فكري، أو إنتاج منتج، قد يكون جميل الصورة، مرتب الأفكار، محرر الخلاف، كثير العناوين، مرصوف الهوامش، دقيق الإحالات على المراجع، وكلها أمور مطلوبة إذا وقعت موقعها الذي يراعى فيه آداب التأليف ومقاصده . بعض ما نكتب جدير أن يصدق عليه هذا الذي قاله سفيان بن عيينة رحمه الله، وقد أكثر عليه طلاب الحديث وألحوا، فالتفت إليهم وقال: "ما أرى الذي تطلبون من الخير!!، ولو كان من الخير لنقص كما ينقص الخير"!!، رواه ابن عبد البر في الجامع، دفعه إلى هذا الضجر، وقد يكون دافعه قلة العمل الذي لأجله يبتغى العلم، ومهما يكن فشتان ما بين المقول فيه وهو الحديث الذي كثرته خير بلا شك، وما نحن فيه في الكثير مما نكتب . ما المصلحة المتوخاة من كتيب اختار مؤلفه أن يكون في ورقات قلائل، يمثل مرحلة من مراحل الطلب، ليسهل حفظه والانتفاع به، فيجعله محققه أو المعلق عليه أو شارحه ومخرج أحاديثه وآثاره؛ ساحة يفرغ فيها ما أمكنه الوصول إليه، فيخرجه بذلك عما توخاه واضعه؟، روى ابن عبد البر عن محمد بن علي الكناني قال: خرجت حديثا واحدا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مائتي طريق، أو من نحو مائتي طريق، قال: فداخلني من ذلك من الفرح غير قليل، وأعجبت بذلك، قال: فرأيت يحيى بن معين في المنام فقلت له: يا أبا زكريا، خرجت حديثا واحدا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مائتي طريق، قال: فسكت عني ساعة، ثم قال: "أخشى أن يدخل هذا تحت "أَلۡهَٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ" . لست مبالغا إذا قلت إننا قد سبقنا زماننا بما كتبنا وقعدنا وأصلنا، وهي وربي منقبة لو كان العلم قائدا إلى العمل، ولا عيب فيه إلا أنه يسير في خط يزداد بعده عن الحياة العامة التي ما جاء الدين إلا لإصلاحها، فتقدمنا في الكتابة، وتأخرنا في العمل . ورقة عمل واحدة تعرض فيها طريقا من طرق التمكين للشرع في أي شيء، أو تجيب فيه عن نازلة احتيج إلى معرفة حكم الله فيها، أجدى من هذا الكم الذي نخرجه من الكتب، لا فرق بين ما ندونه من تلقاء أنفسنا، وقد نحتسبه زلفى عند الله، وبين رسائل التخرج من جامعاتنا . إذا كان عذر الطلاب في الجامعات قائما في البحوث التي يكتبونها لنيل الشهادة، وكثيرا ما يعسر عليهم الحصول على عنوان لم يسبقوا إليه؛ فما عذر المشرفين والأساتذة وهم الطليعة التي تعقد عليها آمال التوجيه والترشيد والتقويم؟. ذكر السيوطي في مقدمة كتابه (شرح عقود الجمان في المعاني والبيان) عن بدر الدين الزركشي في قواعده عن بعض المشايخ أنه كان يقول: "العلوم ثلاثة: علم نضج وما احترق، وهو علم النحو والأصول، وعلم لا نضج ولا احترق، وهو علم البيان والتفسير، وعلم نضج واحترق، وهو علم الفقه والحديث"، هذا بحسب الغالب في وقته، و قد قيل: كم ترك الأول للآخر . 264؟ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، والحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار. وبعد: فإن هذا الذي صدر عن رئيس لجنة كتابة مسودة الدستور بتصريحه؛ لم يكن منتظرا في الجزائر الجديدة كما قالوا، فقد خيب به آمال الأمة، وكشف به عما لم يكن في الحسبان، مما يضمره ويكيده الذين يبتغون العنت والفتنة، صرف الله شرهم عن أمتنا ووقاها كيدهم. لهذا اضطررت إلى الكلام مجددا على هذه المسودة، وعلى تصريحات رئيس واضعيها إبراء للذمة، غير موارب ولا مداهن باللجوء إلى أساليب السياسيين، وعبارات الديبلوماسيين، مما هو من المداهنة المحرمة، قال الله تعالى: "وَدُّواْ لَو تُدهِنُ فَيُدهِنُونَ"، وهذه هي الأمور التي أذكر بها نفسي وغيري: 1 - لا بد أن تنص مسودة الدستور على وضع المادة الثانية وغيرها مما له بها صلة موضع التطبيق، بحيث تكون حاكمة على غيرها:"ٍ‌إِنِ ٱلحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ‌ أَمَرَ أَلَّا تَعبُدُواْ إِلَّا إِيَّاهُ‌ ذَٲلِكَ ٱلدِّينُ ٱلقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعلَمُونَ" . 2 - كل تعديل لا ينص على هذا الأمر لا ينبغي أن يفرح به لانه يتضمن إقرارا لأعظم الباطل: "أَفَحُكمَ ٱلجَـٰهِلِيَّةِ يَبغُونَ‌ وَمَن أَحسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكمًا لِّقَومٍ يُوقِنُونَ" 3 - الحاكمية لله وحده فيما فيه شرع، ومناطق العفو في الشريعة يرجع فيها لأهل الحل والعقد، وهي غالب شؤون الحكم: "يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلاَمرِ مِنكُم فَإِن تَنَـٰزَعتُم فِى شَىءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱليَومِ ٱلاَخِرِ ذَٲلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأوِيلاً" 4 - كل وثيقة لا تقر بالحاكمية للشرع يحرم على المسلم أن يشارك في كتابتها أو مناقشتها، فإن الأمر العقدي لا هوادة فيه. 5 - على المسلم أن ينكر المنكر بالطريق المشروع ويتبرأ منه. 6 - تصريح رئيس لجنة إعداد المسودة خرج به عن واجب التحفظ كما يسميه أهل السياسة، فيلزم عزله بناء على أعرافهم في التعامل. 7 - هل وصل صاحب التصريح إلى طريق مسدود فرام بما قال نيل منصب في المنظمات العالمية تقديرا لجهوده في طمس هوية الجزائريين المسلمين عبر التعديلات التي تولاها أكثر من مرة؟. 8 - وقد يريد بتصريحه السعي في الحد من الخسائر التي ستلحق فريقه العلماني ومن وراءهم لما رآه من الاعتراضات على مسودته؟. 9 - لقد أظهر بتصريحه أن الأمر يرجع البت فيه إليه وإلى فريقه، بل ذكر أنه قد فصل فيه إلا مواد استثناها، إذ حصر المناقشة في توزيع السلطات التي جرى الاختلاف فيها داخل فريقه المتآمر على البلاد. 10 - صرح بأن التعديلات الدستورية تتدرج نحو إلغاء مواد الهوية، لأن الدساتير -حسب قوله- ينبغي أن تكون للمواطنين، لا للمؤمنين!! فأي فائدة إذن من الدعوة إلى ما يسمى بالإثراء والمناقشة؟. 11 - لعرابة يدعو الناس إلى الفتنة، فقد ذكر أكثر من مرة أن التعديلات التي أدخلتها لجنته اعتمدت فيها على المطالب الاجتماعية؟! فهل هي دعوة إلى الاحتجاج كي تصبح المطالب إجتماعية فيراعيها واضعو الدستور؟. 12 - ما نسبة المطالبين بما أدخلته لجنته من تغييرات إلى نسبة مطالب الأمة كلها التي يتجاهلونها؟. أسأل الله تعالى أن يعفو عنا، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وأن يصرف عن بلدنا كيد الكائدين، ومكر الماكرين، قال الله تعالى: "وَلَا يَحِيقُ ٱلمَكرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهلِهِ". بن حنفية العابدين -معسكر ليلة 18 شوال 1441 = 9 جوان 2020 •

الخاطرة 264

. كل امرئ بما كسب رهين قال الله تعالى لنوح عليه الصلاة والسلام في شأن ابنه: قالَ يَـٰنُوحُ إِنَّهُ ۥ لَيسَ مِن أَهلِكَ‌ إِنَّهُ ۥ عَمَلٌ غَيرُ صَـٰلِحٍ‌ فَلَا تَسـَٔلنِ مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلمٌ‌ إِنِّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلجَـٰهِلِينَ" وقال عن والد إبراهيم عليه الصلاة والسلام: "وَمَا كَانَ ٱستِغفَارُ إِبرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ ۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنهُ‌ إِنَّ إِبرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ" . وقال عن امرأة فرعون: "وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمرَأَتَ فِرعَونَ إِذ قَالَت رَبِّ ٱبنِ لِى عِندَكَ بَيتًا فِى ٱلجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرعَونَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلقَومِ ٱلظَّـٰلِمِينَ". وقال عن امرأتي نوح ولوط عليهما الصلاة والسلام: "ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمرَأَتَ نُوحٍ وَٱمرَأَتَ لُوطٍ‌ كانَتَا تَحتَ عَبدَينِ مِنۡ عِبَادِنَا صَـٰلِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَم يُغنِيَا عَنهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيـًٔا وَقِيلَ ٱدخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ". وقال لعباده المؤمنين: "لَن تَنفَعَكُم أَرحَامُكُم وَلَا أَولَـٰدُكُم يَومَ ٱلقِيَـٰمَةِ يَفصِلُ بَينَكُم وَٱللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِير". وقال: "وَأَمَّا ٱلۡغُلَـٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُومِنَينِ فَخَشِينَا أَن يُرهِقَهُمَا طُغيَـٰنًا وَكفرًا". وقال: "أَم لَم يُنَبَّأ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبرَاهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَىٰ وَأَن لَّيسَ لِلاِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ". وقال: "وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتهُم ذُرِّيَّتُهم بِإِيمَـٰنٍ أَلحَقنَا بِهم ذُرِّيَّتَهم وَمَا أَلَتنَـٰهُم مِّن عَمَلِهِم مِّن شَىءٍ‌ كُلُّ ٱمرِىِٕ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ". فالحمد لله رب العالمين ليلة Elhabib Econome هذه الخاطرة ربما تلمح لما راج مؤخرا عن مسوّدة تعديل الدستور فيما يخص الهوية (ابن شهيد، عضو جمعية العلماء المسلمين) والله أعلم.

الخاطرة 265

فتشت عن المانع لنا من التدرج في فتح المساجد كما جرينا عليه في الإدارات والشركات والأسواق والمهن ووسائل النقل وغيرها؛ فلم أجد ما أتمسك به لترتاح أنفسنا من الشعور بالتقصير، فكيف إذا كنا مطالبين بالحرص على فتحها أعظم من حرصنا على غيرها مهما كانت الدوافع؟ ومنها الأضرار الاقتصادية والخدمية وحاجة الناس إلى تحصيل أرزاقهم التي كانت وراء رفع الحجر بالتدريج. المساجد في عرف الاقتصاديين مصنفة ضمن القطاع الثالث، وهو قطاع الخدمات غير المنتج عندهم، لولعهم بالإحصاء والأرقام ولع الناس في هذا الزمان بإحصاء المصابين والمتوفين والمتعافين من هذا الوباء، غافلين عن أعظم العبر والعظات التي يتفطن لها المتوسمون. والإحصاء عندنا مطلوب، لكنه قد يكون سببا في رفع البركة إذا تعلق القلب به مع غفلته عن ربه الذي قال: "وَإِن مِّن شَىءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُۤ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعلُومٍ"، روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما في رفي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير!! فأكلت منه حتى طال علي، فكلته ففني! وفي الحديث الآخر: "لا توعي فيوعي الله عليك" . نعم إن الرزق يكتسب كما قال شوقي رحمه الله: من خير الأمثال فيما أحسب ** الرزق لا يعطى ولكن يكسب لكن أهل الإيمان موقنون بأن الفضل لله وحده، وأنه هو الرزاق، وأن البركة بيده، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، وأن إقامة الصلاة مجلبة للرزق وللبركة فيه: "وَأمُر أَهلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصطَبِر عَلَيهَا‌ لَا نَسـَٔلُكَ رِزقًا نَّحنُ نَرزُقُكَ وَٱلعَـٰقِبَةُ لِلتَّقوَىٰ". والمسلم يجمع بين طلب الرزق في سوقه، والصلاة لربه مع إخوانه في بيته، فيخف بذلك ضرر شر البقاع، بالفرار إلى خير البقاع، كما قال سبحانه: "فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا ٱسمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلغُدُوِّ وَٱلاَصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلهِيهِم تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيعٌ عَن ذِكرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَاءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَومًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلقُلُوبُ وَٱلاَبصَـٰرُ لِيَجزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضلِهِ وَٱللَّهُ يَرزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ". لقد كان تعميم الإغلاق من غير فرق بين ريف وحضر، ولا بين صلاة يقل المصلون فيها كالصبح، وصلوات أخرى يكثرون فيها، ولا بين ولاية وأخرى، ومسجد يتيسر لإمامه أن يفرض فيه الانضباط وغيره؛ مجازفة وقعنا فيها من غير روية في غمرة الخشية من انتشار الوباء، وحيث وقعت وذهب عنا أثر الصدمة الأولى كان ينبغي المسارعة إلى تداركها، فما وجه تمسكنا بهذا المنع العام واستقراره هذه المدة كلها وهي ثلاثة أشهر على خلاف بقية الأعمال؟. ألم يكن من المطلوب المتيسر -لو استقام النظر واتسقت الفكر- أن نفتح بعض المساجد لنجرب عليها نظام الوقاية، ونجعلها أنموذجا نستفيد منه في فتح البقية بالتدريج؟ وقد سبقتنا إلى ذلك عدة دول، فخدمت دنياها، وحافظت على أعظم شعيرة في دينها. لو فعلنا لرجعنا إلى الحال المعتاد في مدة قياسية، ولكانت بيوت الله رافدا قويا للتوجيه المباشر وبث روح التضامن في الأمة، فنسد بذلك كثيرا من الخلل الذي لحق الناس في معاشهم لمعرفة أئمتها بالمصلين، ولقربهم منها في الغالب، وهذا أجدى من الكلمات التي دأب كثير منهم على توجيهها مع قلة المستفيدين منها. أليست الأماكن المقفلة -والمساجد منها- أقرب إلى أن يضبط فيها نظام الإجراءات الوقائية من الأماكن المفتوحة؟، فكيف نرفع المنع عن هذه، ونبقيه على هذه؟ كان الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله إذا ألقى أسئلة لا يجد لها جوابا؛ يجيب نفسه بهذه الجملة: لست أدري ولا المنجم يدري!! لا أجعل أحدا في حل من جعل هذا الذي كتبته مطية فيخرج عن الحد الذي ينبغي أن يلتزمه المسلم وهو المشار إليه في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"، فمن أبى غير هذا المنهج الذي اخترته فليستقل بالكتابة. •

الخاطرة 267

(1) من تراجم البخاري رحمه الله في كتاب الرقاق: (باب رفع الأمانة)، والرفع هذا هو فعل الله على وفق مشيئته، لا يقع في ملكه إلا ما شاء، وهو خالق أفعال عباده. وقد استدل البخاري على هذا بحديث الترجمة الثاني عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعا: "ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه". واستدل على مسؤولية الناس في رفع الأمانة بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة"، قال: "كيف إضاعتها"؟، قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" . مشيئة الله الكونية العامة وخلقه أفعال عباده لا تعفي المكلفين من تحمل جرائر ما صنعوا، وليسوا معذورين بقضاء الله الذي يجب عليهم الإيمان به. هذا أمر يشرح للناس ويقرر كلما سنحت الفرصة، حتى لا يمتد مذهب الجبر في الفراغ العقدي الذي يعانيه المسلمون، فلنجمع الكلام على قدر الله مع الكلام على مسؤولية الإنسان كما تراه في أحاديث الترجمة . ولا يجوز لك أيها المؤمن إذا سمعت خبرا من أخبار الغيب أن يقودك يقينك بوقوع المخبر به إلى التساؤل عن المخلص مما هو واقع ولا بد فتقول: وما الحيلة في اجتنابه؟ قم بما كلفت به، واعلم أنك لا تعلم ما سيقع حتى يقع، فمن أين لك أن تستند إلى ما لا تعلم، فتنفض يدك من التكليف الذي تعلم ؟. أما إن تساءلت عن حكمة الإخبار بغيب المستقبل كما في أحاديث الباب؛ فإن منها وهو أهمها: - أن يستيقن المسلم أن دينه صالح لكل زمان ومكان وحال، وهو مصلح أيضا في كل زمان ومكان وحال، فإن غابت حالة ظهوره وهيمنته، وهي المنزلة العليا المشار إليها في قوله تعالى: "وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‌"، لم يفت ما هو أدنى منها، وهو درجات منها ما في قوله تعالى: "يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيكُمو أَنفُسَكُم لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهتَدَيتُم"، فإن الإسلام باق ما بقيت الدنيا. إن ظهور الإسلام قسمان: ظهور الحجة والبرهان، وظهور القوة والسلطان، والأول قائم دائم، لأنه مرتبط بالوحي نفسه، وهو حجة الله على العالمين، والثاني يوجد ويفقد لارتباطه بفعل الناس، ومدى قيام حياتهم على ما جاءهم من ربهم، والسلاح بيد حامله. - ومنها أن يتهيأ لما يقع فلا يفاجأ، فيستولي عليه اليأس. - ولأن توقع المكروه يخفف من وطأته، وله أمثلة في القرآن. - ولئلا يستسلم لمحيطه الناكب عن الحق. - وليشعر إن أدرك ذلك الوقت بلذة الثبات وينال أجر الصابر . - وليقيم قاعدة "فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱستَطَعتُم"، فيؤجر على ما عجز عن فعله. - ولينال فضيلة الاغتراب التي لا يتمناها وأجر الخمسين. وللحديث عن الأمانة بقية . 4 شهر ذي القعدة 1441 •

الخاطرة 267

(2) قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"، هو تفسير لتضييع الأمانة التي هي من أشراط الساعة . والأمانة ما أؤتمن عليه الإنسان من طاعة ربه بفعل الواجبات وترك المحرمات، وما لغيره عليه من الحقوق المادية كالنفقات والديون والودائع، والمعنوية كالولاء والعهود والنصح والمحبة وحب الخير وترك الحسد والغيبة وغير ذلك، فمن وفى فهو أمين، ومن خالف فقد خان بنسبة مخالفته . وقد قال الله تعالى: "يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُم وَأَنتُم تَعلَمُونَ"، وقال: "إنَّ ٱللَّهَ يَامُرُكُم أَن تُؤَدُّواْ ٱلاَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰ أَهلِهَا وَإِذَا حَكَمتُم بَينَ ٱلنَّاسِ أَن تَحكُمُواْ بِٱلعَدلِ‌"، وقال: "وَٱلَّذِينَ هُم لِأَمَـٰنَـٰتِهِم وَعَهدِهِم رَٲعُونَ". لكن أعظم الأمانات خطرا تولي المسؤوليات كالخلافة والإمارة والإفتاء والقضاء والإمامة وقيادة الجيوش وغيرها من مصالح الأمة، فإذا أسندت إلى غير أهلها عظم الفساد، فكان ذلك من أشراط الساعة، فلهذا خصت بالذكر، فقال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله"، فاعتبر إسناد المسؤوليات إلى من ليس لها بأهل كأنه الأمر كله، والمقصود الأمر المعهود المعروف الذي تقام عليه الأمور الأخرى وتصلح به. ومحافظة المسلم على الأمانات هو ما يقتضيه إيمانه، ولهذا فإن المجتمع الصالح يستغني برقابته الذاتية عن الكثير من مهام الحكام، وقد أشار إلى هذا المعنى حذيفة رضي الله عنه كما في حديث الترجمة الثاني حيث قال: "ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلما رده علي الإسلام، وإن كان نصرانيا رده علي ساعيه"، أي حاكمه، فجعل مقابل من لا يقيم شرع الله في نفسه هو النصراني، وانظر كيف كان المسلم لا يفضل الكافر في الحقوق المشتركة بمجرد إسلامه، بل يرجع في فصل النزاع إلى الحاكم . إن تضييع الأفراد للأمانات الخاصة بهم يصلح ويجبر بالوظائف المذكورة إذا كان أصحابها من ذوي الديانة والكفاءة كما قال ربنا : "إِنَّ خَيرَ مَنِ ٱستَـٔجَرتَ ٱلقَوِىُّ ٱلاَمِينُ"، وقال: "قَالَ ٱجعَلنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلاَرضِ‌ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيم"، فإذا كانوا غير مؤهلين اجتمع فساد الرعية ألى فساد الرعاة، وما يصلح الملح إذا الملح فسد؟. ويزداد الأمر صعوبة إذا قل من هو مؤهل، كما يشير اليه الحديث الأخير في الترجمة: "إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة"، فهذه نسبة صلاح الناس بعد القرون المفضلة الثلاثة، ومع هذه القلة فقد جد في هذا العصر عراقيل أخرى تمنع وصول أهل الخير إلى القيادة، منها الجهات الاستخباراتية في الدول، صار يعتمد عليها في تزكية من يرشح لتولي مصالح الأمة، ومقاييسها في الغالب بعيدة عن الحق، وكثيرا ما تخضع للأمزجة، وتختلف باختلاف الأحوال، ويراعى فيها ما يسمونه بالولاء السياسي وغيره، بل كثيرا ما يكون الصلاح جرحة عندها، ولا حول ولا قوة إلا بالله . 6 شهر ذي القعدة 1441 •

الخاطرة 268

تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة أقل ما في المرض من المنافع لأهل الجد هذا الارتخاء الإجباري بعد طول تحفز واستيفاز، وخير ما فيه هذا الأجر الذي يمضي على أعمال ما عملتها، وقد يقوم شوقك إليها وتحسرك على فواتها مقام فعلها أو أعظم، ثم ما تعطاه من المثوبة على المرض نفسه، وما يخلفه من الصحة، فإن الأجسام قد تصح بالعلل، وفي الحديث القدسي: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكني إلى عواده أطلقته من إساري ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، ثم يستأنف العمل" . وهل ثمة أفضل من الحال التي يخصك الله فيها بالتعرف عليك وأنت مبتلى، لأنك تعرفت إليه وأنت معافى؟، يقربك ويحبك، ويمنحك من المدد النفسي والروحي ما يملأ جوانحك . وهل أفضل من الوقت الذي تجمع فيه همك بمعادك بعد أن تعددت همومك، فتحاسب نفسك على ما أسلفت، وتستحضر ما أمكن مما أحسنت وأسأت، مما أحصاه الله ونسيته؟. مهما كان ذكرك للموت فإنك كالمحجوب عنه، وعما أنت لاقيه بعده، والمرض يحرق تلك الحجب، فاحمد الله عليه، وقد قيل: والموت لا يخفى على أحد ** ممن نرى وكأنه يخفى . ويح أبي العلاء المعري!! من أنبأه أن الأمر كما زعم؟: ضجعة الموت رقدة يستريح الـــ * ــجسم فيها والعيش مثل السهاد عهدت متوقيا أسباب المرض، أما وقد وقع فليكن معولك الرضا، فإذا هو منحة في صورة محنة، ونعمة قد ترى نقمة، فارض بالمقدور، واصبر عليه، وليكن أنسك بمدبر أمرك، وبما علمت من صفاته من حكمته ورحمته . في جامع العلوم والحكم لابن رجب رحمه الله قال الضحاك بن قيس: "اذكروا الله في الرخاء، يذكركم في الشدة، إن يونس عليه السلام كان يذكر الله تعالى، فلما وقع في بطن الحوت، قال الله عز وجل: "فَلَولَا أَنَّهُ ۥ كَانَ مِنَ ٱلمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطنِهِ إِلَىٰ يَومِ يُبعَثُونَ"، وإن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله، فلما أدركه الغرق قال: "قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ ۥ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِى ءَامَنَت بِهِۦ بَنُواْ إِسرَٲٓءِيلَ وَأَنَا مِنَ ٱلمُسلِمِينَ"، فقال الله تعالى: "ءَالـَٔـٰنَ وَقَد عَصَيتَ قَبلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلمُفسِدِينَ" . 8 شهر ذي القعدة 1441 •

الخاطرة 269

أدعوك إلى قراءة ما كتبه العلامة عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله عن الطاعون الجارف الذي ضرب أرض المغرب في منتصف المائة الثامنة، وما كان له من آثار على الدول والعمران، إذا فعلت فلن تجد فرقا بين نظرته الاستشرافية فيما سيكون عليه الحال بعد، وبين ما يقرره كثير من الباحثين اليوم فيما يتوقعونه من حال العالم بعد انحسار هذا الوباء، عجل الله برفعه، مع فارق واحد هو احتمال نظرية المؤامرة فيما يعانيه العالم اليوم، وهو ما كان غير متأت في عصره. قال رحمه الله: "هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف الأمم، وذهب بأهل الجيل، وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها، وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها، وفل من حدها، وأوهى من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والانحلال أحوالها، وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل، وتبدل الساكن، وكأني بالمشرق قد نزل به ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته ومقدار عمرانه. وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة، والله وارث الأرض ومن عليها، وإذا تبدلت الأحوال جملة؛ فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد ونشاة مستأنفة، وعالم محدث"!! وابن خلدون موقن أن أمورا كثيرة قد تغيرت في طبيعة الاجتماع البشري والعمران، فيحتاج إلى من يرصد هذا التغير الذي يطرأ على العوائد والنحل ويكتبه، قال: "فاحتاج لهذا العهد من يدون أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها، والعوائد والنحل التي تبدلت لأهلها، ويقفو مسلك المسعودي لعصره، ليكون أصلا يقتدي به من يأتي من المؤرخين من بعده" . 9 شهر ذي القعدة 1441 توضيح: كتبت هذه الخاطرة تعليقا على دعوة الشيخ العتيبي المسلمين إلى الجهاد مع قوات المشير حفتر وإعطائه الحق في ثروات ليبيا للقوى العظمى التي تعينه في حربه. •

الخاطرة 270

" ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُم يَذَّكَّرُونَ" . لم لا يتذكر هؤلاء ما وقع فيه من سبقهم من أمثالهم أو يتوبون إن كان قد صدر عنهم نظيره، فيتركون هذه العجلة في إصدار الفتاوى التي لا مستند لها من الشرع ولا راعي لها من العقل ؟ . ولم لا يأخذون العبرة من ويلات الحروب التي شاركوا في إيقادها داخل بلاد المسلمين منذ أزيد من ثلاثة عقود؟، أرسلوا الكلام على عواهنه، وقرروا أن الجهاد فرض عين، ومعنى ذلك أن يأثم أكثر من مليار مسلم لأنه لم يجاهد، فلما اكتشفوا أنهم جازفوا سكتوا أو جمجموا، ثم قالوا تبعا للساسة إن القتال محرم وإرهاب، ينتقلون من النقيض إلى النقيض، وأعظم ما يفسد علم الشرع أن يصبح تبعا لسياسة الحكام . أين صيحات العريفي، وتنظيرات العرعور، وتلاعب عائض القرني، وغيرهم وغيرهم، ووالله ما بي من رغبة في ذكر الأسماء، ولكني لما تكرر الحمق خرجت عن المعتاد: خليفة في قفص ** بين وصيف وبغا يقول ما قالا له ** كما تقول الببغا التقيت في الأردن بقائد الجيش الحر في سوريا كما كان يسمى بعد عام من اندلاع الحرب، فقال كلمة يشرح فيها وضع بلاده، ظن أنها تقنعني بصواب مسلكهم، وقد رضيت عن معظمها، فلما انتهى حسبته متشوفا إلى تعليقي عليها فلم أزد على أن قلت: كنتم مع حيوان مفترس نائم فأيقظتموه فجنيتم على أنفسكم، فما ذا تنتظرون منه؟ فعلق بقوله: قال لنا هذا بعض أهل العلم في بلادنا قبل عام فسخرنا من كلامه، ثم بلغنا ما قال. وقلت الكلمة نفسها في بيت الشيخ الفاضل عبد المالك رمضاني بالمدينة لجماعة من السوريين والإثيوبيين، على غير رغبة مني بعد إلحاح من الشيخ سدده الله، فقرأت في وجوههم التذمر، لظنهم أني بذلك أناصر الروافض والنصيريين، أنا أعلم أن لا جدوى في مثل هذا المقام أن يبين المرء المحق من المبطل، أهو قاض حكمه ملزم؟، أم له قوة قهر تحمل الظالم على الرضوخ؟، أم نحن بصدد التنفيس عما ضاقت به صدورنا فنقول ما يخفف عنا الألم؟، كنت أرى أن الهجوم على طرابلس جريمة كبرى، فهل ذكري لهذا بمجرده والكتابة فيه يحقق ما أريده من حقن دماء إخواني المسلمين في ليبيا مهما كان المعسكر الذي يتخندقون فيه حيث أثبتت لهم الإسلام؟. الشيخ العتيبي هداه الله يقول بوجوب الجهاد على كل مسلم للدفاع عن دولة التوحيد في ليبيا بقيادة المشير حفتر، سبحان الله، انظر كيف ابتذل هذا الوصف العزيز الكريم وصف التوحيد ودولته. تذكرت أني كتبت في بداية حرب ليبيا عن مثل هذا الكلام الذي سمعته بعد أن استمعت إلى رئيس المجلس الانتقالي الذي أنشئ يومئذ، وقد كان مستشارا قضائيا يقول: "إن الشريعة الإسلامية ستكون أساس الحكم في ليبيا"، قلت كما هو في مقدمة كتابي (كيف نخدم الفقه المالكي ص32): "هذا لا يكون، وإن كنت أتمنى أن يكون، أيصدق عاقل أن الحلف الأطلسي يسمح لمن أوصلهم إلى الحكم بعد أن دمر ليبيا أن يحكموا شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال الله تعالى: "وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُم حَتَّىٰ يَرُدُّوكُم عَن دِينِكُمو إِنِ ٱستَطَـٰعُواْ‌"، وقال: "وَلَن تَرضَىٰ عَنكَ ٱليَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم"، ومن أصدق من الله حديثا؟. لو فرضنا أن هذا الكلام حق، وأننا بصدد الدفاع عن دولة التوحيد لكنا مطالبين بما أمرنا الله به، لا بما يحرض عليه هؤلاء من تقاتل المسلمين، قال تعالى: "وَإِن طَائِٕفَتَانِ مِنَ ٱلمُومِنِينَ ٱقتَتَلُواْ فَأَصلِحُواْ بَينَهُمَا". هو أمر لم يسعوا في تحصيله ابتداء، وهم اليوم وإن أرادوه لا يستطيعونه لانهم أسلموا مقاليدهم الى القوى العظمى فصاروا رهائن عندها، هي التي تتصارع اليوم على أرض ليبيا، بل إن بداية الصراع قبل سقوط القذافي كان كذلك، خير ما تقدمونه أيها الليبيون لدينكم وبلدكم أن تتحرروا من هذا الفخ الذي وقعتم فيه وهو هيمنة القوى الإقليمية والدولية على قراراتكم فهل تفعلون؟ القوى العظمى لم تعمل على إسقاط القذافي لأنه غير ديمقراطي كما قد يظن الناس، بل لأنه جعل دول أفريقيا تحت إبطه بماله وزعامته وجرأته، وسعى جهده فأنشأ الاتحاد الإفريقي، وكان يطالب له بمقعد دائم في مجلس الأمن، وأوشكت مصالح دولهم ولاسيما فرنسا على الزوال في منطقة الفرنك البائد. عجبت لجرأة هؤلاء يخوضون في أمور هم فيها كالصبية لا يفقهون شيئا مما يخوضون فيه، هذا إذا أحسنا الظن بهم، كيف يقرون بالحق في ثروات ليبيا لمن يقاتل مع هذا الطرف أو ذاك، ويعتبرونه حقا لهم؟، فما هذا السفه؟ نسأل الله العفو والعافية. قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وقد سألها عما يوجب الغسل؟: "هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟ مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ، فيصرخ معها! إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل" . 10 شهر ذي القعدة 1441 . •

الخاطرة 271

ليس لها من دون الله كاشفة. مما علمته من أكثر من طبيب ومتخصص ومن تجربتي الشخصية: - أن الوباء المسمى كورونا قد فرخ فصار أنواعا. - وأن من أفراده ما ليس معديا !! . - وأن مدة الحجر المعمول بها ليست كافية في اكتشافه . - وليس هناك معيار مستيقت ليقال بالأصابة به ولاسيما في النسب المنخفضة، وإنما هي الظنون . - وعدد الإصابات المصرح به عندنا ليس عن فحص يجرى كما في كثير من البلدان . - وأن كثيرا من الحالات إنما تعرف بعد الوفاة . - وقد فشا الاعتماد على التصوير بجهاز السكانير خارج مستفيات الدولة ليقال للشخص عندك نسبة مائوية ضئيلة يحتمل أن تكون الوباء أولا . - والمعتمد في هذا الإثبات هو ما يظهر على الرئتين من أثر من غير فحص طبيب مختص هو الذي يوجه للكشف بهذا الجهاز. - ومن المعلوم ان وجود أثر في الرئتين لا يدل بالضرورة على الإصابة لأن أسباب وجود ذلك الأثر متعددة كالتدخين والربو والحساسية وبعض المهن كالطلاء، ومزاولة أعمال الغراء، وموضع الإقامة وغيرها. - وأعرف من قيل له بعد قراءة التصوير نسبة الإصابة في الرئة 0%، لكن عليك أن تلتزم الحجر المنزلي!! . - ولكم أن تتصوروا الأثر النفسي الذي يخلفه هذا القرار لدى كثير من الناس، مع أن المرء يموت بأجله لا بكورونا ولا بغيره. - وهناك دواءان يوصفان لمن يقال إنه مصاب : أولهما الكلوروكين الذي اختارته فرنسا، وهو المعتمد في مستشفياتنا مع أن المختصين في فرنسا مختلفون في نجاعة هذا الدواء الذي تعرض من أشار به إلى مساءلة الجمعية الوطنية وهو دواء معتمد لمعالجة حمى الملاريا. والثاني: ديكسزون، وهو اختيار بريطانيا، لكنه يستعمل فيها للإصابات العالية وعندنا يستعمل في كل الحالات، ويصفه بعض الأطباء وقد سألت عن ذلك فقيل لي هو احتياط !!. - وأعداد المصابين المعلن عنها في بلادنا لا تمثل الحقيقة لأن الغالب أن الفحوص لا تجرى إلا على من يأتي أو يجلب لصلته بمن عرفت إصابته . - وقد اتفق أغلب الخبراء على أن نسبة الوفيات بهذا الوباء لا تزيد على1% من المصابين - وإذا علمنا أن عدد الإصابات المعلن عنها هذا اليوم 10 شهر ذي القعدة 1441، هو 14637فإن القاعدة السابقة تقضي أن يكون عدد الوفيات هو 146 تقريبا، لكن المعلن عنه منها هو 920 فيكون عدد الإصابات بناء على تلك القاعدة هو 92000 !! . وتكون نسبة الإصابات إلى مجموع السكان (وهو 45000000) وقد صرح بذلك رئيس الجمهورية تكون النسبة هي . - والمستخلص من هذا وغيره أن على البشر أن يتعايشوا مع هذا الداء ويرتبوا حياتهم على وجود مخلوق جديد مقيم بينهم الى ان يشاء الله . ولا شك أن من أسباب تباطؤ محاصرة هذا الوباء في بلادنا وتأخر العودة إلى الأوضاع ألعادية هو تهاون غالب الناس وعدم التزامهم بما هو مطلوب من إجراءات الوقاية رغم الجهود الكبيرة التي أنفقها أهل العلم والدعاة والأطباء فلا حول ولا قوة الا بالله . - وهذه الحقائق لا تقلل من الأعمال المضنية التي يبذلها الأطباء وسائر أطقم الصحة من الأعوان والإداريين وأجهزة الدولة بعامة فجزى الله الجميع خيرا ونسأله تعالى أن يرحمنا ويرفع عنا هذا الوباء . 10 شهر ذي القعدة 1441 •

الخاطرة 272

ادع بهذا الدعاء العظيم الجامع لخيري الدنيا والآخرة صحيحا كنت أو سقيما، فإن فيه التوسل إلى الله بعلمه بخلقه، وقدرته عليهم، وهما من أجمع صفاته، فمن تيقنهما استسلم وارتاح، وهانت الخطوب عليه مهما عظمت. أعلم عباده أنه خلق الخلق ودبر شؤونهم لأجل أن يستيقنوا علمه وقدرته، وأخبرهم أنه شرع لهم الأحكام ليعلموهما أيضا . قال عن الأول: "ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبعَ سَمَـٰوَٲتٍ وَمِنَ ٱلاَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلاَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَد أَحَاطَ بِكُلِّ شَىءٍ عِلمَا" . وقال عن الثاني: "جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلكَعبَةَ ٱلبَيتَ ٱلحَرَامَ قِيَـٰمًا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهرَ ٱلحَرَامَ وَٱلهَدىَ وَٱلقَلَـٰئِٕدَ‌ ذَٰلِكَ لِتَعلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلاَرضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ" . وجاءت هاتان الصفتان في ورد الصباح: "...أعلم ان الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما" . وجاءتا في دعاء الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك..." . اما الدعاء نفسه فهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الإخلاص في الرضا والغضب، وأسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بالقضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مضرة، وفتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين" . 12 شهر ذي القعدة 1441

الخاطرة 273

ما لي أكتم حبا قد برى جسدي؟!! . يصطرع في نفسي عاملان: دافع إلى الكتابة، ومانع منها، لكن منهجي أن أفحص تضارب مشاعري، فلا أترك ضارها يغلب نافعها، فأسكت عن ذكر الحق، خشية أن يفهم أنه تنويه بالباطل الذي قد تغمره المظاهر . إن للحق قيمة ذاتية مستقلة عن محيطه، والتزين به لا يضيره، هو عتبي على بلدي وأنا أحد أفراده . العامل الدافع هو ما جاهد من أجله هؤلاء الذين نسترجع جماجمهم وعظامهم التي ظلت حبيسة متاحف فرنسا منذ أزيد من قرن وثلثين، وبعضهم قطعت رؤوسهم، وعبر بها البحر لتكون دليلا على عراقة فرنسا في سفك الدماء والتمثيل، وفي التقتيل والتدمير، مع أنها تعتز باستبقاء الجماجم في متاحفها عنوانا على نشرها للمدنية والحضارة في مستعمراتها من وراء البحار، ومن العجب أن تماطل في التخلص من آثار جرائمها بذريعة الجوانب القانونية المزعومة، ولعلها استمسكت بهذه العظام لتبرهن أنها ما تزال تنظر إلينا نظرة المحتل، وربما وافقت أخيرا على هذا بعد تلكؤ دام سنوات لتعظم منتها عندنا فتحقق مزيدا من الرسوخ في بلادنا والتسلط علينا عن طريق أذنابها الذين امتدوا في حياتنا بشكل لا يسهل التخلص منهم . من حق هؤلاء الأبطال وهم الذين مرغوا كبرياء هذه الدولة الاستعمارية العجوز، أم الدعارة والفجور المتزينة - على قذارة ووساخة - بالمفاتن والعطور، من أول ما وطئت قوات احتلالها أرضنا إلى أن رحلت عنها في الظاهر، من حقوقهم علينا أن نرجع بهم إلى أرضهم ليعاد دفنهم فيها، فلنجدد الدعاء لهم والتنويه بجهادهم لتحرير بلادنا، فرحمهم الله وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء . لكن هذا العمل الإيجابي ذي الدلالة الرمزية لا يحجب عنا الحقائق المرة التي نعيشها، فإن الاستقلال ليس سك عملة، ولا رفع علم، ولا نشيدا يردد في المناسبات، هو شكل الحكم ومظهره وصورته، أما لبه والمقصود منه وهو الذي لم يجاهد الغالبية العظمى من الجزائريين إلا من أجله؛ فقد فرطنا فيه، وعلى الأصح تخلى عنه من آل إليهم هذا المجد المؤثل بعد الاستقلال جهلا أو قصدا، ثم صار التفريط مكرسا ممنهجا، فاذا تحدث أحد عما مات من أجله هؤلاء فعلى استحياء، وبعبارة يفسرها كل بما يريد، ثم صار يصرح بأن الثورة لم تقم لإقامة دولة الإسلام، وآخر ما صار بعضنا يذكره أن يستحضر الفقرة التي في بيان أول نفمبر عنه، ثم جمعها السذج أو من نيتهم حسنة فقالوا الباديسية النوفمبرية !!، كل هذا ومسلسل التدرج يمضي في التخلي عما مات من أجله هؤلاء، من كان منهم عالما فبعلمه، ومن كان عاميا منهم فبفطرته، حتى صار الحديث عن الإسلام نظام حياة كأنه حديث عن المستحيل، بل كان إلى عهد قريب علامة على الإرهاب . لقد مكن كثير من جيل الثورة وقادتها فضلا عن كثير من جيل الاستقلال وما بعده لفرنسا في أرض الشهداء، وأحسن أحوال بعضهم أنهم شغلوا ببناء هيكل الدولة عن بناء روحها، فتحقق لفرنسا فيما يقرب من ستين سنة ما لم تستطع تحقيقه باستعمارها الذي استمر قرنا وثلثا. أين نحن من إقامة ديننا في حياتنا الإدارية والقضائية والسياسية والتربوية والإعلامية؟ القصور فيه حاشا، فإن من اعتقد ذلك كفر، أم لقصور فينا؟، وما مكانة اللغة العربية في اداراتنا ووثائقنا وأحاديث وزرائنا ومسؤولينا؟، وهل يقبل أن يكون نظام الدولة وأسها المتمثل في الدستور بهذا الوضع السيء في المسودة الأخيرة في طمس للهوية لم يسبق له مثيل، لأن الرؤوس التي أعدته لا صلة لها بهوية الأمة وأصالتها ومقومات شخصيتها؟، ثم نزعم أننا قد حررنا بلدنا من فرنسا . ما يميز الدول بعضها عن بعض ليس منشآتها واقتصادها ومستوى معيشة سكانها وسعة أراضيها وغير هذا من الأمور المادية، هذه الجوانب تشترك فيها كل الدول كيفما كانت هويتها، مسلمها وكافرها برها وفاجرها، ولا مزية لحاكم وفرها لشعبه إن وفرها، الدول تتميز بمنهاج حياتها وعلة قيامها ووجودها وشخصيتها، فإذا لم تحقق ذلك فليست على شيء، وهو دلالة على اتهزامها من الداخل. مرحى برفات أبطالنا ومجاهدينا فالرمزية عالية، لكن المسافة التي تفصلنا عما ماتوا من أجله تزداد بعدا بمرور الزمن، ولا يماري في ذلك إلا جاهل أو مكابر، لقد تباطأتم في سلوك طريق الرجوع ولو باليسير وأنتم قادرون عليه، فما ذا تنتظرون ومتى تبدأون؟ 13 شهر ذي القعدة جويلية 2020 •

الخاطرة 274

(1) نهج عبد الرحمن بن خلدون () في نقد أخبار التاريخ منهجا علميا عقليا موضوعيا، وإن خالف المحدثين في تفريقه بين الأخبار التي لها وجود في الخارج وبين الإنشاءات . وقد أبان عن منهجه في بداية كتابه المقدمة، ورد به كثيرا من الأخبار ولم يأل جهدا في تزييفها. اعتبر أن وراء تناقل الأخبار غير الثابتة أسبابا منها: * أن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر . * وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة؛ قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها مانعا من الانتقاد والتمحيص . وهذا عامل نفسي قد يؤثر، لكن تجرد المرء من عاطفته وميوله كالمتعذر، ولا يلزم من هذا اختلال المنهج العلمي الذي يعتمده. * ومن الأسباب التي اعتبرها مقتضبة للكذب في الأخبار الثقة بالناقلين، وقرر أن تمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح . * ومنها الذهول عن المقاصد، فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع، وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه، فيقع في الكذب . قلت: الظواهر خادعة غرارة، وقد يكون وراء الخبر من الأمور ما يرد ظاهره، ويعطيه توجيها غير الذي فهمه ناقله لو كان متجردا، فكيف إذا كان منحرفا على من أخبر عنه؟ * ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع، فينقلها المخبر كما رآها، وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه . * ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك، فتستفيض الأخبار بها على غير حقيقة . * وأعظم أسباب تزييف الأخبار الجهل بطبائع الأحوال في العمران، فإن كل حادث من الحوادث ذاتا كان أو فعلا؛ لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته، وفيما يعرض له من أحواله، فاذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها؛ أعانه ذلك على تمحيص الخبر، وهذا أبلغ في الأمر من كل وجه يعرض. * ومن منهجه في النقد أن الشخص يحكم عليه بما استفاض من سيرته ومكانته وما عرف عنه، لا على الأخبار الشاذة التي تخالف ذلك . ويرى أن من اللازم التوجه إلى نقد الخبر نفسه اعتمادا على المبادئ التي قررها قبل النظر في ثقة ناقله. وهذا قد يقبل إذا قام مانع من استحالة عقلية أو عادية، ولم يكن الخبر من الخوارق ممن يسوغ أن تظهر على يده . وهو يفرق بين الخبر الذي له وجود في الخارج، فهذا تقام عليه تلك الموازين، أما الإنشاءات التي هي غالب ما ينقل في أمور التكليف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فليست من هذا القبيل . وهذا الاستثناء مما خالف فيه منهج أهل الحديث، لأن الأصل تصديق المخبر ما لم يقم مانع، ولعل منهجه أنه لا يقيم هذا الأصل الذي رآه في الأخبار التي تنتفي فيها دواعي الانتصار للفرق والمذاهب، كسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبار عصر الصحابة. ومن جملة الأخبار التي ردها إعمالا لمنهجه هذا: 1 - ما نقله المسعودي وكثير من المؤرخين من أن موسى عليه الصلاة والسلام أحصى من بني إسرائيل في التيه ممن له قدرة على حمل السلاح فكانوا ستمائة ألف! ومما اعتمده أن بين جيل التيه وبين جد موسى الأعلى أربعة آباء، وأن بني إسرائيل حين دخلوا مصر كانوا سبعين، فكيف يصيرون بعد مائتين وعشرين سنة إلى هذا العدد من القادرين على القتال مع ما تعرضوا له من قتل للرجال واستحياء للنساء والعمل الشاق عل يد فرعون وملئه، ومعنى هذا استبعاد أن يتضاعف العدد في هذه المدة بمقدار 600000÷70 = 86 ضعفا تقريبا. 2 - ورد خبر مدينة ارم ذات العماد، معتمدا على الناس ما زالوا يسافرون ويجوبون تلك البلاد فما نقل أحد منهم هذا الخبر ولا رأى هذه المدينة، وهو ما فعله ابن كثير في التفسير . 3 - وأبى أن تكون نكبة الرشيد للبرامكة راجعة إلى صلة العشق التي قيل إنها قامت بين العباسية أخت الرشيد وبين جعفر بن يحيى بن خالد مولاه، مبينا انها كانت بسبب استبدادهم على الدولة. 4 - ورد ما تناقلته بعض التواريخ من معاقرة هارون الرشيد الخمر اعتمادا على المعروف الشائع من سيرته، كيف وقد حبس أبا نواس لشربه الخمر، ثم صار إلى حمل ما نقل لو صح على شرب النبيذ الذي يرى حله بعض علماء العراق كما هو مشهور . 5 - بل رد ما شاع عند كثير من الناس من نفي انتساب العبيدين إلى إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق، وأرجع السبب إلى أحاديث لفقت للمستضعفين من بني العباس، تزلفا إليهم بالقدح فيمن ناصبهم، وتفننا في الشماتة بعدوهم، كيف وقد عمرت دولتهم 270 سنة، وما زالوا يذكرون نسبه فلا يعترض عليهم، وأبدى تعجبه من اقرار القاضي أبي بكر الباقلاني هذا النفي، وهو شيخ نظار المتكلمين، وبسط من الأدلة على ما ذهب إليه ما يتعسر رده، مع أنه يكفرهم في الظاهر ... يتبع . 16 شهر ذي القعدة 1441 . •

الخاطرة 274

(2) تكملة . 6 - ومن الأخبار التي ردها ابن خلدون أن يكون والد الحجاج بن يوسف من المعلمين، لأن التعليم لهذا العهد من جملة الصنائع المعاشية البعيدة عن اعتزاز أهل العصبية، والمعلم مستضعف مسكين، ووالد الحجاج من سادات ثقيف وأشرافهم !!. 7 - ومما رده من الأخبار المستحيلة اعتمادا على الحقائق العلمية التي فقهها ما نقله عن المسعودي أن الأسكندر لما صدته دواب البحر عن بناء الأسكندرية اتخذ تابوتا من خشب وفي باطنه صندوق من الزجاج، وغاص فيه إلى قعر البحر، حتى كتب صور تلك الدواب الشيطانية التي رآها، وعمل تماثيلها من أجساد معدنية، ونصبها حذاء البنيان، ففرت تلك الدواب حين خرجت وعاينتها، وتم له بناؤها !! . وقد سلك في رد هذه الحكاية المختلقة مسلكا علميا عناصره: * كيف يتخذ التابوت الزجاجي ويصادم أمواج البحر بجرمه؟ . * المعروف أن الملوك لا تحمل نفسها على مثل هذا الغرر، ومن فعله عرض نفسه لانتقاض العهدة واجتماع الناس عل غيره . * الجن ليس لها صور وتماثيل تعرف بها وإنما هي قادرة على التشكل، وما يذكر من كثرة رؤوسها فالمقصود البشاعة والتمثيل . * وأبرز ما رد به هذه الأسطورة أن المنغمس في الماء ولو كان في الصندوق يضيق عليه الهواء للتنفس الطبيعي، وتسخن روحه بسرعة لقلة الهواء، فيفقد الهواء البارد المعدل بمزاج الرئة والروح القلبي ويهلك مكانه، وهذا هو السبب في هلاك أهل الحمامات، والمتدلين في الآبار والمطامير العميقة، وبهذا السبب يكون موت الحوت إذا فارق البحر، فأن الهواء لا يكفيه لتعديل رئته.. الخ . رحم الله العلامة الأديب المؤرخ الاجتماعي الحكيم عبد الرحمن بن خلدون، مع أنه قد انتقد عليه عدم إقامته بعض ما قرره من القواعد في صلته ببعض الدول، كما ابتعد في تاريخه عن كثير مما قرره من المبادئ الاجتماعية والعمرانية وغيرها . وأختم هذا الذي ذكرته عنه بقصة نسبها إليه البلقييني في مذكرته، ما أحسب أن فكر ابن خلدون ينقلها أو يقرها، مع ما فيها من الأمور غير المعتادة التي هي أشبه بالطاقة النووية في هذا العصر . قال ابن خلدون: سرت من مدينة تونس إلى مصر في سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وبها امرأة ساحرة تبيع الهواء للمسافرين في البحر، وذلك أنهم يأتونها بوعاء مجوف، فتعمل من سحرها ما علمته، وتحكمه سدا، وتدفعه إليهم بعد أن تأخذ منهم مالا، على أن يخرج لهم هواء يسير بمركبهم مدة معلومة!!. قال: فيأخذون ذلك الوعاء المسحور فيخرج حينئذ من الريح ما تسير به السفينة المدة التي شارطوا الساحرة عليها!! قال: وكان لهذه المرأة بهذا العمل شهرة إذ ذاك، ومن هذا كان تعيشها حتى فارقت الغرب (مذكرة البلقيني ص 46). 17 من شهر ذي القعدة 1441 •

الخاطرة 274

عن منهج ابن خلدون في نقد الأخبار؛ تحركت رغبتي أن أكتب عن شيء سكت عنه قرابة العشرين عاما، ومر على الوثيقة التي سأتحدث عنها ثلاثون سنة قمرية، وفيها ما يرد الشائع عني من عضويتي في بعض الأحزاب الإسلامية كما كانت تسمى. وقد دفعني حب الانتصار للنفس مرارا إلى بيان حقيقة هذا الذي روج له، ثم عدلت عن الكتابة، فكان ذلك مشجعا للمناوئين، ممن همهم الحط على الناس والإجلاب عليهم بما يستطيعون . وهذا الذي سكت عنه فرح به المخالف وصار مسلما عنده، ثم صدقه الموافق لرواجه وانتشاره، وإن التمس العذر لصاحبه أو أعتبره من زلاته، وهذا لا يمنع أن يرجع الأمر إلى نصابه، أما سكوتي فوراءه الأسباب الآتية: أولها أني لا استعجل تبرئة نفسي مما يرى نقية أو هو كذلك، لأن حظ النفس فيه غالب، والأولى أن يجتهد المرء في إصلاح ما بينه وبين ربه مما لا يعلمه غيره من معاصيه، وما أكثر هذا في، فأسأله أن يغفر لي ما لا يعلمه الناس عني!! أما ما يعلمونه فدواعي الإقلاع عنه متوفرة . والثاني أن هذا الأمر إن كان مخالفة متعمدة، فالتوبة منه تكفي، وإن كان خطأ تأول صاحبه بناء على الظروف السائدة يومئذ، وكثير ممن يتكلمون عن تلك الأحداث يجهلونها، فإنه مما غفر لهذه الأمة . والثالث أنه لا يقبل شرعا أن يعير المسلم بما تاب منه وأناب، وهو مبدأ يقرره المجرحة الغلاة ثم لا يقيمون له وزنا في صلتهم بالناس. والرابع أن الشبهات التي كانت قائمة إثر فتح باب التعددية الحزبية جرت كثيرا من أهل الصلاح والخير إلى الانخراط، حيث اعتبروا أن انضمامهم إلى الأحزاب الإسلامية نصرة للإسلام ففعلوا، وأبرز ما أغراهم أن برامجها كانت حرة، فمن وصل منها إلى الحكم فبإمكانه أن يضع برنامجه موضع التطبيق، فكان هذا مغريا لمن يحمل هم إقامة دولة الإسلام بين جنبيه، ومن يلام على هذا الأمل ولو كان ساذجا؟. وقد كنت أرى أن الأمر مدبرا وأنه بمثابة المنزلق المراقب غرضه الانتقال من نظام اشتراكي إلى غيره فجاءت أكذوبة التعددية برزخا يسوغ ذلك، وكانت مع ذلك وسيلة لقياس وزن (الإسلاميين) وقدرتهم على التعبئة والعمل السياسي، وبإمكانك أن تقرأ شيئا عن نظرتي هذه في كتابي (هل الحزبية وسيلة إلى الحكم بما أنزل الله)، ص 70 وغيرها، وقد صرحت بهذا للكثير من الناس، ومنهم الذين طلبوا مني الترشح في دائرة عين الحجر غداة الانتخابات النيابية، وعلى رأسهم رئيس المجلس الشعبي الولائي بولاية سعيدة عن الجبهة الإسلامية . وقد كان من أهم القرارات المتخذة بعد إيقاف المسار الإنتخابي هو منع قيام الأحزاب على أساس ديني أو طائفي، لكن السلطات الحاكمة واتتها الفرصة وسهل عليها ما تلا إيقاف المسار من أحداث القتل والتخريب الحقيقي والذي صنعته هي، فسمحت بالنشاط لكل من والاها فأسست للطائفية الفكرية الدخيلة على الأمة ممثلة في العلمانيين والمتفرنسين والاستئصاليين، ممن كانوا مجتمعين تحت عباءة جبهة التحرير أو خارجها، فقد كانت كثوب ضم سبعين رقعة فيهم الوطني والإسلامي والشيوعي وحسبك أن تعلم أن الشيخ أحمد حماني كان عضوا في اللجنة المركزية، ثم أقرت الأحزاب العنصرية كالمسمى بالثقافة والديمقراطية، وحزب القوات الشعبية، وحزب الطلائع الشعبية الشيوعي، الذي كان محظورا قبل ذلك، وحزب لويزة حنون التروتسكي وغيرها، ثم صار الإسلاميون حلفاء لهذه الأحزاب وتناسوا بالكلية ما كانوا ينادون به، فتخصصوا في الفقه الدستوري!!، ثم صار أكبر همهم الديموقراطية الكافرة، وتجلى ذلك بوضوح خلال فترة الفراغ قبل عام ثم سكتوا فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟ اصرح بكامل الصدق والوضوح أني لم انتسب إلى أي حزب من الأحزاب باستثناء حزب جبهة التحرير الوطني فإن الانتماء اليها كان ملزما به كل من شغل منصبا معينا في الدولة بحكم المادة الأربعين من قانونه الأساس، وهذا كان قبل التعددية التي ظهرت بعد أحداث 1989، ثم زال هذا الإلزام وحصلت لي متاعب مع مسؤوليه في الولاية حين طلبوا مني إلزام موظفي السلك الديني بالانتماء إليه فأبيت، وكنت أنصح أئمة المساجد بعدم الانتماء لأي حزب، وأبين لهم مساوئ ذلك، وربما خاطبت بعضهم بقولي: انظر إلى الذين سيصلون خلفك، ما يكون شعورهم إذا علموا أنك عضو في الحزب الفلاني؟ ومن الذين نصحتهم من لا يجرؤ على لقائي اليوم لما هو شائع عني، وذلك يؤثر على مركزه ومكانته عند السلطات! رمتني بدائها وانسلت!! وهل تعجب إن قلت: إني كنت أفضل الحزب الواحد على التعددية، تجد هذا في كتابي المذكور، فقد قلت: "لا أكتم القارئ أني كنت أرى أن الحزب الواحد الذي كان الجميع فيه متساوين في الصمت على الحق والباطل وكانت أجهزة الدولة تتولى الحفاظ والرعاية لجملة من الأمور خير من تلك التعددية التي أصبح بعض الناس يكفرون بالله جهارا دون اعتراض، مع أني لست من الحزبية في شيء"، وللحديث بقية . ليلة 19 من شهر ذي القعدة 1441 •

الخاطرة 276

(1) لما كتبت

الخاطرة 276

(2) بقية الوثيقة التي ذكرتها تمت الإشارة إليها في كتابي (المخرج من تحريف المنهج ص 193 وأنا بصدد الرد على فالح الحربي الذي حاز قصب السبق في نشر هذا الفكر النتن، حيث استدل بما ذكرته من هذا الإصلاح على أني حزبي، كما أشرت إليها في كتابي (هل الحزبية وسيلة إلى الحكم بما أنزل الله ص 73) . والمقصود أن كلامي عليها قديم، وقد كانت محفوظة عند أحد الجيران خمس عشرة سنة خوفا من أن يعثر عليها عندي وقت الاعتقالات التي زجت بالناس في السجون ظلما وعدوانا، لكن بيتي لم يفتش، الاستخبارات تعرف عن الناس ما قد ينسونه من أمرهم، لكنها جدت في اعتقالي فغبت عن بيتي سنة ونصفا، تعتقل في معسكر لا في العاصمة !! . الوثيقة من إحدى عشرة صفحة أعدت لتكون اتفاقا بين الأحزاب الإسلامية بعد ستة أشهر من الانتقال إلى جهات البلاد، وذهبنا مرتين إلى مقر الرابطة التي كان يقودها الشيخ أحمد سحنون رحمه الله، مرة للاستشارة، وأخرى ليقنع الحزب الذي لم يوافق، ومما سمعته منه: إن فلانا قد غيره الكرسي فلا يكاد يسمع لأحد!! أما الدافع إلى هذا الأمر الذي هو تعامل مع واقع لم نصنعه، فأبرزه ما نشأ عن تأسيس حماس بعد الجبهة من المشاحنات، والتنافس على استغلال المساجد في الدعوة الحزبية، والتصريحات التي كانت تؤجج الخلاف، واختلاف الحزبيين في الطرح السياسي، وفي طريقة التعامل مع السلطة، ومحاولة التبرؤ من التشدد الذي كان ينسب إلى أتباع الجبهة، ومنه شكل اللباس وإرخاء اللحى، ثم مسألة التنسيق في الانتخابات، وغير ذلك . وقد توج هذا المسعى بلقاء في مدينة وهران يوم الموافق للرابع ماي 1991، حضره ما يزيد على مائة فرد من هذه الأحزاب من مختلف أرجاء القطر فناقشوا مضمون الوثيقة مدة سبع ساعات وانتهوا إلى إقرارها إلا شيئا يسيرا عدلوه، ثم قرأتها عليهم في صيغتها النهائية صبيحة يوم 20 شوال1411 . وقد وقع على الوثيقة 79 نفرا منهم: أحمد الأطرش رحمه الله، وبوجرة سلطاني، وعبد الرزاق مقري، وسليم سرار، وبلقرد بوكعبر، ويخلف شراطي رحمه الله، وعبد المجيد بيرم، وعبد القادر عكاني، ومحمد بن عائشة، وعبد الرحيم بن جبور، ومحمد قورين، ونعيم رحالي، والحبيب بن يعقوب، ومحمد هيشور، وأحمد بريكسي، وعبد القادر رومان، وغيرهم . وبعد أسبوع انتقلنا إلى العاصمة لنحصل على الموافقة الرسمية من الأحزاب، فكانت في رسالة خطية بتوقيع محمد بوسليماني رحمه الله عن حزبه، ومثلها من محمد طالبي عن حركة النهضة . وكان من الذين حضروا الجلسة علي بن حاج الذي اعترض قبل قراءة الوثيقة قائلا: "من أنتم؟، من الذين أعدوا هذه الوثيقة"!!؟، فكان جوابي أن طلبت منه صرف اهتمامه إلى نقد الوثيقة، بدل الاهتمام بمعرفة معدها، فسكت، لكنه راوغ كعادته فامتنع من الإمضاء زاعما أن لا يمثل الحزب !!. والأحزاب التي حضر ممثلوها هي الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي كان يرأسها عباسي مدني رحمه الله، وحركة المجتمع الإسلامي (هذا هو اسمها الأصلي)، ثم صارت حركة مجتمع السلم، ورئيسها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، وحركة النهضة الإسلامية ورئيسها عبد الله جاب الله، وحزب الأمة ورئيسه يوسف بخدة رحمه الله، وهو حزب لا وجود له اليوم فيما أظن . والغرض الأصلي من ذكر الوثيقة هو ما جاء في فقرتها الرابعة حيث خاطبت بها المنتمين إلى الأحزاب المذكورة، ومن غير المعقول أن يخاطب المرء غيره منكرا عليه التحزب وهو عضو في حزب، بل أقول إن المشاركين كلهم ينتمون إلى تلك الأحزاب إلا اثنين أو ثلاثة، فاقرإ الفقرة: "تقر الجماعات الإسلامية أن الأصل فيمن يعملون لإقامة منهاج الله تبارك وتعالى أن يكونوا جماعة واحدة، وأن الاختلاف الذي يحدث داخل الجماعة ليس مسوغا لإنشاء أحزاب، فإذا أفضى إلى ذلك فلعدم الانضباط بقواعد الشرع". ومن شاء أن يسأل أعضاء المكتب الولائي للجبهة الإسلامية عن هذا الأمر فليفعل، كلهم يعلمون ذلك، وبإمكانهم أن يفسروا كثيرا من المظاهر الخادعة، وهم يعرفون موقفي من المظاهرات والتجمعات بل يعلمون الدافع إلى حضورها، وقد تتاح الفرصة للكلام عليها تفصيلا . والأعضاء المذكورون هم الإخوة أحمد وهدي (عين فكان) - علي معمر (بلعباس) - عبد القادر غزيل (محمدية) - عبد القادر سمسوم (معسكر) - الطبيب المسمى عدة، وهو الوحيد الذي التحق بإحدى الجماعات المسلحة، ثم كان من المشاركين في الاتفاق الذي أبرمته قيادة الجيش مع الجيش الإسلامي للإنقاذ، ولي معه قصة يوم كان عضوا في تلك الجماعة، لعلي أتمكن من الكلام عليها بالتفصيل . يعلم الله أني ما تكلفت هذه الكتابة إلا لبيان الواقع في هذا الأمر وأنا لا أعتب على أحد قصد الخير فأخطأ، ثم تبين له الحق فأقلع، ولعل في هذا البيان الذي تأخر عبرة، وهو أن الكذب لا يصير صدقا بالتقادم، ولا بأس إن جاء هذا بعد أن قرت بلابل الحانقين، وقضيت أوطار الشانئين، والحمد لله رب العالمين. 19 شهر ذي القعدة 1441 . •

الخاطرة 277

[مسجد آيا صوفيا] هو نبأ عظيم أن يسترجع مسجد آيا صوفيا بسطنبول مكانته وأن يعود إلى أصله مع المساجد التي هي خير بقاع الأرض بعد نحو تسعين سنة من الغربة، صير فيها متحفا، في مسلسل الثمار المرة التي أطعمها المسلمون في هذا البلد بعد إلغاء الخلافة الإسلامية سنة 1923 وقد مضى على قيامها أزيد من ستة قرون، ومهما قيل عن نقائصها فإنها خلافة شرعية جمعت المسلمين وصانت وحدتهم وحمت ديارهم وأوصلت الإسلام إلى مناطق كثيرة في أوروبا، فقبحا وترحا للعنصرية النتنة وللقومية البغيضة . أيا صوفيا من كتدرائية إلى مسجد على يد محمد الفاتح، ثم إلى متحف، ثم عاد مسجدا فلله الحمد؛ "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا" . الأمر شبيه بمسجد كتشاوة عندنا حيث حوله المستدمر الفرنسي إلى كنيسة ثم استعاد مكانته بعيد الاستقلال لكن المدة عندنا كانت أطول. صار متحفا على يد نظام لائكي علماني عسكري دموي متطرف في بلد مسلم، انقلبت فيه الأوضاع رأسا على عقب، لم يبق شيء من الظاهر فيه إلا غير لكن جذر الإيمان الراسخ في القلوب احتفظ ببذرته وصمد كل هذه المدة على أساليب المسخ، وطرق الطمس والفسخ، حتى أذن الله بهذا الفرج، ومن لم يعرف خير الخيرين وشر الشرين فقد بخس الناس أشياءهم . ما كتبت شيئا عن هذا البلد من قبل، لكن الحق لا حياد فيه، ومن لم يفرح بهذا الأمر الجلل فليتهم نفسه، ولا ريب أن من حصل هذا الحدث في عهده سيذكر به . ليلة 20 شهر ذي القعدة 1441 . •

الخاطرة 278

(1) قول الله تعالى: "قُل لَّا يَستَوِى ٱلخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَو اَعجَبَكَ كَثرَةُ ٱلخَبِيثِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَـٰأُوْلِى ٱلاَلبَـٰبِ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ". 1 - إجمال: * عدم تساوي الخبيث والطيب . * لزوم بيان هذا الأمر وإفشائه . * الإعجاب بكثرة الخبيث والاغترار به . * تقوى الله عصمة من ضرره . * أولو العقول الراجحة هو الملتزمون للطيب بتقواهم الله . * فوز المتقين وفلاحهم . 2 - تفصيل: "قُل لَّا يَستَوِى ٱلخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ"، أعتقد هذا المبدأ، واعلنه في الناس، وعلمهم إيّاه، واعمل عليه، فإن الخبيث مقابل للطيب، وهو الحلال الجائز، توصف به الأقوال والأعمال والذوات. أي لا يستوي هذا وهذا: ضار ونافع، صالح وفاسد، ظالم وعادل، بر وفاجر، لكل حكم يليق به عند الله وجزاء. "وَلَو اَعجَبَكَ كَثرَةُ ٱلخَبِيثِ"، غلبة الخبيث وانتشاره وكثرة المعجبين به لا تضر الطيب، لا في وجوده وتميزه، ولا في آثاره ونفعه. "فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ"، إذا كان الأمر كذلك فالمطلوب هو تقوى الله بالقول الطيب والعمل الطيب والأكل الطيب والشرب الطيب والمركب الطيب..الخ، فإن المؤمن كله طيب، والله طيب وانما يقبل الطيب . ويدخل في التقوى عدم الاغترار والانبهار بكثرة الخبيث وانتشاره، وقوة أتباعه ومناصريه، لأن خلاف هذا هو المدخل إلى تعاطيه. " يَـٰأُوْلِى ٱلاَلبَـٰبِ"، خص أهل العقول الراجحة بالأمر بالتقوى لأنهم هم من يفكر ويعتبر، ولا يغتر بالمظاهر. " لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ"، هذا ما تحصلون عليه من التزامكم الطيب: أن تفلحوا وتفوزوا، والفوز في الدنيا وأعظمه في الآخرة . فاختر الفريق الذي يليق بك هنا لتكون معه هناك: "ٱلخَبِيثَـٰتُ لِلخَبِيثِينَ وَٱلخَبِيثُونَ لِلخَبِيثَـٰتِ وَٱلطَّيِّبَـٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَـٰتِ"، فهذا في الدنيا . أما في الآخرة فاقرأ قول ربك: "لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجعَلَ ٱلخَبِيثَ بَعضَهُ ۥ عَلَىٰ بَعضٍ فَيَركُمَهُ ۥ جَمِيعًا فَيَجعَلَهُ ۥ فِى جَهَنَّمَ‌ أُوْلَـٰئكَ هُمُ ٱلخَـٰسِرُونَ". ليلة 22 شهر ذي القعدة 1441 •

الخاطرة 278

(2) بقية وصف الخبيث له في لسان الشرع معان: 1- المحرم، كما في قوله تعالى في صفات نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: "وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ ٱلخَبَـٰئثَ وَيَضَعُ عَنهُم إِصرَهُم وَٱلاَغلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَت عَلَيهِم" . وللعلماء في معنى الخبث قولان: ا - ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يدخل ما تستخبثه النفس وتستقذره كالأفاعي والحشرات، وهذا مذهب مالك . ب - والثاني أن وصف الخبث أعم من المحرمات، فيدخل ما تستخبثه النفس ويكرهه الطبع، إلا لدليل منفصل . نقد: يلزم من القول الثاني أن يكون التحليل والتحريم إضافيين، يختلفان باختلاف الناس والعادات، والشرع لا يحيل على مثل هذا، وأبعد منه أن يقال إن الخبائث ما كانت العرب تستخبثه، فإن نوط التكليف به يكاد يكون مما لا يطاق. ومن هذا القسم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث" . لكن جمع فيه بين المحرم وغير المحرم، فهو مثال لضعف دلالة الاقتران، للدليل الصارف عن تحريم كسب الحجام، وللخلاف في ثمن الكلب المأذون فيه . أما الأول فقد حجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو طيبة وأمر له بصاع من تمر، وقال أنس: "احتجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعطى الحجام أجره". وقد يجمع بين القول والفعل بصرف وصف الخبث إلى الحجامة التي تجعل كسبا دائما، لا مطلق أخذ شيء عنها، والله أعلم. ومنه حديث أبي هريرة رضي الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الدواء الخبيث، ومن الخبيث المحرم الخمر والخنزير والنجاسات والسموم . وقال الخطابي رحمه الله: "الدواء الخبيث قد يكون خبثه من وجهين: أحدهما خبث النجاسة، وهو أن يدخله المحرم كالخمر ونحوها من لحوم الحيوانات غير مأكولة اللحم..، ثم قال: وقد يكون خبث الدواء من جهة الطعم والمذاق، ولا ينكر أن يكون كره ذلك لما فيه من المشقة على الطباع، ولنكرة النفس إياه، والغالب أن طعوم الأدوية كريهة ..." . قلت: هو أمر نفسي مجرب، فإذا كره المرء الدواء او غيره فإنه غالبا لا ينفعه، بل قد يضره، وقد دل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله يطعمهم ويسقيهم"، وهذا في الطعام فكيف بالدواء؟ ويدل عليه قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "لددنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه، فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني!! فقلنا: كراهية المريض للدواء!! فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟ قلنا كراهية المريض للدواء، فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد"!! واللد أن يجعل في جانب فم المريض دواء من غير اختياره. 2 - والثاني الرديء والدنيء، وفيه قوله تعالى: "يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبتُم وَمِمَّا أَخرَجنَا لَكُم مِّنَ ٱلاَرضِ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلخَبِيثَ مِنهُ تُنفِقُونَ وَلَستُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغمِضُواْ فِيهِ‌ وَٱعلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ"، لكن النهي عن الإنفاق من الخبيث بمعنى الرديء مقيد بالقصد "وَلَا تَيَمَّمُواْ"، أما إن كان ذلك من الموجود فلا. وقد اختلف في إجزائه في الزكاة إذا كان الجميع رديئا، ومذهب مالك أن على رب الماشية أن يأتي المصدق بما يجزئ إذا أبى أخذه، ومذهب أبي حنيفة والشافعي أنه يأخذ من الموجود، وقد أدخل الحنفية وصف ثمن الكلب بالخبث في معنى الدناءة فجوزوا بيعه!! 3 - والثالث المرغوب عنه الذي تركه أفضل، ومنه التكسب بالحجامة، وقد يلحق بها ثمن الكلب الذي يجوز اتخاذه، وهو كلب الصيد، وهو رواية عن مالك، وقال بجواز بيعه سحنون، وأنه يبيعه ويحج بثمنه، وهو الذي ذهب إليه ابن العربي، ودليله الاستثناء في حديث: "نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد"، وقد ضعفه الحافظ، وحسنه الألباني. وقد يستدل بجواز اتخاذه على جواز شرائه، إذ يستبعد أن يجوز الشرع الامتلاك والاتخاذ، ثم يحيل المكلف على العطاء مع ما فيه من المنة. 4 - والرابع خبث الرائحة، فيكون منعه عارضا في حال دون أخرى كالثوم والبصل والكراث، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا"، وقال العلماء أن آكل الثوم لا يجوز له دخول المسجد ولو لم يكن فيه أحد لأن الملائكة تغشاه . ولما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعرف متى يأتيه الملك ليتلقى منه الوحي، وفي الثوم إذاية له حرم عليه، ولهذا قال لبعض أصحابه: "كل فإني أنا كي من لا تناجي"، وقد يستنبط منه كراهة أكل الثوم والبصل لمن يعلم أنه مقبل على مخالطة الناس خارج المسجد، والله علم، وللكلام بقية . 24 شهر ذي القعدة 1441 •

الخاطرة 278

(3) بقية قال الله تعالى: "قُل أَفَرَءَيتُم مَّا تَدعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِن أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَل هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِ أَو اَرَادَنِى بِرَحمَةٍ هَل هُنَّ مُمسِكَـٰتُ رَحمَتِهِ قُل حَسبِىَ ٱللَّهُ‌ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ ٱلمُتَوَكِّلُونَ"، وقال: "وَإِن يَمسَسكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ‌ وَإِن يَمسَسكَ بِخَيرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ ٱلقَاهِرُ فَوقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلحَكِيمُ ٱلخَبِيرُ أختم بما شاع هذه الأيام من الرجوع إلى الأدوية التقليدية كما تسمى، وبعضها من الطب النبوي، كالزنجبيل والعسل والقسط الهندي والليمون والحبة السوداء والقرنفل والشيح و(النوخة) والصعتر وغيرها، فلعل هذا يكفكف من غلواء اعتماد الناس على مركبات الأدوية، وكثير منها له مضاعفات . ومن ذلك نفع البصل الني في خفض الحمى التي هي من أعراض هذا الوباء في إحدى درجاته، وهو أمر قد جربته، وجربه غيري كما ستعلم . كنت قبل هذا أرغب في آكله، ومنعني منه الذهاب إلى المسجد، ثم جاء هذا الوباء الذي عطلت فيه المساجد، وطال أمد تعطيلها، ولم تقدر الضرورة بقدرها، مع أن الوباء صار يحصد الأرواح حصدا هذه الأيام فأكلنا البصل!!، وما سرنا أكله والله!! من الأمثلة الشعبية هذا المثل الذي يربط بين (الحصلة) - وهي الضيق والشدة والأزمة - وبين أكل البصل، فيقولون: ما نحصل، ما ناكل بصل!! . في الذهاب إلى المساجد علاجات وأدوية نفسية وحسية، وأعظم ذلك كله مغفرة الذنوب، فلا غنى عنها، وللبصل ما يغني عنه، فيا رب عجل إليها الأوبة، وارفع عنا هذه الحوبة. يقول الطبيب علي جلال يونس وهو استشاري تحاليل طبية كيميائية (بتصرف يسير): من الثابت أن التجربة هي خير برهان، وقد أثبتت أن تناول بصلة صغيرة نية غير مطبوخة تقطع عند الأكل مرتين يوميا كاف تماما بدون الأخذ بتدابير أخرى في الوقاية من العدوى بالفيروسات التنفسية: فيروس كورونا المستجد كوفيد 19، وفيروس الأنفلونزا مهما كانت شدة التعرض لهما . وذكر تجربته التي امتدت من 15 فبراير الى 14 يونيو، وذكر أن الملتزمين بذلك لم يوجد بينهم إصابة واحدة رغم اختلاط الأصحاء المصابين بالمرضي بالأنفلوانزا وهذا الوباء، فتداووا بما ذكر، مع الإبقاء على الوقاية اللازمة. 24 من شهر ذي القعدة 1441 •

الخاطرة 279

صرف الله عنك ما انت فيه من هذه الشدة أيها المؤمن حيثما كنت، فقد عز المعالج، وكثر جدال الأطباء والخبراء ولجاجهم في تفسير هذا الوباء، وفي دوائه، فعظم البلاء، ويعظم الأجر به إن شاء الله، فلا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه، والفرار إنما يكون إليه. لست طبيبا ولا ممرضا، فلم أجد ما أسعفك به غير أن أدعو الله لك بالشفاء، وأن أنصحك بهذا الذي أراه نافعا لك، مخففا عنك وطأة ما أنت فيه، كيفما كان مرضك. فتيقن أن الشافي هو الله: "وَٱلَّذِى هُوَ يُطعِمُنِى وَيَسقِينِ وَإِذَا مَرِضتُ فَهُوَ يَشفِينِ". وأعظم ما ينفعك دعاء ربك مع صدق اللجإ واليقين بالإجابة، فالدعاء عبادة، هو مخها، وهو دواء وأي دواء: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ" . استحضر هذا الدعاء: "اللهم رب الناس مذهب الباس، اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما"، ولا يمنعك هذا من التداوي: "تداووا عباد الله". الموت بأجلك، وهو عنا محجوب: "كُلُّ نَفسٍ ذَائقَةُ ٱلمَوتِ وَنَبلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلخَيرِ فِتنَةً‌ وَإِلَينَا تُرجَعُونَ" . وأقصى ما ينتهي إليه المرض الموت، ولا بد منه، ففيم الفزع؟: "أَينَمَا تَكُونُواْ يُدرِككُّمُ ٱلمَوتُ وَلَو كُنتُم فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ‌" . لا تسجن نفسك بالتفكير في المرض، فيزداد همك، فكر في عملك، أصلح ما بك، تب من ذنبك . عليك بما يلزم من الوقاية حتى لا تنقل المرض لغيرك. نظم وقتك، فإنه عون لك على التخفيف مما أنت فيه. أعظم ما تضبط به وقتك أن تحافظ على الصلاة في وقتها، وأن تجعل غيرها تبعا لها، فصلاة المسلم مرجع لضبط وقته، فعلق قلبك بها، ولهذا كانت أول ما يسأل عنه العبد، فإن صلحت فقد أفلح، وإن فسدت فقد خاب وخسر: "إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَت عَلَى ٱلمُؤمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوقُوتًا"، صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب، واحرص على الرواتب والنوافل فإنها مجلبة لمحبة الله، ولك أن تصليها قاعدا ولك نصف الأجر، فإن جلست عجزا فلك أجر القائم . اجتنب ما استطعت ملازمة الفراش، بشيء من الحركة، وأفضل ذلك الوضوء والصلاة عقبه. نبيك صلى الله عليه وآله وسلم وجد في مرضه الذي مات فيه خفة، فخرج يتهادى بين رجلين! قالت عائشة رضي الله عنها: "كأني انظر رجليه تخطان من الوجع"! اقرأ شيئا من القرآن كل يوم، وليكن في المصحف، فإن فيه فضلا عظيما، كما في الحديث: "من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف"، قال الله تعالى: "وَأُمِرتُ أَن أَكُونَ مِنَ ٱلمُسلِمِينَ وَأَن أَتلُوَاْ ٱلقُرءَانَ‌"، وقال: "وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلقُرءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحمَةٌ لِّلمُؤمِنِينَ‌ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا"، وأكثر من الإنصات والاستماع إليه: "وَإِذَا قُرِئَ ٱلقُرءَانُ فَٱستَمِعُواْ لَهُ ۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ" . احرص على أذكار الصباح والمساء، واستكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ تكف همك. إياك والتشكي، أنزل شكواك بربك، وليكن صبرك جميلا، لا جزع فيه ولا تذمر، واجعل حمد الله على لسانك . لا تغير أوقات نومك إلا لضرورة، هو خطأ يقع فيه معظم المرضى، فيثمر الاضطراب في بقية الأمور من الصلاة والعلاج والأكل والشرب وغيرها . شارك في أعمال البيت ولو بالقليل، فمن هدي نبيك صلى الله عليه وآله وسلم هذا الذي وصف به: "كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة". قلل من الاعتماد على غيرك فيما تقدر عليه غالبا للمرض. اصرف عنايتك إلى ما ينفعك، بدل تناقل أخبار الموتى والمرضى، وبالله التوفيق. 26 شهر ذي القعدة 1441 •

الخاطرة 280

هذه ليلة التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 1441، وعما قريب يهل علينا شهر ذي الحجة، ثالث الأشهر الحرم التي قال الله فيها: "إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثنَا عَشَرَ شَهرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَومَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلاَرضَ مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ‌ ذَٲلِكَ ٱلدِّينُ ٱلقَيِّمُ‌ۚ فَلَا تَظلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُم" . في هذا الشهر الأيام التي جاء في فضل العمل الصالح فيهن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما العمل في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة، ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء". يدخل في العمل الصالح الفرائض بزيادة الثواب عليها، والنوافل من الصلاة والصيام والصدقة والذكر بالتكبير والتحميد والتهليل. وفي مقارنة الأعمال الصالحة بالجهاد وهو ذروة سنام الإسلام ما ينبئ عن عظم الأجر على الأعمال الصالحات فيها . والعمل الصالح إذا كان أحب إلى الله في غير هذه الأيام أو أفضل؛ فإنه يكون فيها أعظم محبوبية له سبحانه وأكثر فضلا . فدونك هذا الذي جمع في هذا الحديث مما هو أحب إلى الله في غير هذه الأيام، فاعمل ما استطعت منه فيها، وهو ما رواه الطبراني في معجمه الكبير عن ابن عمر رضي الله عنهما وهو في الصحيحة لمحدث العصر الألباني رحمه الله تعالى . قف على هذه الأمور التي ذكرت فيه، وهي مما قامت حاجة الناس إليه في هذه الظروف أكثر من قيامها من قبل، فافعل ما استطعت منها، وهي كما ترى من الأعمال المتعدية النفع، وانتفاع فاعلها بها منوط بما ذكر معها من ترك الغيظ مع القدرة عليه، والتجافي عن سوء الخلق: 1 - إدخال السرور على المسلم. 2 - كشف كربته. 3 - قضاء دينه. 4 - طرد الجوع عنه، وهو دال على العطاء الكثير. 5 - مساعدته في قضاء حاجته. 6 - أن يكون ذلك في كنف الصبر وترك الغضب . 7 - سوء الخلق كالمن والأذى يفسد الأعمال. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد، ومن كظم غيظه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه؛ ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له؛ أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل". ليلة 29 من شهر ذي القعدة 1441 . •

الخاطرة 281

وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلبِرِّ وَٱلتَّقوَىٰ‌ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلاِثمِ وَٱلعُدوَٰنِ‌ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ‌ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ" ليست لي رغبة في الكلام مجددا على فتح المساجد التي طال أمد إغلاقها لولا حيائي من بعد الإخوة الأفاضل، وشعوري بخطورة الأمر بعد مرور أربعة أشهر من غير أن نسمع كلمة واحدة، ولا محاولة لمراجعة القرار الذي شمل البلاد كلها من غير مراعاة للفروق التي قد تنعدم معها العدوى، أو تقل إلى أدنى درجة، مع أن انتشار الوباء قد استفحل منذ أكثر من شهر والمساجد مغلقة. لا يجوز أن نعامل المساجد معاملة الأسواق وغيرها من شؤون الحياة فإن للعوامل النفسية دخلا كبيرا في العلاج، ويكفي أن نعلم أن المصلي يناجي ربه، والخير الذي يترتب على إقامة الصلاة جماعة في المساجد كثير، وهو مما يدفع به البلاء، فكيف تظل مغلقة كل هذه المدة؟، ولم لا نحذو حذو الدول التي فتحت المساجد، وتلك التي لم تغلقها أصلا ؟. لهذا فإني أقترح تفويض هذا الأمر إلى الولاة مع إدارات الشؤون الدينية واللجان العلمية المحلية، وأذكر بعض المحاور والفروق التي يمكن أن يعتمد عليها في إعادة فتحها بالتدريج، وقد كان هذا مطلوبا قبل اتخاذ قرار الإغلاق كما كنت أشرت إليه قبل مدة، ولا مانع أن نعيد النظر فيما نتخذ من قرارات إذا لم تلب شروط السلامة كما يفعل في بقية النشاطات، وهذه بعض الأمور التي أرى اعتمادها باختصار من غير تفصيل، آملين أن نسمع خيرا عما قريب : - الفرق بين المساجد الريفية والحضرية أو بعضها . - وبين الولايات الصحراوية والشمالية أو بعضها . - وبين أعداد المصلين في صلاتي الصبح والعشاء وغيرهما. - المساجد التي يقدر أئمتها على تطبيق الإجراءات الوقائية . - مساجد نموذجية تجرب فيها الإجراءات الاحترازية لتعمم . - المساجد التي لها أبواب متعددة لها الأولوية . - المساجد الكبيرة مع قلة المصلين فيها . - إعلام المصلين بأن الالتزام بالإجراءات شرط في الفتح . - تقام الصلاة بعد الأذان مباشرة . - لا تستعمل المواضي . - تراعى مسافة التباعد . ليلة الثاني من ذي الحجة 1441 •

الخاطرة 281

(3) سبق إلى إنشاء التعليم الأصلي الشيخ توفيق المدني رحمه الله، وهو شخصية بارزة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد جهود ومحاولات منه ومن غيره، وتلكؤ وحيرة من الجهات الحاكمة ذات التوجه الاشتراكي سنة 1963، صرح بهذا مولود قاسم نفسه يوم كان وزيرا، فكيف لو كان متخففا من التحفظ الذي يلتزمه المسؤولون عادة ؟ . ومما سوغ للحكام يومئذ ابتلاع هذه (الغصة) التي جرعهم إياها هذا الرجل العلاقات المتميزة التي كانت تربط مصر بالجزائر، وشخصية توفيق المدني ومكانته، فأذهب برد هذا حر هذا، لكن إلى حين!! ولأن البعثة الأزهرية برئاسة محمد متولي شعراوي رحمه الله هي التي كانت تشرف على هذا التعليم إدارة وتدريسا، ثم حصلت جزأرته بالتدريج، وقد لجأت الجزائر إلى الأزهر أحسب إلى العراق أيضا- قبل عقد، فأرسلت بعض الأئمة لقضاء فترة تكوين يتعلمون فيها الوسطية والاعتدال!! توفيق المدني أول وزير للأوقاف بعد استعادة الاستقلال، رأيته واستمعت إليه أول مرة في افتتاح مسجد بمدينة بلعباس مشهور باسم بوزكورة هو أحد بانيه رحمهما الله، كانت كلفة بنائه - فيما شاع - ثلاثين مليون سنتيم، وقد دفن الباني فيه بوصيته كما ذكرته في العجالة، ثم تسلمت منه جائزة هي شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني المسمى كفاية الطالب الرباني لأبي الحسن مع حاشية علي الصعيدي رحمهم الله، لأني كنت الأول في السنة الأولى في دفعة من 300 طالب . كان رأس وثائق الوزارة يومئذ يحمل الديانات غير الإسلام، ثم صار إلى ما ترى، وتضم الميزانية مواد الأعوان غير المسلمين، لكنها مرفقة بعبارة (للبيان) . فلما تولى مولود قاسم الوزارة عمل على تطوير التعليم الأصلي شكلا ومضمونا، ومن ذلك توحيد نمط بناياته المعماري حيث أسندت المهمة إلى المهندس بوشامة، وبلغ عدد المعاهد بما فيها القديمة نحو 26، ومن المدن التي بنيت فيها الجزائر ووهران وقسنطينة وباتنة وبلعباس ومعسكر وسعيدة وتلمسان وتيارت ومستغانم وبوسعادة (زاوية الهامل) . كان برنامج هذا التعليم يزيد على التعليم العام بتحفيظ القرآن والحديث والفقه والتجويد والخط بأنواعه، وفصل الرجال عن النساء، ولم يهدأ بال الوزير ومن معه حتى تمت المساواة بين شهادتي الأهلية والبكالوريا في التعليمين . لكن مولود قاسم خطا خطوة واسعة حين أقدم على الربط المحكم بين هيآت الوزارة في الولاية التي لم يكن لها هيكل تنظيمي ولا إطار واضح لمسؤوليها، وبين هذا التعليم، فجعل كل مفتشي الشؤون الدينية في الولايات نوابا لمدير التعليم الأصلي المركزي، وصدرت القرارات مؤشرة من الوظيف العمومي والمراقب المالي المركزيين شعورا منه بأهمية هذا التعليم في الإصلاح العلمي والدعوي الذي كان يراه، وقد قوي هذا الأمر بنشاط أساتذة المعاهد في المدن التي كانوا فيها، وفيما حولها في عهد مبكر، وكانوا يحظون بالأولوية، بل عوقب بعض أئمة المساجد الذين اعترضوا على تقديمهم عليهم، منهم الشيخ بلهاشمي بكارة رحمه الله مفتي معسكر وإمام مسجد مصطفى بن تهامي بها فأوقف عن العمل ستة أشهر. فلما اشتد ساق هذا التعليم وتبينت نجاعته وتفوق طلابه مع قلة الموظفين في إدارته جدا - والمقام لا يتسع للبيان - افتعل تعديل الميثاق الوطني سنة 1976، ليكون غطاء للإلغاء، كشأن كثير من الأحداث التي جعلت معبرا إلى ما يريده مصطنعوها مما لا يعلمه معظم الناس . كان من بين ما في هذا الميثاق مما (استشير) فيه المواطنون ضم هذا التعليم إلى التعليم العام فكان أن طالب الناس بتعميمه، فصدر الميثاق باستبدال همزة التأميم بعين التعميم!! -والباء تدخل على المتروك- وجاء القرار الوزاري المشترك سنة 1977 ينص على توحيد التعليمين في تعليم موحد تدعم فيه مادة التربية الدينية !!، أما ما تلا هذا الأمر فيعرفه كثير من الناس، ولاسيما أساتذة التربية الإسلامية الأقدمون، وللحديث بقية . الخامس من شهر ذي الحجة 1441

الخاطرة 281

(4) أقلق النشاط المتنوع المتكامل الذي قام به مولود قاسم ومن معه، والصلات القوية التي عقدتها وزارته مع الجامعات والهيآت العلمية والفكرية والجاليات الإسلامية والشخصيات ذات الوزن والصيت؛ حكام بلدنا، فألغي التعليم الأصلي كما علمت، ثم تلاه إلغاء الوزارة نفسها، فصار وزيرا موظفا لدى الرئاسة، مكلفا بالشؤون الدينية بدون وزارة!!، ثم صارت مفتشيات الولايات بمقتضى هذا التنظيم الجديد؛ تابعة لدواوين الولاة، فمفتش الشؤون الدينة يتبع في السلم الإداري رئيس الديوان!!، بعد أن كان الوالي لا يجرؤ على جمع الأئمة إلا بحضور الوزير، وبهذا قبر ذلك المشروع المتكامل الذي انطلق بعد الاستقلال بسنة: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر !! . وقد يكون هذا تنفيذا لما يفهمه من يتولون الحكم من بيان أول نوفمبر الذي لا يزال بعض الناس يذكرونه، (ويحتجون) بما فيه من ذكر للمبادئ الإسلامية التي ينبغي أن تقام عليها الدولة، وكيف تقوم الدولة على المبادئ هذه دون تربية وتعليم إسلاميين؟. وقد تسأل عما وراء الأهمية التي أولتها الحكومة لإدارات الشؤون الدينية المحلية ومساواتها بنظيراتها في المجلس التنفيذي من حيث الهيكلة والصلاحيات والحقوق كما هي عليه اليوم، فأجيبك بأن ذلك ليس سوى رد فعل سياسي انطلق منذ ظهور نتائج الانتخابات البلدية التعددية عام 1990، وكانت بدايته المرسوم الصادر في عهد مولود حمروش المتضمن إنشاء مؤسسة المسجد، فإنه إلى تلك السنة لم يحظ أحد ممن يسيرون هذه المديريات بمرسوم تعيين عدا مسؤول ولاية ورقلة !! تغيير ما بالأنفس لا يكون بالبنايات وإحداث الهيآت، ولا بالنياشين والرتب، ومتى كان وراء الدعوة سياسة غير شرعية؛ فإنها لا تحقق مقصد الشرع ولا تقترب منه، وإنما تخدم نزعة من حركها، فإن حصل بسببها نفع فهو مما لا يريده واضعها بالأصالة، فيسكت عنه لمصلحة سياسته، فإذا رأى ما يصادم غرضه، بل ما دونه من تعكير صفوه؛ تنكر لأقرب الناس إليه، وما أكثر الشواهد التاريخية عليه، وما نزال إلى اليوم نشهد أن الشخص إذا كثر المستمعون إليه أو قوي نشاطه الدعوي أو العلمي أو النفعي يرتاب في أمره ويضيق عليه، وقد كنت أنصح بعض الأئمة الذين تشهد مساجدهم إقبالا كبيرا بتركها في بعض الجمع حتى يجتنبوا عواقب ما يظن بهم من سوء وهم برآء منه، بل ربما قلت للمصلين يوم الجمعة صلوا في مدنكم (لا في بيوتكم) !!. منشئ الهياكل والرسوم هو الذي يتحكم في المقصود منها، ويحدد مسارها، أما المستخدم - بالصيغتين - فيؤجر على عمله إن كان حقا في نفسه، وأخلص فيه لربه، وإلا خسر آخرته وقد يخسر معها دنياه!!، ومن خالط السلطان افتتن . أقمنا منجزات كثيرة لكننا لم نفلح في تربية الفرد، وبإمكانه أن يجعل كل ما صنع غير ذي معنى، فكأننا لم نصنع شيئا !! . من الغريب أن إجهاض مشروع مولود قاسم جرى في عهد الرئيس هواري بومدين رحمه الله، وقد كان يقدره في الظاهر، ويعترف له هو وغيره بالكفاءة، وبخدمة الجزائر، وله من رصيد النضال السياسي والدبلوماسي والثقافي ما يبعد عنه كل شبهة !!، فما هو من أصحاب الانقلابات، إلا أن يكون هذا التغيير الذي كان يريد أن يحدثه في الأنفس بإعادة بناء الفرد وإصلاحه من الداخل، وهو الذي قال الله تعالى عنه: "إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِہِمۡ‌ۗ "، وقد كانت هذه الآية لا تغيب عن شعار الملتقيات، كيفما كان موضوعها، فكيف ينقلب عليه ويذيقه هذا الامتهان بشطب برنامجه وحذف وزارته !!؟ . هل حصل تغير ما في توجه هواري بومدين تجاه فرنسا في أواخر السنوات الثلاث عشرة التي أمضاها في الحكم؟، المرجح أن ذلك وقع، والقرائن على ذلك قائمة، ولا أرغب في الخوض في غير ما ذكرت، لأني رسمت حدا لهذا الذي أكتبه، أما استبقاؤه لمولود قاسم وزيرا بدون وزارة؛ فوراءه اعتبارات جهوية توظفها السياسة كما توظف الدعوة، ويخشى أن يثيرها استبعاده، وقد تكون هي التي جيء به من أجلها إلى الوزارة، كما جيء بغيره، وإن كان مولود قاسم من أبعد الناس عن هذا، وهو دأب علمائنا من منطقة القبائل صانها الله يلتقي عليها متقدموهم ومعاصروهم ومنهم ابن باديس نفسه ومن دعاة اليوم الذين نرتاح لجهودهم ونكن لهم التقدير حتى لمن نالنا منهم الأذى . بعد سنوات من ابتعاد مولود قاسم عن الوزارة والرئاسة ذكر له التعليم الأصلي في مقابلة أجرتها معه مجلة الإرشاد فأجهش بالبكاء، وليس هذا من عادته، وقال ما فحواه: "ستظل جامعة الخروبة بصومعتيها الذاهبتين في السماء شاهدة على ما صنع بالتعليم الأصلي في الجزائر !! . هل سلمت خطة مولود قاسم رحمه الله من العثرات؟، وهل كنا نختلف معه في مفردات داخل هذه الخطة؟، لعلي ألمح إلى شيء من ذلك في الجزء الاخير . السابع من شهر ذي الحجة 1441

الخاطرة 281

(5) أستكمل الحديث عن هذا المشروع الذي انطلق مع استعادة الاستقلال بأموال المحسنين والمتطوعين تحت اسم (المعاهد الإسلامية للتعليم الديني)، ثم تفطن القائمون عليه إلى هذه التسمية التي تقلق الخصوم وتهيجهم، فسموه التعليم الأصلي، فلما حصل الانقلاب الذي وسمه من تولوه بالتصحيح الثوري سنة 1965 صار هذا التعليم حكوميا ابتداء من سنة 1970، وعده الناس من حسنات عهد بومدين، وأكبر ظني أن ذلك كان تمهيدا للقضاء عليه، وهو أمر معهود في غالب الأنظمة السياسية، كلما أريد إفراغ مشاريع الإصلاح من محتواها؛ أبدت الاهتمام بها للهيمنة والسيطرة، ثم يصير القائمون عليها مستخدمين مسخرين، فإن تجاوبوا وإلا استبدل بهم غيرهم لتصير خادمة لمصالح الساسة، وكثير من الناس يخلطون بين الطاعة في المعروف والابتعاد عن تهييج الناس ضد الحكام، فضلا عن الخروج عليهم، وبين استخدام السياسيين أهل العلم والدعاة لتحقيق أغراضهم، وليس هذا موضع الحديث عن هذا الأمر . كيف يجمع بين هذا التعليم الذي سيتبين لك مقصود منشئيه منه؛ وبين سياسة لا تعتمد أحكام الله في نظمها وقوانيها؟، فلا عجب أن كان الذي وأد هذا التعليم هو من أعطاه الصبغة الرسمية بعد سبع سنين: إذا رأيت نيوب الليث بارزة ** فلا تظنن أن الليث يبتسم إن ما في دساتير الدول الإسلامية من الإقرار بأن الإسلام دين الدولة مع عدم الارتباط بنظمه وتشريعاته؛ هو أكبر تثبيت للعلمانية في أذهان الناس، لأنه بالممارسات اليومية المتكررة يستقر في نفوس من يجهلون دينهم أن هذا هو الإسلام المبتغى، وهو ما صار مسلما اليوم عند غالب الناس، فسهل عمل العلمانيين بل كفوا العناء بأمر عملي معيش!! لم يكن هذا التعليم إلا استئنافا لمنهج جمعية العلماء، تكيف به بعض رجالها مع الواقع الجديد، ولعلهم كانوا يستحضرون قول ابن باديس رحمه الله: الظروف تكفينا ولا تذيبنا. لكنهم أضافوا إليه شيئا لا بد منه في بناء الدولة التي من أجلها جاهد الناس فرنسا، فلم يكن الهدف منه نشر العلوم الشرعية فحسب، بل أريد به الوصول إلى أسلمة علوم الحياة، وهو تمهيد لا بد منه للإصلاح العام . وقد شرح ذلك مولود قاسم في تعقيب له على كلمة لتوفيق المدني سنة 1973، ومما قاله "...سوف لا يكون الإمام متسلحا بالسلاح الحديث لأداء مهمته فقط بالاطلاع على التيارات السياسية والاقتصادية المعاصرة وتاريخ الأديان المقارن وعلم الاجتماع والتاريخ، بل يكون الطبيب أيضا والصيدلي والمولدة والممرضة والمخبري مطلعين على تاريخ الطب في الإسلام، وما قام به أسلافنا في هذا الميدان، وتكون لهم الأخلاقيات الإسلامية في أداء رسالتهم، بحيث لا يكونون كأي طبيب، وأي صيدلي، وأي ممرضة، وأي مولدة، أو أي مخبري، وقل نفس الشيء عن المهندس الزراعي، والعالم الكيميائي، والموظف العادي، فضلا عن الإمام والمعلم والأستاذ الثانوي والجامعي ..." (إنية واصالة ص 427). لم يكن هذا الرجل يجهل حال البلد وتوجهه، فكيف صار إلى هذه الصراحة؟، هل اغتر بأن هذا النشاط صار حكوميا رسميا ترصد له الأموال من ميزانية الدولة؟، أم حجب عنه هذا أنه عمل بوزارة الخارجية في عدة بلدان وخدم بلاده خدمات جلى؟، أم لأن كثيرا من رجال النظام من مسؤولي الحزب وأعضاء الحكومة والسفراء يحاضرون في الملتقيات ويكتبون في مجلة الأصالة يؤيدونه ويشدون من أزره، والمقام لا يسع ذكرهم؟، ألم يكن يعلم انهم لا يمثلون إلا واجهة للقوى التي تدير الدولة من وراء وراء ؟، وبناء على هذا ألم يكن الأفضل أن يبقى على هذا التعليم حرا كما كان قبل الاستقلال وبعده ؟، لكن ما شاء الله كان . من قرأ ما كتبه الرجل في سنة 1963 عن العربية والتعريب والقوى المناوئة يستيقن أنه كان على دراية كاملة بمحيطه عالما أن معظم الذين يمسكون بأزمة الأمور في الدولة مفرنسين فكرا ولسانا، فشهر سيفه عليهم مبكرا في مقالات عدة عن التعريب في مجلة المجاهد الأسبوعية في شهري نفمبر وديسمبر سنة 1963، وهذه عناوين المقالات: - تعريب الأمخاخ والقلوب قبل تعريب الألسنة. - قيمة اللغة في نظر بعض الأمم . - تكلم لغة قومك. - علمية العربية ماضيا ومستقبلا. وأكتفي بذكر هذه الحقيقة التي بينها في العنوان الأول، حيث صنف المعارضين للتعريب ثلاثة أصناف، ووصفهم بالممسوخين، ولا شك أن الأمر قد استفحل اليوم، إذ انضافت إليه مجالات أخرى أشد خطورة، قال: "فقبل استئصال هذه الزائدة الدودية لدى هذه الطائفة، أي قبل تعريب الأمخاخ والقلوب؛ لا يمكننا النجاح في تعريب الألسنة، وذلك أن كل العراقيل؛ من هذه الطائفة، وهي مع الأسف على الأقل من الآن ولا تزال الماسكة بالزمام في أغلب دوائرنا الحكومية !!، هذا الوضع خلفه الاستعمار وأراده عن ترو وقصد، وعلينا معالجته معالجة ناجعة، إن لم تكن جذرية، فعلى الأقل تدريجية ..."، وللحديث بقية . ليلة الخامس عشر من شهر ذي الحجة 1441

الخاطرة 281

(6) أكبر ما كان يجمعنا بمولود قاسم رحمه الله بعد الإسلام جده وحزمه، لكن قد يبلغ به الضبط ما لا يمكن تطبيقه، فيتبرم بصنعه مساعدوه ومن يتعامل معه. أما شعورك بصدق لهجته وحرقته لتخلف المسلمين مع ما آتاهم الله تعالى من هذا الدين الذي يقيمون به دنياهم، ويسعدون به في آخرتهم؛ فلا أحسب أن منصفا يعرفه يشكك فيه. لكن إصابة المرء في اتجاهه العام لا يمنع وقوعه في الزلل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي رضي الله عنه: "قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم". وقد فرض الله أن نسأله في كل ركعة من صلواتنا الهداية إلى الصراط المستقيم مقيدا بصراط الذين أنعم عليهم ممن ذكر مراتبهم. الزلل يحصل عن اجتهاد من تأهل فيؤجر أجرا واحدا إن أخطأ، وقد يقع عن تقليد أو غيره، ومغفرة الله عامة لمن شاء مما دون الشرك. هذا بعض مما كنا نأخذه على هذا الرجل أو علمنا أنه جانب فيه الصواب من أمور كان ينافح عنها بكلامه وقلمه غفر الله له، وليس المقام بيان رد ما كان يراه وهو مردود . 1- من ذلك الاعتماد على التقويم الفلكي في الصيام والأعياد، كان يسعى إلى اتفاق الدول الإسلامية عليه، وبلغ مبتغاه بعقد مؤتمر لوزراء الأوقاف في الكويت عام وصدر عنه قرار، وكأنهم اتفقوا على جعل مرصد المملكة العربية السعودية مرجعا لجميع الدول بالتعاون مع مرصد بوزريعة في الجزائر وغيره . وكان يتعجب أن لا يعرف المسلمون بالحساب القمري يوم يجتمع رؤساهم ووزراؤهم، ويرى اتفاق المسلمين على مواعيد صيامهم وأعيادهم من مظاهر وحدتهم، ويحتج بقوله تعالى: "هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءً وَٱلۡقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ ۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَ‌ۚ " . اجتهد في الحصول على موافقة المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر، ولبعض أعضائه معه قصة طريفة هي في العجالة، وحصل على موافقة أفراد من أهل العلم أو المنسوبين إليه من مختلف المذاهب، ويقول إنه لا يريد فتوى إدارية، ويعتمد على فتوى الشيخ محمد رشيد رضا، وقد ذكر ذلك في تفسيره، ولعلها في مجلة المنار، جعل إمكان الرؤية بالحساب كالرؤية بالعين، والحق أن الحساب القمري ليس كالشمسي في الانضباط، ويرى أن مخالفة هذا من قبيل قول الله تعالى: "أَفَتومِنُونَ بِبَعضِ ٱلكِتَـٰبِ وَتَكفُرُونَ بِبَعضٍ‌ "، وقد بينت ما فيه في موضع آخر، ومن العجب أن يقول الحافظ إن الخطاب في الحديث للصحابة، ولازمه أن لغيرهم ممن يعلم الحساب والكتاب أن لا يعتمد الرؤية، وإن كان لازم المذهب ليس مذهبا. وصنعه هذا هو ما عليه العمل في الجزائر منذ ذلك الحين، مع الاعتضاد بالرؤية في رمضان فقط، واعتبار ليلة الشك بالحساب!!، وهو تلفيق غريب، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أحصوا هلال شعبان لرمضان"، وأنى لمن لم يفعل أن يعرف ليلة الشك؟. 2 - ومنه عدم إدراكه لمعاني بعض الأحاديث فيستغربها ويشكك فيها، وربما ذكر ذلك على الملإ وفي الإذاعة، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب.. الحديث"، يقول مستغربا: "بعد أربعة عشر قرنا من نزول (اقرأ)، نحن أمة أمية ...؟، وكتب في ذلك مقالا . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"، ومما يقضى منه العجب أننا لم نعلم للمقربين منه مراجعته أو الرد عليه، ولا رجع هو إلى المختصين . 3 - ومع إلزام النساء المشاركات في الملتقيات بحضور محارمهن أو أزواجهن، لكنه لم يكن يرى إلزام من يحضرن بستر ما عدا الوجه والكفين الذي صار عند معظم الناس هو الحجاب وأي حجاب!، كان يرى الاكتفاء بما سماه اللباس المحتشم المحترم، ورد على الشيخ مصطفى الزرقاء الفقيه الأردني رحمه الله حين دعا إلى التزام ذلك في الملتقيات، ونشره بعنوان: هل كان صوت عائشة عورة؟، ويرى أنه من الجزئيات والسطحيات!!، كان يقصد افساح المجال لحضور عدد أكبر من النساء ليتعلمن، وهو مقصد حسن، لكنه لا يقوم حجة هنا . 4 - وهو يفرق بين موسيقى المجون والخمريات والتهريب وبين التي تربي الذوق وتسمو بالإنسان !، وفي برنامج الملتقى السابع حفلة موسيقية عالمية !، ويحث على تعلم الموسيقى والاهتمام بالمشتغلين بها، ويرد على من يتهم محمد إيقربوشن بالجنون !!، ويعرف تفاصيل سمفونيات بيتهوفن المتعددة، وما وراءها من تمجيد للطبيعة !، والمبادئ الأخلاقية، والمشاعر الوطنية، وهذه ضلالات قلد فيها بعض الناس مذهب ابن حزم والغزالي وغيرهما من المتقدمين والمتأخرين . وفي الختام أسأل الله أن يرحمه وأن يغفر لنا وله ولسائر المسلمين: "رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٲنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَـٰنِ وَلَا تَجعَل فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ". 15 من ذي الحجة 1441 ملحق: صفحة المجاهد الروائي صلاح الدين محمد بومدين فتح التّعليم الأصلي بتاريخ 21-07-1970 بإنشاء وزارة الشّؤون الدّينية و التّعليم الأصلي.. وجعل على راسها القبائلي مولود قاسم.. فتمّ إصدار تنظيم الإدارة المركزية لوزراة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينية بتاريخ 31-12-1971 المرسوم رقم 71-299...تحتوي من بينها : * مديرية التّعليم الأصلي. *مديرية الشّؤون الدّينية. * مديرية الأبحاث الإسلامية وملتقيات الفكر الإسلامي فأنشأ مولود قاسم .. باكالوريا التّعليم الأصلي بتاريخ 13-05-1971 المرسوم رقم 71-128 ثمّ أنشأ مولود قاسم .... شهادة الأهلية التّعليم الأصلي بتاريخ 13-05-1971 المرسوم رقم 71-129 ثمّ أنشأ مولود قاسم المدرسة الوطنية لتكوين إطارات التّعليم الأصلي.. في مفتاح ولاية الجزائر أنذاك . بتاريخ 22-09-1971 الامر رقم 71-64 .. ومن بين مدراء مدرسة مفتاح.. غلام اللّه بوعبد اللّه عيّن بتاريخ 17-03-1973 ثمّ أنشأ مولود قاسم المركز الثّقافي الإسلامي بالعاصمة. مهمّته نشر الثّقافة الإسلامية في صفوف شباب الأمّة والمواطنين و كان الإنشاء بتاريخ 21-03-1972 الامر رقم 72-7.. وتمّ تعيين أحمد أيت بلقاسم مديرا للمركز بتاريخ 27-06-1973 ثمّ أنشأ مولود قاسم ...المركز الثّقافي الإسلامي بوهران .. بتاريخ 10-09-1974 لكن بومدين تراجع عن التّعليم الأصلي مثلما تراجع عن سياسة التعريب و قام بإلغائه بتاريخ 08-10-1977 مرسوم 77-139 ... و تحويل كلّ ممتلكاته إلى وزارة التّربية تحت إدارة مصطفي الأشرف العلماني المعيّن وزيرا للتّربية بتاريخ 23-04-1977.. و تمّ أنهاء مهام مولود قاسم كوزير للتّعليم الأصلي و الشّؤون الدّينية .. و تمّ تعيينه في منصب آخر بتاريخ 23-04-1977 كوزير لدى رئيس الجمهورية مكلّف بالشّؤون الدّينية مرسوم 77-73 مولود قاسم المولود من عرش اث عباس قرية بلعيال بلدية ودائرة اغيل اعلي 06-01-1927 المتوفّي بتاريخ 27-09-1992..كان يشرف على ملتقيات الفكر الإسلامي للبحث في الظّواهر و السّنن و حماية الشّباب من الإنحراف الفكري المؤدّي إلى الجنون والتّكفير .. يحضر إليه علماء من كلّ المذاهب من بقاع العالم .. و كان مولود قاسم من أشدّ المدافعين عن اللّغة العربية و حضر ملتقى تعميم التّعريب بالمدية 15-09-1984... و الذي بدأه الشّادلي منذ 1980 وكان مولود قاسم ضد قرار رئيس الحكومة أحمد غزالي مرسوم تنفيذي 92-24 تاريخ 13-01-1992 ...والّذي سمح للكفيل باعطاء لقبه للمكفول مجهول الأب في فترة الحركة الوطنية كان يدرس الفلسفة في القاهرة ومنخرط في حزب الشعب وكان رفيقه في نفس الغرفة الطالب الشهيد زدور المهاجي ابن معسكر والذي يعتبر اول طالب شهيد استشهد تحت التعذيب بتاريخ 13-11-1954 اعتقلوه بعد عودته من القاهرة الى وهران في فترة الثورة كان يدرس دكتوراه في الفلسة من جامعة السربون بباريس و في نفس الوقت مناضل في الثورة. الوظائف العليا التي تقلدها بعد الاستقلال هي : مستشار الشؤون الخارجية في وزارة الشؤون الخارجية بتاريخ 29-05-1963 منتدب كرئيس قسم في وزارة الشؤون الخارجية بتاريخ 05-06-1964 مدير الشؤون السياسية في وزارة الشؤون الخارجية بتاريخ 01-08-1964 وزير مفوض في وزارة الشؤون الخارجية بتاريخ 05-08-1965 مستشار الشؤون السياسية و الدبلوماسية لدى الهواري بومدين بتاريح 06-05-1966 وزير للاوقاف بتاريخ 01-06-1970 وزير التعليم الاصلي و الشؤون الدينية بتاريخ 21-07-1970 وزير لدى رئيس الجمهورية مكلف بالشؤون الدينية بتاريخ 23-04-1977 الى 08-03-1979 عضو اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير بتاريخ 31-01-1979 مستشار برئاسة الجمهورية من 01-05-1979 الى 31-07-1983 متحصل على وسام الاستحقاق الوطني بدرجة عهيد بتاريخ 01-11-1984

الخاطرة 282

(1) مولود قاسم نايت بلقاسم.. أو قطعة من تاريخ الاسلام في هذا الوطن المنكوب عرفت مولود قاسم نايت بلقاسم رحمه الله تعالى بصوته في اتصال هاتفي بالوزارة من البريد في وهران، بعد تلقي مقررة تعييني مفتشا للشؤون الدينية غداة التقسيم الإداري الذي انفصلت به معسكر عن مستغانم سنة 1974. ظننت أني أتحدث إلى المكلف بمقسم الهاتف، فقلت: وزارة التعليم الأصلي؟؟ فرفع صوته قويا كعادته: "الوزير نفسه"!! فوضعت السماعة وانصرفت وقد وقع في روعي أن الرجل نسيج وحده!! كان قوي الذكاء، شديد الحيوية، حاد المزاج، يتناغم صوته مع حركات يده إذا تكلم، كلف بالسجع المطبوع تارة، والمصنوع أخرى، حياته جد لا هزل فيها، يعمل معه حاجبان بالتناوب لطول مكثه في عمله. يعرف بعد العربية الفرنسية والإنجليزبة والألمانية وغيرها، قصته مع الخميني معروفة لم أتمكن من توثيقها، كان حريصا على الضبط، ولاسيما الوقت، يكره إطالة مقدمة الكلام حيث الوقت محدود، فيقاطع من يطيلها بقوله: ادخل في الموضوع، يفتح بريد الوزارة بنفسه، ويعلق عليه قبل توزيعه على المصالح، وربما أرجعه إلى مرسله ليصحح كلمة في رسالة، أو يغير الماسك من اليسار إلى اليمين، لأن الكتاب العربي كذلك يقلب، وقد أرجع رسالة إلى مفتش ولاية بلعباس وكتب عليها بقلمه: من أين أقلب يا (فلان)؟ فأصلح الخلل وأعاد إرسالها. أحال عليه مدير التربية بمعسكر رسالة مواطن وكتب المدير على جدول الإرسال بالفرنسية: إلى السيد وزير الأحباس (يعني الأوقاف)، فكتب على أعلاها بخطه: "ابعثوها إلى مفتش معسكر، ليفهم هذا الحمار البوقرون (ذا القرون) أن للوزارة اسما غير هذا" لحرصه على التسمية التي اختارها وهي التعليم الأصلي. وكان يكره ذكر القوميات في اللقاءات لأنها عامل تفرقة لوحدة المسلمين، وبخ الشيخ صبحي صالح اللبناني جهرة حين عقب على موسى الصدر الإيراني -الذي اتهم القذافي بإخفائه- فقال إنه يجيد النطق بمخارج الحروف وهو ليس عربيا!! كان عظيم الإنكار على من ينعت الحكم العثماني بالاحتلال، وكان يرفض أن يقال إن الجزائر دولة فتية للمكر الذي يقصده بعضهم بهذه الكلمة الجذابة، وهو قطعها عن ماضيها، ومنه الحكم العثماني، وكان عبد الله عنان المؤرخ المصري هو الذي يتولى كبر وصف الخلافة العثمانية بالاحتلال، فيقوى الجدال والسجال، لكنه موضوعي هادئ، ليس كالذي يجري هذه الأيام من غير خطم ولا أزمة، بعد استعادة مسجد آيا صوفيا الذي ستصلى فيه يوم غد الرابع من ذي الحجة سنة 1441 أول جمعة، وهو الأمر الذي ذكرني بالرجل، لكني آثرت الكتابة عن بعض ما أعرف عنه عموما، بدل بسط كلامه على الخلافة العثمانية، لرغبتي عن الكلام فيما لا يرتجى منه نفع. ومما كان يكرهه ويقاومه ما يسميه الدروشة وقد حول بعض الزوايا إلى معهد للتعليم الأصلي، وكان يمقت بناء الضرائح وتقديم النذور لها، وسعى في صرف الناس عنها بحيلة فأمر بوضع صناديق توضع فيها الأموال، بدل تسليمها لمقدمي الضرائح، يقصد صد الناس عنها لأنهم لا يجدون من يأخذ تلك الأموال ممن يتبركون بهم، وكثير من المساجد بنيت بهذه الأموال. كان الغالب على كتاباته وكلماته التذكير بمسألة أصالة الأمة التي تعني دينها ولغتها وغير ذلك مما يراه، مع الأخذ بأسباب الحياة المعاصرة، وقد عبر عن الجمع بين هذين الأمرين بما سماه (الإنية والأصالة)، التي دندن حولها كثيرا، وقد أخذ كلمة (الإنية) من كلام لابن سينا، يتلخص في أنه قد تصور نفسه بين السماء والأرض، وأن جسمه قد انتزع منه، ولم يبق له إلا ذلك الوعي الحاد بوجوده، وشعوره بذاته المتميزة، وهذا هو أصل ما عرف عن ديكارت من قوله: "أفكر فأنا إذن موجود"، وأنا هنا حاك، ولا حاجة بنا في هذا إلى ابن سينا ولا إلى ديكارت، وقد اعتبر أن حالة الجزائريين إبان الاستعمار الفرنسي ينطبق عليها هذا الأمر، فلم يعتبروا فرنسيين يعاملون معاملتهم، ولا جزائريين لهم جنسيتهم، ومع ذلك بقيت لهم إنيتهم وهي الاعتزاز والتعلق بمقومات الشخصية . اعتمد مولود قاسم عدة محاور لترسيخ معنى الإنية والأصالة في الأمة وتحديثها وعصرنتها، وهي التعليم الأصلي، وملتقيات الفكر الإسلامي، ومجلة الأصالة، وسأشير إليها في الجزء الثاني من هذا المنشور إن شاء الله. ليلة الرابع من شهر ذي الحجة 1441 .

الخاطرة 282

(2) ابتدأت ملتقيات الفكر الإسلامي على يد تلاميذ مالك بن نبي في ثانوية عمارة رشيد بالجزائر العاصمة، ثم في غيرها، ومن أبرز تلاميذه عبد الوهاب حمودة، وعلى أيديهم وبمشاركة غيرهم انطلق إنشاء المصليات في الجامعة بعد إذن أحمد طالب بن محمد بن البشير الإبراهيمي رحمهم الله. وقد كان عبد الوهاب حمودة سندا قويا قليل النظير لما بلغه مولود قاسم من تجسيد لطموحه الإصلاحي الذي أشرت إليه من قبل، حيث قاد مديرية الثقافة الإسلامية والملتقيات، ولعل ذلك السبق كان مدعاة تعيينه أو استبقائه في هذه الإدارة التي كانت قطب الرحا في الوزارة. كان بين الرجلين توافق في التفاني في العمل والانضباط، وإن اختلفا فيما وراء ذلك قليلا أو كثيرا، حتى إني لم أر أحدا من المسؤولين المقربين من مولود قاسم يسلم من سهام نقده جادا أو مازحا غير هذا الرجل، بما في ذلك الشيخان أحمد حماني والمهدي البوعبدلي رحمهما الله. انطلقت الملتقيات محلية، عدد المشاركين فيها قليل، ثم صارت عالمية يصل المشاركون فيها من الأساتذة العشرات من مختلف التخصصات حسب موضوع الملتقى، ومن جميع القارات، ومن المذاهب الفقهية الإسلامية، والمستشرقين، وممن أسلموا من المفكرين الغربيين، ومن الجاليات الإسلامية. أما الطلاب فيبلغون المئات من الداخل والخارج رجالا ونساء، مع لزوم حضور المحارم أو الأزواج، والتعهد بحضور الجلسات كلها، وقد عوقب مجموعة منهم بالسجن ست ساعات لإخلالهم بذلك في ملتقى تيزي وزو الذي انعقد في ثانوية عميروش رحمه الله يبلغ عدد المحاضرات في اليوم عشرة، تطبع وتوزع قبل إلإلقاء زيادة على التعقيبات والردود والأجوبة عن الأسئلة، والمجالس الليلة الاختيارية، والبحوث غير المبرمجة، وجميع هذه الأعمال يضمها كتاب الملتقى الذي قد تبلغ أجزاؤه خمسة، وقد كان يوزع على المشاركين في الملتقى القادم. وقد كان الحرص عظيما على عقد الملتقى خارج العاصمة لما لذلك من الإشعاع العلمي والدعوي، فاستضافته ولايات كثيرة، وعقد في بعضها أكثر من مرة، منها الجزائر ووهران وتيزي وزو وباتنة وتلمسان وقسنطينة وورقلة وتمنغست وبجاية وسطيف ومعسكر وتبسة، وكان منطلق برنامجه في كل ولاية الحديث عن تاريخها وأعلامها من العلماء وغيرهم الناظر في هذه الأعمال لا يشك أن ملتقى واحدا أنفع من سنة جامعية عندنا لو كانت جادة، فكيف بالعبث الذي عليه معظم كليات جامعاتنا؟. لست أريد بهذا الذي أكتبه غير الوصف وباختصار شديد لما عشته، دون أن اذكر العبر التي ينبغي أن تستخلص من هذه الأمور، لكني أكتفي بالقول إن هذا الذي رأيته من النفع الكبير والتنظيم الذي قل نظيره للملتقيات وغيرها مما سيذكر قد كان مثار تخوف وتوجس من هذا الذي يريد أن يصل إليه مولود قاسم وفريقه، فلم يعجل بإلغاء هذه الملتقيات سنة 1990 فحسب -وإن كان لإلغائها في هذا التاريخ سبب إضافي معروف- بل تسبب في إلغاء التعليم الأصلي، وفي الاضطراب في المرتبة الإدارية التي ينبغي أن تعطى لممثلية الوزارة في الولاية، إلى أن ألغيت الوزارة نفسها سنة 1977 كما سنرى في بقية هذه الخاطرة إن شاء الله. السادس من شهر ذي الحجة 1441

الخاطرة 282

من خصائص يوم عرفة لمن وقف بها روى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعرفات، وقد كادت الشمس أن تؤوب، فقال يا بلال، أنصت لي الناس، فقام بلال فقال: "أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"، فأنصت الناس، فقال: "يا معشر الناس، أتاني جبريل آنفا، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إن الله غفر لأهل عرفات وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات، فقام عمر بن الخطاب فقال: هذا لنا خاصة، فقال: هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة"، فقال عمر: "كثر خير الله وطاب"، نسبه في الترغيب والترهيب لابن المبارك، واعتبره الحافظ على شرط الشيخين إن ثبت سنده إلى ابن المبارك، وصححه الألباني . وروى ابن ماجة عن بلال رضي الله عنه مرفوعا: "إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله، صححه الألباني لشواهده . والتبعات جمع تبعة؛ وهي ما فيه إثم يتبع به المرء، فيدخل ما يترتب في ذمته من حقوق غيره، ومعنى تطول عليكم امتن عليكم. وفي الحديثين دلالة على أن العموم الذي في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"؛ محفوظ . وروى مسلم والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا أو أمة من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي ملائكته، فيقول: "ما ذا أراد هؤلاء"؟، وأوله يشمل بظاهره من بغير عرفة، والله أعلم . التاسع من شهر ذي الحجة 1441 •

الخاطرة 283

الكلمة الطيبة نوعان: تعظيم للحق، ونفع للخلق، فاجمع بينهما ما استطعت، عظم الرب، وانفع المربوب، هما من الأعمال الصالحات الباقيات، يعظم الأجر عليهما في هذه الأيام . رأس الأولى قراءة القرآن، وما كان منه كما في حديث: "أربع من أطيب الكلام لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، ومن الكلمات الطيبات التي هي أفضل الكلام؛ ما اصطفى الله لعباده: سبحان الله وبحمده". ورأس ذلك كلمة التوحيد كما في حديث: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". والثانية جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بديلا لمن لم يجد ما يتصدق به ولو شق تمرة فقال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة". وقال ابن هبيرة شارحا كما في فتح الباري هي: "ما يدل على هدى، أو يرد من ردى، أو يصلح بين اثنين، أو يفصل بين متنازعين، أو يحل مشكلا، أو يكشف غامضا، او يدفع ثائرا، أو يسكن غاضبا"، وحاجتنا شديدة إلى هذه الأنواع جميعا . ومن الكلم الطيب أن تدعو لإخوانك المرضى بكشف الضر والشفاء، وأن تواسيهم بالاتصال بهم، وتدعو برفع هذا البلاء والوباء عن جميع المسلمين، وتخص المنقطعين لخدمتهم من الأطباء والممرضين الذين هجروا منازلهم ولم يروا أهلهم وأقاربهم منذ حين . يوم التاسع من ذي الحجة 1441 . •

الخاطرة 284

اليقين أصل الدين، ففي الحديث المرفوع: "ما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية"، فالعافية دونه في المنزلة، لأن المؤمن ينتفع به وحده، ولا تنفعه العافية وحدها . هو قوة نفسية عظيمة استهنا بها، يخفف أثر المصائب، بل يهونها، وهوانها من أقوى عناصر مناعة جسم المسلم التي تدفع المرض، وتكسر سورته، وتضعف وطأته . تقصيرنا في هذا الجانب لا ينكر، لم نعطه أهميته، إن لم نكن قد عملنا على إضعافه، أو اجتهدنا في حجب أهم ما يقويه، مع التهويل من شأن الوباء الذي اشتد تشكيك المختصين في نشأته، والغرض منه، وفي أمد بقائه، وإن كان التوقي لازما . ادعوا ربكم بهذا الدعاء الذي قال عنه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: "قلما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهذه الدعوات لأصحابه: "اللهم أقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا"، رواه الترمذي والحاكم . قال ابن تيمية رحمه الله: "فاليقين عند المصائب بعد العلم بأن الله قدرها؛ سكينة القلب وطمانينته وتسليمه، وهذا من تمام الإيمان بالقدر خيره وشره ...". قال الله تعالى: "ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِٕنُّ قُلُوبُهُم بِذِكرِ ٱللَّهِ‌ۗ أَلَا بِذِكرِ ٱللَّهِ تَطمَئِٕنُّ ٱلقُلُوب الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسنُ مَـَٔابٍ" . الثاني عشر من شهر ذي الحجة 1441 • كان حسن الخلق، قليل الكلام، كثير العمل، صبورا، أشرف على شؤون مسجد عبد الرحمن بن عوف أكثر من عشرين سنة، قام مقام الإمام في أغلب الصلوات، مؤذنا، متطوعا بتحفيظ القرإن الكريم فيه، ثم في مدرسة الإمام مالك، واظب معنا على حضور حلقات حفظ القرآن، ثم على حلقات العلم، قائما على معالجة أكثر من 570 من أصحاب الأمراض المزمنة في تراب ولاية معسكر، وهو ما يعادل أسرة مستشفى جامعي، ومع هذا كان يعاني من أمراض مزمنة متعددة، أنهكت جسمه، ولم تثن عزمه، قام بكل هذا وهو في عطلة مرضية طويلة الأمد، فأبى أن يستريح، كان آخر ما عمله سفره لتزويد بعض المستشفيات بجهازين لكشف الأوردة، فأصيب إثر عودته بهذا الوباء، فلقي ربه، إنه أخونا الحبيب نساخ رحمه الله . ليلة 16 من ذي الحجة 1441 . •

الخاطرة 285

رحم الله إخواننا المسلمين في لبنان، وغيره من بلاد الإسلام، ونرجو لمن مات منهم بالهدم أو النار أن يكتبه الله في ديوان الشهداء، وأن يرزق الأحياء منهم الثبات، حتى الممات، وأن يعوضهم خيرا مما أصابهم من هذه الأحزان والآلام . لقد نكب بلدهم في أربعين سنة ثلاث نكبات: حرب أهلية دامت أكثر من عشر سنوات، واحتلال اليهود ثلث أرضهم ومحاصرة عاصمتهم حتى أكل بعضهم لحوم الأموات، ثم كان هذا الانفجار الذي قل نظيره، وعظم المصاب به، بلغ وقوده أكثر من ألفي طن من المتفجرات، هو حدث جلل لا يخرج عن ثلاث افتراضات: ضلوع دولة اليهود فيه، حتى تقضي على ما بقي في هذا البلد، وهو مستبعد، لا لحسن الظن فيهم، فإنهم أهل سوء، لكني لا أرى لهم مصلحة فيه . أو هو تدبير من حزب الله الذي له في معظم ما لحق المنطقة من الأضرار نصيب، مع حليفيه في سورية وإيران، لاسيما وقد أخذ نفوذه ومن وراءه ينحسر في أوساط اللبنانيين والعراقيين كما بدا في المظاهرات الأخيرة، مع الضيق المالي الذي لحقه بالمقاطعة، وجفاف منابع دعمه ممن أنشأه، وهو دولة الروافض، والمجرم إذا لم يحقق غرضه رمى بآخر السهام، حتى يلتحق لبنان بسوريا وبالعراق، فينسجم المشهد في التدمير ويتناسق، وعلى هذا قرائن قد يكشفها التحقيق، وقد تبقى سرا إلى حين . وقد يكون حادثا عارضا هيأ له الإهمال الذي استمر ست سنوات . كان الدمار مهولا، أتى على أجزاء كبيرة من المدينة فصير معلمها مجهلا، وعامرها غامرا، وخلف عشرات آلاف الأسر دون مأوى، وآلاف الجرحى، وعشرات الموتى، وخسائر قدرت بعشرة آلاف إلى خمسة عشر مليار دولار . جاء كل هذا في ظل أزمة سياسية مستعصية، واختناق اقتصادي تردى به هذا البلد إلى أسفل الدركات، وكان ذلك وراء مظاهرات غير مسبوقة رافضة للحكم الطائفي، وللتواطؤ الحزبي على الفساد، لكنها لم تجد غير الوعود حتى صار عشرات الألاف من اللبنايين الموارنة يطالبون فرنسا بالعودة إلى احتلال بلادهم !!، وغدا ماكرون يسب حكام لبنان من غير استثناء، فأي هوان بعد هذا الهوان ؟ . هذه الأحداث وراءها أسباب ذاتية مرتبطة بسنن الله في عقاب خلقه، على قاعدة نسبة الخبث في المجتمع، فإن الله لا يظلم أحدا. كانت بيروت قبل هذه النكبات مدينة متميزة في الشرق الأوسط، بترفها وبذخها، ودورها وقصورها، وعريها وفجورها، كانت وجهة لطلاب المتع والشهوات، واهتبال الفرص والملذات، فحاق بها ما رأيت من النكبات، وقد قال الله تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا". وقد نبتت في منطقة الشرق الأوسط أكثر من مدينة حذت حذوها، وهي الآن تؤدي ما نهضت به بيروت من قبلها، فلتحذر أن تكون عاقبتها مثلها . قال الله تعالى: "قُل هُوَ ٱلقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابًا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍ‌ۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأَيَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ". هذا تذكير من الله تعالى لخلقه بقدرته على تعذيبهم بظلمهم بكفران النعم، فتحل محلها النقم، وهي صنوف من العذاب . وقوله "عَذَابًا"؛ هو نكرة في سياق الإثبات، وعمومها بدلي، فتصلح لما عرف من العذاب من فوق ومن تحت، ولما لم يكن قد عرف، والمعروف الرجم من فوق، والخسف من تحت، وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالفوق أئمة السوء، أي الظالمون من الحكام، وبالتحت خدام السوء، أي العبيد والسفلة، ولم يصح عنه، وإن كان الإبهام الذي في كلمة ("عَذَابًا) صالحا لتناول ما فسره به، كما أنه صالح لما أحدثه البشر من وسائل الدمار كالقنابل والصواريخ وغيرها . وقوله تعالى: "أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعًا"؛ أي يخلطكم فرقا تختلف أهواء كل منها عن الأخرى، لاختلاف مشاربها ومصالحها، ومن تتخذه رأسا لها، ويصدق هذا اليوم على الأحزاب والجماعات في معظمها . "أوَيُذِيقَ بَعضَكُم بَأسَ بَعضٍ‌ۗ "، البأس هو ما عند هذه الشيع جماعات وأفرادا من الشدة والقوة في الحرب فيحصل القتل، ويكون في السلم أيضا، وأبرز ذلك اليوم هو الحروب الكلامية في وسائل الإعلام من الشحن والتحريض الذي هو مقدمة لغيره من الحروب . كنت أطل على بيروت في السبعينات بمطالعة مجلة الصياد الأسبوعية السياسية، التي كانت تخصص صفحات لشيء مما يجري فيها من الترف والبذخ، وفي الصباح الموالي لهذا الانفجار قلت لجليسي: أتذكر ما قلت لك قبل نحو نصف قرن عن بيروت مما كنت أتوقعه؟، فتذكر جليسي وأقر، ولله عاقبة الأمور . 17 شهر ذي الحجة 1441 •

الخاطرة 286

الوعي هو حفظ القلب للشيء، فهو وعاء ما يودع فيه، والوعاء عموما هو ظرف الشيء، والأوعية يحمد فيها الغلظ والصلابة لتحفظ ما استودعته كيفما كان . أما القلب فإنما يحمد فيه الحفظ للخير خاصة، وبعض ما يذم في الأوعية يحمد في القلوب، وهو اللين والضعف والرقة والنفوذ، لتكون مؤثرة متاثرة . وما في الأوعية يراد حفظه، إلا أن المقصود في القلوب ليس مجرد الحفظ، بل ما يصدر عن المحفوظ من الآثار كالإيمان مع الإسلام، الأول في القلب، والثاني علانية. وقد ذمت القلوب بأنها لا تفقه، ولا تتدبر، وأن عليها أقفالا، وأكنة، وفي غمرة، وفي غفلة، وقاسية، وغليظة، ومدحت بوجلها ولينها وضعفها وسلامتها وصلاحها، وأجمع ما وصفت به السلامة والصلاح . يصلح الجسد بصلاح القلب، وعلامة صلاحه تعدي ما حواه إلى الأعضاء فتستقيم، فإنه ملك، وهي جنود، كما جاء عن أبي هريرة موقوفا، وفي الحديث: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"، والطرفان درجات ودركات . وأعظم ما يستقر في القلب العلم بالله، ويستتبع لا محالة تعظيمه وحبه، وكل خير يكسبه المرء يرجع إلى هذا . ومن أجمع ما أثر في وصف القلب الصالح قوله عليه الصلاة والسلام: "إن لله آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها"، رواه الطبراني في المعجم الكبير عن أبي عنبة الخولاني، وهو في الصحيحة للألباني . أضاف القلوب إلى نفسه لعظم شأن صلاحها، كما قال: ناقة الله، ومساجد الله، والمقصود أنها مستقر معرفته، فإن المعرفة عمل القلب، وهي مستودع حبه وتعظيمه، وبعظم هذه الأمور فيها يعظم صلاح المرء وإصلاحه، وإياك وشبهات أهل الحلول والاتحاد، فقد أمرنا أن نحذر المتبعين ما تشابه !!. مضغة هذا شأنها؛ جديرة أن تحظى بكامل عنايتك، لعلك تبلغ هذا الوصف الذي هو السلامة أو تقارب، قال الله تعالى: "يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٍ سَلِيمٍ". وفي الحديث الآخر "القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض، فإذا سالتم الله عز وجل فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل"، رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو، وهو ضعيف . قال المناوي رحمه الله في فيض القدير: "ويستفاد منه أن الله تعالى جعل القلوب أوعية، خيرها أوعاها للخير والرشاد، وشرها أوعاها للبغي والفساد". 23 شهر ذي الحجة أغسطس أخذت البشائر تظهر، سمعت أن أكثر من موضع لاستقبال المرضى بهذا الوباء قد نقصت فيه أعداد المصابين، وسررنا بما حصل في قسنطينة من فتح المساجد كلها بمبادرة من والي الولاية، هذا فضل الله علينا بمجرد أن عزمنا على العودة إلى بيوته، فلنحمد الله على نعمة الإسلام، وعلى العودة إلى الصلاة في المساجد، ولنلتزم إجراءات الوقاية، فاللهم لك الحمد كما يليق بجلالك وعظيم سلطانك . • أيها المسلمون، لا تعطوا اليهود المشروعية بالاعتراف الديبلوماسي والسياسي في مقابل وعودهم التي عرفوا بنكثها في العالم أجمع، وهي موثقة معروفة، فكيف بالعهود التي قد يعطونها لكم خفية، وقد جربوكم عقودا، وعرفوا ضعفكم؟، ما بقي في أيديكم إلا هذا الاعتراف العلني الشكلي بمن اغتصبوا أرضكم، فاربأوا بأنفسكم عن التتايع في هذا الأمر الخطير الذي تخدمون به الظلمة المغتصبين، وتهدرون به جهود أمتكم طيلة أزيد من قرن من الزمان منذ صدور وعد بلفور . 23 شهر ذي الحجة 1441 •

الخاطرة 287

قال الله تعالى: "رَبُّنَا ٱلَّذِى أَعطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلقَهُ ۥ ثُمَّ هَدَىٰ"، وقال: "سَبِّحِ ٱسمَ رَبِّكَ ٱلأَعلَى ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ". سألت صاحبي عن أوعية ماء كانت في سيارته، ونحن نتأهب للسفر بعد رفع الحجر فقال: إنه لسقي النحل، فعجبت لقوله! قلت: لم تسقي النحل؟ . قال: لأنه يمتنع من الخروج خوفا من طائر يأتي إلى منطقتنا!! قلت: ما قصة هذا الطائر؟ قال: هو طائر يسمى الوروار، من الطيور المهاجرة، يقيم في المنطقة من شهر جوان إلى سبتمبر، ويبيض ثلاث مرات في هذه الأشهر بيضتين بيضتين، بينها مدة يفقص فيها البيض وتستقل الفراخ، ثم يرتحل !!. قلت: كيف يقتل هذا الطائر النحل؟ . قال: يحصل ذلك عندما يقل عدد نحل الخلية بسبب تفرقها إلى مجموعتين، أما في وقت كثرة العدد؛ فقد يقوى النحل على قتل الطائر باللسع !!. قلت: كيف تعلمون أنه يقتل النحل ؟ . قال: يقتل الطائر الواحد ما يقرب من ثلاثمائة نحلة في اليوم!!: يأكل، ويطعم فراخه، ويبني أعشاشه التي يقيمها في الغيران . قلت: أنى لكم أن تعرفوا عدد ما يقتله ؟. قال: بمراقبة طبقات الخلية، فإن العدد فيها تسهل معرفته. وقال: النحل لا يحتاج إلى الماء للشرب فحسب، بل هو لازم لتبريد الخلية كي لا يذوب الشمع !! . قلت: سبحان الله!!، هذا عجيب، لقد أتينا من قلة التأمل، وكيف يتم التبريد ؟. قال: يفرغ النحل قطيرات الماء في مدخل الخلية، وتتولى مجموعة من الشغالات تحريك الهواء بأجنحتها فيحصل التبخر ويلطف الهواء! وقال: لعلك تعرف النبات المعروف بالبصيلة ؟ . قلت: إي والله، إنه يشبه حبة البصل، وإذا يبست أوراقه ولم يبق إلا البصيلة مغيبة؛ خرج منها عسلوج يسميه كبار السن في منطقتنا (عاصي والديه) لظهوره بعد يبس الأوراق !! . قال: إن النحل يعمد إلى الأكل من زهر هذا العسلوج، وطعمه حار، فإذا وجد الطائر طعم النبتة في النحل؛ انقطع عن أكله وإطعامه فراخه ورجع إلى حيث كان !! ليلة 26 من شهر ذي الحجة 1441 •

الخاطرة 288

لم أسمع أحدا ينبه المصلين إلى أفضلية صلاة الرواتب خاصة، والنوافل عامة في البيوت، ومنها راتبة المغرب التي كان السلف يسميها صلاة البيوت، بل جاء ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا تكاد تجد من يرجع إلى بيته ليفعل ذلك، وكأن لسان حالنا يقول: أرحنا منها لا أرحنا بها !!. لكني سمعت ذلك هذه الليلة في صلاة العشاء من أحد الأئمة، وهو يذكر بالإجراءات المقررة، فكان هذا سببا في الدعوة إلى هذا الفضل المهجور، لكن لا من حيث إنه سنة !! . وقد جاء فيها من الأحاديث قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا"، وقوله: "صلوا في بيوتكم ولا تتركوا النوافل فيها"، وقوله: "أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة"، وجاء بيان فضل صلاة النافلة في البيت على المسجد بأنه خمس وعشرون درجة، في مقابل خمس وعشرين أو سبع وعشرين درجة لصلاة الجماعة . ومن الأمور التي جاءت في الإجراءات الاحترازية أيضا منع استعمال المواضي، وقد جاء الحث على أن يتطهر من يريد الذهاب إلى المسجد في بيته ببيان الفضل الذي يناله إن هو تطهر، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة"، وقال: "من توضأ وجاء إلى المسجد فهو زائر الله عز وجل، وحق على المزور أن يكرم الزائر"، وقال: "من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم ... الحديث، فهل يثيبنا الله تعالى على هذا العمل الذي لم نتعلمه، ولم نقصده، وقصرنا في الدعوة إليه، حتى جاءت به هذه الإجراءات ؟! . ليلة 27 من شهر ذي الحجة 1441. •

الخاطرة 289

قال أبو الفتح عثمان بن جني النحوي رحمه الله: "أعلم أن العروض ميزان شعر العرب، وبه يعرف صحيحه من مكسوره، فما وافق أشعار العرب في عدة الحروف الساكن والمتحرك؛ سمي شعرا، وما خالفه فيما ذكرناه؛ فليس شعرا، وإن قام ذلك وزنا في طباع أحد؛ لم يحفل به، حتى يكون على ما ذكرناه"، انتهى . لك أن لا تحفل بهذا الذي قد تقرأه، فما أنا من قول الشعر وأوزانه في شيء، على أنه لا تلازم بين هذا وتذوقه: تخفف من جفائك بالعظات * وداو سقمك من قبل الفوات فما لعينك دمعها عصي ؟ * وما لقلبك غافلا عن ذكريات؟ وما لعلمك لا انتفاع فيه؟ * وما جؤارك داعيا بلا التفات؟ وما لظهرك موقرا بثقل ذنب؟ * وما لقلبك مثقلا بالموبقات؟ وما لك سادرا غرا لعوبا؟ * وما لك جاهدا والرزق آت ؟ فلا تبط العلاج فرب يوم * تصرم إثره يوم انفلات فما تدري نفس كسبا بآت * وما تدري نفس أرض الوفاة وعندك من كتاب الله آي * فما لك معرضا عن ذي الهبات؟ تدبر فالتدبر وسم قوم * تجيش قلوبهم عند الصلات إذا ذكر المليك هفت لذكر* وتوجل مخبتات خاشعات تلين جلودهم لقول رب * غفور شاكر جم الصفات فحاذر أن يصفد منك قلب * فلا تسطيع فتح المقفلات وقد أسند البخاري في صحيح * فرائد في الرقاق منمنمات ترى أبوابه رياض أنس * فلج تلك الرياض المونقات ختامها مسك بوصف حوض * يخص به نبي المكرمات ينال شرابه من لم يبدل * ولم يرتد راجعا للقهقرات فلا تك في الحياة وأنت حل * فقيرا من بقايا الصالحات وجانب أن تضيع ساع عمر * فتحبس للسؤال عن الحياة وتوقف للجواب عن امتلاك * وما تعودت من منع وهات فتغبن في يوم تحاز فيه * جوائز عن أعمال محضرات فلا عيش في هذه هنيء * فإن العيش عيش الباقيات تزود ما استطعت فأنت عما * قريب صائر إلى الممات ليلة أول شهر محرم 1442 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أثبت رواد المساجد والموظفون فيها والمتطوعون جدارتهم، بل صدارتهم في التزام التدابير الوقائية من هذا الوباء، فما أحراهم بالتقدير والذكر الحسن!، وكيف لا وهم أول الناس محافظة على الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، الناهية عن الفحشاء والمنكر، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة ؟ . ومع هذا فإن المأمول أن تراجع الجهات الحاكمة هذا الأمر فتأذن بفتح المساجد كلها، وبأداء الصلوات في جميعها، ولها أن تبقي على وسائل التوقي إن بقيت لها جدوى، فإنها لا تكاد ترى في غير المساجد، ولو كانت ملتزمة في جميع المجالات لكان لاستثناء المساجد وجه معتبر، فكيف بما نحن عليه وهو العكس، وفي مجالات لا نفع فيها؟ . الخامس من شهر محرم 1442 •

الخاطرة 289

إعطاء الكافل لقبه للمكفول المجهول الأب؛ معمول به في بلادنا منذ عقود، فقد دخل نظام الحالة المدنية بعد أن صدر فيه مرسوم إثر فتوى الشيخ أحمد حماني رحمه الله، كانت الفتوى جوابا عن سؤال من إحدى المؤسسات التي لها صلة بالموضوع في مدينة حجوط ولاية تيبازة، فالمرسوم الأخير إذن ليس إحداثا لهذا الأمر كما ظن بعض الناس، وقد يكون تعديلا له . قاس الشيح أحمد حماني هذا الأمر على نظام الولاء المعروف في الشرع كتابا وسنة، فإن المعتق (بكسر التاء) يصير مولى للمعتق (بفتح التاء)، فيرثه عند فقد العاصب، إذ الولاء ثالث أسباب الميراث بالإجماع، كما يعطى المولى حق ولاية النكاح على المعتقة، لكن هذا الذي يترتب على الولاء بالعتق لم يقل به الشيخ ولا غيره فيما نحن فيه من نظام الكفالة، وستقف على بعض الفروق التي لا يصح معها القياس إن شاء الله . وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما الولاء لمن أعتق"، وهذا إبطال لما كانت عليه الجاهلية من نقل الولاء بالبيع والهبة، كما جاء التصريح بمنع ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب". وقد أثارت هذه الفتوى ضجة في وسائل الإعلام ولاسيما جريدة الشعب شبه الحكومية، ونشر فيها مولود قاسم رحمه الله مقالا أغلظ فيه القول وشدد النكير على الفتوى حتى قال: هي بنت زنا لا أب لها ولا أم (!!)، كما كتب إمام مسجد قرية تاسلة المرجة بولاية البليدة رحمه الله مقالا أيد فيه فتوى الشيخ أحمد ورد على مولود قاسم، وكان في عنوان مقاله غلظة هكذا (الرد الموهوب، على الأستاذ المكلوب!)، ولم يكن المردود عليه يومئذ وزيرا!!، وقد شاركت في ذلك السجال بشيء كتبته في الجريدة المذكورة . أما ما ينبغي أن يعتمده أهل الإسلام في هذا الأمر فهو قول الله تعالى في سياق ذكر التبني الذي أبطله الشرع بالكتاب والسنة القولية والفعلية: "ٱدعُوهُم لِأَبَائهِم هُوَ أَقسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّم تَعلَمُواْ ءَابَاءَهُم فَإِخوَانُكُم فِى ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُم" . فمن علم أبوه نسب إليه ولا بد، ومن لم يعلم أبوه فإن كان مملوكا وأعتق فهو مولى، وقد انقطع الرق في العالم أو كاد بفضل ما شرعه الله له من الأحكام ومنها أسباب العتق بنوعيه الإجباري والاختياري وهي كثيرة، وإلا فهو أخ في الدين إن كان مسلما. ولك أن تسأل عن الحاجة إلى إعطاء المكفول لقب الكافل؟ . وقد قيل: إنه يسهل به حصوله على الوثائق . فيقال: ليعطه ضابط الحالة المدنية لقبا، ويصدر بذلك حكم قصائي، فيحصل المقصود . وقيل في استحسان هذا الأمر: إنه يخفف عن المكفول ما يقلقه وهو جهالة نسبه، فيندمج في الأسرة، ويجنب بذلك العقد النفسية!!. فيقال: الله أعلم بخلقه، وهو أرحم بهم من أمهاتهم . ويقال: وعندما يدرك المكفول حقيقة الأمر ويجد الحيز الذي يذكر اسم الأب فيه فارغا؛ فما يكون رد فعله؟، فلم لا ينشأ على الحق، فيشب على حقيقة الأمر، حتى لا يكتشف هذا الخداع بغتة ؟ ويقال في الأخير: هل يصح قياس هذا الأمر على الولاء ؟. والجواب هو أنه قياس مع الفارق فلا يصح، ومن الفروق بينهما: 1 - أن الولاء وصف شرعي قد عرف ما يترتب على ثبوته بخلاف ما نحن فيه . 2 - وأن الولاء خاص بالمعتق، والذي نحن فيه شامل لمجموعة أو قبيلة بسبب الاشتراك في اللقب . 3 - وأن الولاء سبب من أسباب الميراث، وهذا لا ميراث فيه بالإجماع . 4 - وأن إعطاء اللقب للمكفول قد يؤول إلى توريثه من الكافل ومن غيره ممن له ذلك اللقب بعد جيل أو جيلين، وقد يعتبر محرما فيخلو ويسافر وتحرم عليه من ظنت محرما له كما لا يخفى، لاسيما مع ما يقوي ذلك من كونه في حجر الكافل، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ليلة السابع من شهر المحرم 1442 •

الخاطرة 290

في قول الله تعالى"لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَـٰفِرِينَ أَولِيَاءَ مِن دُونِ ٱلمُؤمِنِينَ‌ وَمَن يَفعَلۡ ذَالِكَ فَلَيسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُواْ مِنهُم تُقَيةً‌ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفسَهُ ۥ‌وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلمَصِيرُ"؛ فيه ستة أمور: 1 - نهي: وهو أن يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء، جمع ولي، من الولي بسكون اللام الذي هو القرب، والولي وزن فعيل؛ هو النصير والمعين، والولاية المنهي عنها هي المحبة لأجل الدين، وما تستلزمه من النصرة، وهذه هي الولاية الباطنة، وقد تظهر بالقرائن، وقد لا تظهر. 2 - قيد: وهو قوله "مِن دُونِ ٱلمُؤمِنِينَ‌ۖ "، وفي الأخذ بمفهومه قولان لأهل العلم: أولهما: أن مفهومه معتبر، فالموالاة المنهي عنها هي ما أضر بمصلحة المسلمين، واعلاها أن يحب الكفار لأجل دينهم وما يستدعيه من نصرتهم، أما ما دونه فلا يدخل في هذا النهي، ومثله في التقييد قوله تعالى: "يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلكَـٰفِرِينَ أَولِيَاءَ مِن دُونِ ٱلمُؤۡمِنِينَۚ". وثاني القولين: هو عدم الأخذ بمفهوم قوله "مِن دُونِ ٱلمُؤمِنِينَ"، فإن الولاية بالمعنى المتقدم لا تجتمع مع موالاة المؤمنين، وقد قيل: إذا وإلى صديقك من تعادي * فقد عاداك وانقطع الكلام . وقيل أيضا: تود عدوي ثم تزعم أنني * صديقك ليس النوك عنك بعازب النوك: الحمق . بعازب: بغائب، ببعيد ومن أمثلة ترك الأخذ بالمفهوم قوله تعالى: "ۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنًا"، فإنه لا مفهوم له بالإجماع، ومثله قوله تعالى: "وَرَبَـٰٓئِٕبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكم مِّن نِّسَآئكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلۡتُم بِهِنَّ" عند جمهور العلماء، ومثله في عدم التقييد قوله تعالى: "يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ". واعتبار المفهوم هو الحق بقرينتي الوعيد والاستثناء . 3 - وعيد: وهو قوله تعالى: "وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٲلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىۡءٍ"؛ ومعناه أن من يتخذ الكفار أولياء ليس له بالله صلة، وأوثق تلك الصلة الإيمان به، والله ولي المؤمنين، فتنقطع ولايته بالله لأن ولي الكفار الطاغوت، و(شيء) نكرة في سياق النفي فتعم، فمن خالف هذا النهي كفر . فلا تمنع هذه الآية الصلات التي لا مضرة فيها على المسلمين وما لا يناقض موالاتهم، فهو إما مباح، أو محرم دون الكفر، أو مكروه، ويتذكر لهذا أمثلة . 4 - استثناء: وهو قوله: "إِلَّا أَن تَتَّقُواْ مِنهُم تُقَيٰةً "، وهو استثناء من عموم الأحوال، فلا تجوز موالاتهم إلا في حال خوف لحوق الضرر، فيرخص في مولاة الصورة والظاهر لدفعه عن المسلمين، مع اطمئنان القلب إلى ولايتهم، ويشمل هذا الحكم الفرد والجماعة (الدولة)، بل هي أولى، فهو كقوله تعالى: "مَن كفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعدِ إِيمَـٰنِهۦۤ إِلَّا مَن أُكرِهَ وَقَلبُهُ ۥ مُطمَئنُّ بِٱلاِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلكُفرِ صَدرًا فَعَلَيهِم غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ" . 5 - تحذير: وهو قوله تعالى"وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُ ۥ"، أي يحذركم عقابه إن أنتم خالفتم نهيه عن موالاة الكفار، وفيه دلالة خفية على تحريم تجاوز القدر المحتاج إليه من الموالاة الظاهرة، فإن الضرورة تقدر بقدرها، وقد جاء صريحا بعد في قوله تعالى: "قُل إِن تُخفُواْ مَا فِى صُدُورِكم أَو تُبدُوهُ يَعلَمهُ ٱللَّهُ‌ ". 6 - تذييل: وهو قوله: "وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلمَصِيرُ"، أي تصيرون إليه وحده، فيجازيكم على أعمالكم، فلا ملجأ منه إلا إليه. علاقة المسلم بالكافر أقسام: محرمة، وهي كفر أو ما دونه، أو مكروهة، أو مباحة، وهذه أمثلة وصور من تلك العلاقة . فمنها الولاية بمعنى المحبة والنصرة، وهذه كفر بنص القرآن، فأما المحبة لغير الدين كالأبوة والبنوة والزوجية والقرابة فلا . ومنها الموالاة الظاهرة، لجلب مصلحة، مع اطمئنان القلب إلى موالاة المؤمنين، وهذه كبيرة، ومنها ما حصل لحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حين أرسل كتابا يخبر قريشا بمقدم جيش المسلمين في غزوة فتح مكة، وقيل إن ما قام به جوسسة، وقيل إنه خاص بأهل بدر لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر حين استاذنه في ضرب عنقه: "وما أدراك أن الله قد أطلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، وهو دليل على أن من شهد بدرا لا يشرك بالله لأن الله لا يغفر الشرك . ومنها دفع المفسدة عن الفرد وهو عن الجماعة أولى، وذلك مقتضى الاستثناء في آية سورة آل عمران، وقد تقدم بيانه . ومنها التجسس لمصلحة الكفار، وهو محرم، والجاسوس يقتل، لكن اختلف في تكفيره، لاحتمال رغبته المجردة في الحصول على مصالح الدنيا كالمال ونحوه . ومنها الاستعانة بالكفار على الكفار، وهو منهي عنه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين"، وقد اختلف فيه، والصواب منعه . ومنها الاستعانة بالكفار على المسلمين كالبغاة وهو أولى بالمنع مما قبله، ويدل عليه عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم للرجل الذي سأله أن يقاتل معه في بدر وهو مشرك: "ارجع فلن أستعين بمشرك"، ثم أذن له بعد إسلامه، وعامة ما في جزيرة العرب ومنطقة الخليج بل وأرض الشام اليوم من الأحداث والأضرار يرجع إلى مخالفة هذا الحكم . ومنها عقد الصلح والهدنة معهم وهذا جائز بشروطه. ومنها تأجير المسلم نفسه لخدمتهم وهو مكروه لما فيه من امتهانه غالبا . ومنها الاستعانة بهم على أعمال المسلمين، وهذا مختلف فيه، وقد جد من الأمور ما يرجح معه الجواز في غير ما نص على لزوم الإسلام أو العدالة فيه . ومنها نكاح المسلمين نساء أهل الكتاب وأكل ذبائحهم، وهذا مباح، ودليله في كتاب الله، لكن حكمه اليوم مفتقر إلى التفصيل . ومنها نكاح المسلمة غير المسلم وهذا محرم بالنص . ومنها الإقامة في أرضهم، وهذا منهي عنه والأحاديث فيه معروفة، إلا من كان ذا جنسية أصلية، ولم يتمكن من الهجرة، أو كان مستضعفا كما هو في كتاب الله . ومنها المتاجرة معهم واستئجارهم، وهذا مباح إلا إذا أضر بمصلحة المسلمين . ومنها السفر إلى بلادهم لصلة الرحم والسفارة والتجارة وطلب العلم الدنيوي لا يوجد في بلاد المسلمين والجهاد المشروع، ونحو ذلك، وهذا منه الواجب والجائز بقيوده . ومنها التشبه بهم، وهذا منهي عنه، ومما جاء فيه قوله عليه الصلاة والسلام: "من تشبه بقوم فهو منهم" . ومنها الإقساط إليهم والإحسان، وإعطاؤهم من التطوعات المالية، وهذا منه الواجب والمندوب، وأدلته في كتاب الله معروفة في سورة الممتحنة وغيرها، بل قيل إن قول الله تعالى: "لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِى مَن يَشَآءُ‌ۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٍ فَلِأَنفُسِكُمۡ‌ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِ‌ۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٍ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ"؛ نزل في هذا الأمر . ومنها اعطاؤهم من مال الزكاة لتأليف قلوبهم، أو اتقاء شرهم، ودليله قوله تعالى في مصارف الزكاة: "وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُہُمۡ"، وقد اختلف في استمرار هذا الحكم وفي الأصناف الذين يشملهم، والصواب استمراره لأنه معلل، والحكم يدور مع العلة . يحق للمسلم أن يتساءل عن الضرر الذي يخشى لحوقه بهذه الدول التي لجأت إلى ما يسمى بالتطبيع، مع دولة اليهود، أو رحبت به كسلطنة عمان والبحرين ومصر وموريتانيا، أو اذنت باستخدام مجالها الجوي كالمملكة العربية السعودية، أو أرجأت النظر فيه إلى الوقت المناسب كالسودان التي (تعلمنت)؟ . وإذا كان هناك مقابل للاعتراف فلماذا لا يعلن عنه؟، بل كان المطلوب أن يرجع فيه إلى أصحاب الأرض المقيمين عليها حتى لا تهدر تضحياتهم التي استمرت عقودا، أو يكون معاهدة جماعية ملزمة يتدرج في تطبيقها . لم أجد ما أعلل به هذا الاعتراف غير الحفاظ على الأنظمة السياسية، بل أخشى أن يكون من قبيل ابتغاء العزة عند الكفار، وقد قال الله تعالى: "أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا"، على أن اليهود لا عهد لهم ولا ذمة، فقد نكثوا عشرات المعاهدات والاتفاقات التي أقرتها دول العالم، لا دولة بعينها، وقد قال الله عن أسلافهم: "أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُواْ عَهۡدًا نَّبَذَهُ ۥ فَرِيقٌ مِّنۡهُم‌ۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ". أمريكا دولة ظالمة عاتية أمدت كيان اليهود بكل ما رأته من وسائل الغلب والتفوق من السلاح المتطور والتأييد في المحافل الدولية والاعتراض على قرارات مجلس الأمن، لكنها كانت تعلم أن كل ذلك لا يمكن لليهود في المنطقة ما داموا جسما غريبا محاصرا بطوق يمقته ويكرهه، ويعتبره غاصبا، وبين شعوب أمة استقر في نفوس أفرادها أن يوم زواله آت لا ريب فيه يوم يرجعون إلى دينهم لهذا جدت في حمل دول المنطقة على الاعتراف به بالترغيب والترهيب، فكانت البداية مصر أكبر دولة من دول الطوق بتوقيعها اتفاقيات كامب دافيد بأمريكا لاسترداد سيناء فاعتبرها العرب خيانة واوقفوا عضويتها في (جامعتهم)، ونقلوا مقرها إلى تونس، ثم اعترفت بها الأردن، ثم جاء الاعتراف من بعض الزعماء الفلسطينيين أنفسهم في اتفاق أوسلو، فانشئ بمقتضاه حكم ذاتي فلسطيني هزيل لم يتحقق من ورائه شيء، بل كان سببا في مآسي جديدة وانقسامات عظيمة، وابتلاع اليهود مزيدا من الأرض، وظهرت في هذه الأرض المباركة سلطتان، وتوالى دعم امريكا فعمدت إلى القرارات التي وافقت عليها في مجلس الأمن فخرقتها، أو منعت تطبيقها بحق النقض الذي لها في مجلس الأمن. ثم اعترفت بمدينة القدس عاصمة لليهود ونقلت سفارتها إليها، ثم ظهرت صفقة القرن كما تسمى وأخذ التطبيع العلني يظهر بعد أن كان يجري في الخفاء . آخر اعتراف جاء من دولة الإمارات، ففي يوم الموافق 31 أوت 2020 حطت أول طائرة يهودية في مطار هذه الدولة لتدشين بداية هذا (التطبيع) المخزي المذل . واليقين عندنا أن الله لا يخلف وعده بانتصار المسلمين على أعدائهم من اليهود وغيرهم يوم يقاتلونهم بهذا الاعتبار وهو اليوم الذي يرجعون فيه إلى دينهم . ليلة التاسع عشر من شهر المحرم 1442 •

الخاطرة 291

دخلت مركز بريد هذا اليوم وكان عدد الواقفين أمام أحد الشبابيك اثنا عشر شخصا ليس فيهم من التزم الاحتياطات الوقائية بوضع القناع غير المتكلم، أما مسافة الأمان كما يقال فلا كلام عليها. ودخلت مسجدا مجاورا فوجدت شخصا واقفا عند الباب يرجو أن يحصل على كمامة كي يتمكن من الدخول، وكلمني آخر متحسرا لأنه لم يحضر السجادة، فظن أنني إمام المسجد فرجاني أن أأذن له في الدخول!!. إذا كان المقصود من منع صلاة الجماعة والجمعة الخوف من عدم التزام تدابير الوقاية فلن تجدوا في هيآت الدولة من يلتزم هذه الإجراءات مثل ما يلتمزمها رواد بيوت الله، أو قل إن هذه الإجراءات لا سبيل إلى فرضها بسلاسة وهدوء إلا في المساجد، فما الداعي إلى استمرار منع صلاة الجماعة في ثلاثة أرباع عدد المساجد في البلد، وصلاة الجمعة في جميعها دون استثناء ؟. 19 شهر محرم 1442

الخاطرة 292

قال الله تعالى: "وَٱلبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيۡرٌ أَمَلاً"، خير جزاء في الآخرة من المال والبنين، وخير ما يؤمل نفعه، لأن نفعها مستيقين دائم، ونفعهما مشكوك مؤقت، فالمفاضلة على أصلها، وقال تعالى: "وَٱلۡبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيۡرٌ مَّرَدًّا"، أي مرجعا وعاقبة، فالتقت الآيتان، فإن الأمل مستقبل . فإن قيل: لم قدم وصف البقاء على وصف الصلاح مع أنه ألصق بالأعمال، حتى أغنى عن ذكرها، وهو أيضا قرين الإيمان؟ . فالجواب: أن المقام للمقارنة بين زينة الدنيا، والباقي الذي ينفع في الآخرة، والصالح أعم منه، فكل باق صالح، ولا ينعكس . فسر السلف الباقيات الصالحات بأنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وبغير ذلك كالصلاة، وبجميع الطاعات، وهذا متمحض للبقاء، في مقابل عموم الصالحات، ففيها الباقيات والفانيات، فعليك بالباقي، لتنال الباقي، ويسير عليك أن تجعل أعمالك كلها كذلك بنيتك . العبادات باقيات إذا أقمتها على سنة نبيك صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى الإخلاص فيها لربك، قال الفضيل بن عياض رحمه الله عن قوله تعالى: "لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلاً‌ۚ"، هو "أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان صوابا ولم يكن خالصا؛ لم يقبل، وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا؛ لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة" . ومن الباقيات ما تأتيه بنفسك، ومنها ما يجري نفعه بعد موتك، اسمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، وقوله: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما نشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته" . أما غير هذا من الواجبات كرد الودائع والغصوب وقضاء الديون والنفقات؛ فقال قوم إنما يؤجر عليها بقصد الامتثال، قال في مراقي السعود: وليس في الواجب من نوال ** عند انتفاء قصد الامتثال وقال آخرون يحصل الأجر بعقد الإيمان، قال سليمان الداراني رحمه الله: "من عمل خيرا من غير نية؛ كفاه نية اختياره الإسلام على غيره من الأديان"، فكيف إذا ضم إلى عقد الإيمان ترويض النفس على العمل، ومجاهدتها حقبا، حتى يصير كالجبلة والطبع؟، وقد قال ربنا عز وجل: "وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَہۡدِيَنَّہُمۡ سُبُلَنَا‌ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ" . فإن قلت: فأين تقع المباحات كالنوم والأكل والشرب واللبس وغيرها؟، فالجواب أن هذه لا ينفعك في الآخرة منها إلا ما أردت بفعلها، فاختر لنفسك، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وفي بضع أحدكم صدقة"، قال ابن تيمية رحمه الله: "...فالمؤمن إذا فعل ما أبيح له قاصدا العدول عن الحرام إلى الحلال لحاجته إليه؛ فإنه يثاب على ذلك"، وقال بعض الصحابة: "إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي". تلك النية هي الفارق بين المؤمن والكافر في متع الحياة، وفي فعل ما ليس عبادة من الأعمال الصالحة على ما سبق، قال علي رضي الله عنه: "الحرث حرثان: فحرث الدنيا المال والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهما الله لأقوام"، انتهى، فما يمنعك أن تكون ممن جمعا له ؟ . وجاء في عمل الكافر ما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته"، فأنت تؤجر بالرزق وبما هو خير منه من راحة البال والاطمئنان إلى قدر الله وحكمته مما هو أساس الحياة الطيبة كما قال الله تعالى: " مَنۡ عَمِلَ صَالحًا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٌ فَلَنُحۡيِيَنَّهُ ۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً‌ۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا ڪَانُواْ يَعۡمَلُونَ"، ومما فسرت به الحياة الطيبة القناعة . وقال عن تمتع الكفار: "وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَامُ وَٱلنَّارُ مَثۡوًى لَّهُمۡ"، جمع لهم بين التمتع والعقاب، فهو أضل من الحيوان إذ لا عقاب عليه، أما المؤمنون فقال عنهم قبل هذا: "إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجۡرِى مِن تَحۡتِہَا ٱلۡأَنۡہَـٰرُ‌ۖ "، اكتفى بذكر نعيم الآخرة، ولم يذكر لهم شيئا من نعيم الدنيا لنفاده، فإنه كما قال الله: "مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ‌ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ‌ۗ "، وقال: "يَـٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَـٰعٌ". 16 شهر صفر 1442 •

الخاطرة 293

مَعذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُم وَلَعَلَّهُم يَتَّقُونَ: (1) قال الله تعالى: "إِنِ ٱلحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ‌ أَمَرَ أَلَّا تَعبُدُواْ إِلَّا إِيَّاهُ‌ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعلَمُونَ"، وقال: "إِنِ ٱلحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ‌ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ‌ وَعَلَيهِ فَليَتَوَكَّلِ ٱلمُتَوَكِّلُونَ"، أي ليس الحكم إلا له، وقد أمر أن لا تعبدوا إلا إياه، ذكر أصل التكليف، وهو توحيد الله وعبادته، لأن كل ما عداه فرع عنه، لا يصلح بدونه، وذكر الاعتماد عليه في كل الأمور، فالخلق لا ينفكون عن قدر محتوم يجهلونه، وتكليف يعملونه . وقال الله تعالى: "أَلَيسَ ٱللَّهُ بِأَحكَمِ ٱلحَـٰكِمِينَ"، وهو استفهام للتقرير والتأكيد، قال بعض العلماء (بتصرف) "فحكمه أسد وأنفذ، وهو أقوى الحاكمين حكمة في قضائه، فلا يخالط قضاءه تفريط في شيء من المصلحة" . يشمل حكم الله قسمين: قسم اعتقادي، وهو الإيمان بقضائه وقدره وتدبيره، وقسم عملي، وهو الخضوع لشرعه، والاستسلام له، والقضاء به بين الناس، والإصلاح بينهم، والفتوى وهي بيان غير ملزم، فما خالف هذا؛ فحكم الطاغوت، وهو هوى وضلال، وهذا في آحاد المسائل، فكيف بالنظام الشامل؟. أما الحكم على الفاعل؛ فبحسب الدافع، فمن فضل على حكم الله غيره، أو ساواه به، أو رآه غير لازم، أو غير صالح لهذا الزمان؛ فليس بمسلم. يتساوى الخلق جميعا في الخضوع للحكم القدري الكوني، لكنهم مختارون في التكليفي الشرعي، والثاني لازم للأول، وإنما يلتزمه المؤمنون، ولا يخالفه إلا جاهل أو فاسق أو كافر أو منافق، نعم العبد من عبد الله بالاختيار، كما أنه عبد له بالاضطرار: "إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلَارضِ إِلَّا ءَاتِى ٱلرَّحمَـٰنِ عَبدًا". •

الخاطرة 294

معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون: (2) يتعين على المسلمين -وخصوصا الدعاة- أن يحرصوا على تسمية الأشياء بأسمائها، وليحذروا أن يغلبهم الجهال وأهل المكر والكيد على الألفاظ الشرعية، فليبينوا معناها، وليستعملوها كلما دعت الحاجة فيما وضعت له، غير آبهين بمن يعتبرهم متطرفين متشددين، وقد هيمن هذا الأمر على أفكار كثير من الناس في العقود الأخيرة. تأمل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، فإنما هي العشاء، وإنما يقولون العتمة لإعتامهم بالإبل"، قال هذا مع أن وقتها معلوم لا يتغير، فكيف تهجر ألفاظ الشرع التي يحفظ بها أصل الدين لأنها تقلق الجاهلين؟ بعض الدعاة يتحرجون من ذكرها لأنها تنفر، أو لأنهم يحشرون إذا قالوها في زمرة من الزمر، هذا المسلك من الطرق الخفية إلى تبديل الشريعة، وطمس معالمها، بمحو الفروق بين المتناقضات كالإيمان والكفر، والضلال والهدى، والبدعة والسنة، ويجمع هذه الفوارق أن الشرع هو المرجع في الفصل بينها، في مقابل الطاغوت الذي جعله كثير من المسلمين مرجعا. ذكرت كلمة الطاغوت في حديثي مع بعض إخواني فقال هي مرعبة حقا، وقد صدق، لأنها نادرا ما تقال، حتى صار النطق بها منبئا عن توجه ما، مع أنها في كتاب الله في أكثر من ثمانية مواضع. الطاغوت مبالغة من الطغيان الذي هو تجاوز الحد، والحد المقصود؛ هو الفارق بين المخلوق والخالق، فكل من سعى في طمس هذا الفارق، أو تجاوزه في تصرفه وكلامه؛ فهو داخل في معناه، فيكون هو الطاغوت نفسه، أو من عابدبه والداعين إليه ومناصريه. قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله هو: "ما تكون عبادته والإيمان به سببا للطغيان والخروج عن الحق من مخلوق يعبد، ورئيس يقلد، وهوى يتبع". وقال ابن جرير الطبري رحمه الله: "والصواب من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله، فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، وإنسانا كان ذلك المعبود أو شيطانا أو وثنا أو صنما أو كائنا ما كان". فسر الطاغوت بالساحر، والكاهن، والصنم، والشيطان، ولا تنافي بينها، فليست إلا من ذكر بعض أفراد العام، والجامع بينها الاتصاف بما لا يكون إلا لله تعالى من علم الغيب والاتباع والعبادة والحكم، فيصدق على الحسيات من البشر والحجر والشجر، والمعنويات من العادات والتقاليد والأهواء والأفكار والنظم والقوانين والدساتير المخالفة للشرع، قال الله تعالى: "أَرَءَيتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ ۥ هَوَيٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيهِ وَكِيلاً". لا بد أن يسبق الإيمان بالله الكفر بالطاغوت: "فَمَن يَكفُر بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُومِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱستَمسَكَ بِٱلعُروَةِ ٱلوُثقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا" . الطاغوت ولي الكفار في مقابل ولاية الله للمؤمنين: "ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَولِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰت". وقد وبخ الله تعالى ولعن الذين يؤمنون به ويقولون عن الكفار انهم أهدى من المؤمنين: "أَلَم تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ ٱلكِتَـٰبِ يُومِنُونَ بِٱلجِبتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـٰؤُلَاءِ أَهدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلاً أُوْلَـٰئك ٱلَّذِينَ لَعَنَهمُ ٱللَّهُ‌" . ومدح وبشر الذين تركوا عبادته وأنابوا اليه: "وَٱلَّذِينَ ٱجتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن يَعبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلبُشرَىٰ‌ فَبَشِّر عِبَادِ". واخبر ان مهمة الرسل هي دعوة الناس إلى عبادة الله واجتناب الطاغوت: "وَلَقَد بَعَثنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجتَنِبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ وأن المؤمنين يقاتلون في سبيل الله والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت: "ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ‌ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰاغوت". وأنه جلت قدرته يخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور، والكفار يخرجهم الطاغوت من النور إلى الظلمات: "ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ‌ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَولِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ". وأن من لم يكفر بالطاعوت فإن ادعاءه الإيمان مجرد زعم: "أَلَم تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزعُمُونَ أَنَّهُم ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَد أُمِرُواْ أَن يَكفُرُواْ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُم ضَلَـٰلاَ بَعِيدًا". •

الخاطرة 295

معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون: (3) س: هل في القرآن الكريم ما يدل على أن الرسل بعثهم الله لقيادة الناس والحكم بينهم، أم أنهم إنما كلفوا بالتبليغ وترك الناس وشأنهم؟. ج: هذا مما لا يجوز أن يعتقده مسلم، والأدلة عليه لا تحصى كثرة، فإن رسالات الله جاءت لإصلاح الأفراد والمجتمعات، بإصلاح العقائد، ثم الأعمال والعلاقات، فإن كنت في شك؛ فتب إلى الله، وتعلم دينك، وإياك والعلمانيين الكاذبين الذين بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، بعد أن نالوا مرغوبهم كاملا في مشروع هذا الدستور . فإن أردت الوقوف على شيء مما يدل على هذا من الكتاب الكريم؛ فدونك قول الله تعالى: "وَمَا أَرسَلنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذنِ ٱللَّهِ‌ "، وقوله تعالى: "كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٲحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـئينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلكِتَـٰبَ بِٱلحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱختَلَفُواْ فِيهِ‌ "، ألا ترى أنه علل إرسال رسله وإنزال كتبه بالحكم بين الناس في اختلافهم، وهذا في عموم الرسالات -وهي خاصة بقوم كل نبي- فكيف بالإسلام الذي هو للناس كافة، وهو خاتم الأديان، الصالح والمصلح في كل زمان ومكان؟. أما قول الله تعالى: "مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلبَلَـٰغُ"، وقوله: "إِن عَلَيكَ إِلَّا ٱلبَلَـٰغُ‌"، وقوله: "فَإِن تَوَلَّيتُم فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلبَلَـٰغُ ٱلمُبِينُ"، فإنها بينت أن المطلوب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو البلاغ، لا هداية الناس بإكراههم، ولا حاجة إلى التحسر من أجلهم، قال تعالى: "فَلَا تَذهَب نَفسُكَ عَلَيهِم حَسَرَاتٍ". وما جرى بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين خصومه، وما عقده من معاهدات، وما اضطر إلى شنه من الغزوات لا يخفى، وقد قال الله له في أوائل عهده بالنبوة كما في الصحيح: "وجاهد من أطاعك بمن عصاك" . وفي قول الله تعالى: "لَقَد أَرسَلنَا رُسُلَنَا بِٱلبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلنَا مَعَهُمُ ٱلكِتَـٰبَ وَٱلمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلقِسطِ‌ وَأَنزَلنَا ٱلحَدِيدَ فِيهِ بَأسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۥ وَرُسُلَهُ ۥ بِٱلغَيبِ‌ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ"، وقوله: "ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلكِتَـٰبَ بِٱلحَقِّ وَٱلمِيزَانَ"؛ أمور: أولها: أن الله أرسل رسله بالبراهين الواضحات، والحجج الدامغات، لتكون للناس دليلا على صدق رسالتهم، فيلزم الإيمان بهم. وثانيها: أنه أنزل الكتب التي فيها أوامره ونواهيه كي يعملوا بما فيها، فيجمعوا بين التصديق وبين العمل، وهداهم إلى المعايير لضبط الحقوق بينهم . وثالثها: أن العمل بما في رسالات الله يحقق لهم العدل، فينال كل منهم حقه، ويدفع عنه الظلم، وأسند القيام بالقسط إليهم كلهم؛ لأنه لا يحققه الفرد لنفسه، فإنه فوضى لا يستقيم معها المجتمع، بل يتعاون الناس عليه، هذا شأن الأمور التي تهم الناس كلهم يوجه الخطاب فيها إليهم . ورابعها: أن الحق الذي جاءت به الرسل لا بد معه من قوة تسنده، وتلزم الناس به، حتى يجتمع وازع القرآن مع وازع السلطان، وهو ما أشير إليه بإنزال الحديد، أي خلقه، وهو كناية عن الصناعات العسكرية الملمح إليها بقوله "فِيهِ بَأۡسٌ شَدِيدٌ"، وما تقوم به حياتهم من الآلات والأدوات والمصانع، مما يدخل في الصناعات المدنية المشار إليها بقوله "وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ"، وقصر ذكر المنافع على هذه الصناعات، لأن الحرب ليست أصلية في تحصيل المنافع . وخامسها: أن إرسال الرسل وإنزال الكتب وتسخير الحديد سبيل إلى ظهور من ينصر الله ورسله بتأييد دينه ابتغاء وجهه، فيتميز أهل الحق من غيرهم . وسادسها: أن الله غني عن خلقه، لا تضره معاصيهم، ولا تنفعه طاعاتهم، فمن نصره ونصر رسله فنفعه عائد عليه في دنياه وآخرته، والله قادر على عقاب من عصاه والانتقام منه متى شاء . اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان . 05 ربيع الأول أكتوبر 2020 •

الخاطرة 296

معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون: (4) س: ما معنى الاستفتاء؟ ج: طلب الفتيا، بأن يقول المستفتى وهو المواطن أقبل هذا الدستور (نعم) أو لا أقبله (لا) . س: هل هذا الاستفتاء جائز في شريعة الإسلام؟. ج: لا والله. س: ما وجه المنع؟ ج: وجهه أن الدستور إما أن يكون باطلا كله، أو حقا كله، أو خلط فيه الحق بالباطل، ولا يجوز أن يقال للمسلم: هل توافق على الباطل أو لا توافق، ولا أن يقال له: هل توافق على الحق أو لا توافق، أما الثالثة فلأن الدستور لا يجزأ، بل يقبل كله، أو يرد كله، لكن الذي يتجه إليه عدم جواز الاستفتاء على هذا النحو هو الحاكم، أما المحكوم فله شأن آخر سيبين فيما بعد . س: أليست هذه سذاجة في التعامل مع الواقع المر؟ ج: إذا كانت الصراحة والابتعاد عن كلام أهل السياسة الذي يكتنفه الجهل والغموض والخلط والنفاق سذاجة؛ فلنكن من أهلها، أما الواقع المر فإنه يزداد مرارة بالكذب وبالتلبيس على الناس . إن الجزائريين مسلمون، وقد اختار الله لهم ما يتبعون، إذ أوجب عليهم تحكيم شرعه، ولم يجعل لهم فيه اختيارا كما قال: "وَمَا كَانَ لِمُومِنٍ وَلَا مُومِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ۥ فَقَد ضَلَّ ضَلَـٰلاً مُّبِينًا"، وقال: "وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ‌ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلخِيَرَةُ‌ سُبحَـٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشرِكُونَ"، والخيرة هي الاختيار، ومن كمال الإيمان أن يستخير المسلم ربه فيما أباح له فعله، فيناجي ربه بقوله فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، فكيف يخير في فعل ما ألزمه الله به، أو منعه من فعله؟ س: هل من أمثلة على الباطل الذي في هذه الوثيقة؟. ج: هو كثير في الشكل والمضمون، فمنه ديباجة الدستور التي تعزى فيها كاتبها بعزاء الجاهلية، وخلط بين أحداث التاريخ، والمسلم لا يجوز له أن يعتز بالكفر وأهله، ومنه التنصيص على حرية المعتقد. س: أليس قد ضمن الشرع الحنيف هذه الحرية للناس؟. ج: بلى، اذ لا يكره أحد على اعتناق الإسلام، وإن كان يعاقب من ارتد عنه، لكن ما علمنا أن أحدا عوقب في بلادنا لأنه ارتد عن الإسلام منذ الاستقلال، وقد عرفنا أناسا ارتدوا عنه، لكن لا نعلم أن عقد نكاح أحد منهم فسخ، ولا منع التوارث بينه وبين المسلمين، ولا منع أهله من الدفن في مقابر المسلمين، فما الداعي إلى التنصيص على هذا الأمر اليوم؟ المقصود هو (تتويج) ما جرى من علمنة الحياة العامة بدسترتها حتى يقطع الطريق على من تأبى، فيقال له قد قضي الأمر في هذا. س: ولم ينكر التنصيص على حرية العبادة؟. ج: القول فيها كالقول فيما سبق، فإنها تأسيس لأمر جديد هو فتح الباب أمام إنشاء دور (العبادة!!)، ومساواة الباطل منها بالحق، وإلا فممارستها الجماعية الظاهرة مقننة، فبناء المساجد لا بد فيه من موافقة الإدارة، وافتتاحها كذلك، والإذن في صلاة الجمعة، وكذلك غير المساجد فليس هذا إلا شيء يراد. س: وما ذا عن حياد المدرسة؟ . المقصود أن يكون ذلك منطلقا لتجريدها من مواد الهوية في الوقت المناسب كالتربية الإسلامية، والمصليات، وما بقي من النساء يحتجبن وغالبهن يلبسن ما يسمى باللباس (المحتشم)، ثم إقفال باب السعي في منع الاختلاط، وغير ذلك، وقد جرى من المحاولات في هذا القطاع مدة أربعين سنة ما يجزم معه بأن هذا هو المقصود من هذا اللغم الذي تعمد الماكرون غرسه ليفسره (المختصون) عند التنازع فيما بعد، ولهذا اللغم نظائر في هذا الدستور. ومن الباطل الإبقاء على ترسيم غير العربية لمضارتها، وتكريس الفرقة، وفتح باب الفتنة بين جهات الوطن، ومن العجب أن يأتي هذا بعد تجميد قانون تعميم اللغة العربية منذ 30 سنة، فمن عجز عن القيام بما ينبغي إزاء هذه اللغة المهيأة المعدة، لغة الحضارة التي عمرت قرونا كيف يفعل مع هذه التي يريد أن يبعثها من العدم ويفتح بابا يصعب إغلاقه؟ ومن ذلك ما يقال عنه إنه ترقية المرأة، وقد جرى في بلادنا ما لم يجر في دولة أخرى مما يتنافى مع ما يسمى بالديموقراطية، وهو تخصيص حصة للنساء في المجالس المنتخبة كيفما كان نصيبهن من الأصوات . ويغطي على كل ما سبق أن مادة "الإسلام دين الدولة" مادة واصفة، لا حاكمة، أعني أنها بيان لديانة السكان، لا أنها حاكمة على قوانين الدولة ونظمها بحيث لا تخالفها كما هو المطلوب الواجب على حكام المسلمين، وهي كذلك منذ استعادة الاستقلال، وقد ذكر الذي نسب إليه إعداد الدستور أنه وضعه للمواطنين لا للمؤمنين، ووالله ما هو بدستور المواطنين ولا المؤمنين، بل هو دستور العلمانيين، -ما هي نسبة غير المسلمين المئوية في الجزائر حتى تستقيم هذه الفرية؟، ليست هذه المادة إلا تجميلا لمواد هذا الدستور القبيح، بدليل الباطل الذي ضمه مما ليس فيه خلاف بين المسلمين. س: إذن، فما الذي يجوز الاستفتاء عليه . ج: هو ما سكت عنه الشرع رحمة بالناس، فتركه لأهل الاختصاص ليختاروا ما يناسب حال الأمة، وهو معظم تفاصيل شؤون الحكم، وهو الغالب على هذه المسودة، كمدة الرئاسة، ووجود نائب للرئيس، وكيف تعين الحكومة، ومن يرأس الجيش، وهيآت الدولة، وصلاحياتها، ومددها، والعلاقات بينها، فهذه ونحوها من رسوم الحكم، وأمرها أخف، فقد يسكت على جعلها موضعا للاستفتاء، وإن كان الصواب خلاف ذلك، إذ لا مصلحة في الاستفتاء عليها غير إضاعة المال، فمعظم الناس لا قدرة لهم على اختيار الأصلح والأنفع منها، فما الجدوى من استفتائهم فيما لا يعرفون؟. 05 ربيع الأول أكتوبر 2020 كاتب المنشور الصفحة الرّسمية للشيخ العابدين بن حنفية عروبة الجزائر مرتبطة بلغة العرب حين جاء بها القرآن، ومن ذهب الى ما قبل الاسلام فهو يتعزى بعزاء الجاهلية . امحمد شرف نعم للدستور درء للمفاسد ومقدم على جلب المصالح نعم للدستور حسام الدين امحمد شرف الدستور هو المفسدة و درؤها مقدم على المصالح الأخرى Belahouel Dahoامحمد شرف بمثلكم ستبقى الجزائر من دول العالم الثالث وستزداد تخلفا أم الياس Belahouel Daho:  لا حول ولا قوة الا بالله وهل اتباع الجزائر لهذه الدساتير المبطنة للقضاء على الهوية هي رقي وتطور حسام الدين بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا شيخنا.. من خلال هته الديمقراطية وهته الأنظمة فإن الحاكم يعتبر حاكما على الناس بلا نظر الى ديانتهم وبلا نظر الى ديانته يعني لو ارتد الشعب كله فلا يهمه وسيغير الأحكام تبعا لهواه.. فكيف يعتبر بعض العلماء في زمننا من كان هكذا حاله أنه ولي أمر للمسلمين.. سؤال يراودني منذ مدة ذنوار نتفسوث لما يبارك وزيرهم هذا الدستور معناه يوجد في طياته ما يخدم مصالحهم والسلام عليكم. علي بوفاص بارك الله فيك شيخنا ما قولك في من يطالب بترسيم تاريخ الجزاءر في الدستور بداية من العهد الفنيقي كدليل على عروبة الجزائر اجبني بارك الله فيك يا شيخنا ربيع محمدحسان لا أليس كنت ياشيخ قد بايعت تبون مع علمك انه من رؤوس العصابة واليوم جئت تنتقذ الدستور الذي وضعته العصابة مابني علي باطل فهو باطل Mokhtar Omar بارك الله فيك يا شيخ. فعلى المنضوين تحت مضلة الأحزاب الإسلامية أن يقرؤا هذا التحليل. Med Ben * جزاكم الله خيرا شيخنا الفاضل، و لكن لي بتعقيب أو بسؤال و أرجو الإجابة عنه. * أوردتم شيخنا الفاضل صراحة عدم جواز الإستفتاء عن الدستور، فلا يستفتى في تحكيم شرع الله، وهذا أصل من الأصول لا نقاش فيه، ولكن ألا تعتقدون شيخنا أنكم أهملتم مبدءا فقهيا مهم و هو '' درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ''، وحسبك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، وهو الصلح الذي أقر '' بأن تكون هناك هدنة بين المسلمين و مشركي قريش لمدة عشر سنوات، وأن يرجع المسلمون إلى المدينة هذا العام فلا يقضوا العمرة إلا العام القادم، وأن يَرُد محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من يأتي إليه من قريش مسلما دون علم أهله، وألا تَرُد قريش من يأتيها مرتدا، وأن من أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غير قريش دخل فيه.. ''، و هل هناك أعظم من الشرك بالله و صدِّ الناس عن المسجد الحرام و فتنة المؤمن عن إقامة دينه قال الله تعالى{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)} سورة الحج ، بل حتى أن المشركين رفضوا أن تفتح الوثيقة بالبسملة 'بسم الله الرحمن الرحيم' و بدل ذلك إشترطوا افتتاحها باسمك اللهم (حين قالوا و أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو) و الله تعالى يقول {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)} سورة الفرقان - ولقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بادئ الأمر أن يسلموا، عندما بعث إليهم عثمان بن عفان يخبرهم أنهم قدموا عمارا لا مقاتلين-، و فيها تكذيب صريح لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته حين رفضوا أن يكتب الصلح على أساس أنه 'بين محمد رسول الله وقريش' واشترطوا بدل ذلك عبارة 'بين محمد بن عبد الله وقريش' فقبل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال [والله، إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله]، ولم يمنع كل ما سلف من تعنت قريش وكبرهم واستعلائهم على الحق، النبي صلى الله عليه وسلم من عقد الصلح، فقال صلوات ربي وسلامه عليه[ والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها] رواه البخاري. * وقياسا على ما سلف شيخنا الفاضل، ألا يجوز للمسلم أن يشارك في الاستفتاء و بالرفض من باب درء المفاسد و تعظيم حرمات الله؟ - خاصة إذا علمنا أن كلمة دستور كلمة فارسية و معناها ''الأساس'' و نظيرها الميثاق أو العهد. ثم إن المسلمين في العالم اليوم مستضعفين والمصلحون في بلاد الإسلام لا كلمة مسموعة لهم. * في إنتظار الإجابة شيخنا الفاضل تقبلوا مني فائق عبارات الإحترام والتقدير. هذا و الله أعلم وعلى الله قصد السبيل و إليه يرجع الأمر كله. كاتب المنشورالصفحة الرّسمية للشيخ العابدين بن حنفية Med Ben اقرا المنشور جيدا ففيه الجواب عن سؤالك بارك الله فيك . مزيلة ميلود لا وجه للمقارنة اخي الفاضل بين فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين من هدنة وغيرها وبين امة مسلمة يحكمها دستور ناكب عن الصراط المستقيم مخالف لشرع الله سبحانه وتعالى سمير بوعزة - مِن الأخطاء الشائعة لدى الكثير من الشيوخ: صَرف الألفاظ عن معانيها والحكم على قوالبها بخلفيات سطحية)؛ إما لغوية أو اصطلاحية (على المذهب الظاهري) - فلا الاستفتاء توقف عند معناه اللغوي المشتق من الفتوى، ولا حياد المدرسة تعني ما كتب في المنشور. الشيخ ينطلق من مقدمات خاطئة؛ فتوصل إلى حكم خاطئ لا محال - الاستفتاء لا يُخيِّر الناس بين حرام وحلال، أو حق وباطل كما تقول يا شيخ ! - الاستفتاء هو إبداء رأي حيَال دستور بعموم مواده التي تحدد طريقة الحكم في الجزائر. - حياد المدرسة لا تعني مطلقا إبعادها عن إطارها الإسلامي كما يروج لهذا الفهم السطحي فالقانون الأساسي للمدرسة يصر على أن هدف المدرسة هو تكوين فرد جزائري مسلم يعتز بهويته. (حياد المدرسة مفهوم سياسي يعني أن المدرسة لن يكون فيها استثناء مستقبلا لمدارس مزابية في غرداية أو غيرها من المدارس التي لها انتماء بعيد عن انتمائها للوزارة الأم). - حرية المعتقد موجودة من دستور 62 وكل تعديلات بوتفليقة حافظت عليه فلستُ أدري لماذا صارت اليوم كفرا في الدستور الجديد ؟! وهي أصلا مقيدة فيه بعبارة (في إطار ما يسمح به القانون) - إن دستور اليوم فيه ماهو أعظم من السطحيات التي يناقش فيها الشيوخ وبعض المؤدلجين - فيه صلاحيات امبراطورية للرئيس - فيه تشابك السلطات وعدم استقلاليتها عن الامبراطور - فيه ترخيص بخروج الجيش للمشاركة في حروب بالوكالة - فيها تغويل للبيروقراطية وحكم الفرد - فيه طمس لمعالم الدولة والاتجاه نحو الحكم القبلي. كل هذا ويجي من يقول لنا: الاستفتاء من الفتيا.. والفتيا لا تجوز!! معذرة إن كنت عبَّرتُ بهذه الطريقة ولكن وجب مرة على المرة استخدام هذا الأسلوب ليستفيق البعض ويدركوا أن الزمان تغير وما عاد يتحمل هذه اللغة في التعامل مع قضايا مصيرية تقبل تحياتي Mohamed Mouaouia Sami Bouaaza وقبل ما تفضلت به من فهم عميق للأزمة، أقول ما فائدة التحليلات والسفسطة الآن بعدما قاموا بتزكية سلطة فاقدة للشرعية والمشروعة. سمير بوعزة Mohamed Mouaouia التحليلات والمناقشات هي تأكيد على رفض هذا النظام لمن مازال يعتقد أن فيه زغبة تاع خير Maroud Elhodja اولا المواطن يستفتى ( بضم اوله) فعله الإفتاء بمعنى الأخبار لا بمعنى الفتوى الشرعية فالاستفتاء فعل من أفعال السلطة مضمونه طلب حسم الرأي في شأن عام ممن شأنه أن يحسم الرأي وهذا لان الطلب من الكل وهنا هو الشعب هو طلب من الجزء وهنا هم النخبة من المشايخ والمفكرين - أن وجدوا- واما المواطن فيخبر بالقبول أو الرفض أن كان من النخبة بعد البحث والاستقصاء واعتماد الدلالة الشرعية أن كان من اهل العلم على اعتبار مامن حادثة إلا ولشرع الله فيها بيان نصا أو معنى أو الحاقا. وان كان من العامة فبسؤال المختصين كل بحسبه ثم أن الانتقادات الموجهة إلى هذا الدستور كلها انشاءية لم تبين على وجه التفصيل اين يكمن الخلل . الدستور من حيث هو تنحل مواده الى ثلاثة أجناس . جنس من المواد بين لنا ما لا يمكن الاتفاق على إسقاطه اي المواد التي لا تخضع للتفاوض السياسي أو المواد التى لا تقبل التنازل فلا يمكن الاستفتاء على إعطاء تندوف الى المغرب أو الاستفتاء على قتل الأقلية أو الاستفتاء على ترك الإسلام فجنس هذه المواد بشكل المبادىء الحاكمة للدولة ومن هنا يظهر أن الشيخ - حفظه الله - لم يصب في قوله أن مادة الإسلام دين الدولة واصفة وليست حاكمة . مواد الدستور كلها حاكمة من حيث الشكل ولهذا أدرجت في الدستور لاسيما مواد الجنس الأول . الاسلام دين الدولة مادة حاكمة وواصفة حاكمة على المؤسسات وواصفة لديانة السكان . وكل القوانين عضوية وعادية مخالفة لشرع الله هي قوانين غير شرعية وغير دستورية باعتبار هذه المادة ولو أن المصلحين اتجهوا شيءأ فشيءا الى بيان وجه الخطأ في ترسانة القوانين لربما كانت الثمرة طيبة ولكن الصراع حل محل العدل والإنصاف والجنس الثانى من المواد التي يتضمنها الدستور بما هو دستور هو مواد هوية الدولة السياسية والثقافية ككونها ملكية أو جمهورية ديمقراطية أو دكتاتورية وككون الإسلام من هوية الدولة والعربية من هوية الدولةو الأمازيغية من هوية الدولة وهذه مواد حضارية وفكرية ومسألة ترسيم اللغة الأمازيغية مسألة سياسية بحتة. تمازيغت لها بعدان الأول ما يتعلق بالهوية وكونها جزءا من ماهية الدولة الجزاءرية وهذا امتداده ثقافي وتاريخي ولا يمكن إنكاره بعد الإسلام والعربية والثاني قابليتها لتكون موردا للنزاع وموضوعا للتوتر وحالة من عدم الاستقرار وهذا بعد سياسي مصلحي وهو سبب إدراجها في الدستور بعد حادثة ماسينيسا كلغة وطنية ثم اعتبارها وطنية ورسمية ثم جعل مادتها الدستورية مادة صماء غير قابلة للتعديل وهذا في هذا المشروع الدستوري ومبناه قطع الطريق أمام من يستعمل مسألة الأمازيغية كوقود لحالة عدم الاستقرار والآن الكرة في مرمى الخبراء في إيجاد القواعد والضوابط للغة الجامعة صوتا وكتابة أو لجميع اللغات من شاوية الى ترقية وليس للغة تيزوزو اي ميزة عن لغة الشاوية أو المزابية وهذا دونه خرط القتاد لان اللسان الأمازيغي ليس لسانا على مستوى اللغة ولن يجدوا ضوابط إلا كما يجدون ضوابط للغات الدارجة المنحدرة من اللسان العربي كالشامية والعراقية والخليجية وهكذا . فلا اظن انها وقود للانقسام بل العكس فبعد إدراجها في هذا الجنس الثاني من مواد الدستور طاب للدولة أن تستعمل العنف المشروع ضد كل من يتاجر بهذه القضية . والجنس الثالث من المواد هو المواد التي تبين العلاقة بين الحاكم والمحكوم فتمنع الحاكم من الاستبداد والمحكوم من الفوضى والأقليات من التعسف وهذا لم أجد فيه مادة معيبة وكل ما قيل عن المدرسة أو أماكن العبادة هو كلام إعلامي غير منضبط بضوابط العلم ولا أدري كيف انجر الشيخ الى هذا الأمر وأخيرا لا يكمل الدستور الا بقوانينه وممارسته فمهما قيل من قداسة الدستور هو من صنع البشر فإن لم تخط القوانين على نسجه وان لم تقيد الممارسة بالأخلاق الإسلامية فلا ظهرا ابقينا ولا ارضا قطعنا لان أزمة البشرية الجزاءرية المعذبة ليست أزمة نص وإنما أزمة لص حاج احمد سلطويني السلام عليكم .. عما تتحدث سيدي.. اذا قلنا الإسلام دين الدولة ' ما معنى ذالك ونحن نعلم أن الإسلام منهج حياة لا يحتاج إلى قيد هل يكفي قول الإسلام دين الدولة دون تطبيق لحدود الله من هاته الدولةللتهذيب وحتى لا يخاف المتلقي من هذا التعبير هل القوانين الوضعية المخالفة والمثبطة والتي تتعارض مع احكام الشريعة التي يكفلها الدستور يتوافق مع الدستور دين دولة.. عن اي فلسفة تتكلم.. السلام عليكم Maroud Elhodja وعليكم السلام الدستور من حيث هو لا يوجد فيه مخالفة المخالفة في القوانين التفصيلية القوانين الموجودة منها ما يوافق الشريعة ومنها ما يخالف الشريعة والمخالفة تكمن في كونها تستمد من منابع غير شرعية وبهذا تكون غير شرعية وغير دستورية لان الدستور ينص على تبنى الدولة للاسلام والدولة هنا مفهوم دستوري وليس أفراد الناس فحسب . ولا يتصور في الدولة ككيان معنوي انها تصلى وتصوم لكي تكون مسلمة . وإنما إسلامها في كون مؤسساتها ينبغي أن لا تخالف الأخلاق الإسلامية والاحكام الإسلامية وهذا ماينبغى لا ماهو كاين انظر الى المادة 11 في فقرتها رقم 3 نصت على أن مؤسسات الدولة يجب أن تمتنع عن السلوك المخالف للقيم الإسلامية وقيم اول نوفمبر . القصد أن المخالفة سببها القانون لا الدستور وهذه ليست فلسفة انما تحليل للواقع كما هو والعدل واجب لكل أحد على كل أحد وفي كل وقت •

الخاطرة 297

معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون" (5). س: ذكرت أن طلب الحاكم من الناس رأيهم في مشروع الدستور لا يجوز، لأن المسلم لا خيرة له في الحق، ولا في الباطل، ولا فيما ضم هذا وهذا، فما الذي يتعين على من أراد أن يستبرئ لدينه، وأن يسلم من تبعات ما يراد للإسلام والمسلمين في هذا البلد؟ . ج: لا يعدو موقف المرء من هذا الدستور ثلاث حالات: - الموافقة عليه بكلمة نعم، وهذه من كبائر المعاصي والذنوب من غير خلاف بين المسلمين متى كانوا يعرفون أبجديات دينهم، ويتجاوز الأمر ذلك إذا قبله عالما راضيا. - والثاني رفضه، وهذا هو المطلوب الذي يتعين فعله. - والثالث الإعراض عنه بالمقاطعة. س: أليست المقاطعة هي الأفضل؟ ج: لنقرب المسألة، لو سئل المسلم عن أمر يعلم تحريمه أيسعه السكوت؟ أم يتعين عليه بيان حكمه؟ وهل ينسب لساكت قول؟ إن السكوت قد يفسر بعدم الاهتمام، وبعدم التسجيل في قوائم الانتخاب، وبغير ذلك، فالذمة لا تبرأ إلا بالرفض الصريح.1 س: إذا لم يقبل مشروع الدستور هذا فإن الدستور السابق يظل ساريا، ألا يعد ذلك اقرارا للباطل أيضا؟ ج: إذا حصل هذا فإنها سابقة لم يجر بها ذكر في تاريخ الجزائر، لا في انتخاب الرؤساء، ولا في الاستفتاء على الدساتير والمواثيق، ولو قدرنا وقوع هذا فلا يلزم منه إقرار الباطل، فإن أقصى ما يفسر به أنه لازم له، وهو لا يعد مذهبا، والدستور الساري الآن وإن كان باطلا فإنه أقل شرا من المقترح. س: يقال إن التصويت ب"لا" يرتفع به عدد المصوتين، فيحتج به على أن الناس قد أبدوا آراءهم، وإن النتيجة هي قبول هذا الدستور وقد تكون معدة مسبقا. ج: المقاطعة موقف سياسي، والسياسة لا نشتغل بها إلا بالقدر الذي نعلم به الحال المتحدث عنه، وقد اتضح الأمر، ولا أحد أغير من الله على دينه "وَسَيَعلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ". ليلة التاسع من ربيع الأول 1442- •

الخاطرة 298

مَعذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُم وَلَعَلَّهُم يَتَّقُونَ: (6) علمنة الحياة ودسترتها تقرأ سورة الفاتحة فتدعو ربك مرات في اليوم والليلة أن يهديك الصراط المستقيم، وأن يجنبك صراط المغضوب عليهم والضالين، فهلا حملك هذا على أن تتعلم الحق الذي أنزله الله فتتبعه وتبتعد عما سواه؟. وإذا افتتحت ما يليها وقفت على بيان موقف الناس من هداية كتابه، فهم مؤمنون وكافرون ومنافقون، فتعز بأن المجتمعات ليست على شاكلة واحدة في أي عصر، ولو كان أفضل العصور، وفي أوائل آل عمران كلام ربك عن متبعي المتشابه، والمتمسكين بالمحكم من الكتاب الكريم، فاختر فريقك، ولا تكاد تخلو سورة من هذا، فاعرف محيطك وأنت تدعو إلى الله لتكيف عملك وفق ما يقتضيه الحال . نحن -ولله الحمد- في بلد مسلم نعبد فيه ربنا، ونلتزم ما أمكن من أحكامه في معاملاتنا، ويبذل الدعاة ما يقدرون عليه في رأب الصدع وسد الخلل، وعملهم نافع، مانع إن شاء الله أصحاب الباطل أن يبلغوا مرادهم، والتدافع سنة الله منذ خلق آدم عليه الصلاة والسلام إلى قرب قيام الساعة التي لا تقوم إلا على شرار الخلق. والدستور الذي سيستفتى الناس فيه ليس مفصولا عن السياق التاريخي للبلد، مررنا بمراحل انتهت إليه، والمستغرب أن عرضه جاء حيث ظننا أنه وقت تغيير وإصلاح، وبعد الحراك الذي اصطنع كما أشرت إليه قبل أشهر، فهل من معتبر أن كل وسيلة غير مشروعة لا تنتهي إلى خير وإن بدت كذلك . التمكين للعلمانية في الحياة العامة جار منذ استعادة الاستقلال شكلا، تظافرت على تثبيته عوامل الجهل والتقليد والغزو الثقافي والإعلام وضغوط دول الكفر، ثم صار منهجا، ولست بصدد رصد الوقائع الكثيرة التي تؤكد ذلك، فإنها لا تخفى على الغافل، فكيف بالفطن؟ . يتأثر الناس بالعمل أكثر مما يتأثرون بالقول، فإذا تقارنا فذاك المبتغى، وإن اختلفا وطال الأمد؛ اعتادوا الازدواجية، ورسخ في أذهانهم أن التناقض صواب، ولم لا وكثير منهم يصلون ويزكون ويصومون ويحجون؟، صاروا أسرى هذا الذي حصر فيه الإسلام، ونسوا أنه يفعل في غير دول المسلمين، وإن كان الحال في التضييق ومقابله مختلفا، فإذا سمعوا من نادى بفصل الدين عن الدولة صراحة أو ضمنا لم يستغربوا، فكيف إذا ضم إلى ذلك الإغراءات المختلفة ؟ . ضحايا علمنة الحياة ليسوا هم المواطنين العاديين فحسب، بل إن كثيرا من المسؤولين في بلاد المسلمين من ضحاياها، ولهذا يظنون أن من دعا إلى الحق الذي لا خلاف فيه متشدد ومتطرف، وما ذممهم ببريئة عند الله . بل إن بعض من درس الشريعة ركبه هذا الداء، فصار ينكر على من اشتغل بالدعوة أو بالفقه أن يتكلم في السياسة، كبر عليه أن يعثر فيما يقرأه على عبارات ليست معتادة في عالم النفاق السياسي، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء.."، فما عساه يقول في سياستهم وسياسة خاتمهم؟، هل كانوا فيها بالمعنى الذي يريده هو؟ هل تظن أن وزيرة التربية السابقة كانت تتصرف من تلقاء نفسها يوم قررت حذف البسملة من كتب التعليم، ومنع الصلاة في المدارس، وما قيل عن صعوبة تعليم العقائد للأطفال، وما أثير من ضجة عن تعليمهم سورة الإخلاص وغير ذلك؟ وهل يساورك شك أن وزير التجارة عندما صرح قبل سنوات باعتزامه جعل السجل التجاري كافيا في بيع صاحبه الخمر من غير حاجة إلى رخصة كان يعبر عن رأيه؟ وهل تظن أن وزير الشؤون الدينية والأوقاف السابق هو الذي قرر احتضان ما يسمى بتطويب القساوسة القتلى، وإقامة ذلك القداس في المسجد القطب بوهران، وهو عمل لم يسبق أن قامت به الكنيسة خارج الفاتيكان ؟ . وهل نسيت ميلاد التعليم الأصلى العسير سنة 1963 ثم تصحيح تلك (الفلتة) سنة 1977 بشطبه، ألا تذكر ما جرى لمواد التربية الإسلامية؟، والمحاولات المتكررة لتغيير قانون الأسرة وغير هذا كثير؟. وهل نسيت قانون الأحزاب الذي صحح الإطلاق في توجهاتها، فمنع تأسيسها على أساس مواد الهوية التي تركت العناية بها للدولة!؟ لكنه لم يمنع تأسيس أحزاب الكفر والإلحاد. دسترة العلمانية جاءت في غمرة الأحداث التي قيل إنها أطاحت بعهد فاسد، وجاءت بعهد جديد، وأبرز مفاسد الأول عند الناس نهب الأموال الذي زج من أجله بالعشرات في السجون، والمؤكد عندي أن الفساد المالي على خطورته ولزوم مقاومته لا وجه لمقارنته بالذي نحن مقبلون عليه، فإن الدين مقدم على المال والعرض عند التزاحم. مسودة الدستور لم يغير منها شيء ذو بال، مع أن الغرض من المشاورات التي جرت هو الوصول إلى دستور توافقي (!!)، والتوافق إنما يقبل إذا كان على الحق، ومع هذا فلا الحق أقيم، ولا التوافق حصل . أزف أوان دسترة العلمنة، فليحذر كل من يخاف الله والدار الآخرة أن يكون له مشاركة من قريب أو بعيد في تثبيت هذا الباطل، والله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين. يوم العاشر من شهر ربيع الأول 1442= • وأقول مقرا موافقا: هذا الذي أفتى به الشيخ بن حنفية هو الذي أدين الله به.. وإن كنت وددت ألا يتحمل وحده هذه الكلمة الجريئة.. وقد قلت قبل أيام لبعض الاخوان: وددت لو أن الشيخ عبد الحليم قابة لم يتفرد بالبيان الذي أصدره فإن هذه القضايا لا يحسن فيه التفرد.. وكذلك فتوى الشيخ العابدين وددت أن تكون صادرة عن جماعة علماء المسلمين.. ولو كان في الامر سعة لخرجت بفتياه هذه، ألقى بها أهل العلم وأعرضها عليهم.. وأجمع توقيعاتهم عليها.. وما أحسب جمهورهم إلا موافقا عليها مقرا لها.. وأحسب أن الله تعالى خصه بهذه المأثرة والفضيلة والسبق إلى الجهر بالحق الذي نعتقده جميعا في السر.. لما علم فيه من خير. فجزاه الله عن الاسلام والمسلمين خيرا.. وكتب له هذا الموقف في كتابه ليجزيه به خير الجزاء.. حكيم

الخاطرة 299

(7) • قال الشيخ الفاضل أبو سعيد بلعيد بن أحمد الجزائري سدده الله ونفع به:"98% من الشعب الجزائري مؤمنون، والدستور الجديد لم يكتب للمؤمنين، فلا لهذا الدستور" • قال الشيخ إبراهيم بعارة الجزائري: أطبق الأخيار في هذه البلاد وأهل العلم والفضل والمشورة على فساد وخبث وخطورة الدستور المعروض للاستفتاء يوم غد ولذلك فالنصيحة لكل مستنصح أن ينتخب بلا ولا يثبطنكم من يقول أن الانتخابات ستكون مزورة وأن النظام عازم على تمرير الدستور بكل الطرق فإن ذلك ظن وتخمين قد يصدق وقد يكذب وفي كلا الحالتين فتدبيرهم لايهمك إنما الذي يهمك أن تخوض المعركة بأدواتها ولاتنهزم قبل الدخول فيها فأنت مطالب ببذل الأسباب لا بالنتائج و أن تبرئ ذمتك أمام الله بأن يكون جوابك يوم القيامة أنك قلت لا لهذا الدستور الممسوخ الذي سيفتح على الجزائر باب شر عظيم يصعب إغلاقه. • كتب الشيخ الدكتور محمد حاج عيسى: إذا تم التزوير -لا قدر الله- ننتقل إلى الفصل الثاني من حياة الكدح لأنها لن تكون نهاية الجزائر ولا نهاية الاسلام.. وسأكون مرتاح الضمير.. وسأكون أيضا حزينا على التزوير.. لا فرحا به كما هو حال كثير من المقاطعين الذين يستعدون لاقامة الاعراس بتحقق كهانتهم ويعدون العدة للسخرية من الاصابع الزرقاء والورقة الزرقاء. •

الخاطرة 300

"مَعذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُم وَلَعَلَّهُم يَتَّقُونَ (8). لقن الله تعالى عباده المؤمنين في كتابه جملة من الأدعية، فإذا دعوه بها مخلصين مخبتين ضمن لهم الإجابة، كما في الحديث الصحيح عن خواتم سورة البقرة، وقوله في أعقاب ما ارتضاه لعباده من الدعاء في سورة آل عمران: "فَٱستَجَابَ لَهُم رَبُّهُم"، وقوله في خواتم سورة الفرقان: "قُل مَا يَعبَؤُاْ بِكُم رَبِّى لَولَا دُعَاؤُكُم"، وأخبر عن استجابة أدعية أنبيائه. ونحن ندعوه سبحانه وتعالى مفتقرين إليه منيبين خاضعين موقنين بالإجابة أن يصرف عن بلادنا وسائر بلدان المسلمين كل سوء. - "رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَّسِينَا أَو أَخطَأنَا‌ رَبَّنَا وَلَا تَحمِل عَلَينَا إِصرًا كَمَا حَمَلتَهُ ۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبلِنَا‌ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ‌ وَٱعفُ عَنَّا وَٱغفِر لَنَا وَٱرحَمنَا أَنتَ مَولَانَا فَٱنصُرنَا عَلَى ٱلقَومِ ٱلكَـٰفِرِينَ" . -"رَبَّنَا لَا تُزِغ قُلُوبَنَا بَعدَ إِذ هَدَيتَنَا وَهَب لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحمَةً‌ إِنَّكَ أَنتَ ٱلوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَومٍ لَّا رَيبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخلِفُ ٱلمِيعَادَ". -"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلاِيمَـٰنِ أَن امِنُواْ بِرَبِّكُم فَـَٔامَنَّا‌ رَبَّنَا فَٱغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّر عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلاَبرَارِ رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخزِنَا يَومَ ٱلقِيَـٰمَةِ‌ إِنَّكَ لَا تُخلِفُ ٱلمِيعَادَ" . -"وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَب لَنَا مِن اَزوَٲجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَٱجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا" - وقال آمرا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: "قل ربِّ ٱحكُم بِٱلحَقِّ‌ وَرَبُّنَا ٱلرَّحمَـٰنُ ٱلمُستَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ". ليلة 15 من شهر ربيع الأول 1442 - الموافق • •

الخاطرة 301

كان جذلا فخورا بعد إعلان نتائج الدستور. قلت: لم أنت فرح؟ فقال "ظهرت نتائج الاستفتاء التي وافق فيها الشعب على التعديل الدستوري بنسبة تزيد على 66%، في مقابل نسبة الرافضين وهي أزيد من 33%. فقلت: كلمة (الشعب) مضللة، فإن نسبة المشاركة أقل من الربع، ولو لم يوافق من ذكرتهم على هذا الدستور لما كان لك أن تفرح، لأنك ستعود إلى العمل بباطل دون الباطل الموافق عليه، فكيف تفرح بما هو أخطر منه؟، إلا أن تكون موازنة بينهما، فلا تجمعن على نفسك بين المعصية والفرح بها، ألا تكتفي بواحدة؟. قال: كيف لا أفرح وهذا الدستور سيكون فاتحة بناء الجزائر الجديدة!!؟. قلت: ومن أين لك أن كل جديد محمود؟، سمى العرب الليل والنهار الجديدين، وأتمثل في الجدة المدعاة بقول القائل: كر الجديدين قد أبلى عباءتها ** فانشق أسفلها وانشق أعلاها قال الله تعالى: "قُل بِفَضلِ ٱللَّهِ وَبِرَحمَتِهِۦ فَبِذلِكَ فَليَفرَحُواْ هُوَ خَيرٌ مِّمَّا يَجمَعُونَ" . قال: وأنت ألا تحزن؟. قلت: أحزن مشفقا على من صوت جاهلا وهم معظم الناس، مع أنهم غير معذورين، فالمسلم لا يقدم على عمل حتى يعلم حكم الله فيه، والعلم متوفر اليوم، والموافقة تتضمن إقرار تبديل الشرع أو بعضه، فكيف بمن صوت عالما؟ وما القول فيمن وافق راضيا؟. حزني عابر لا يفت في عضدي، ولا يُفترني، وأنّى له أن يحول بيني وبين الاستمرار في خدمة ديني، ويهوّن الأمر أن أستحضر قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله وسلم: "فَلَا تَذهَب نَفسُكَ عَلَيهِم حَسَرَٲتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُ بِمَا يَصنَعُونَ"، وأمتنا مسلمة ضللها الإعلام. أنا وإن كنت لا أرى مشروعية الاستفتاء من أصله على هذا النحو كما بينته في منشور سابق، إلا أني مستيقن أن نسبة التصويت ب(لا) تبعث على الارتياح، وهي ذات دلالة واضحة، فليشتغل بها المحللون، وهم متكلمو العصر، فكيف لو تكافأت فرصتا البيان والنصح، والتضليل والتجهيل للفريقين، المؤيدين والمعارضين؟. ولنطو بساط الكلام على هذا الأمر الذي شغل الناس عن صالحات الأعمال، وإلى الله المشتكى، وإليه المصير. •

الخاطرة 301

كان جذلا فخورا بعد إعلان نتائج الدستور. قلت: لم أنت فرح؟ فقال "ظهرت نتائج الاستفتاء التي وافق فيها الشعب على التعديل الدستوري بنسبة تزيد على 66%، في مقابل نسبة الرافضين وهي أزيد من 33%. فقلت: كلمة (الشعب) مضللة، فإن نسبة المشاركة أقل من الربع، ولو لم يوافق من ذكرتهم على هذا الدستور لما كان لك أن تفرح، لأنك ستعود إلى العمل بباطل دون الباطل الموافق عليه، فكيف تفرح بما هو أخطر منه؟، إلا أن تكون موازنة بينهما، فلا تجمعن على نفسك بين المعصية والفرح بها، ألا تكتفي بواحدة؟. قال: كيف لا أفرح وهذا الدستور سيكون فاتحة بناء الجزائر الجديدة!!؟. قلت: ومن أين لك أن كل جديد محمود؟، سمى العرب الليل والنهار الجديدين، وأتمثل في الجدة المدعاة بقول القائل: كر الجديدين قد أبلى عباءتها ** فانشق أسفلها وانشق أعلاها قال الله تعالى: "قُل بِفَضلِ ٱللَّهِ وَبِرَحمَتِهِۦ فَبِذلِكَ فَليَفرَحُواْ هُوَ خَيرٌ مِّمَّا يَجمَعُونَ" . قال: وأنت ألا تحزن؟. قلت: أحزن مشفقا على من صوت جاهلا وهم معظم الناس، مع أنهم غير معذورين، فالمسلم لا يقدم على عمل حتى يعلم حكم الله فيه، والعلم متوفر اليوم، والموافقة تتضمن إقرار تبديل الشرع أو بعضه، فكيف بمن صوت عالما؟ وما القول فيمن وافق راضيا؟. حزني عابر لا يفت في عضدي، ولا يُفترني، وأنّى له أن يحول بيني وبين الاستمرار في خدمة ديني، ويهوّن الأمر أن أستحضر قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله وسلم: "فَلَا تَذهَب نَفسُكَ عَلَيهِم حَسَرَٲتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُ بِمَا يَصنَعُونَ"، وأمتنا مسلمة ضللها الإعلام. أنا وإن كنت لا أرى مشروعية الاستفتاء من أصله على هذا النحو كما بينته في منشور سابق، إلا أني مستيقن أن نسبة التصويت ب(لا) تبعث على الارتياح، وهي ذات دلالة واضحة، فليشتغل بها المحللون، وهم متكلمو العصر، فكيف لو تكافأت فرصتا البيان والنصح، والتضليل والتجهيل للفريقين، المؤيدين والمعارضين؟. ولنطو بساط الكلام على هذا الأمر الذي شغل الناس عن صالحات الأعمال، وإلى الله المشتكى، وإليه المصير. 17 ربيع الثاني 1442- •

الخاطرة 302

الحمد لله والصلام على رسول الله، الحمد على نعمة الإسلام، الحمد لله على نعمة الإيمان، وكفى بها نعمة، والحمد لله على نعمة الأخوة في الدين التي صرنا بها نحن المسلمين كالجسد الواحد. عرفت أذربيجان قبل خمس وثلاثين سنة، حيث أقمت في عاصمتها باكو أياما، وزرت مناطق مجاورة لها وبعيدة عنها في القوقاز، وتتاريا، وفي جبال الأورال، وغيرها، ووقفت على تمسك المسلمين بدينهم، وحبهم لإخوانهم، وحرصهم الشديد على تربية أولادهم يوم كانوا تحت نفوذ الاتحاد السوفياتي المنهار . واليوم أشاركهم فرحتهم بالانتصار على أعدائهم الأرمن الذين احتلوا أرضهم في إقليم (نقورني قره باغ) ثلاثة عقود . ها هو الإسلام يعود إلى ربوعه، وكلمة التوحيد تعلن في مساجده . نسأل الله أن يكون هذا الانتصار دافعا لإخواننا في هذا البلد وغيره إلى مزيد من التمسك بدينهم، وأن يكون فجرا صادقا يكتسح هذا الظلام الدامس، وليكن فيه قدوة تشد عزائم المسلمين المحتلة أراضيهم في غير موقع من هذه الأرض. 24 شهر بيع الأول 1442 •

الخاطرة 303

(1) ما أقل حياء مسؤولي فرنسا وهم يجوبون بلاد الإسلام بعد أن مسهم الضر بمقاطعة بعض المسلمين منتجاتهم، يزعمون أنهم يحترمون الإسلام والمسلمين، ثم يرتكبون التناقض الفاضح، والكذب الصراح، فرئيسهم يقول إن الإسلام يعيش أزمة في كل بقاع الأرض، ولا يرون غضاضة أن يقروا ويشجعوا سب نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، لأن من مبادئ نظامهم أن حرية الرأي والتعبير مكفولتان، فينشروا الرسوم المسيئة لنا على واجهات محلاتهم، وجدران مدنهم، ويتباهون بإغلاق المساجد والتضييق على الجمعيات الخيرية، ويقننون اختطاف أولاد المسلمين في سن الثالثة كي يمجسوهم أو يهودوهم أو ينصروهم، وقد حاسبوا بعضهم على امتعاضهم مما يرونه من الإساءة إلى نبيهم، فذكرونا بهذا وغيره بما مارسه أسلافهم النصارى في الأندلس فيما سمي بمحاكم التفتيش. اكتف بوصفهم أنهم فقدوا الحياء، فصفقت وجوههم وكلحت سحناتهم، وتبلدت أحاسيسهم، فليسمعوا كلام نبينا الذي لم يكن فاحشا ولا سبابا ولا لعانا، مع أنهم يستحقون ذلك كله، فقد قال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت!! المطلوب أن نفهمهم بأقوالنا وأفعالنا ومعاملتنا أننا نحن الذين نفهم ديننا، ونعرف ما أراد الله لنا من طاعته واتباع شريعته، وأننا لسنا شيئا بدون نبينا فإنه أحب إلينا من أنفسنا ومن الناس أجمعين، كيف ووعيد الله قائم بقوله: "قُل إِن كَانَ ءَابَاؤُكُم وَأَبنَاؤُكُم وَإِخوَٲنُكُم وَأَزوَٲجُكُم وَعَشِيرَتُكُم وَأَموَٲلٌ ٱقتَرَفتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخشَونَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرضَونَهَا أَحَبَّ إِلَيكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَاتِىَ ٱللَّهُ بِأَمرِهِۦ‌ وَٱللَّهُ لَا يَهدِى ٱلقَومَ ٱلفَـٰسِقِينَ" . قبول زيارة هؤلاء في هذا الظرف من غير تصريح علني يضعها موضعها صارخ بعدم اكتراث المزور بهذا الذي صدر عنهم في نظر الناس، فلتصحح المواقف بأن يخاطبوا علنا بامتعاض وسخط، وليطالبوا بالاعتذار والإقلاع عن جبروتهم وطغيانهم، أما بدون هذا فالتعاون على المصالح المشتركة إن كان لا بد منه فله أوقات أخرى، وظرف غير هذا الظرف، في نطاق المعاملة الندية. إن الناس غير مطالبين أن يشقوا على الصدور ليفهموا المقاصد من هذه الزيارات، وهم بعد ذلك قد يصيبون أو يخطئون فيما يظنون وفيما يقولون وينتقدون. ذهبوا إلى مصر لينالوا شفاعة الأزهر لدى المسلمين، وجاءوا إلى الجزائر -التي عادت إليها فرنسا بقوة- ليضربوا على وتر جاليتنا عندهم، فيقايضونا السكوت على إيذائنا بسب نبينا بمعاملتهم للمسلمين في بلادهم، وكثير منهم جزائريون.. يتبع . •

الخاطرة 303

(2) (تكملة) ... ومن أساليب حكام فرنسا لثني المسلمين عن مقاطعة منتجاتها التضييق على الجالية المسلمة في أراضيها، ومنهم الجزائريون، وأحكام الله قائمة ثابتة، لا تتغير باعتقاد الناس، ولا بتركهم لها، أو استثقالها، ولا بما يرونه من المصالح في مخالفتها . المغرورون المفتونون ببلاد الغرب يصفونها بأرض الحريات، بل يقولون إن ما هم فيه خير مما في بلاد المسلمين، ومنهم من يتخذ منها موقعا يقاوم منه الفساد والظلم في بلاده، فاهمس في أذنه: إن إقامتك هناك من الفساد لأنك عاص لربك، فأنى لك أن تفلح في محاربة الفساد، وأنت مقيم في أرضه ؟، ثق أنهم ما سكتوا عنك إلا لأنك تخدمهم خدمة ما هم يعرفونها، قال ربنا عز وجل: "وَلَن تَرضَىٰ عَنكَ ٱليَهودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهم". من جملة الأحكام التي تناساها معظم الناس قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى ناراهما"، رواه أبو داود والترمذي عن جرير رضي الله عنه. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله"، رواه أبو داود عن سمرة رضي الله عنه . وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"، رواه أحمد وأبو داود عن معاوية رضي الله عنه . والمقصود الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين، ومن بلاد البدعة إلى بلاد السنة متى استطاع من خشي على نفسه الفتنة . كثير من أهل العلم لا يكاد يتعرض لبيان حكم هذه الإقامة، لما يرى فيها من التعقيد الناشئ عن كثرة المسلمين في هذه البلاد، فيؤثر ترك الكلام على هذا الحكم، حتى الإفتاء به صار كالمستغرب عند بعضهم! وما يقضيه الله تعالى من الأحداث كثيرا ما يكون سببا في رجوع الناس إلى حكمه والوقوف على بعض ما فيه من الحكم والمصالح العاجلة. حكم الله ينبغي أن يبين، بل متى سئل العالم عن حكم له صلة بالإقامة في هذه البلاد؛ فالمطلوب أن لا يكتفي بذكر العزيمة أو الرخصة، بل يذكر بالحكم الذي نشأ السؤال عن الإخلال به نصحا للمسلمين، وهو كغيره منوط بالقاعدة الشرعية العامة، وهي الاستطاعة . وعلل منع إقامة المسلم في بلاد الكفار معروفة عند أهل العلم، منها التشبه بهم في الأمور الظاهرة، والتأثر بأخلاقهم الرديئة، والتعود على باطلهم، وسريان محبتهم إلى النفوس حتى تقارب مرتبة الولاء الذي هو الفاصل العقدي بين المؤمنين وغيرهم، وبعض هذه الأمور عليها كثير من المسلمين في بلاد الإسلام عن طريق وسائل الاتصال التي جعلت العالم كالبيت الواحد، مشفوعة بالجهل، والهزائم النفسية، وولوع المغلوب بتقليد الغالب، لكن هذا لا يشفع للقادر منهم على الهجرة، وأقل ما نراه من مساوئ هذه المساكنة أن المسلمين يصيرون كالرهائن يقايضون بهم دينهم كما نراه اليوم. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله مبينا خطر التشبه بالكفار رابطا ذلك بمساكنتهم ومرافقتهم: "المشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة، المشابهة في الهدي الظاهر؛ توجب مناسبة وائتلافا، وإن بعد الزمان والمكان، وهذا أمر محسوس، فمرافقتهم ومساكنتهم ولو قليلا؛ سبب لنوع من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط؛ علق الحكم به، وأدير التحريم عليه، فمساكنتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، فيصير مساكن الكافر مثله، وأيضا المشاركة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا مما يشهد به الحس، فإن الرجلين إذا كانا من بلد واجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم بموجب الطبع، وإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة فكيف بالمشابهة في الأمور الدينية، فالموالاة للمشركين تنافي الإيمان: "وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ ۥمِنهُم"، انتهى . 25 من شهر ربيع الأول 1 - النص: قال الله تعالى: إِنَّ هَـٰذِهِۤ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَٲحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُم فَٱعبُدُونِ وَتَقَطَّعُواْ أَمرَهُم بَينَهُم كُلٌّ إِلَينَا رَٲجِعُون فَمَن يَعمَل مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُومِنٌ فَلَا كُفرَانَ لِسَعيِهِۦ وَإِنَّا لَهُ ۥ كَـٰتِبُونَ وَحَرَٲمٌ عَلَىٰ قَريَةٍ أَهلَكنَـٰهَا أَنَّهُم لَا يَرجِعُونَ". وقال: "يَـٰأَيُّها ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعمَلُواْ صَـٰلِحًا إِنِّى بِمَا تَعمَلُونَ عَلِيمٌ وإِنَّ هَـٰذِهِۦ أُمَّتُكُم أُمَّةً وَٲحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُم فَٱتَّقُونِ فَتَقَطَّعُواْ أَمرَهُم بَينَهُم زُبُرًا‌ كُلُّ حِزبِ بِمَا لَدَيهِم فَرِحُونَ". 2 - مركز الاهتمام: التفرق في الدين واتخاذ نظم الحكم . 3 - الخلاصة: دين الأنبياء واحد هو الإسلام، والاههم واحد، فليعبدوه وحده، وليتقوا عقابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا خبر الله وأمره، لكن الناس سارعوا إلى تقطيع الدين بالتفرق فيه، واتخاذ كتب غير التي أنزلها عليهم، فأشبه فعلهم الشركاء يقسمون متاعهم، كل جماعة فرحة بما عندها من الأهواء والآراء، ومن عمل الصالحات وآمن فلا يضيره تفرقهم بل سعيه مشكور، وعمله مكتوب محفوظ يجزى عليه . 4 - التفصيل: "إِنَّ هَـٰذِهِۦ" الإشارة إلى أمر ذهني متقرر، هو ما اتفقت عليه رسالات الله تعالى من الخضوع له والانقياد، وهو الإسلام. "أُمَّتُكُم أُمَّةً وَٲحِدَةً"، الأمة هي الملة والشريعة، أي أن دين الأنبياء واحد. " وَأَنَا رَبُّكُم فَٱعبُدُونِ"، دينكم واحد والهكم واحد فاعبدوه. " وَتَقَطَّعُواْ أَمرَهُم بَينَهُم"، تفرقوا في الدين متعاونين عليه، كالشركاء يتوزعون ما يشتركون فيه، وفي سياق آخر "فَتَقَطَّعُواْ"، حصل التقطع سريعا بعد تبليغ الرسل ونهيهم عن التفرق، كما حصل في هذه الملة من أمر الخوارج والشيعة والفدرية في أواخر الخلافة الراشدة، وينطبق هذا الوصف على كثير ممن يدعون الإسلام اليوم من العلمانيين والحداثيين والقرآنيين كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر أو ذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه"، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟" ويخرج بالتقطع الاختلاف الذي لا تفترق به الأمة، كغالب ما بين علماء المسلمين المجتهدين. أطلق التقطع تارة، وقيد بـ "زُبُرًا‌" تارة أخرى ليشمل كل ما خالف الحق من الآراء والأهواء، مكتوبة كانت أو غير مكتوبة، أي جعلوا دينهم الواحد كتبا متعددة، أو اتبعوا كتبا محرفة مبدلة كفعل النصارى واليهود. قرئ قوله "زُبُرًا"بمضمومتين، جمع زَبور بفتح الزاي، وهو الكتاب، وقرئ بضم الزاي وفتح الباء جمع زُبَرة بالضم وهي القطعة كما في قوله تعالى: "ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلحَدِيدِ‌"، شبه ما صنعه المتفرقون في الدين بالشيء يجعل قطعا مستقلة!! بل إن فعل التقطع يفيد هذا المعنى. وذكر كلمة الزبر بدل الكتب تلتقي مع ما قاله الراغب ناقلا عن بعضهم: "الزبور اسم للكتاب المقصور على الحكم العقلية، دون الأحكام الشرعية، والكتاب لما يتضمن الأحكام والحكم، ويدل على ذلك أن زبور داود عليه السلام لا يتضمن شيئا من الأحكام"!! قلت: قد فقدا معا فيما اصطنعه الناس من المواثيق والنظم فلا حكم ولا أحكام، وأين حكم الأنبياء من زبالة الأفكار؟، ويؤيد ما ذكره الراغب عطف الكتب على الزبر - وهو يقتضي المغايرة -في قوله تعالى: "فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَد كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبلِكَ جَاءُو بِٱلبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلكِتَـٰب المنير". "كُلُّ حِزبِ بِمَا لَدَيهِم فَرِحُونَ"، هذا الفرح هو الذي قال الله عنه: "فَلَمَّا جَاءَتهُم رُسُلُهُم بِٱلبَيِّنَـٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلعِلم". "كُلٌّ إِلَينَا رَٲجِعُون"، كل المتفرقين في الدين يرجعون إلينا ثم نبعثهم فيلقون جزاءهم. "فَمَن يَعمَل مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰت"، قل عمله أو كثر. "وَهُوَ مومِنٌ"، بما يلزم الإيمان به. "فَلَا كُفرَانَ لِسَعيِهِۦ"، فلا جحود لعمله، وسماه سعيا دلالة على جده واهتمامه وإخلاصه لربه كالمراد من السعي في قوله: " وَمَن أَرَادَ ٱلاَخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعيَهَا وَهُوَ مومِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعيُهُم مَّشكُورًا". "وَإِنَّا لَهُ ۥ كَـٰتِبُون"َ، وإنا لسعيه كاتبون، فلا يضيع منه شيء، فمن تمسك بالحق عند افتراق الناس لا يضره تفرفهم. "وَحَرَٲمٌ عَلَىٰ قَريَةٍ أَهلَكنَـٰهَا أَنَّهُم لَا يَرجِعُونَ"، هذا تحريم قدري، أي أن من أهلكهم الله من القرى لا يرجعون إلى الحياة، فحرف (لا) صلة للتأكيد، أي حرام رجوعهم، أو المراد نفي رجوعهم عن الكفر إلى الإيمان، أي محتم عدم رجوع من أراد الله إهلاكهم إلى الإيمان، وهو المختار بالنظر إلى السياق. ليلة 26 ربيع الأول 1442 •

الخاطرة 305

حول الأرمن مسجد (يوقاري جوهر آغا) بمدينة شوشة في إقليم قره باغ إلى اصطبل للخنازير، ومنعت فيه الصلاة، فانقطع عنه الأذان منذ ثمان وعشرين سنة. وبعد تحرير مدينة شوشة رمز الإقليم أدى صلاة الجمعة في ذلك المسجد الجنود المسلمون الآذريون يؤمهم أحدهم في هذا اليوم 27 من شهر ربيع الأول 1442، فالحمد لله على نعمة الإسلام. ذكرني هذا بمدينة أوفا عاصمة باشكيريا التي زرتها في ربيع الأول سنة )، مع الشيخ محمد الصالح الصديق، ومحمد فارح رحمه الله. ان عدد سكانها يومئذ نحو المليون، وكان بها سنة 1919 في بداية الثورة البولشيفية 17 مسجدا، بقي منها يوم زيارتنا -بعد مرور نحو السبعين عاما- مسجد واحد!! وقيل لنا إن المحاولات جارية لاستعادة المسجد الثاني!! ليلة 28 ربيع الأول 1442 •

الخاطرة 306

علاقة العالم بالحاكم قال النبي صلى الله إليه وآله وسلم: "من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن خالط السلطان افتتن"، رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما . وقال: "من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، وما ازداد أحد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا"، رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه . وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "إن على أبواب السلطان فتنا كمبارك الإبل، والذي نفسي بيده لا تصيبوا من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينكم مثله، أو قال مثليه"، رواه عبد الرزاق والبيهقي في شعب الإيمان . قد يظن أن توثيق علاقة العالم بالحاكم هي الأصلح للدين، والأنفع للمسلمين، وأن فك يده منه تقوية للعلمانين، وأضرابهم من المنافقين والجاهلين، ودعم لمظاهر الحياة التي تتدرج نحو الأسوأ على منهج هؤلاء الكاذبين. وهذا الظن جار على الأصل، فإن العلماء ورثة الأنبياء، ورثوا عنهم العلم، فلهم منه حظ وافر، وأخذ الله عليهم الميثاق أن يبلغوه، وأن يخشوه ولا يخشون أحدا غيره، وأن ينصحوا للمسلمين عموما، وللحكام خصوصا، ويشيروا عليهم، فإن صلاحهم أعظم نفعا من غيرهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله عليكم"، فجمع بين توحيد الله، وما يحقق وحدة الأمة، وما يصلح به رعاتها، وهذا في الخير غاية. فما حال العلماء مع الحكام اليوم؟، من ينكر أن هذه العلاقة قد آلت إلى استخدامهم لهم، وانتقاء ما يرجعون إليهم فيه، وهي أمور محدودة، وهم مرتبطون بهم في أرزاقهم، ويصطفون من يناسبهم في الهيآت التي ينشئونها ؟. ابحث عن الشرع في الاقتصاد والمال والتجارة، وفتش عن حجمه وأهميته في التربية والتعليم، وعن حظه في الثقافة والإعلام، وعن مكانته في السياحة وما يدعى الترفيه، فكيف بالشؤون العسكرية والحروب، والعلاقات الدولية ومعاهداتها؟، إذا فعلت فلن تظفر بطائل. من العجب أن يسكت عن التخلي عن مرجعية الإسلام إلى غيره، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟، وأن يتحمس للمنافحة عن مرجعيات - بالحق تارة والباطل أخرى - داخل دائرة الإسلام، أقول: مع هذه العرى الكثيرة المنتقضة؛ فإن بعض أهل العلم ما يزال يؤمل خيرا في هذه الصلة يستميت في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهذا اجتهاد قد لا يسلم لمن رآه . لا بد من قيود تضبط علاقة العلماء بالحكام، عليهم أن يوازنوا بين الآثار المترتبة على حالي هيمنتهم عليهم، وما يقابلها من مصالح الاستقلال عنهم، مع القيام بما ألزمهم الله به، حتى لا ينتهي بهم المطاف إلى إفساد الدين من حيث يريدون المحافظة على ما بقي منه في سياسة الدول، فإن الذي نشهده هو التحايل على أحكام الله بالتقولات والتأويلات والتمحلات من الهيآت والأفراد على السواء، والدين وإن كان محفوظا بحفظ الله لأصليه؛ فإنه بهذه العلاقة يشوه في أذهان معظم المسلمين الجاهلين به، ويفقد العلماء في نفوس العالمين بدينهم ما لهم عندهم من المكانة: "أَلَم يَانِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخشَعَ قُلُوبُهم لِذِكرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلكِتَـٰبَ مِن قَبلُ فَطَالَ عَلَيهِمُ ٱلاَمَدُ فَقَسَت قُلُوبُهُم وَكَثِيرٌ مِّنهُم فَـٰسِقُونَ". وكما ينبغي للعالم الصالح أن يحذر من الحاكم الجائر، فكذلك يحذر الحاكم الصالح من العالم الفاجر، وهو اليوم أندر من الكبريت الأحمر، ومن بيضة العقر: قل للأمير مقالة ** لا تركنن إلى فقيه إن الفقيه إذا أتى** أبوابكم لا خير فيه القول في المسألة مرتبط بمدى قرب الحكام من الشرع، وما يؤمله العالم من رجوعهم إليه ، وبين دول المسلمين - عدا القليل منها - تفاوت طفيف في هذا، والأمر في طريقه إلى التماثل، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، وبناء على غالب ما نراه من أثار هذه الصلة السيئة على العلماء في فتاويهم ومواقفهم ذات الارتباط بالسياسة خصوصا؛ فإن الخير لهم عند ربهم ولبقاء ثقة الأمة فيهم أن يعيدوا النظر في هذا الأمر، فإن سئلوا أجابوا، وإلا نصحوا في الخلوات وأشاروا، وإذا فشا الباطل وانتشر أنكروا في رزانة وعفة لسان، ومن غير تهريج ولا تهييج . قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: "واعلم أنه لا مفسدة أضر على الدين والبعث على إضاعة الكتاب ونبذه وراء الظهر واشتراء ثمن قليل به؛ من جعل أرزاق العلماء ورتبهم في أيدي الأمراء والحكام، فيجب أن يكون علماء الدين مستقلين تمام الاستقلال دون الحكام لاسيما المستبدين منهم...، ...، وإن علماء السلف كانوا يهربون من قرب الأمراء المستبدين كما يهربون من الحيات والعقارب". وقال ابن عبد البر بعد أن ساق أحاديث وأثارا في التحذير من الدخول على الحكام: "معنى هذا الباب كله في السلطان الجائر الفاسق، فأما العدل منهم الفاضل(!!)؛ فمداخلته ورؤيته وعونه على الصلاح من أفضل أعمال البر، ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز إنما كان يصحبه جلة العلماء مثل عروة بن الزبير وطبقته، وابن شهاب وطبقته، وقد كان ابن شهاب يدخل إلى السلطان عبد الملك وبنيه بعده ...، وإذا حضر العالم إلى السلطان فيما فيه الحاجة إليه، وقال خيرا ونطق بعلم؛ كان حسنا، وكان في ذلك رضوان الله إلى يوم يلقاه، ولكنها مجالس؛ الفتنة فيها أغلب، والسلامة منها ترك ما فيها..." . قلت: كان هذا يوم كان الحاكم يجلس إلى العالم، فيستشيره، ويسهل عليه نصحه من قرب، أما اليوم فإن التقى به ففي المناسبات، فلا يكاد يقدر على التسليم عليه، فأين استشارته ونصحه؟. ليلة الثالث من شهر ربيع الثاني 1442

الخاطرة 307

. ألا يكفي ما يجري في فرنسا ليحرك فيكم حميتكم الدينية الواعية الفاعلة، فتقاطعوا هذه الدولة الباغية قطع الله دابرها؟: - زعم رئيسها أن الإسلام يعيش أزمة في كل أرجاء العالم . - وشجع ودعم الرسوم التي فيها إساءة لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم وأعلن أنه ماض على نهجه . - ضيق على المسلمين وفرض عليهم فهمه هو للإسلام . - أمهل مجلس الديانة الإسلامية خمسة عشر يوما كي يكتب ميثاقا يتضمن ما يمليه عليه . - يسعى إلى قانون يجرم من يمتعض أو تظهر عليه الكراهية للإساءة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم . - يريد تقنين اختطاف الأطفال من أحضان أمهاتهم في سن الثالثة كي يربيهم على الكفر . - صرح أنه لا ينوي الاعتذار عن الجرائم التي ارتكبها بلده . - تدخل في شؤون الدول ومنها الجزائر . وهذه أمور توجعون بها فرنسا وتعفرون وجهها الكالح في التراب: في اقتصادها وثقافتها وإعلامها، بعضها مطلوب منكم في كل آن، فكيف بهذا الأوان؟، ما منكم من أحد إلا وله صلة بها، أو ببعضها، فأروهم من أنفسكم قوة: - امتنعوا من شراء منتجات فرنسا . - اتركوا عملة اليورو التي هي عملتها، فلكم في غيرها غنى. - لا تتكلموا بلغتها. - امحوها من إعلاناتكم وإشهاركم ولافتات محلاتكم. - لم تبقون على لغتها في أسمائكم بمواقع التواصل؟. - اتركوا السفر إلى هذا البلد. - لا تشاركوا في البعثات إليها لأجل الدراسة والبحث. - لا تسجلوا في جامعاتها. - من كانت له جنسية في بلد من بلاد الإسلام فليهاجر إليه. - من كانت له جنسية في بلد غير مسلم فليهاجر إليه. - مجتمعها شائخ فارجعوا إلى بلدانكم لينهار اقتصادها. - اتركوا عاداتها وتقاليدها التي تأثرتم بها. - لا تتابعوا قنواتها ولا تتفاعلوا مع إعلامها. - لا تبعثوا لإعلامها بالأخبار ولا تعملوا مراسلين لها. من تضرر بترك شيء مما ذكرته فهو في سبيل الله، وسيعوضه الله خيرا منه: "وَإِن خِفتُم عَيلَةً فَسَوفَ يُغنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضلِهِۤ إِن شَاءَ‌ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ". خلقكم الله لعبادته وطاعته، فكيف تسكتون على ما تعمله هذه الدولة بدينكم وبنبيكم خوفا على رزقكم ووظائفكم ومصالحكم ومناصبكم، وقد قال الله تعالى: "وَمَا خَلَقتُ ٱلجِنَّ وَٱلاِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنهُم مِّن رِّزقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلقُوَّةِ ٱلمَتِينُ" . لئن فاتكم أن تنصروا النبي صلى الله عليه وسم ودينه كما نصره أصحابه فلتكن لكم بهذا المقاطعة ما تتشبهون بمن قال الله فيهم: "مَا كَانَ لِأَهلِ ٱلمَدِينَةِ وَمَن حَولَهُم مِّنَ ٱلاَعرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرغَبُواْ بِأَنفُسِهِم عَن نَّفسِهِۦ‌ ذَٲلِكَ بِأَنَّهُم لَا يُصِيبُهُم ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخمَصَةٌ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوطِئًا يَغِيظُ ٱلكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِن عَدُوٍّ نَّيلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌ صَـٰلِحٌ‌ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ ٱلمُحسِنِينَ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم لِيَجزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحسَنَ مَا كانُواْ يَعمَلُونَ". نذر تلاشي هذه الدولة بادية، فليكن لكم في الإجهاز عليها حظ، فقد مزق كسرى أنو شروان كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدعا عليه أن يمزق ملكه كل ممزق، فكان الأمر كما دعا، فكيف بمن سخر منه واستهزأ به وبدينه، وجعله قانونا في بلده، ومنع من الاعتراض إليه؟. السادس من ربيع الثاني 1442 •

الخاطرة 308

قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله مفسرا قول الله تعالى: "ٱقتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُم وَهُم فِى غَفلَةٍ مُّعرِضُونَ"؛ يقول تعالى ذكره: دنا حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم، ونعمهم التي أنعمها عليهم فيها: في أبدانهم، وأجسامهم، ومطاعمهم، ومشاربهم، وملابسهم، وغير ذلك من نعمه عندهم، ومسألته إياهم ماذا عملوا فيها؟، وهل أطاعوه فيها فانتهوا إلى أمره ونهيه في جميعها؟، أم عصوه فخالفوا أمره فيها؟، وَهُم فِى غَفلَةٍ مُّعرِضُونَ"، يقول: وهم في الدنيا عما الله فاعل بهم من ذلك يوم القيامة، ومن دون محاسبته إياهم منهم واقترابه لهم في سهو وغفلة، وقد أعرضوا عن ذلك، فتركوا الفكر فيه، والاستعداد له والتأهب، جهلا منهم بما هم لاقوه عند ذلك من عظيم البلاء، وشديد الأهوال". قال: وبنحو الذي قلنا في قوله: "وَهُم فِى غَفلَةٍ مُّعرِضُونَ"؛ قال أهل التأويل، وجاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ساق بسنده حديث أبي هريرة مرفوعا مختصرا وهو في الصحيحين مبسوطا: "وَهُم فِى غَفلَةٍ مُّعرِضُونَ"؛ قال: "في الدنيا". إنما سقت قول هذا الإمام لبيان عظيم تحري علماء المسلمين في نقل العلم، وتفسير النصوص، وخصوصا كتاب الله تعالى، وجعلهم الفكر تابعا للذكر، مقاما عليه، وإلا فإن قوله تعالى: "وَهُم فِى غَفلَةٍ مُّعرِضُونَ"؛ جملة حالية، وصاحب الحال هم "الناس"، وزمن الحال هو وقت اقتراب الحساب، وهو في الدنيا، والغفلة إنما تكون فيها كما قال الله تعالى: "لَّقَد كُنتَ فِى غَفلَةٍ مِّن هَـٰذَا فَكَشَفنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ ٱليَومَ حَدِيدٌ"، وقد قيل: "الناس نيام فإذا ماتوا استيقظوا"، وابن جرير من أهل العربية صناعة ومادة، مع هذا روى هذا الحديث الذي يبين وقت الغفلة والإعراض عن الحق بكلمتين "في الدنيا". قال الراغب: "الغفلة سهو يعتري الإنسان لقلة التحفظ والتيقظ"، وقال ابن فارس: "الغين والفاء واللام؛ أصل صحيح يدل على ترك الشيء سهوا، وربما كان عن عمد"، وقال الشيخ الطاهر ابن عاشور: "الغفلة الذهول عن الشيء، وعن طرق علمه". ومن الألفاظ القريبة من معنى الغفلة الغرة، والسهو، والغهب -بفتح الهاء-، ومما يقابلها التحفظ واليقظة والفطنة والطبانة بالطاء المفتوحة. والغفلة المذمومة المعاقب عليها؛ تكون بترك النظر في آيات الله الكونية، وتدبر آياته المتلوة، وبالتقصير في الأخذ بوسائل الوقاية منها، أما الذهول فأقرب إلى طبع الإنسان، فلا مؤاخذة عليه ما لم يحصل التفريط. وتأتي الغفلة بمعنى الجهل من غير تقصير إكراما للموصوف أن ينعت به كما في قوله تعالى: "نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحسَنَ ٱلقَصَصِ بِمَا أَوحَينَا إِلَيكَ هَـٰذَا ٱلقُرءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبلِهِۦ لَمِنَ ٱلغَـٰفِلِينَ"، ومثل هذا نفى العلم عنه بدل وصفه بما سبق كما في قوله: "مَا كُنتَ تَعلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَومُكَ مِن قَبلِ هذا"، وفي قوله تعالى: "أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ ٱلكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَائِفَتَينِ مِن قَبلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِم لَغَـٰفِلِينَ"؛ بيان ما قد يعتذرون به لو لم ينزل عليهم هذا الكتاب بلغتهم، وفي قوله تعالى: "لِتُنذِرَ قَومًا مَّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُم فَهُم غَـٰفِلُونَ"، أن الحق يتناقل ويتوارث، وإنذار الآباء إنذار للأبناء. معظم الناس لا ينتبهون إلى خطر الغفلة إلا بعد فوات الفوت حيث لا تنفع اليقظة، فاقرأ قوله تعالى: "وَٱقتَرَبَ ٱلوَعدُ ٱلحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَـٰوَيلَنَا قَد كُنَّا فِى غَفلَةٍ مِّن هَـٰذَا بَل كُنَّا ظَـٰلِمِينَ"، وقوله: "وَأَنذِرهُم يَومَ ٱلحَسرَةِ إِذ قُضِىَ ٱلاَمرُ وَهُم فِى غَفلَةٍ وَهُم لَا يُومِنُونَ"، وهذا التعبير: "وَهُم فِى غَفلَةٍ"؛ أقوى من الوصف بالغافلين، لإفادته تمكن الغفلة منهم حتى صارت كالظرف يحيط بهمٍ، وقريب منه ما كان معه ضمير العماد كقوله: "وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلغَـٰفِلُونَ"، لما فيه من القصر، وأدنى مراتبها الوصف المجرد الذي قد يتناول ما لا عتب فيه كما سبق. وفي قوله تعالى: "فِى غَفلَةٍ مُّعرِضُونَ"، وقوله: "يَـٰوَيلَنَا قَد كُنَّا فِى غَفلَةٍ مِّن هَـٰذَا بَل كُنَّا ظَـٰلِمِين"، وقوله: "وَهُم فِى غَفلَةٍ وَهُم لَا يُومِنُونَ"؛ دليل على أن الغفلة كما تستحكم في الكافر تحيط بالمؤمن، يشتركان فيها، ويفترقان فيما زاد، فالكافر يزيد على المؤمن بالإعراض وبعدم الإيمان وبالظلم، وأعظمه الشرك، لكن الإيمان الذي لا يخرج صاحبه من الغفلة ضعيف يسهل على الفتن أن تجرفه كما نراه في هذا العصر. ليلة الثامن عشر من شهر ربيع الثاني 1442 •

الخاطرة 309

- الطمع في غير مطمع قال الله تعالى: "فَمَالِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهطِعِينَ عَنِ ٱليَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ أَيَطمَعُ كُلُّ ٱمرِئ مِّنهُم أَن يُدخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلَّا إِنَّا خَلَقنَـٰهُم مِّمَّا يَعلَمُونَ". "فَمَالِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهطِعِينَ عَنِ ٱليَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ"، هذا الاستفهام تعجيب من موقف الكفار المتناقض من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما أوحاه إليه ربه، نشأ عن يقينهم بصدقه، مع جحودهم استكبارا واستنكافا كما قال الله تعالى: "قَد نَعلَمُ إِنَّهُ ۥ لَيَحزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ‌ فَإِنَّهم لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجحَدُونَ" . "مُهطِعِينَ"، هم يسرعون إلى مجالسه، ويقبلون عليه، ويتطلعون إلى قوله. "عِزِينَ"؛ يجتمعون حوله حلقا حلقا، لا لينتفعوا، بل ليطعنوا ويستهزئوا. "أَيَطمَعُ كُلُّ ٱمرِئ مِّنهُم أَن يُدخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ"، ومع هذا يطمع كل منهم أن يدخل الجنة التي وعدها الله المؤمنين، يضمرون هذا في أنفسهم، أو يقولونه بأفواههم، فأنكر الله عليهم هذا الطمع. " كُلُّ ٱمرِئ مِّنهُم أَن يُدخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ"؛ استغراق الطمع أفرادهم؛ يوحي بما يخفونه من شعورهم، ويتحفظون عليه من سرائرهم، إرضاء لشهوة استكبارهم، وتماشيا مع نزعة استعلائهم، وفي الحديث القدسي: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار . "كَلَّا "، هو ردع لهم عما يضمرونه من الطمع الفارغ في دخول الجنة، أو يبدونه مستهزئين، كيف يلتقي مع تكذيبهم بالبعث؟، ودخول الجنة هو جزاء على الأعمال الصالحات، وطاعة خالق المخلوقات . "إِنَّا خَلَقنَـٰهُم مِّمَّا يَعلَمُونَ" هو تعليل -على أحد التفسيرين- لردعهم عن ذلك الطمع، فإنهم مخلوقون من ماء مهين، بل من قذر، "مِّمَّا يَعلَمُونَ"!!، أبهمه وأخفاه لحقارته، مع أنهم يبطرون الحق، ويغمطون الناس، فأنى لهم أن يدخلوا الجنة بهذا الأصل الذي يشترك فيه الناس؟، وقد صح عن قتادة رحمه الله أنه قال: "إنما خلقت يا ابن آدم من قذر فاتق الله". وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق أن المهلب بن أبي صفرة مر على مالك بن دينار وهو يتبختر في مشيته، فقال له مالك: أما علمت أن هذه المشية تكره إلا بين الصفين؟ فقال له المهلب: أما تعرفني!!؟ فقال له مالك: أعرفك أحسن المعرفة!! قال: وما تعرف مني؟ قال: أما أولك فنطفة مذرة، وأما آخرك فجيفة قذرة، وأنت تحمل العذرة"، فقال: الآن عرفتني حق المعرفة"!! وذكر القرطبي في تفسيره أن مطرف بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خز وجبة خز؛ فقال له: يا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله؟ فقال له: "أتعرفني"؟ قال: نعم، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة"، فمضى المهلب وترك مشيته. كنت أسمع توظيف كثير من الوعاظ هذا الذي يذكر الإنسان بأصله، وما هو عليه في حياته، ثم ما يصير إليه بعد موته؛ فأستغلظ العبارة، لذكرها في غير إبانها، وهأنذا أستسيغ ذكرها لما نعيشه هذه الأيام من الاستغفار للكفار والترحم عليهم والزعم بأنهم مؤمنون، والافتراء على الله الكذب بتحريف كلامه عن مواضعه والاستدلال به في غير وجهه، يفعل ذلك المنافقون و(المشقفون) وجهلة المسلمين. كيف يترحم على من قضى نحو الخمسين سنة يدعو إلى الكفر؟ مع أن أحدا لو عاش حياته مؤمنا وكفر قبل موته بلحظة لحبط عمله، وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وهو المعصوم: "وَلَقَد أُوحِىَ إِلَيكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبلِكَ لئن أَشرَكتَ لَيَحبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلخَـٰسِرِين". ليلة الرابع والعشرين من ربيع الثاني 1442 ‏

الخاطرة 310

- قصة فيها عبرة لما قتل مصعب بن الزبير المختار بن أبي عبيد خرج حاجا، فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير بمكة، ومعه وجوه أهل العراق، فقال له: يا أمير المؤمنين: جئتك بوجوه أهل العراق، لم أدع لهم بها نظيرا، تعطيهم من هذا المال، قال: جئتم بعبيد أهل العراق لأعطيهم مال الله !!، والله لا فعلت، فلما دخلوا عليه وأخذوا مجالسهم، قال لهم: يا أهل الكوفة، وددت والله أن لي بكم من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم، بل لكل عشرة رجلا، قال عبيد الله بن ظبيان: أتدري يا أمير المؤمنين ما مثلنا ومثلك فيما ذكرت؟، قال: وما ذلك؟، قال: فإن مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام؛ كما قال أعشى بكر، من وائل: علقتها عرضا وعلقت رجلا غيري وعلق أخرى غيرها الرجل أحببناك نحن، وأحببت أنت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك !!، ثم انصرف القوم من عنده خائبين، فكاتبوا عبد الملك بن مروان، وغدروا بمصعب بن الزبير. 28 ربيع الثاني 1442‏ •

الخاطرة 311

المبشرات مما ينبغي أن نستحضره في هذا الأوقات العصيبة لتقوية العزائم، ودفع الهزائم؛ المبشرات التي في كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم . منها قوله تعالى موعدا اليهود الظالمين فيما قضاه إليهم: "وَإِن عُدتُّم عُدنَا‌"، وقوله: "وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبعَثَنَّ عَلَيهِم إِلَىٰ يَومِ ٱلقِيَـٰمَةِ مَن يَسُومُهُم سُوءَ ٱلعَذَابِ‌ ". ومنها قوله صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، تعال اقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود"، رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه . لم أذكر هذه النصوص لمجرد التخفيف من الضيق الذي ألحقه بنا بعض حكام العرب بإقامتهم علاقات سياسية مع اليهود، بل كتبتها لأكثر من هذا: * أردت أن اجتنب الكتابة المرسلة من غير استناد إلى معالم تقي من التوهان والشرود، فإن الوقوف على دلالات النصوص ليس كالكتابة الغفل التي تراد لشفاء الصدور، وهي قد تشفي، لكنها لا تجدي . * ولما اشتملت عليه من الخبر الصادق من كلام الله تعالى القائل: "ومَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا"، وقال: "وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً"، وكلام رسوله الذي قال عنه ربنا عز وجل: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡىٌ يُوحَىٰ ". * ولما فيها من الترويح عن النفس، فإن المبشرات تفتح باب الأمل، وتطرد اليأس، وتضيق نطاق الهزائم النفسية التي يعاني منها كثير من المسلمين، وهي أخطر من هزائم القتال، ولا علينا أن نشهد موعد الانفراج والنصر، أو نقضي قبله، وقد مات نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشهد ما فتحه الله على أمته من الفتوحات، لكن علينا أن نستيقن مدلول قول الله تعالى: "لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلۡبِلَـٰدِ مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ" . * ومنه ما ينبغي أن نأخذ به أنفسنا من الجد وحسن التعامل مع الواقع، فالمبشرات لا تعفي من مسؤولية السعي لتحقيق هذا الوعد الذي لا يجليه لوقته غير الله، فلنتهيأ لهذا الذي وعدناه باستيفاء متطلباته في أنفسنا ووسائلنا، قال الله تعالى: "قَـٰتِلُوهُم يُعَذِّبهُمُ ٱللَّهُ بِأَيدِيكم وَيُخزِهِم وَيَنصُركُم عَلَيهِم وَيَشفِ صُدُورَ قَومٍ مُّومِنِينَ". ولئن كنا اليوم عاجزين عن إقامة ذروة سنام الإسلام وهي الجهاد؛ فقد جعل الله لنا بدائل لا يجوز إهمالها، أيسرها أن ننكر هذا الذي يسمى التطبيع بألسنتنا وقلوبنا. * ومنه أن ما نستعظمه من تطبيع بعض الحكام علاقات دولهم مع اليهود ليس بشيء في جانب ما عليه أنظمتهم من التفريط في معظم أحكام الله، واستبدالهم الأنظمة الوضعية بها في الحياة العامة، وفي علاقاتهم بالدول، والتطبيع من جملتها، فإذا كان قلقنا لتفريطهم في حكم شرعي واحد وهو تنازلهم المجاني بهذا الاعتراف عن أرض المسلمين، فلنستحضر تفريطهم هذا، أما إن كان أسانا وحزننا لموقفهم السياسي فإن السياسة لا ملة لها . * ومنه أن الوعد الصادق بانتصار المسلمين على اليهود مبني على أمور، منها قتال المسلمين لهم، فسبيل النصر هو القتال المشروع المستوفي لأوصافه، وللقائمين به في الحديث وصفان: أحدهما أنهم مسلمون، والوصف في لسان الشرع يراد به الفرد الكامل، وما أقله اليوم فينا حكاما ومحكومين!! فماذا فعلنا ليتحقق هذا الوصف فينا؟. وثانيهما أن هؤلاء المقاتلين (المنتظرين) قد بلغوا من الصلاح أن تتجند معهم الطبيعة بجمادها ونباتها، كما أن اليهود سيبلغون من التأثير ما يغيرون به طبائع بعض الأشياء، فقتالنا المرتقب حرب بين الدجل والإيمان !! وقد حازوا مبادئه، أما إيماننا فلم يتجاوز ما يصح به انتسابنا، فلنستكمل شعب الإيمان، وليستكملوا شعبهم!!. يقولون إن إقامة هذه العلاقة لا تثنيهم عن تأييد الفلسطينيين والدأب على المطالبة بحقوقهم، متجاهلين أن اليهود لا يوفون بشيء عاهدوا عليه، وسجلهم الأسود في نكث العهود المبرمة مع الفلسطنيين ومع المنظمات الدولية لا يخفى، وإذا حصل هذا وأنتم لا تقيمون معهم علاقات سياسية علنية؛ فكيف وقد أقمتموها مجانا؟. لقد تبين أن تعنتهم ناتج عن معرفتهم بدفائن نفوس من يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فأهدروا جهود أمتهم وما كابده اخوانهم وعانوه من القتل والتشريد والتهجير، وشطبوا كل التزاماتهم وعهودهم وعشرات القرارات الصادرة عن جامعتهم، فالله الحسيب. لو أقدمتم على هذا مجتمعين عن طريق جامعتكم بما سميتموه المبادرة العربية التي تعني الأرض مقابل السلام؛ لحفظتم ماء وجوهكم عند السياسيين، وإن لم تبرؤ به ذممكم عند رب العالمين، لكنكم فعلتم هذا من غير إقامة أي وزن لآمال إخوانكم وآلامهم وتضحياتهم، ونسيتم أن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله. •

الخاطرة 312

روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسمة فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد محمد بهذا وجه الله، فأتيت رسول الله فأخبرته، فتمعر وجهه، فقال: رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر". قال ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري: "في هذا الحديث من الفقه أنه يجوز للرجل أن يخبر أهل الفضل والستر من إخوانه بما يقال فيهم مما لا يليق بهم، ليعرفهم بذلك من يؤذيهم من الناس وينتقصهم، ولا حرج عليه في مقابلته بذلك وتبليغه له، وليس ذلك من باب النميمة، لأن ابن مسعود حين أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقول الأنصاري فيه، وتجويره له في القسمة؛ لم يقل له أتيت بما لا يجوز، ونممت الأنصاري والنميمة حرام، بل رضي ذلك عليه السلام وجاوبه بقوله: ..، وإنما جاز لابن مسعود نقل ذلك إلى النبي عليه السلام لأن الأنصاري في تجويره للنبي عليه السلام استباح إثما عظيما، وركب جرما جسيما، فلم يكن لحديثه حرمة، ولم يكن نقله من باب النميمة". وقال: وفي تمعر وجه النبي عليه السلام حين أخبر بقول الأنصاري من الفقه أن أهل الفضل والخير قد يعز عليهم ما يقال فيهم من الباطل ويكبر عليهم، فإن ذلك جبلة في البشر فطرهم الله عليها، إلا أن أهل الفضل يتلقون ذلك بالصبر الجميل اقتداء بمن تقدمهم من المؤمنين، ألا ترى أن الرسول قد اقتدى في ذلك بصبر موسى؟" قلت: النبي صلى الله عليه وآله وسلم يختلف عن غيره في هذا، فأين من يقف عند تمعر الوجه ويتأسي بالصالحين؟ فإذا ظن ناقل الخبر حصول مفسدة وليس المنقول إلا كلاما، فليمسك عليه لسانه، وقد روي أنه قيل للحسن البصري: إن فلانا اغتابك، فبعث إليه طبقا من الطرف، وقال: "بلغني أنك أهديت إلي حسناتك، فأردت أن أكافئك بها"، وأين نحن من الحسن البصري رحمه الله؟. ليلة السادس من جمادى الأولى 1442

الخاطرة 313

(1) كلمة حق عند سلطان جائر أولاد البنات عند العرب أولاد الأباعد، فقد قال قائلهم: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ** بنوهن أبناء الرجال الأباعد ثم صحح الأمر في هذا الدين المتشوف إلى جمع الناس في دوائر كثيرة مختلفة الأحكام: إنسانية ودينية ونسبية ومحارم وورثة وعصبة وولاء، مع فروق تراعى في المخالفين، فتوافق عموم هذه الرسالة وختمها للرسالات، بهذه التشريعات . ومن ذلك أن اعتبر أولاد البنات أولادا، وإن لم يكونوا عصبة، وورثة عند من ورثوا ذوي الأرحام، وجعل ابن أخت القوم منهم، ومولاهم منهم، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الحسن بن علي رضي الله عنهما: إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". وذكر الله تعالى عيسى في ذرية إبراهيم عليهما الصلاة والسلام فقال: "وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُدَ وَسُلَيمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ‌ وَكَذَلِكَ نَجزِى ٱلمُحسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِليَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ". كما ذكره في جملة رسله من ذرية إسرائيل (يعقوب) فقال: "أُوْلَـٰئِٕكَ ٱلَّذِينَ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّن حَمَلنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبرَهِيمَ وَإِسرَٓءِيلَ وَمِمَّن هَدَينَا وَٱجتَبَينَا إِذَا تُتلَىٰ عَلَيهِم ءَايَـٰتُ ٱلرَّحمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَبُكِيًّا" . لكن النزعة الجاهلية تمكنت من قلب الحجاج بن يوسف المبير، فقال عن الحسين بن علي رضي الله عنهما إنه ليس من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فرد قوله عالم من علماء الأمة في مجلسه، كما جاء ذلك في هذه القصة التي أوردها ابن عساكر في تاريخ دمشق . قال عاصم بن بهدلة: اجتمعوا عند الحجاج فذكر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما، قال الحجاج: لم يكن من ذرية الني صلى الله عليه وآله وسلم، وعنده يحيى بن يعمر، فقال: كذبت أيها الأمير!! فقال: لتأتيني على ما قلت ببينة ومصداق من كتاب الله تعالى؛ أو لأقتلنك!! قال: "وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُدَ وَسُلَيمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ‌ وَكَذَلِكَ نَجزِى ٱلمُحسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِليَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ"، فأخبر الله تعالى أن عيسى من ذرية آدم بأمه، والحسين بن علي من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمه، قال: صدقت، فما حملك على تكذيبي في مجلسي؟، قال: ما أخذ الله على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، قال الله تعالى: "فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم وَٱشتَرَواْ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلاً‌"، فنفاه إلى خراسان !!، صدق على صنع يحيى بن يعمر رحمه الله قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، أو أمير جائر" . و(كلمة حق) هي الكلام، و(حق) مضاف إلى كلمة، أو وصف لها، فتكون منونة، وجاء في رواية (كلمة عدل)، فالذي يقولها عند ذي السلطان فتكون أفضل الجهاد هو العدل، وإذا نصح العدل فإنه لا ينصح بغير الحق، ويقوم مقام الكلمة الكتابة، وهي الآن ميسرة تودع في هذه المواقع، والسلطان لا يختص بالحاكم العام، بل يتعداه إلى كل من له سلاطة وقهر، دل على هذا رواية ابن ماجة (عند ذي سلطان جائر)، و(جائر) وصف لذي سلطان، والجائر الظالم، وهو وصف مخصص، وإذا قلت في هذا الزمان سلطان جائر؛ فهو وصف كاشف، لا مخصص (!!)، وقوله (عند) قيد معتبر، فإن كلمة الحق عند السلطان أقرب إلى الإخلاص فيها لله، وإلى القبول، ولاسيما مع الانفراد، ومصادفة المحل الصالح، وإن كان اليوم نادرا جدا . وبقيد (العندية) تجتمع نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع تلك التي قيدت طريقة نصح الحاكم، لكن إذا شاع المنكر وفشا، فإن إنكاره بحسب حاله، فيجب بقيده، وأكثر من يتكلم في هذه الأمور اليوم الدهماء والرعاع والمحللون والمراقبون، وانفرادهم يزداد به فساد الدين والدنيا، مع ما فيه من اتهام العلماء بممالأة الحكام على الباطل . لكن النصيحة اليوم لا تتأتى إلا للمقربين من الحكام كالوزراء والنواب والمستشارين، وهم لا يفعلون، إن كانوا يعلمون، وأقصى ما يترتب على هذا أن يعزل الناصح فيرتاح من جريمة إقرار الباطل، ومن الموافقات وأنا أكتب هذا أني قرأت كلمة كفرية لرئيس حكومة قال فيها عما سمي تطبيعا: الثابت الوحيد لدى (العدالة والتنمية) (وهو اسم حزبه) هو مساندة أمير المؤمنين في كل شيء"!! قال المناوي رحمه الله في فيض القدير: "وإنما كانت هذه الكلمة أفضل الجهاد؛ لأن مجاهد العدو متردد بين رجاء وخوف، وصاحب السلطان إذا أمره بمعروف معرض للتلف!! فهو أعظم من جهة غلبة خوفه، ولأن ظلم السلطان يسري إلى جم غفير، فإذا كفه فقد أوصل النفع إلى خلق كثير، بخلاف قتل كافر" ...يتبع . ليلة الثاني عشر من شهر جمادى (1) 1442

الخاطرة 313

(2) ...، لا أحسب أن كلمة حق تقال اليوم عند سلطان جائر؛ تكلف صاحبها هذا الذي قاله المناوي، وهو التلف، أي الموت، بل أقصى ما يلحقه أن يقال من منصبه، أو يسجن، فلا ضير إنا منقلبون إلى الله . قال ابن رشد رحمه الله في البيان والتحصيل مع بعض الحذف: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بثلاثة شروط: أحدها أن يكون عالما بالمعروف والمنكر، والثاني أن يأمن أن يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكبر منه، والثالث أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له، وأن أمره بالمعروف مؤثر ونافع، ...فالشرطان الأول والثاني مشترطان في الجواز، والشرط الثالث مشترط في الوجوب، فإذا عدم الشرط الأول والثاني؛ لم يجز أن يأمر ولا ينهى، واذا عدم الشرط الثالث ووجد الشرطان الأول والثاني؛ جاز له أن يأمر وينهى، ولم يجب عليه". وقد نقل ابن الحاج رحمه الله كلام ابن رشد في كتابه (المدخل)، ثم قال: بقي شرط رابع، وهو أن يأمن على نفسه القتل فما دونه، فيجوز إن لم يأمن (!!) لحديث: أعظم الجهاد كلمة حق تقال عند سلطان جائر". وقال بعض أهل العلم إن في قوله تعالى: "إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقٍّ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ"؛ دليلا على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف؛ تلي منزلته في العظم منزلة الأنبياء . ليلة الثاني عشر من شهر جمادى (1) 1442

الخاطرة 314

رب شر هاج؛ أوله العتاب مما يضر بتربية الصغار معاتبتهم فضلا عن لومهم وتوبيخهم، وهو مع تكراره يؤلف، فينعدم تأثيره الذي يظنه المعاتب، وفيه من قلق العاذل، وارتفاع صوته، وكثرة كلامه، وتغير مزاجه، وترك تصحيح خطإ من يربيه، بالرفق الذي يزين، واعتماد العنف الذي يشين؛ ما هو جدير بتزهيده فيه، أما غير الصغار فقد ينفع معهم العتاب القليل، وقد قيل إن كثرة العتاب من أسباب القطيعة، واطراحه كله دليل على قلة الاكتراث: أقلي اللوم عاذل والعتابا ** وقولي إن أصبت لقد أصابا تأمل قول أنس رضي الله عنه: "خدمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، فما قال لي أف، ولا لم صنعت؟، ولا ألا صنعت"؛ لتقف على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حسن معاملة الغلمان، كيف وقد أثنى الله تعالى عليه بقوله: "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ"، فمن غيره يقدر على حبس نفسه عن مجرد التضجر المكنى عنه بكلمة (أف) مع غلام يخدمه عشر سنين؟ . فإن قيل: فأين تعليمه لأنس، وقد صحبه هذه المدة، وهو القائل: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم"؟، وقد قال أيضا: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم"، فيقال: قد صرف بعض العلماء قول أنس إلى الأمور المباحة، لأن سكوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عما لا يجوز؛ لا يجوز، فإنه لا يقر على الباطل، وقد استدل من قال هذا بما في رواية مسلم من قول أنس: "لشيء مما يصنعه الخادم"، أي مما الشأن أن يصنعه، فيقال: من المستبعد جدا أن لا يصدر عن أنس بعض ما لا يجوز كل هذه المدة إلا أن يقال إنه غير مكلف. اقرأ ما في صحيح مسلم عنه أن النبي صل الله عليه وآله وسلم أرسله يوما لحاجة، قال فقلت: والله لا أذهب !! وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس، أذهبت حيث أمرتك؟ قال قلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله"، فانظر ما أنت قائل لولدك لو صنع مثل هذا. وفي رواية أبي داود عنه قال: خدمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين بالمدينة، وأنا غلام، ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن أكون عليه(!!)، ما قال لي فيها أف قط، وما قال لي: لم فعلت هذا؟ ألا فعلت هذا؟ وفي صحيح ابن حبان عنه قال: خدمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، فما بعثني في حاجة لم أتمها إلا قال: "لو قضي لكان، أو لو قدر لكان"، وفي مصنف عبد الرزاق: "لا والله، ما سبني سبة قط، ولا قال لي أف قط". فالذي يستقيم هو حمل كلام أنس على ترك العتاب واللوم، وأنه كان يعلمه، يستبدل باللوم الذي هو الغالب على المربين اليوم؛ الأمر بالشيء، أو النهي عنه، ونظيره أنه لم يقل لعمر بن أبي سلمة وقد كانت يده تطيش في الصحفة: ما ذا تفعل؟ أو نحوه من اللوم، فضلا عن التقريع والتوبيخ كما عليه غالب الناس في تربية أولادهم، بل قال: "يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك"، وقالت الربيع بنت معوذ بن عفراء: دخل علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم غداة بني علي فجلس على فراشي كمجلسك مني وجويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: "وفينا نبي يعلم ما في غد"!! فقال: لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين"!! فنهاها وأمرها، وقصة الأعرابي الذي بال في المسجد معروفة، وقد قال لأصحابه: "لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه"، وكذا قصته مع معاوية بن الحكم السلمي وقد تكلم في الصلاة، فقد قال: ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، ومن تراجم البخاري رحمه الله: (باب من لم يواجه الناس بالعتاب) . أما ما جاء من خلاف هذا مع بعض أصحابه فلأنهم لا يخشى عليهم، ولسابقتهم في العلم، كقوله لأبي ذر رضي الله عنه: "أنك امرؤ فيك جاهلية" . فرق عظيم بين صدور الكلام على وجه اللوم والمعتبة وصدوره بالصيغة التعليمية التي تجعل من يؤمر وينهى يصحح خطأه بمقارنة ما فعله أو تركه؛ بما أمر به أو نهي عنه، هو منهج نافع مع الصغار، ولو عاودوا الوقوع فيما نهوا عنه. ليلة 15 من شهر جمادى (1) 1442 •

الخاطرة 315

سورة مريم عليها الصلاة والسلام؛ قسمان: ذكر الله في أولهما بعض أنبيائه ورسله، وما خصهم به، وما كانوا عليه من الطاعة والصدق والإخلاص، وختم بوصفهم بالسجود والخضوع له، والبكاء من خشيته: "إِذَا تُتلَىٰ عَلَيهِم ءَايَـٰتُ ٱلرَّحمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَبُكِيًّا". واستهل القسم الثاني بوصف جامع لمن جاء بعدهم من خلف السوء من عموم الناس: "فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٲتِ‌ فَسَوفَ يَلقَونَ غَيًّا". وقد جاء في المنسوبين إلى العلم ممن أكلوا به قول الله تعالى: "فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ وَرِثُواْ ٱلكِتَـٰبَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلاَدنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغفَرُ لَنَا وَإِن يَاتِهِم عَرَضٌ مِّثلُهُ يَاخُذُوهُ‌". وجاء في المصلحين منهم قوله: "وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلكِتَـٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجرَ ٱلمُصلِحِينَ". ثم ذكر الله تعالى بعض قالات السوء الصادرة عن هذا الخلف أفرادا وجماعات، مقرونة بدحضها وإبطالها، وفرقها لتصريف الخطاب، والتعجيل بالجواب . منها انكار البعث: وَيَقُولُ ٱلاِنسَـٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوفَ أُخرَجُ حَيًّا أَوَلَا يَذكُرُ ٱلاِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقنَـٰهُ مِن قَبلُ وَلَم يَكُ شَيئا". ومنها الحيدة عند إقامة الحجة باللجوء إلى الزهو والتباهي بما هم فيه، مقارنين ما هم عليه بما عليه بعض المسلمين من شظف العيش، وقلة الناصر والمعين: "وَإِذَا تُتلَىٰ عَلَيهِم ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَىُّ ٱلفَرِيقَينِ خَيرٌ مَّقَامًا وَأَحسَنُ نَدِيًّا وَكَم أَهلَكنَا قَبلَهُم مِّن قَرنٍ هُم أَحسَنُ أَثَـٰثًا وَرِءيًا". ومنها الاستهزاء للتخلص من الالتزمات ورد الحقوق: "أَفَرَءَيتَ ٱلَّذِى كفَرَ بِـَايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا أَطَّلَعَ ٱلغَيبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحمَـٰنِ عَهدًا". ومنها التعزز بالآلهة والاتكال على شفاعتها: "وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُم عِزًّا كَلَّا‌ سَيَكفُرُونَ بِعِبَادَتِهِم وَيَكُونُونَ عَلَيهِم ضِدًّا". كلمات فارغة، في صور حجج داحضة، دافعها اللدد واللجاج، يقابلها التسليم للحق بالتقوى من أهلها، فيسر الله هذا القرآن بلسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليبشر فريق التقوى، وينذر أهل اللدد: "فَإِنَّمَا يَسَّرنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَومًا لُّدًّا" . وبعد رد الضلالات كلا على حدة؛ جاء بيان ما وراء هذا الفجور في الخصومة: "أَلَم تَرَ أَنَّا أَرسَلنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُم أَزًّا فَلَا تَعجَل عَلَيهِم إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُم عَدًّا"، والأز هو الهز والاستفزاز من الداخل لدفع المأزوز إلى عمل ما، وكما تؤز الشياطين بعض الناس إلى الشر؛ تؤز الملائكة بعضهم إلى الخير، فمضيعو الصلوات المتبعون للشهوات أقوالهم وأفعالهم في اضطراب واختلاف كغليان القدر . والمفعول المطلق (أَزًّا) مؤكد لعامله، تنبيها على خصوصية هذا الأز، فإن الشيطان يوسوس للناس إلا من استثني، أما هؤلاء فقد استحوذت عليهم الشياطين في الدنيا، فيحشرون معها يوم القيامة، جاثين على ركبهم أذلاء خاضعين: "فَوَرَبِّكَ لَنَحشُرَنَّهُم وَٱلشَّيَـٰطِينَ ثُمَّ لَنُحضِرَنَّهُم حَولَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا". ومع كل هذا التعنت قال الله لنبيه: "فَلَا تَعجَل عَلَيهِم"، نهاه عن تعجيل العذاب لهم، والمقصود استعجاله، فإن أجله إلى الله يعلمه الله، والمقصود إكرامه لنبيه، "فنزل منزلة من هلاكهم بيده"، قاله الشيخ الطاهر بن عاشور، حتى إنه لو دعا عليهم لاستجاب الله دعاءه، قال الله تعالى: "فَٱصبِر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلعَزمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَستَعجِل لَّهُم". والمراد من ذكر أز الشياطين لهم ما قاله الألوسي رحمه الله بتصرف: "تعجيب مما حكته الآيات عن هؤلاء الكفرة الغواة، والمردة العتاة، من فنون القبائح، من الأقاويل والأفاعيل، والتمادي في الغي، والانهماك في الضلال، والإفراط في العناد، والتصميم على الكفر، من غير صارف يلويهم، ولا عاطف يثنيهم، والإجماع على مدافعة الحق بعد إيضاحه، وانتهاء الشرك بالكلية، وتنبيه على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم، لا لأن هناك قصورا في التبليغ، أو مسوغا في الجملة، ففيها تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..". وقوله: "إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُم عَدًّا"؛ تعليل للأمر بترك استعجال العذاب، ببيان أنه آت قريب، لأن أيامه معدودة، والمعدود قليل، ولكل أجل كتاب. وعن ابن عباس أنه قرأها فبكى وقال: "آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك"، وقيل إنها تليت عند الخليفة المأمون فقال: "إن كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد"!! ليلة الواحد والعشرين من جمادى (1) 1442 . •

الخاطرة 316

الشعب الأمريكي هو الذي انتخب دونالد ترامب بالأغلبية المطلقة قبل أربع سنوات، ومع أن عهدته كادت تنتهي، وقد جربه الأمركيون وعرفوا تقلبات فكره، وتلون خطابه، وصلفه وغروره؛ ما زال نصفهم تقريبا يؤيد سياسته، ويوافق على ما هو عليه من محاولة التحايل على قوانينهم، والخروج عن المعتاد في الأعراف السياسية عندهم، وعند اضرابهم من الدول، وعنصريته إزاء من يسمون بالملونين . ألا يدل هذا على أن نصف الشعب الأمريكي غير راض عن ديمقراطية بلده، وهيآتها، ورتابتها في التسيير، وإصدار القرارات؟، فإذا كان ترامب مختلا عقليا فأغلب أنصاره مثله، وإذا اتهم بالتحريض على التمرد المسلح؛ فقد مارسه بعض أتباعه، وما أحسب أن نهاية عهدته تنهي توجهاته عند من يناصرونه . فالذين اقتحموا مبنى الكونغرس ليسوا أفرادا محدودي العدد، ولا صعاليك وإرهابيين داخليين كما قاله رئيسهم المنتخب، إنه تيار يتنامى في أمريكا، ومن القرائن على جذوره ما يظهر بين الحين والحين فيما يرتكب من القتل في المؤسسات والمدارس، هو مؤشر على أن كثيرا من الأمركيين كرهوا هذه الحياة السياسية المملة التي يزينها الإعلام الفاجر، ويمكن لها المال الفاسد، ويسيطر عليها حزبا الجمهورين والديمقراطيين، وإلا فما التفسير لهذا العدد الذي يتابع حساب هذا الرئيس المختل؟، وهو ثمانية وثمانون مليونا، يستخفهم بتغريداته، ويستفزهم بتقلبات فكره، ثم لا يجد أصحاب هذه المواقع وسيلة للحد من تأثيره غير إقفال حساباته في بلد الحريات الكاذبة، خوفا من أن يشعل ثورة في أمريكا . كيف لا يكتشفون انه لا يصلح رئيسا للولايات المتحدة إلا قبل عشرة أيام من انتهاء عهدته ؟!!، لم يقولوا ذلك حين اعترف بالقدس عاصمة لليهود، وضرب عرض الحائط بجميع قرارات المحافل الدولية في شأن أرض فلسطين، ولا يوم فرض الاعتراف بهذا الكيان المغتصب على المتخاذلين شرقا وغربا بالابتزاز والمقايضة، ولم سكت كل هذه المدة على ما يجري في اليمن ثم انتهي إلى تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية حين بلغت روحه الحلقوم ؟، ولو ذهبت أسرد التفاصيل لطال الكلام . ما مصير هذا التوجه لعدد كثير من اتباعه؟، وما الذي يلجأون إليه للإعراب عما يشعرون به؟، وكيف يحققون ما هم به مقتنعون إزاء نظامهم السياسي العفن الهرم؟، لن ينفع مسؤولي هذا البلد تمجيد ديمقراطيتهم، واتهام ترامب بأنه أساء إليها . ترامب مجدد ديمقراطيتهم (!) بالثورة عليها، لأنها قيدت حريته، وجعلته أسير أوضاع تمنعه من تحقيق رغبته الجامحة، وطموحه في التحرر الذي لا حدود له كما يأفكون ويروجون، بل إني أعتبر ما صنعه هو وأتباعه من جنس ما سعت إليه إدارة هذا البيت غير الأبيض في العهدة الرئاسية التي سبقته، وقد سموه (الفوضى الخلاقة) التي كانت وراء سياستهم في الشرق الأوسط، فهي تنفيس عن ضيق صدورهم بنظامهم الديمقراطي، هذه عاقبة الأنظمة الفاسدة تحمل بذور فنائها داخلها، وإلا يكن هذا اليوم؛ فإن غدا لناظره قريب . القوانين في الأنظمة الوضعية الكافرة مرجعها إلى تقنين الواقع وتصييره نظاما للمجتمع، وأنت ترى بأن هذا الواقع قد تغير في الأذهان، وهو لا محالة سيتغير في العيان، فهل تفطن المحللون والمراقبون في هذا البلد وغيره لهذا المعنى، إذن فليبحثوا عن طريقة لإصلاح نظامهم المهترئ المتآكل ليوافق ميول ورغبات نصف سكان بلدهم على الأقل . 27 شهر جمادى (1) 1442 .

الخاطرة 317

في قول الله تعالى "طه مَا أَنزَلنَا عَلَيكَ ٱلقُرءَانَ لِتَشقَى إِلَّا تَذكِرَةً لِّمَن يَخشَىٰ "؛ ملاطفة لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، بنفي أن يكون أنزل القرآن عليه ليشقى به، وقصر إنزاله على أن يكون تذكيرا لمن يخشاه . وكيف يكون فيه ما يشقى به؛ وهو منزل ممن هذا شأنه، ومن أسمائه سبحانه الرحمن، ورحمته وسعت كل شيء؟: تَنزِيلاً مِّمَّن خَلَقَ ٱلاَرضَ وَٱلسَّمَـٰوَٲتِ ٱلعُلَى ٱلرَّحمَـٰنُ عَلَى ٱلعَرشِ ٱستَوَىٰ لَهُ ۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَمَا فِى ٱلاَرضِ وَمَا بَينَهُمَا وَمَا تَحتَ ٱلثَّرَىٰ وَإِن تَجهَر بِٱلقَولِ فَإِنَّهُ ۥ يَعلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخفَى ٱللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ ٱلاَسمَاءُ ٱلحُسنَىٰ" . أنزل الله القرآن تذكرة لمن يخشى، والعاقل لا يخلو من النظر والتأمل؛ فيصل إلى طريق الحق، أو يتوقع الخطر؛ فيجتنب ما يؤدي إليه، وقد قال الله لموسى عليه الصلاة والسلام عن فرعون: "لَّعَلَّهُ ۥ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَىٰ"، فما تذكر وما خشي. قيل في الشقاء المنفي هو التحسر والأسى على عدم إيمان قومه، وقد نهاه الله عنه في قوله: "فَلَا تَذهَب نَفسُكَ عَلَيهم حَسَرَٲتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُ بِمَا يَصنَعُونَ"، وقال تعالى: "فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفسَكَ عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم إِن لَّم يُومِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلحَدِيثِ أَسَفًا"، وقيل هو ما ظنه المشركون الذين كان بعضهم يرقب صلاته بالليل، فيحسبها شقاء، وقالوا: "ما أنزل هذا القرأن على محمد إلا ليشقى". وكيف تكون الصلاة شقاء لمن قال عنها "وجعلت قرة عيني في الصلاة"؟، وقال: "أرحنا بها يا بلال"، وقد فرض عليه قيام الليل في أوائل عهده بالرسالة، واقتدى به أصحابه: "يَـٰأَيُّهَا ٱلمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيلَ إِلَّا قَلِيلاً نِّصفَهُ ۤ أَوِ ٱنقُص مِنهُ قَلِيلاً َ أَو زِد عَلَيهِ وَرَتِّلِ ٱلقُرءَانَ تَرتِيلاً إِنَّا سَنُلقِى عَلَيكَ قَولاً ثَقِيلاً"، ثم خفف الله عنهم، لأن فيهم المرضى والمسافرين لطلب الرزق، والمقاتلين في سبيل الله، فقال: "فَٱقرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلقُرءَانِ‌"، وقال: "وَمِنَ ٱلَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحمُودًا"، وقال: "فَإِذَا فَرَغتَ فَٱنصَب وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرغَب"، وقد قام حتى تفطرت قدماه، وكثيرا ما يكون التعب راحة، والراحة تعبأ بحسب همة المرء، وما يرمى إليه كما قيل: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم !! وقيل: وإذا كانت النفوس كبارا ** تعبت في مراده الأجسام وقيل:لولا المشقة ساد الناس كلهم * الجود يفقر والإقدام قتال". وروى أحمد في المسند عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث به إلى اليمن قال: "إياي والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين". الشقاء كله نصيب من أعرض عن ذكر الله، والسعادة كلها عاقبة من أقبل عليه، وهما أعظم مقاصد سورة طه، أما ما فيها من قصص موسى وهارون وآدم والسحرة والسامري فنماذج لفريقي السعادة والشقاوة، من المقبلين على ذكر الله والمعرضين عنه . والشقاء هو "المعاناة وخلاف السهولة والسعادة"، وهذه الأمور تحصل بعمل الجسم، وبالغم والهم، وفي السورة من هذا النوع الذي لا يكاد يسلم منه حي؛ قول الله تعالى لآدم عليه الصلاة والسلام: "فَقُلنَا يَـٰـَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوجِكَ فَلَا يُخرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلجَنَّةِ فَتَشقَىٰ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضحَىٰ ". ونفي الجوع والعطش والعري والضحو الذي هو حر الشمس عن الجنة؛ منبئ بأن الدنيا بخلافها، ولم يقل الله تعالى له إن هذه الأمور ستحصل إذا خرجت من الجنة، فما كل الناس يناله ذلك في الدنيا، وحصولها وعدمه؛ لا تأثير له في الآخرة التي فيها الشقاء الأعظم الأدوم لمن أعرض عن ذكر الله، وهو الأجدر بأن يحذر ويجتنب ... يتبع . •

الخاطرة 317

(2) ... تابع، أمر الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام في أول تكليمه بعد توحيده؛ بإقامة الصلاة ليذكره فيها، لأنها أعظم الذكر: "وَأَنَا ٱختَرتُكَ فَٱستَمِع لِمَا يُوحَىٰ إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَٱعبُدنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكرِى"، والأمر مناسب للتكليم، فالصلاة مناجاة من العبد لربه، متاحة لكل مؤمن، كما في الحديث "المصلي يناجي ربه"، ونظير هذا؛ الأمر بها مع بيان أوقاتها في سورة الإسراء، وقد اقترن بالمعراج في الوقوع: "أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرءَانَ ٱلفَجرِ‌ إِنَّ قُرءَانَ ٱلفَجرِ كَانَ مَشهُودًا وَمِنَ ٱلَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحمُودًا"، وقال في هذه السورة: "وَأمُر أَهلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصطَبِر عَلَيهَا‌ لَا نَســَلُكَ رِزقًا‌ نَّحنُ نَرزُقُكَ وَٱلعَـٰقِبَةُ لِلتَّقوَى"، فالصلاة تذكرة لمن يخشى، فمن تركها لم يذكر ربه ولم يخشه . ودعا موسى ربه وهو بصدد تكليمه فقال: "رَبِّ ٱشرَح لِى صَدرِي وَيَسِّر لِى أَمرِي وَٱحلُل عُقدَةً مِّن لِّسَانِى يَفقَهُواْ قَولِى وَٱجعَل لِّى وَزِيرًا مِّن أَهلِى هَـٰرُونَ أَخِى ٱشدُد بِهِۦ أَزرِي وَأَشرِكهُ فِى أَمرِي كَى نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا". جاءت دعواته عامة "وَيَسِّر لِى أَمرِى"، وخاصة، فتناولت الباطن ليطمئن إلى العمل ويمضي فيه، وهو رأس مقومات الدعوة إلى الله: "ٱشرَح لِى صَدرِى"، وتناولت الظاهر، ومنه الفصاحة التي تؤثر في السامع: "وَٱحلُل عُقدَةً مِّن لِّسَانِى يَفقَهُواْ قَولِى"، ولم يستنكف أن يذكر فضل أخيه عليه فيها، ولهذا سأل ربه أن يشركه في أمره "وَٱجعَل لِّى وَزِيرًا مِّن اَهلِى هَـٰرُونَ أَخِى ٱشدُد بِهِۦ أَزرِي وَأَشرِكهُ فِى أَمرِي"، وعلل ذلك بقوله: "كَى نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذكُرَكَ كَثِيرًا"، ولا يختص هذا الذكر بما يأتي به المرء منفردا، بل يتعداه إلى ذكر البيان والتبليغ والحجاج، فدل على أن التعاون على البر يكثره وينشره، يقوي العزائم، ويحشد الهمم، ويأتسي المتعاونون بعضهم ببعض، ويتشاورون، ومن يعلم كما يعلم الله حاجة عبده الداعي إليه؛ إلى هذا الذي سأله موسى، فاقرأ خاتمة الدعاء "إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا" . وقد أجاب الله سؤله "قَالَ قَد اُوتِيتَ سُؤلَكَ يَـٰمُوسَىٰ"، ثم قص عليه خلاصة حياته من ولادته، إلى حين تكليمه، وما أولاه فيها من الآلاء، وما صرفه عنه فيها من الضراء، وما كان فيها من المحن، التي انتهت إلى المنن، فليستحضر ذلك كله، وليأخذ منه أن الله قد أعطاه من غير أن يسأله، فكيف يحرمه بعد أن سأله؟ . حياة موسى مرحلتان: النبوة وما قبلها، كل منهما منة، في طواياها منن، مع عظم الفرق، اختصرت السابقة بكل ما فيها، فلم يرد للنصب والتعب فيها ذكر، فاقرأ الإجمال والتفصيل مبتدئا من قوله: "وَلَقَد مَنَنَّا عَلَيكَ مَرَّةً أُخرَىٰ"، منتهيا بقوله "وَٱصطَنَعتُكَ لِنَفسِى"، فيا حسن المختتم، ويا حسن المبتدإ: "وَأَنَا ٱختَرتُكَ" . ومع عزم موسى على المداومة على ذكر الله كثيرا بانواعه؛ نهاه ربه ونهى أخاه بواسطته أن يفترا عن ذكره، فإنه أعظم عون على القيام بالتكاليف، فكيف بتبليغ الرسالة إلى أطغى أهل الأرض يومئذ؟: "ٱذهَب أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَايَـٰتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكرِي ٱذهَبَا إِلَىٰ فِرعَونَ إِنَّهُ ۥ طَغَىٰ فَقُولَا لَهُ ۥ قَولاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ ۥ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَىٰ"، ولنكتف بهذه اللمحة من قصة موسى عليه الصلاة والسلام... يتبع

الخاطرة 317

(3) سمى الله كتبه المنزلة ذكرا فقال: "وَمَا أَرسَلنَا مِن قَبلِكَ إِلَّا رِجَالاً نوحي إِلَيهِم فَسئَلُواْ أَهلَ ٱلذِّكرِ إِن كُنتُم لَا تَعلَمُونَ"، ولما كانت الإحالة على هذا السؤال في أمر خاص؛ ثنى السياق بذكر القرآن: "وَأَنزَلنَا إِلَيكَ ٱلذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ". القرآن ذكر لأنه يذكر به، فيه أسماء الله وصفاته، كي يوحده الخلق ويعبدون، وفيه ما يحتاجونه من أمور دينهم ودنياهم، تأصيلا أو تفصيلا، فيأتمرون وينزجرون، وفيه ذكر آلائه عليهم، فيذكرون بها ويوعظون، وذكر الآخرة فيخوفون عاقبتها ويحذرون، وذكر أخبار الأمم ومآلها فيتعظون ويعتبرون، وهو شرف لمن أنزل عليه ولقومه كما قال "وإِنَّهۥ لَذِكرٌ لَّكَ وَلِقَومِكَ‌ وَسَوفَ تُسئَلُونَ". وكل هذا ميسر فهمه قريب، ومن أيسره على الفهم القصص، وقد جاء التعقيب عليها في سورة القمر بما لا نظير له في سورة أخرى هكذا: "وَلَقَد يَسَّرنَا ٱلقُرءَانَ لِلذِّكرِ فَهَل مِن مُّدَّكِرٍ" وأول منازل التذكر بالقرآن؛ التلاوة الحقة، أو الاستماع الحسن، وهو ما أمر الله به موسى عليه الصلاة والسلام تأكيدا لشأنه، وبيانا لعظيم أثره: "وَأَنَا ٱختَرتُكَ فَٱستَمِع لِمَا يُوحَىٰ"، وقال: "وَلَا تَعجَل بِٱلقُرءَانِ مِن قَبلِ أَن يُقضَىٰ إِلَيكَ وَحيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدنِى عِلمًا"، وقال في سورة أخرى: "فَإِذَا قَرَأنَـٰهُ فَٱتَّبِع قُرءَانَهُ" . قال القرطبي رحمه الله: "حسن الاستماع كما يجب؛ قد مدح الله عليه فقال: "فَبَشِّر عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَستَمِعُونَ ٱلقَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحسَنَهُ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَيٰهُمُ ٱللَّهُ"، وذم على الاتصاف بخلافه فقال: "نَّحنُ أَعلَمُ بِمَا يَستَمِعُونَ بِهِۤ إِذ يَستَمِعُونَ إِلَيكَ وَإِذ هُم نَجوَىٰ إِذ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسحُورًا"، فمدح المنصت لسماع كلامه مع حضور العقل، وأمر عباده بذلك أدبا لهم فقال: "وَإِذَا قُرِئَ ٱلقُرءَانُ فَٱستَمِعُواْ لَهُ ۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ"، وقال هنا: "فَٱستَمِع لِمَا يُوحَىٰ"، لأن بذلك ينال الفهم عن الله تعالى، روي عن وهب بن منبه قال: من أدب الاستماع سكون الجوارح، وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه ولا يشغلها، فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويحصر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم، فيعمل بما يفهم، وقال سفيان ابن عيينة: أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر، فإذا استمع العبد إلى كلام الله تعالى، وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بنية صادقة، على ما يحب الله؛ أفهمه كما يحب، وجعل له في قلبه نورا"، انتهى ببعض تصرف. وقد تكرر وعيد الله لمن أعرض عن ذكره، ووعده لمن اتبعه، والإعراض دركات، والاتباع درجات، ينال أصحابها بقدر إعراضهم واتباعهم ما يستحقون عدلا وفضلا، واقتصر فيهما على الفرد الكامل... يتبع . •

الخاطرة 317

(4) ... تابع، هكذا جاء التعقيب على قصة موسى عليه الصلاة والسلام بلفت الانتباه إلى الاعتبار والاتعاظ بما فيها، والوعيد على الإعراض عن الذكر الذي جاء بها: "كَذَٲلِكَ نَقُصُّ عَلَيكَ مِن اَنبَاءِ مَا قَد سَبَقَ وَقَد اَتَينَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكرًا من اَعرَضَ عَنهُ فَإِنَّهُ ۥ يَحمِلُ يَومَ ٱلقِيَـٰمَةِ وِزرًا خَـٰلِدِينَ فِيهِ‌ وَسَاءَ لَهُم يَومَ ٱلقِيَـٰمَةِ حِملا". والوزر الإثم، أصله الثقل، فهو وزر عظيم، دل عليه التنوين، وحاملوه لا يعرفون ثقله اليوم، ولا ينجو من تبعات هذا الثقيل، في ذلك اليوم الثقيل؛ إلا من أقبل على كلام ربه الذي قال عنه: "إِنَّا سَنُلقِى عَلَيكَ قَولاً ثَقِيلاً"، ولاستحواذ هذا الإثم على أصحابه هنا؛ كان كمنزل الإقامة هناك "خَـٰلِدِينَ فِيهِ‌" . ومن ذلك قوله: "وَكَذَٲلِكَ أَنزَلنَـٰهُ قُرءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفنَا فِيهِ مِنَ ٱلوَعِيدِ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ أَو يُحدِثُ لَهُم ذِكرًا"، فالقرآن أنزل عليهم لواحد من أمرين: إما التقوى أو التذكر، كقوله تعالى عن فرعون: "لَّعَلَّهُ ۥ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَىٰ"، فمن خلا من الأمرين فليس معدودا في العقلاء، ولا يجمعهما إلا الألباء، واحدهما يقود إلى الآخر، وقد اقتصر عليه في قوله تعالى: "فَإِنَّمَا يَسَّرنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُم يَتَذَكرُون"، فكلمة (أو) لمنع الخلو كما يقولون، والترجي منظور فيه الى المبلغ، فليقبل على الدعوة إقبالا يحفزه الرجاء في تحقق احدهما أو كليهما. وجاء في أعقاب قصة آدم عليه الصلاة والسلام قوله: "فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشقَىٰ وَمَن اَعرَضَ عَن ذِكرِي فَإِنَّ لَهُ ۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ ۥ يَومَ ٱلقِيَـٰمَةِ أَعمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرتَنِى أَعمَىٰ وَقَد كُنتُ بَصِيرًا ٰقَالَ كَذَٲلِكَ أَتَتكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا‌ وَكَذَٲلِكَ ٱليَومَ تُنسَىٰ وَكَذَٲلِكَ نَجزِى مَن اَسرَفَ وَلَم يُومِن بِـئَايَـٰتِ رَبِّهِۦ‌ وَلَعَذَابُ ٱلاَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبقَىٰ". والمعيشة ما يعيش به الحي من الطعام والشراب وغيرهما من الحاجات، وهي هنا زمان المعيشة وهو الحياة، فعمر المعرض عن ذكر الله ضنك، هي حياة ضيق على سعتها بما هو عليه من حرج الصدر والاضطراب والقلق، وإن تنعم في الظاهر، وغبطه الناس أو حسدوه. قال ابن كثير رحمه الله: "فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة"، وقال الحسن البصري: "إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هملجت بهم البغال، طقطقت بهم البراذين"، كان هذا يوم كانت هذه هي مراكب الناس الفاخرة . راحة النفس واطمئنانها وهو ما ينشده الخلق؛ لا سبيل إليه إلا بالإقبال على هذا الذكر: "فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشقَى"، وقال تعالى: "فَٱصبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلُوعِ ٱلشَّمسِ وَقَبلَ غُرُوبِهَا‌ وَمِن ءَانَاء ٱلَّيلِ فَسَبِّح وَأَطرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرضَى". وكثرة المال والمتاع عند المعرض عن ذكر ربه لا تستحق أدنى التفاتة فكيف بالإعجاب بها: "وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعنَا بِهِۦ أَزوَٲجًا مِّنهُم زَهرَةَ ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا لِنَفتِنَهُم فِيهِ‌ وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبقَىٰ وَأمُر أَهلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصطَبِر عَلَيهَا‌ لَا نَسئَلُكَ رِزقًا‌ نَّحنُ نَرزُقُكَ‌ وَٱلعَـٰقِبَةُ لِلتَّقوَىٰ" . وجاء الختام يذكر التعنت الذي تتستر به المطالب بعد قيام الحجة: "وَقَالُواْ لَولَا يَاتِينَا بِـَايَةٍ مِّن رَّبِّهِۦۚ أَوَلَم تَاتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلاُولَىٰ وَلَو اَنَّا أَهلَكنَـٰهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَولَا أَرسَلتَ إِلَينَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخزَى قل كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ‌"، وهو من رد العجز على الصدر، فهذا القرآن الذي زعموا أنه أنزل ليشقى به رسولهم، ونفاه الله تعالى في بداية السورة "مَا أَنزَلنَا عَلَيكَ ٱلقُرءَانَ لِتَشقَىٰ إِلَّا تَذكِرَةً لِّمَن يَخشَىٰ"، ها هو اعتذارهم لو أهلكهم الله قبل إنزاله، فإن نجوا فما هم بمفلتين في هذا اليوم الذي ينتظره المتبعون والمعرضون، يوم لا وجود إلا للحق: "يَومَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُ"، فلا يستحق غيره مجرد الذكر، فليكن هذا الذي يسمى بالاكتفاء: "فَسَتَعلَمُونَ مَن اَصحَـٰبُ ٱلصِّرَٲطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهتَدَى". ليلة الثاني عشر شهر جمادى (2) 1442 •

الخاطرة 318

في قول الله تعالى: "وَلَقَد اَرَينَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ"؛ بيان ما انتهى إليه فرعون من التكذيب والإباء بعد أن أقيمت عليه الحجة بالآيات التسع، لكنه ذكر قبل أن يرى الآيات كلها . ومن الحكمة في تقديمه على ما جاء بعده من إبطال سحر السحرة وغيره من الآيات؛ أن حجب ما تنتهي إليه القصة قد يصد عن تدبر تفاصيلها والاعتبار بأحداثها، فإن النفس تتشوف إلى النهاية، فإذا قدمت؛ كان أدعى إلى سكونها وتأملها، والتفصيل عقب الإجمال من أساليب القرآن كما تراه في بداية سورتي يوسف والقصص وغيرهما . والذين يعرضون المسلسلات ليفسدوا بها أخلاق الناس؛ يحجبون عن المتفرج النهاية (العقدة)، أو يعرضون منها ومضة لغاية أخرى، يرومون أسره ليتتبع الحلقات كلها فينالون منه أغراضهم . وفي قول فرعون"أَجِئتَنَا لِتُخرِجَنَا مِن اَرضِنَا بِسِحرِكَ يَـٰمُوسَىٰ "؛ اتهامه بأنه يريد الاستيلاء على الحكم، والتمكين لطائفته، وإثارة النعرة القبلية أو الرابطة الوطنية؛ يحقق بها فرعون ومثله كثير من الحكام حشد الأنصار ولو كانوا من المخالفين لهم . وقد جرى كلام فرعون هذا على ألسنة أتباعه كما في قوله تعالى: "قَالُواْ إِن هَـٰذَٲنِ لَسَـٰحِرَٲنِ يُرِيدَانِ أَن يُخرِجَاكُم مِّن اَرضِكُم بِسِحرِهِمَا وَيَذهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلمُثلَىٰ فَأَجمِعُواْ كيدَكُمۡ ثُمَّ ٱئتُواْ صَفًّا‌ وَقَد أَفلَحَ ٱليَومَ مَنِ ٱستَعلَىٰ "، بل كرره فرعون للسحرة بعد أن آمنوا: "قَالَ فِرعَونُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبلَ أَن اَذَنَ لَكُم إِنَّ هَـٰذَا لَمَكرٌ مَّكَرتُمُوهُ فِى ٱلمَدِينَةِ لِتُخرِجُواْ مِنهَا أَهلَهَا‌ فَسَوفَ تَعلَمُونَ"، والمرء إذا كذب و كرر الكذب؛ نسيه فحسبه صدقا كما قال المتنبي: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ** وصدق ما يعتاده من توهم ويشبه هذا ما يصنعه أتباع الحكام اليوم، وما يقوم به الإعلام المجاري لهم، فإنه يكرر كلامهم ويروجه، وكثيرا ما يبتكرون مصطلحات براقة يشدون الناس إليها ليصرفوهم عما لا يريدون لهم أن يشتغلوا به . التاسع عشر من جمادى (2) 1442 •

الخاطرة 319

مَكَانًا سوًى في قول الله تعالى: "فَٱجعَل بَينَنَا وَبَينَكَ مَوعِدًا لَّا نُخلِفُهُۥ نَحنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى قَالَ مَوعِدُكُم يَومُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى"؛ أمور تتعلق بموضع المناظرة والمغالبة وزمانه. منها أن مكان وزمان التقاء الخصوم يكون موضع تشاور. ومنها أن موسى عليه الصلاة والسلام اختار يوم الزينة؛ لأنه يوم عيدهم يتفرغ الناس فيه، فيحضر اللقاء عدد كبير منهم، فيروج خبر المنتصر، وهذا رواه الطبري عن ابن زيد قال: "يوم يتفرغ الناس من الأعمال، ويشهدون ويحضرون ويرون" . ولهذا كانت الرسل تبعث في القرى لا في البوادي، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه على القبائل ويغشى الناس في اسواقهم . ومنها اختيار الوقت المناسب لاجتماع الناس وهو الضحى، ولأنه قد يمتد زمن المناظرة فيتسع له الوقت . ومنها اختيار المكان المناسب وهو الذي يتوسط القرية أو المدينة . ومنها اختيار الموضع الذي يتمكن الناس كلهم فيه من رؤية ما يجري . ومنها مشروعية حضور المواضع التي يرغب عن حضورها إذا كان المقصود النهي عن المنكر، وهو أمر مقرر معروف. وبعض ما سبق يؤخذ من قوله "مَكَانًا سُوًى"، فإن فيه ثلاثة أوجه تبعا لما تدل عليه (سُوًى)، فإنها تكون أداة استثناء بمعنى (غير)، وتكون وصفا، ويكسر سينها ويضم، وهما قراءتان، وتأتي بلفظ (سواء)، وهو ما أشار إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله: ولسوى سوى سواء اجعلا ** على الأصح ما لـ(غير) جعلا فإن كانت للاستثناء بمعنى غير؛ فالمعنى أن فرعون اقترح مكانا غير موضع إقامته لوثوقه بالانتصار، وليظهر لخصمه الإنصاف، وقد ضعف هذا الوجه، لأن (سوى) لم ترد في كلام العرب مقطوعة عن الإضافة كما تقطع عنها (غير). وهذا الأمر تعمل به الدول اليوم في المفاوضات، حيث يلتقي الخصوم عند طرف ثالث، أو في مكان محايد، لأن اللقاء في موضع الخصم له تأثير على المناظرة . الثاني: أن معنى (مَكَانًا سُوًى) موضع مستو، خال مما يحجب عن الناس رؤية ما يجري، كالجبل والأكمة والشعب، ليروا ما يحصل رأي العين، وهذا مروي عن ابن زيد قال: مكانا مستويا يتبين للناس ما فيه، لا يكون صوب ولا شيء، فيغيب بعض ذلك عن بعض" . والثالث أنها بمعنى النصف والعدل والوسط، والمعنى أن موضع اللقاء ينبغي أن يكون وسطا تتقارب عنده المسافات أو تتساوى، ليسهل على الناس حضور المشهد، وهذا مأثور عن قتادة قال: "نصفا بيننا وبينك"، وأكثر ما تستعمل هذه الكلمة في هذا المعنى إذا كانت بلفظ (سواء). 20 جمادى (2) 1442 •

الخاطرة 320

حاجة الجماعة عظيمة إلى العالم المرشد الناصح المخالط لهم، المقيم بينهم، المداوم على تعليمهم وتذكيرهم، فالتذكير عظيم النفع، لا يستغني عنه الناس، والذكرى تنفع المؤمنين، ولاسيما التوحيد الذي هو حق الله الأول على العبيد، وقد قال زكريا عليه الصلاة والسلام: "وَإِنِّى خِفتُ ٱلمَوَٲلِىَ مِن وَرَاءِي وَكَانَتِ ٱمرَأَتِى عَاقِرًا فَهَب لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِن اَلِ يَعقُوبَ‌ وَٱجعَلهُ رَبِّ رَضِيًّا"، وقال الله تعالى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام: "إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا‌"، فقال: "وَمِن ذُرِّيَّتِى‌". واذا استثقل بعض الناس معاودة التنبيه والتعليم وتكراره وضافوا به ذرعا؛ فلا تحفلن بهم، فلك في كتاب ربك وسنة نبيك أسوة، فعلم وعاود وكرر ولتنوع الأسلوب وطرق العرض. وانظر إلى موسى كيف استخلف أخاه هارون عليهما الصلاة والسلام على بني إسرائيل مدة غيابه، وهي أربعون ليلة، وقدم ذلك على اصطحابه لينال مكرمة سماع كلام الله، مع أن في قومه صالحين يمكن أن يستخلفوا، ومع أن هارون نبي؛ فقد أوصاه بهذه الوصية الجامعة: "ٱخلُفنِى فِى قَومِى وَأَصلِح وَلَا تَتَّبِع سَبِيلَ ٱلمُفسِدِينَ"، ولو قيل شيء من هذا اليوم لمن يتولى شأنا عاما؛ لأخذته العزة بالإثم . ثم إن موسى وقد استخلف على قومه نبيا؛ اوصاهم بالثبات على دينهم، وهو ما ذكرهم به بقوله: "فَأَخلَفتُم مَّوعِدِي" بعد أن أضلهم السامري فعبدوا العجل. ما أتينا إلا من التفريط في أمور يرى معظمنا ذكرها غير ذي جدوى، مع التشوف إلى الغرائب والقصص: "وَوَصَّىٰ بِهَا إِبرَٲهِـمُ بَنِيهِ وَيَعقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسلِمُونَ"، وانظر ما أوصى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل وفاته بلحظات: "الصلاة وما ملكت أيمانكم". لكأن موسى كان يتوقع حصول شيء في قومه من بعده، وحق له ذلك، كيف وقد ضرب الله لهم في البحر طريقا يبسا، وأغرق عدوهم فرعون وجنوده، فما كادوا يجاوزونه حتى قالوا ما حكاه الله عنهم: "وَجَـٰوَزنَا بِبَنِى إِسرَٲٓءِيلَ ٱلبَحرَ فَأَتَواْ عَلَىٰ قَومٍ يَعكُفُونَ عَلَىٰ أَصنَامٍ لَّهُم قَالُواْ يَـٰمُوسَى ٱجعَل لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُم ءَالِهَةٌ‌ قَالَ إِنَّكُم قَومٌ تَجهَلُونَ إِنَّ هَـٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُم فِيهِ وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعمَلُونَ"، وحصل شيء من ذلك لبعض جهال الأعراب لبعض مسلمة الفتح فقالوا للنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اجعل لنا ذات انواط كما لهم ذات أنواط"، فقال: "الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.. الحديث . ومن ذلك أن الذين اختارهم موسى لمرافقته إلى الطور وهم النقباء، لما سبقهم بدافع الشوق إلى تكليم ربه؛ عاتبه بقوله: "ومَا أَعجَلَكَ عَن قَومِكَ يَـٰمُوسَىٰ"، مع أنهم كانوا بقربه كما دل عليه اعتذاره: "هُم أُوْلَاءِ عَلَىٰ أَثَرِى وَعَجِلتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرضَىٰ". لم يكن العتاب على استعجال الإتيان إلى الطور لمكالمة الله، بل كان لتقدمه على الذين رافقوه، وأي مصلحة أعظم للإنسان من مناجاة ربه؟ لكن درء المفسدة المحتملة الناشئة عن مفارقة العالم لجماعته؛ رجح على جلب المصلحة العظيمة التي في وقتها متسع، وهذا مع الذين عاشوا مع الرسل وشاهدوا آياتهم فكيف بغيرهم في هذا العصر الذي أربت الفتن فيه على ما سبقه؟. وقد بات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذي الحليفة وهو في طريقه إلى الحج ليدركه من تأخر بالمدينة أو بغيرها كي يسافر الناس مجتمعين، فالحكمة من المبيت أن يجتمع الناس وأن يرفق بالضعفاء في السير، قال ابن بطال رحمه الله: "وليس ذلك من سنن الحج، وإنما هو من جهة الرفق ليلحق به من تأخر عنه"، قلت: ولا يخلو هذا من شيء مما نحن فيه، لاسيما وحجة الوداع قد اجتمع فيها خلق كثير من حديثي العهد بالإسلام، اللهم إنا نخشى عاقبة انقطاع مجالس العلم فعجل بالفرج. في الرابع والعشرون من جمادى الثانية 1442 •

الخاطرة 321

(1) ذكر ربنا عز وجل في سورة طه؛ اختلاف نبييه موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام في طريقة معاملة قومهما حين عبدوا العجل، وقص علينا في سورة الأنبياء؛ اختلاف نبييه داود وسليمان في القضاء في حكم من أحكامه، فما هي العبرة من هذا الاختلاف؟. موسى وهارون رسولان ذكر اختلافهما في طريقة سياسة قومهما، وداود وسليمان رسولان ملكان، ذكر اختلافهما في حرث نفشت فيه الغنم، فما شغلهما الملك عن هذا الحكم الجزئي، ولا حجب الآخرين عن الاهتمام بسياسة الأمة أن لا سلطان لهما على المسوسين. إن غابت هيبة السلطان وقوة الملك؛ فسخر لسانك وخبرتك ونفوذك لإقامة أحكام ربك فيما استطعت من شؤون الحياة، ومن آتاه الله الملك؛ فليسخر قوة ملكه لإقامتها أيضا. وقد قال الله تعالى عن داود عليه الصلاة والسلام: "وَشَدَدنَا مُلكَهُ ۥ وَءَاتَينَـٰهُ ٱلحِكمَةَ وَفَصلَ ٱلخِطَابِ"، أما سليمان فقد سأل ربه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وقد بلغت صرامة حكمه أن حاسب هدهدا على غيابه حين تفقد الطير، وتوعده بالعذاب إن لم يقم عذره، ومن كان هذا شأنه؛ فهل يفلت من عقابه من ارتد عن دينه من رعيته؟، وفي المقابل فإن الأمر قد بلغ بموسى أن قال شاكيا حال قومه: "ربِّ إِنِّى لَا أَملِكُ إِلَّا نَفسِى وَأَخِى" . كان طريق الإصلاح أمام الرسل غير الحاكمين؛ أشق وأطول، فأجرهم أعظم وأكبر، فكذلك أمر الدعاة إلى الله اليوم، فأين الحكم من الدعوة إليه؟. الرسل وإن جمعهم الوحي والعصمة؛ فهم متفاوتون فيما يعتمدون عليه في التمكين لأحكام الله، وقد ذكر ربنا في سورة الأنعام ثمانية عشر منهم، ورتبهم أصنافا بعيدا عن ظهورهم التاريخي، بل بحسب الملك وعدمه، والغنى وخلافه، وحظهم من متاع الدنيا والتجافي عنها، وقد انفرد بالغوص على الحكمة من هذا الترتيب؛ بعض المفسرين . فمن صنف الرسل الذين أوتوا الملك؛ داود وسليمان، كانا ملكين عظيمين منعمين، ودونهما أيوب ويوسف وموسى وهارون، لكن في عد موسى من الرسل الحكام بعد، كيف وقد قال قولته التي سبق ذكرها . ومن الصنف الثاني زكرياء ويحيى وعيسى وإلياس، فلم يكن هؤلاء حكاما ولا أغنياء، كانوا زاهدين في الدنيا معرضين عن لذاتها وجاهها وسلطانها . ومن الصنف الثالث إسماعيل واليسع ويونس ولوط، ما نالوا من ملك الدنيا أو سلطانها شيء، لكنهم لم يبلغوا في الزهد مبلغ من قبلهم. وإذا نظرت فيما ذيل به على ذكر هذه الأصناف؛ وجدت مع الأول قوله تعالى: "وَكَذَلِكَ نَجزِى ٱلمُحسِنِينَ"، فما أقل من يتولى الحكم فيحسن، أما هؤلاء فقد أحسنوا في عبادة الحق، وفي سياسة الخلق، جمعوا بين ما صار في هذا العصر كالمحال عند كثير من الناس. أما التعقيب على الثاني فقوله سبحانه: "كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ"، ووصف الصلاح أليق بحال المذكورين، وإن كان يعم الرسل كلهم، ومع الثالث قوله: "وَكُلاًّ فَضَّلنَا عَلَى ٱلعَـٰلَمِينَ"، وهذا بالنسبة لأهل زمانهم، فالثلاثة الأوصاف وإن اشتركوا فيها فقد تفاوتوا أيضا فصرف كل منها إلى من برز فيه.. يتبع . الثالث من شهر رجب 1442 •

الخاطرة 321

(2) مما يصلح به المجتمع؛ الحاكم الذي يقيم الشرع، أو جماعة المسلمين عند تعذر نصبه أو تخليه، وقد فرطنا في جعل عملها واقعا عن طريق الجمعيات، وهو ما سميناه اليوم بالمجتمع المدني، ويقال بأنه رافد لنظام الحكم وعون له . وقد تحدث الفقهاء عن هذه الجماعة كثيرا لأنها تخلف الحاكم ونائبه والقاضي عند فقدهم، وفي حال السفر، والقيام بهذا الأمر قد يخفف به الحكام من تفريطهم في واجبهم الأول، وهو أيضا علاج لما يزعم من ضغوط دول الكفر والمنظمات الدولية عليهم . لقد حقق بعض هذه الجمعيات في غير بلاد الإسلام؛ ما لم يسمح لها به في بلدان المسلمين، بحجة أن الإسلام دين الدولة، فلتفعل به الدولة ما تشاء !! . ما عدد الهيآت غير الحكومية التي أنشأناها لهذا الغرض الذي ينبغي أن يوجه إليه الاهتمام مستقبلا؟، لا أتردد في القول إن من بين ما أفسد الحياة العامة هيآت أنشأناها، فلم عجزنا عن إصلاحها بهيآت أخرى نسمح بإنشائها؟، على أن تعمل وفق قانون أساس من غير افتيات على الحاكم . قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: "وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها؛ لم يجب تفويضها إليه، مع إمكان إقامتها بدونه، والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها من أمير؛ لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم تقم إلا بعدد ومن غير سلطان؛ أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها؛ لم يدفع فساد بأفسد منه"، انتهى، والشرط المذكور؛ تحقيقه ميسر، فان المقصود أن يكون هذا الأمر بتفويض الحكام ورعايتهم إن لم يقوموا هم بذلك، وقد أشرت إلى تفصيل هذه الجملة في غير هذا الموضع . وقال ابن تيمية: "كل قوم لا تجمعهم طاعة مطاع في جميع أمورهم؛ فلا بد لهم من التعاقد والتحالف فيما لم يأمرهم المطاع". ولا شك أن مضمون الحديث المتواتر الدال على وجود الجماعة الظاهرة على الحق إلى أن يأتي أمر الله؛ يبرز على أكمل وجه؛ بوجود الحاكم الراعي للشرع كما في عهد الخلافة الراشدة، وفيما بعدها على تفاوت في تلك الرعاية، وقد تقوم هذه الجماعة مقام الحاكم كما أشار اليه الفقهاء، أو بدون أن تمارس الحكم؛ فيكون معنى ظهورها؛ ما هي عليه من الحق بقوة الحجة، لا بحجة القوة، ذلك أن لفظ (طائفة) في الحديث؛ وارد في سياق الإثبات، فهو مطلق يفيد العموم البدلي . أما الدعوة إلى الله التي لا يسندها السلطان؛ فإنها وإن كانت ترافق عمل الحاكم وجماعة المسلمين كليهما؛ إلا أنها قسيمة لهما أيضا، فيتعلم المرء دينه، ويعمل به في خاصة نفسه، وفيمن له عليه مسؤولية حسب المستطاع، من غير أن يلزمه سلطان، وهي حالة على ما فيها من نقص؛ فإن صلاح الأفراد فيها اقتناعي حقيقي، وهو المجدي في هذا عصر الفتن هذا. وهذه الحال هي التي عليها المجتمعات الإسلامية إلا النادر، وهي تشبه من بعض الأوجه ما كان عليه أقوام كثير من الرسل، والداعي فيها هو النبي نفسه، فهو الجماعة وهو الأمة، والمقصود أننا إذا حرمنا أكمل الأحوال، وهو تعاون وازع السلطان مع واعظ القرآن، فلنصرف جهدنا إلى ما نستطيع، ولا يصح أن نقلل من أهمية هذه الحال التي كان عليها أنبياء الله في أقوامهم، بل هو الغالب على دعوة الأنبياء، وليس الغرض إلا التعزي والتصبر، فإن الشر إذا غلب بحضور أولئك المصطفين الأخيار غير الحكام لحكمة يعلمها الله؛ فكيف بغيرهم؟. التاسع من رجب 1442 •

الخاطرة 321

(3) إذا تتبعت كلام الرسل عليهم الصلاة والسلام ومواعظهم وحوارهم وجدالهم لمخالفيهم في القرآن الكريم؛ ألفيته صادرا عمن لم يؤتهم الله الملك منهم، وأكثره في محاجة موسى قومه، وفرعون وملأه، وقبله نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وإلياس وعيسى عليهم الصلاة والسلام. فقد ذكر الله الآيات التي أوتوها، ومواعظهم وجادلهم، وما آل إليه أمرهم من خروجهم، واهلاك مخالفيهم، وقد قال نوح وهو أول الرسل إلى أهل الأرض يشكو حاله إلى ربه: "إِنِّى دَعَوتُ قَومِى لَيلاً وَنَهَارًا فَلَم يَزِدهُم دُعَائي إِلَّا فِرَارًا"، أما جواب قومه بعد أن دمغتهم الحجة فهو: "يَـٰنُوحُ قَد جَـٰدَلتَنَا فَأَكثَرتَ جِدَٲلَنَا فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ". وهذا الصنف من عباد الله الأخيار هم الذين ذكر الله تكذيب أقوامهم لهم كما هو في سور الأعراف والشعراء والقمر وغيرها، بل ذكر قتلهم إياهم وألهم به: "وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَـٰتَلَ مَعَهۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُم فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱستَكَانُواْ‌ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ". أما الرسل الذين آتاهم الله الملك ومنهم داود وسليمان؛ فإنك لا تجد لهم من المواعظ والمنافحة عن الحق؛ ما تجده عند السابقين، ليس لأنهم لم يكونوا يعلمون ويعظون، فإن مهمة الرسل الأولى تبليغ أحكام الله، والحض على التزامها، والتخويف من عاقبة إهمالها، لكنك تجد الكلام على الملك والحكم والقضاء وما سخره الله لهما من الجنود من الجن والإنس والشياطين والصناعات وعلوم الحياة، فخص الله من أخبارهم بالذكر سياستهم وحكمهم، وهو ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم". ووجه عدم ذكر دعوة هؤلاء الرسل بالمواعظ والجدال -والله أعلم- أن الحكم أقوى في التمكين للحق وإصلاح الحياة ولو في الظاهر، فإنه يلتزمه المقتنع بإرادته ورغبته، بعد توفيق ربه، ويخضع له المتأبي بخوفه على نفسه، وعلى مصالح حياته، فتستقيم حياة الناس، أما الضمائر فموكولة إلى الله، متروكة لليوم الذي تبلى فيه السرائر، ولا تكاد تعثر في القرآن على ذكر معارض للرسل الحكام، ولا على تكذيب الناس لهم، كما هو شأن غيرهم ممن تقدم ذكرهم. لم يكن داود عاجزا عن الوعظ، فقد أوبت معه الجبال والطير، وكان صوته مضرب المثل في التأثير، وألان الله له الحديد، وكان صواما قواما مجاهدا لا يفر إذا لاقى، فكيف لا يقوى على القلوب وإصلاحها بداية كل إصلاح؟ وأين مواعظ سليمان لرعيته وقد سخر الله له ما لا نراه من المخلوقات، وعلمه أن يفهم عن العجماوات؟ إن السلطان يزع الله به ما لا يزع بالقرآن، فياويل من آتاه الله السلطان، فسخره في غير طاعة الرحمن. قوة ملك سليمان جاءت بعرش بلقيس، ثم ببلقيس نفسها، فأسلمت لله رب العالمين: "ٱرجِع إِلَيهِم فَلَنَأتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخرِجَنَّهُم مِّنهَا أَذِلَّةً وَهُم صَـٰغِرُون". لكن صبر موسى ومثابرته على إصلاح عقائد قومه لم تذهب سدى، قد تأسى أن يعيش نبيان مع قومهما في سنوات التيه الأربعين، لكنك تذعن لحكمة ربك حيث ترى فضله وإحسانه ينال قومهما بالتبع لهما، فينزل عليهم جميعا المن والسلوى، ويظللهم بالغمام، ويفجر لهم الماء، من الصخور الصماء، يعاقب الله هذا مع أنه يكرمه من أجل غيره، في هذا الوقت كان جيل جديد يتربى ليخرج من رحم سنوات التِّيهِ، فينال شرف دخول الأرض المقدسة، بعد انقراض الجيل الذي جمع التعنت والتمرد إلى الجهل، وإلى الله تصير الأمور... يتبع . ليلة الحادي عشر من شهر رجب 1442 •

الخاطرة 321

(4) من العبرة فيما قام به موسى عليه الصلاة والسلام بعد رجوعه من تكليم ربه، وقد عبد قومه العجل؛ أنه بدأ بالكلام معهم، فصرف عنايته إلى الحد من زيادة الفساد، فإنه مقدم على الاشتغال بمن تسبب فيه، ومقدم على مجادلة من اجتهد في اسلوب علاجه، ولم ير غيره رأيه، كما قيل: إن الحكيم إذا التقى في جسمه * مرضان مختلفان داوى الأخطرا يقضي الناس اليوم وقتا طويلا في التحقيق لمعرفة الفاعل، وقد يكون المحقق هو الفاعل، ويجهلون أو يتجاهلون أن كثيرا ممن يستنكرون هم المفسدون. قال موسى: "يَـٰقَومِ أَلَم يَعِدكُم رَبُّكُم وَعدًا حَسَنًا‌ أَفَطَالَ عَلَيكُمُ ٱلعَهدُ أَم أَرَدتُّم أَن يَحِلَّ عَلَيكُم غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُم فَأَخلَفتُم مَّوعِدِى"، فكان منهم هذا الورع الكاذب: تخلصنا من حلي القبط الذي استعرناه، فقذفناه، فقذف السامري كما قذفنا، فتحول الحلي إلى عجل يخور، فعبدناه بغير اختيارنا!!: "قَالُواْ مَا أَخلَفنَا مَوعِدَكَ بِمَلكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلنَا أَوزَارًا مِّن زِينَةِ ٱلقَومِ فَقَذَفنَـٰهَا فَكَذَٲلِكَ أَلقَى ٱلسَّامِرِيُّ". ثم عاتب أخاه لما ظنه من تقصيره: "قَالَ يَـٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذ رَأَيتَهُم ضَلُّواْ أَلَّا تَتَّبِعَنِ‌ أَفَعَصَيتَ أَمرِى"، وجوابه ستعلمه، وهو أنه قام بما رآه أصلح لقومه. اتفقا على مضمون هذه الوصية: "ٱخلُفنِى فِى قَومِى وَأَصلِح وَلَا تَتَّبِع سَبِيلَ ٱلمُفسِدِينَ"، واختلفا في تنزيل بعض ما فيها على ما حصل من عبادة قومهما العجل. رأى موسى الشدة في معاملة الذين عبدوه، بأن يهجروا فيزدجروا، وأن يخبر، عسى أن يئد الأمر في مهده، فقال لأخيه: "مَا مَنَعَكَ إِذ رَأَيتَهُم ضَلُّواْ أَلَّا تَتَّبِعَنِ‌ أَفَعَصَيتَ أَمرِى". وانكر هارون على قومه ردتهم، وأعلمهم أن العجل فتنة لهم، فاستضعفوه، وكادوا يقتلونه، ثم رأى أن البقاء معهم، والاستمرار على دعوتهم؛ أبقى على جماعتهم من لحوقه مع بعضهم بموسى، وبقاء آخرين يعبدون العجل من غير نكير، فهذا تفسيره للإصلاح الذي أوصاه به أخوه: "قَالَ يَبنَؤُمَّ لَا تَاخُذ بِلِحيَتِى وَلَا بِرَأسِى إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقتَ بَينَ بَنِى إِسرَٲٓءِيلَ وَلَم تَرقُب قَولِى". ثم استطلع موسى السامري، مع أن الله أخبره بما صنع، وأخبره قومه، فلم يقدم على عقابه حتى أقر بجرمه: "قَالَ بَصُرتُ بِمَا لَم يَبصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضتُ قَبضَةً مِّن اَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذتُهَا وَكَذَٲلِكَ سَوَّلَت لِى نَفسِى"، عجيب جوابه: علم ما لم يعلموا! أو رأى ما لم يروا! كأنه يزهو بما اختص به، هو علم؛ الجهل خير منه، وأي جدوى من هذا العلم أو الرؤية التي أفضت إلى إجرام، هو عبادة الأصنام؟. فلما أقر بفعلته، وأنها بمحض هواه؛ لزمت معاقبته: "قَالَ فَٱذهَب فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ‌ وَإِنَّ لَكَ مَوعِدًا لَّن تُخلَفَهُ"، فعزله عن الناس، وهذا أصل في معاملة المضلين الفاتنين: أن ينفوا ويعزلوا، عوقب من جنس عمله، جمع الناس حوله على الباطل، عوقب بحياة انفرادية، لا يمس ولا يمس، مع ما ينتظره من عقاب الآخرة الذي لا يتخلف. وختم موسى بإحراق العجل وتذريته في البحر، وهو أصل في إتلاف التماثيل، بل في إخفاء انقاضها وبقاياها سدا لذريعة رجوع المفتونين إلى التمسح بها، وهو أمر مشاهد معيش: "وَٱنظُر إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلتَ عَلَيهِ عَاكِفًا‌ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ ۥ فِى ٱليَمِّ نَسفًا إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىءٍ عِلمًا"، فالظاهر أن موسى سلك هذا الترتيب كما ذكر في السياق، ومناسبته ظاهرة. ولك أن تتساءل عن وجه أخذ موسى بناصية أخيه وبرأسه وعتابه، فإنه وإن كان صاحب الرسالة الأول؛ إلا أن هارون رسول مثله، فله أن يجتهد، فليصرفك عن هذا أنه غضب لله، كما قال الله عنه: "فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَومِهِۦ غَضبَـٰنَ أَسِفًا"، واستحضر ما دعا به بعد سماع بيان أخيه: "قَالَ رَبِّ ٱغفِر لِى وَلِأَخِى وَأَدخِلنَا فِى رَحمَتِكَ‌ وَأَنتَ أَرحَمُ ٱلرَّٲحِمِين". لم يبين الله تعالى رجحان أحد الموقفين على الآخر، كما بينه في اختلاف سليمان وداود عليهما الصلاة والسلام، فإن باب الاجتهاد في سياسة الامة؛ أوسع بكثير من الاجتهاد في مفردات الأحكام، بل إن قول ربنا عز وجل عن هارون وما أجابه به قومه؛ بيان لسلامة اجتهاده في مثل حاله: "وَلَقَد قَالَ لَهُم هَـٰرُونُ مِن قَبلُ يَـٰقَومِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ‌ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُواْ أَمرِي قَالُواْ لَن نَّبرَحَ عَلَيهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرجِعَ إِلَينَا مُوسَى"... يتبع. ليلة •

الخاطرة 321

(5) تابع...، كل من اجتهاد موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام في سياسة قومهما؛ يصلح في الحال الذي يناسبه من قوة الحاكم ونفوذه، والحال التي عليها الناس، ومدى ظهور الحق وخلافه، وهذه قاعدة مهمة في سياسة الأمم والجماعات، بل قد تراعى في تربية الأفراد: تتفق المقاصد والغايات، وقد تختلف الوسائل والمقدمات. أين الحكام العارفون بدينهم الراغبون في إقامته؟، فيقال لهم إنه لا بد لهم في هذا العصر من الإحاطة بهذه الأمور، وتكييف أعمالهم الإصلاحية حسب الحال في بلدانهم، وبالنظر إلى علاقاتهم بالدول الأخرى، على أن لا يتكئوا على هذا ليبرروا تفريطهم في دينهم كما هو حال معظمهم، عليهم أن يضعوا نصب أعينهم قول الله تعالى: "وَٱعلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُم فَٱحذَرُوهُ‌"، وقوله: "وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفسَهُ"، فأعظم ما ينبغي أن يراعى هو رسم الأهداف المشروعة، ثم السير نحوها بالتدرج في البناء الفوقي والقاعدي . قال الشاطبي في كتابه الموافقات: "وفيما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أن ابنه عبد الملك قال له: "ما لك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق"، فقال له عمر: "لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وأني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة؛ فيدفعوه جملة، ويكون من هذا فتنة"، فإذا كان هذا في عهد عمر بن عبد العزيز وهو عصر التابعين، وظهور الإسلام وقوة سلطانه، فكيف بهذا العصر؟. ولهذا فإذا قيل إن ما رآه موسى أقوى في الانتصار للحق مما فعله هارون؛ فإنه مسلم، على أن يكون من ينفذ هذا الموقف الأقوى؛ موسى نفسه، لما له من النفوذ في قومه، وقد يتغير الأمر فيرجح اجتهاد أخيه. أنكر هارون بقلبه وبلسانه، فذكر الله ما قاله لقومه، وهو تزكية له، وغير موسى بيده، فأحرق العجل، وذراه في اليم، وعاقب السامري، وكان قد أنكر بقلبه، فأدى به الغضب لله إلى ما علمت من عتاب أخيه، ثم استغفاره له ولنفسه، وخاصم قومه، ودعاهم إلى التوبة فندموا كما حكى الله تعالى قولهم: "لَئِٕن لَّم يَرحَمنَا رَبُّنَا وَيَغفِر لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلخَـٰسِرِينَ"، وكان من توبتهم أن يقتل بعضهم بعضا برهانا على صدقهم، بعد أن تفاقم تعنتهم، وتكرر إجرامهم، كما قال الله تعالى: "وَإِذ قَالَ مُوسَىٰ لِقَومِهِۦ يَـٰقَومِ إِنَّكُم ظَلَمتُم أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلعِجلَ فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِٕكُم فَٱقتُلُواْ أَنفُسَكُم ذَٲلِكُم خَيرٌ لَّكُم عِندَ بَارِئِٕكُم فَتَابَ عَلَيكُم إِنَّهۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيم". وقد صح عن مجاهد بن جبر رحمه الله أنهم أنفذوا أمر الله هذا، فقتل بعضهم بعضا بالخناجر، جعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده، فتاب الله عليهم، فالحمد لله الذي رفع عنا الآصار والاغلال، فجعل توبتنا الندم والإقلاع، وأكرمنا بالإسلام الذي من ابتغى غيره دينا؛ فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. في السادس عشر من شهر رجب 1442 •

الخاطرة 322

(1) - تحكيم شرع الله قال الله عز وجل: "وَدَاوُدَ وَسُلَيمَـٰنَ إِذ يَحكُمَانِ فِى ٱلحَرثِ إِذ نَفَشَت فِيهِ غَنَمُ ٱلقَومِ وَكُنَّا لِحُكمِهِم شَـٰهِدِينَ فَفَهَّمنَـٰهَا سُلَيمَـٰنَ وَكُلاًّ ءَاتَينَا حُكمًا وَعِلمًا‌". يَحكُمَانِ: يقضيان، ٱلحَرثِ: الزرع، عبر بالمحل عن الحال، نَفَشَت: النفش رعي الماشية ليلا من غير راع، والهمل رعيها في النهار كذلك، و"غنَمُ ٱلقَومِ" جاءت غير منسوبة، والمعهود إضافة القوم إلى الرسل، ولم أجزم بوجه الفرق وإن لاح لي، وهو أنهما ملكان، شَـٰهِدِينَ: حاضرين حكمهما بعلمنا، وفيه مدح للحكم وتزكية، والله في كل مكان بعلمه، فَفَهَّمنَـٰهَا سُلَيمَـٰنَ‌: فهمنا القضية سليمان، وفي قوله: "يَحكُمَانِ"؛ مرجع الضمير، وَكُلاًّ ءَاتَينَا حُكمًا وَعِلمًا: أي كلا من داود وسليمان، وهو ثناء عليهما، أثنى عليهما وعلى حكمهما، هذا باجتهاده، والآخر بزيادة إصابته. ومثل هذا ما رواه البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: "إنما ذهب بابنك"، وقالت الأخرى: "إنما ذهب بابنك"، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليه السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى... الحديث . وروى ابن عساكر في ترجمة سليمان عليه الصلاة والسلام من تاريخه عن ابن عباس رضي الله عنهما قصة مطولة فيها أن داود حكم برجم امرأة بعد أن شهد عليها أربعة بالزنا، وأن سليمان جاءه أربعة تزيوا بزي أولئك الشهود، وشهدوا بذلك أيضا، ففرقهم ليسألهم كلا على حدة، فاختلفوا في الوصف اختلافا بينا فقتلهم، فلما حكي ذلك لداود دعا أولئك الشهود، واستعمل ما صنعه ولده من تفريقهم؛ فتبين كذبهم فأمر بقتلهم، وفي متن القصة شيء وهو كون سليمان كان حاكما أيضا، وفي هذا نظر. وفي تفسير الألوسي قصة لم يعزها، كانت سبب رجوع داود إلى ما رآه سليمان، وهي انتهاجه طريقة للتأكد من التهمة، فدرأ بها عن المرأة الرجم الذي حكم به أبوه، فأحبه لذلك حبا شديدا، ورجع إلى ما قاله في مسألة الحرث. وفي البداية والنهاية لابن كثير أن الوليد بن عبد الملك هدم كنيسة دمشق بعد أن أعاد مسح الأرض، فعلم أن الكنيسة مبنية على ما فتح عنوة من المدينة، فكتب إليه ملك الروم: إن كان أبوك فهم هذا الذي تصنعه وتركه؛ فهو وصمة عليك، وإن لم يكن فهمه وفهمته أنت؛ فوصمة عليه"، فاجتمع الناس عنده لذلك، وكان فيهم الفرزدق الشاعر، فقال: أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله، فقال الوليد: وما هو ويحك؟ قال "وَدَاوُدَ وَسُلَيمَـٰنَ إِذ يَحكُمَانِ فِى ٱلحَرثِ إِذ نَفَشَت فِيهِ غَنَمُ ٱلقَومِ وَكُنَّا لِحُكمِهِم شَـٰهِدِينَ فَفَهَّمنَـٰهَا سُلَيمَـٰنَ وَكُلاًّ ءَاتَينَا حُكمًا وَعِلمًا‌"، وسليمان هو ابن داود، ففهمه الله ما لم يفهم أبوه"...- 8 مارس 2021 •

الخاطرة 322

(2) يؤخذ من قول الله تعالى: "وَدَاوُدَ وَسُلَيمَـٰنَ إِذ يَحكُمَانِ فِى ٱلحَرثِ إِذ نَفَشَت فِيهِ غَنَمُ ٱلقَومِ وَكُنَّا لِحُكمِهِم شَـٰهِدِينَ فَفَهَّمنَـٰهَا سُلَيمَـٰنَ‌ وَكُلاًّ ءَاتَينَا حُكمًا وَعِلمًا‌"، وما جاء في السنة في موضوعه ما يأتي، وقد يدخل بعضه في بعض، وفي بعضه خلاف: 1. تولي الحاكم القضاء، وهو الذي كان في عهد الإسلام الأول، وكذا إمامة الناس في الصلاة، ثم اختلف الأمر إلى أن بلغ ما أشار إليه النبي ق: "لا ما صلوا". 2- اجتهاد الأنبياء فيما لا وحي فيه، وأبدى بعض أهل العلم لذلك حكمة، وهي أن الاستنباط أرفع درجات أعمال العلماء، فينبغي أن يكون للأنبياء فيه مدخل. 3- يتولى الحكم واحد، قال ابن العربي: "إِذ يَحكُمَانِ"؛ لم يُرد -إذ جمَعهما في القول- اجتماعهما في الحكم، فإن حاكمين على حكم واحد لا يجوز". قلت: ينبه هنا على أمرين: أولهما أن العلماء نصوا على استحباب استشارة الحاكم غيره، قال خليل ممزوجا بكلام شارحه الدردير في وصف القاضي: "مستشير لأهل العلم، فلا يستقل برأيه وإن مجتهدا، لأن الصواب لا يتقيد به، بل ربما ظهر الصواب على يد جاهل"!! والثاني ينبغي أن يقارن هذا مع ما أمر الله به من تحكيم عدلين في جزاء الصيد، فقال: "وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدلٍ مِّنكُم"، فالمطلوب في هذين الحكمين؛ هو العدالة، ولا بد من المعرفة بالمثل، فيجوز أن يكونا غير مجتهدين، بل قد يكون غير العالم في هذا أنفع من العالم، والاخر؛ قول الله تعالى في شأن الإصلاح بين الزوجين: "وَإِن خِفتُم شِقَاقَ بَينِهِمَا فَٱبعَثُواْ حَكَمًا مِّن اَهلِهِۦ وَحَكَمًا مِّن اَهلِهَا إِن يُرِيدَا إِصلَـٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَينَهُمَا". 4- خطأ المجتهد لا يقدح في عده مجتهدا، وإلا ما سلم الاجتهاد لأحد، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ؛ فله أجر واحد". 5- تفاوت المجتهدين في العلم كما قال الله تعالى: "وَفَوقَ كلِّ ذِى عِلمٍ عَلِيمٌ"، وقد فاضل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه في أمور من العلم: في الحلال والحرام، وفي القضاء، وفي المواريث، وغيرها، وقد يستدل بهذا على تجزؤ الاجتهاد. 6- رجوع القاضي عن الحكم إذا تبين له غير ذلك من نفسه أو من غيره، كما في رسالة عمر لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما. 7- نقض الحاكم ما يحكم غيره به ممن هو مثله، أو أجل منه، ترجم بهذا النسائي، وهو متوقف على التسليم بأن سليمان قد حكم، لا إن كان رأيا رآه، وأخذ به أبوه، ولا يقدح في هذا إسناد الحكم إليه في السياق، لأنه باعتبار المآل، ولأن الفتوى حكم من غير إلزام . 8. قيل: كان حكم داود أوفق، وحكم سليمان أرفق، وهذا لا يتجه إلا في الصلح الذي يجوز فيه ما لا يجوز في الحكم، فلا يكون الحكم إلا أوفق بحسب اجتهاد الحاكم. 9. التعليق على الحكم القضائي المستند إلى الشرع، فكيف بالمخالف له وهو الغالب اليوم ؟ . 10 - استدراك العالم على أبيه العالم . 11. استعمال الحاكم الحيلة فيما ليس فيه بينة، ليصل إلى معرفة الحقوق، قال القرطبي: وهو من قوة الذكاء والفطنة، وممارسة أحوال الخلق، وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية، وتوسومات نورانية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"، ومن تراجم النسائي: "السعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله؛ أفعل، ليستبين الحق". 12 - فطانة القاضي حتى لا يروج عليه الدعاوى الكاذبة، وتلبيس الخصوم، لكن لا ينبغي أن يكون عظيم الدهاء، نص عليه خليل رحمه الله، كي لا يعتمد على فراسته، فيخرج عن قانون الشريعة، وهو البينة وما يلزم فيها. 13- حكم الحاكم بعلمه، وبه ترجم النسائي أيضا، لكن هذا والله أعلم عند فقد البينة، بل بعد اليأس منها، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي لكم على نحو ما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا؛ فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها يوم القيامة" . 14- تكلم الصغير في العلم عند من هو أكبر منه، وفيه قصة ابن عمر رضي الله عنهما في سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الشجرة التي هي مثل المؤمن، فقد عرف ابن عمر أنها النخلة، وأمسك عن الاجابة رعاية لمنزلة كبار الصحابة كأبي بكر وعمر، لكن أباه تمنى أن لو أجاب. 15- خطأ العالم في شيء لا يبيح له تقليد من ظهر صوابه. 16- فيه الحجة لمن يقول: إن الأم تستلحق، وليس مشهور مذهب مالك، قاله القرطبي.. يتبع. •

الخاطرة 322

(3) ...، تابع، الحكم بما أنزل الله مركب، فلنعرف جزأيه لنعرفه، أما الأول؛ فيحوم في لغة العرب على معنى المنع، لأن القائم به يسعى في إزالة الموجود من الفساد، والوقاية من حصوله، فيضع الأمور مواضعها، ويوصل الحقوق إلى أصحابها، ويمنع الخصومات، أو يوقفها، صدق أو كذب، أصاب أو أخطأ . وهذ المعنى يتضح في كلمات التشريع والتصرف والتدبير والتقدير والقضاء والإتقان والمنع والرد ونحوها، فكلها من معاني الحكم، تدخل بوجه ما في منع الفساد، وتندرج في قوله تعالى: "إنِ ٱلحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ"، فهو القائم بما ذكر في خلقه على أتم الوجوه وأكملها، وشرع لعباده من الأحكام ما يمنع حصول الفساد، ويرفع الواقع منه، لأنه لا يحبه، فإنه قال: "وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلفَسَادَ"، وقال: "ظَهَرَ ٱلفَسَادُ فِى ٱلبَرِّ وَٱلبَحرِ بِمَا كَسَبَت أَيدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ"، فكانت أحكامه كلها قائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد، وما خالفها فهو جالب للمفاسد، مفوت للمصالح، وإن ظن خلاف ذلك، أو تأخر ظهور آثار الفساد لوجود المانع. وقد لخص صاحب مقاييس اللغة رحمه الله هذا الذي ذكرته من معنى الحكم فقال: الحاء والكاف والميم أصل واحد، هو المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم، ويقال حكمت السفيه وأحكمته؛ إذا أخذت على يديه، ومنه قول جرير: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ** إني أخاف عليكم أن أغضبا!! قلت: يلتقي هذا مع ما تقوله العامة عندنا: احكم أولادك، احكم نفسك !!، قال الراغب: "فإذا قيل حكم بالباطل؛ فمعناه أنه أجرى الباطل مجرى الحكم . والأوصاف المشتقة من الحكم تدل على هذا، فمنها الحكم بفتح الحاء، وهو من يتولى فصل النزاع بين المتخاصمين، والحكيم وهو من يتقن الأمور، ويضع الأشياء مواضعها لخبرته وتجربته، والحكمة بكسر الحاء وهي العلم بحقائق الأشياء، لأنها تقي المتصف بها من التهور والعجلة، والحكمة بمفتوحتين لأنها توضع في فم الدابة فتمنع جماحها، والحكومة وهي التحكيم عند الفقهاء، وعند السياسيين السلطة التي تتولى تنفيذ الأحكام . ويشمل الحكم القضاء الملزم وغيره، وهو الفتوى، قال الراغب: والحكم بالشيء؛ أن تقضي بأنه كذا، أو ليس بكذا، سواء ألزمت به غيرك، أو لم تلزمه"، هذا عن أول جزأي المركب. ليلة الثالث من شعبان 1442 •

الخاطرة 322

(4) تابع (اقرأ ما قبله)... أما ما أنزله الله؛ فهو ما في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وما أجمع عليه المسلمون، وما كان مقيسا على ما فيهما، وما سكت عنه الوحيان توسعة على الخلق ورحمة بهم، وهو الغالب على شؤون الحكم والتسيير، لكن لا يقال عنهما حكم الله أو حكم رسوله إلا على ضرب من التأويل كما بينه صاحب المراقي رحمه الله بقوله: لا ينتمي للغوث والجليل ** إلا على ضرب من التأويل إذا عرفت هذا؛ تبين لك أن من أفتى بشيء، أو قضى به، أو أصلح بين الناس به، أو ألزم غيره به، أو عامله به، أو أشار به، أو تمسك فيه بمذهبه، وهو يعلم أن غيره هو الشرع، أو أقر عليه غيره، وهو قادر على إنكاره؛ فهو داخل بوجه ما في معنى الحكم، فإن كان غير مستند إلى الدليل؛ فهو حكم بغير ما أنزل الله، وهذا ما لا ينتبه إليه معظم الناس، ولا يلاحظونه إذا ذكروا هذا الأمر. أجل، إن المسؤولية في هذا التفريط متفاوتة، فليس المجتهد المغفور خطؤه كالمتعمد، وليس الجاهل غير المفرط في طلب العلم كالمعرض عنه، وليس الحاكم في رعيته كغيره من الزوج في أهل بيته، والمقدم في جماعته، والرئيس في جمعيته، وواضع أي نظام تسيير في هيأته، لكن لا يخلو واحد من هؤلاء من (جريمة) الحكم بغير ما أنزل الله، أما من تركه تفضيلا لغيره عليه، أو لاعتقاده أنه لم يعد صالحا، أو جاحدا له؛ فالإسلام براء منه، كما قال الله تعالى: "وَمَن لَّم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلكَـٰفِرُونَ". ولا تعجب إن علمت أن نذر هذا التخلي قد اتلعت رؤوسها بالتعصب المذهبي في أواخر القرن الثالث إثر انقراض القرون المفضلة، يوم وقع الناس في التقليد غير المتبصر، ثم صاروا إلى ضرب من التقديس لأئمة المذاهب عليهم رحمة الله، فكادوا ينزلونهم منزلة العصمة، حتى قال من قال: إن ما خالف المذهب من الأدلة فإما مأول أو منسوخ، وقال آخر: إن اتباع ظواهر الكتاب والسنة تؤدي إلى الكفر!! وقال أحد أكابر العلماء: إن على المرء نصرة مذهبه والذب عنه، وقال بعضهم: إن هذا وإن كان قولا باطلا فيمكن توجيهه!! وصاروا إلى إبطال الصلاة باختلاف المذاهب في مسائل معينة، ونصبت للمذاهب رموز في بعض المساجد، بل تعددت الجماعات بتعددها في بعضها، فجعلوا من حيث يشعرون أو لا يشعرون ما أنزله الله لتوحيده، وتوحيد متابعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ بداية لنقيضه، فأخذت عرى الإسلام في الانتقاض، إلى أن بلغت ما نعيشه، وإذا كانت آراء أهل العلم والفضل لا تقارن بزبالة أفكار أهل الباطل، لأنها لم تصدر عما تهواه أنفسهم؛ إلا أن نصبها في مقابل كلام الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم دون تأويل سائغ؛ لا يختلف في النتيجة . والعجب أن هذا التعصب استمر مع ابتعاد حياة المسلمين العامة عن شرع الله، ويوظف اليوم بغباوة عجيبة في كثير من الدول للتغطية على الباطل المهيمن على الحياة (المعلمنة)، وقد غلبت على كثير من المسلمين بجهلهم، فتمثلوها فرحنا بها أفكارهم وطبعت أعمالهم وتصرفاتهم، وغدت كالمسلمة عندهم. مع هذا يظن بعضهم أنهم يخدمون دينهم بالجهد في مناهضة من خرح عن المرجعية التي حصرت في بعض الأحكام العملية، مرد غالبها إلى العبادات، ثم أوحوا إلى الناس أن خطرا داهما يتهددهم ممن خرجوا عنها. وقد من الله تعالى على أئمة مساجد بلادنا - حفظهم الله وصان بيوته - بأن صرف عنهم إقرار مقترح قدم للجهة المعنية يدعى (منحة المرجعية)، فكان هذا من لطف الله تعالى بهم، فنسأله سبحانه أن يبدلهم خيرا منها، وقد تذكرت منحة تدعى (منحة السيادة) كانت قد تقررت لبعض الرتب في الوظائف، حصل لها نظير هذا في السبعينات من القرن الميلادي السابق، حيث (تورعت) بعض الجهات (الذكية) عن الاسم فألغته، لا عن المسمى!! لعلك تعجب إن علمت أن أحد المشايخ من جنوب بلادنا أم الناس في صلاة المغرب بالمسجد الأعظم يوم فتح، فلم يقبض، وسلم تسليمة واحدة، وتقدم آخر فأم في صلاة العشاء فقبض وسلم تسليمتين؛ فتألم بعضهم للمرجعية الضائعة، فأين ألمنا للدين الذي فتحنا باب تضييعه بتعصبنا؟ ... يتبع . لخمس خلون من شعبان 1442 •

الخاطرة 322

(5) ... تابع (اقرأ ما سبق) هذا الجزء الأخير أقصر الكلام فيه على الذين يحاولون أن يصلحوا في دول المسلمين، فإنهم اتجاهات كثيرة، كل يدعي الإصلاح، فلنقتصر على ذكر فريقين: الأول من يريد ذلك من داخل أنظمة الحكم بتقلد المسؤوليات، فيتحمل معاناة في مصالح الدولة، يحرص على إنجاز العمل، ويسعى في تقليل الباطل، بالوقوف عند الإجراءات والنظم الإدارية والقانونية المقررة، التي اختلط فيها الحق بالباطل، فلهؤلاء أجرهم إن شاء الله تعالى على جهدهم في الحد من الفساد، بحرصهم على تساوي الناس في المعاملة، ونيلهم حقوقهم منها من غير محاباة ولا مفاضلة، لكنهم مع هذا فإن مثلهم كمثل من يزين بيتا مغصوبا بترتيب أثاثه فيه. وفي مقدمة هؤلاء؛ القضاة الذين يحرصون على سلامة الإجراءات القانونية الوضعية، وإصدار الأحكام بعيدا عن التدخلات والوساطات، ويسعون في استقلال القضاء، فهل يخرجهم هذا الجهد من مسؤولية مخالفة الشرع؟، وهل يجعلهم في حل من أخذ الأجرة على عمل غير مشروع؟، ومثلهم المحامون، وكتاب الضبط، والموثقون، فجميع من يتولون مهام في الدولة كيفما كانت نزاهتهم واستقامتهم؛ فإن مسؤوليتهم قائمة في كل ما خالفوا فيه الحق، والمبدأ المعتمد لا يجهله المسلمون، وهو أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. تحدثت مع بعض هؤلاء فاسهبوا في ذكر ما يتعرضون له من الضغوط والإغراءات والتدخلات والشفاعات للخروج عن القانون، حتى إذا استيقظ في نفس مخاطبك داعي الله وشعر بمسؤوليته في مخالفة حكمه قال لك: نحن نتحدث عن أحكام القانون، لا عن الشرع!! وأقرأ هذه الأحاديث الواردة في القاضي الذي يكون الحكم بالحق متاحا له، فكيف بمن لا يقوم حكمه على الشرع إلا في نطاق ضيق، هو قانون الأسرة، أو الأمور المتروكة لاجتهادات أهل الاختصاص، كما في المحاكم الإدارية؟، وكيف يصح أن تصدر الأحكام تحت هذا المبدإ وهو أنه باسم الشعب ؟ . عن بريدة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به؛ فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل؛ فهو في النار، ورجل عرف الحق؛ فجار في الحكم؛ فهو في النار"، رواه أصحاب السنن الأربعة والحاكم . وروى الطبراني عن ابن عمر مرفوعا: "القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة: قاض قضى بالهوى فهو في النار، وقاص قضى بغير علم؛ فهو في النار، وقاض قضى بالحق؛ فهو في الجنة". وقال عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ"، رواه الترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن أبي أوفى. أما الفريق الثاني فهم الدعاة وسائر من يتولون تعليم الناس أحكام دينهم، ما تمكنوا من إقامته، وما غلبوا عليه مما لا وجود له في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، فالحديث عنه نظري معرفي بحت، وهدفه الإبقاء على محبة المسلم لدينه عقيدة وشريعة، وبقاء يقينه بصلاحيته لكل زمان ومكان، وتشوفه إلى الوقت الذي يراه معمولا به، فهؤلاء هم المصلحون حقا، فإن التقوى بحسب الاستطاعة، لكن عليهم أن يوجهوا الناس إلى إقامة نماذج عملية في كل ما يقدرون عليه كالمدارس الخاصة ووسائل الإعلام وشركات النقل والفنادق والمطاعم ونحوها لأن هذه النماذج تشكل مزاحمة للباطل ولو في حيز محدود، ولتكون شاهدا على إمكان إقامة الشرع في مختلف الميادين فيحد من افتتان الناس بهذه الحضارة الزائفة. ومن أخطر ما يواجهه هذا الفريق في الحفاظ على ما بقي من الدين في حياة المسلمين؛ التعامل مع الأمور المخالفة للشرع في الفتاوى، فإن استمرار مجاراة هذا الواقع بالترخيص والتجويز للضرورة أو للحاجة؛ سيؤول إلى تناسي الناس أحكام الله، ومن جملة هذا الذي أعنيه الشروط الجعلية المخالفة للشرع، وما ترتبط به مصالح الناس، كالعمل في شركات التأمين والضمان الاجتماعي والبنوك الربوية الخالصة، أو التي تقوم الكثير من معاملاتها على تجنب الربا الصريح، فتحدث من المعاملات الهجينة ما تنسجم به مع الأنظمة المالية في بلد توطنها، وهيآت الدولة التي خلط فيها الحق بالباطل كمصالح الضرائب والسجل التجاري، والعمل في القضاء والترافع إليه، والمصيبة فيه أعظم، والخطر فيه أكبر على القاضي وعلى من تحاكم إليه، والفقه في هذه الأمور صار تابعا لا متبوعا، وقد قيل: "نرقع دنيانا بتقطيع ديننا ** فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع". وددت والله أني لم أذكر هذا، فإنه على وضوحه وتبين الحق فيه؛ يستثقل ذكره كثير من الناس، لأنه يكشف حقيقة واقع بائس متناقض، وربما عد تيئيسا للناس وتقنيطا لهم، وإنما غرض الكاتب التنبيه على أمر نسيه كثير منهم، وربما تجاهلوه وإن كانوا يعلمونه. معسكر في الثامن من شعبان 1442 الموافق ل قال شيخنا بن حنفية العابدين حفظه الله: "من بين ما يخوله القانون الأساس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين مناصحة المؤسسات والهيآت، وقد تحقق كثير من هذا، وسيتحقق من ذلك ما يسره الله، ومن ذلك هذا الذي قام به أخونا وصديقنا الأستاذ عبد القادر نابي حيث اتصل ببلدية سيدي علي ونصح بالعدول عن إقامة تماثيل لدلافين تزين بها المدينة!!، فاستجابت البلدية، فهنيئا لأخينا نصحه، وهنيئا لبلدية سيدي علي استجابتها للحق، ومزيدا من أمثال هذه المواقف نصحا وانتصاحا. ‏الخميس‏، 19‏/شعبان‏/1442 - ‏01‏/04‏/2021

الخاطرة 323

- عيد المرأة زعموا.. رأيت أن أقول لك في هذا اليوم الذي سموه عيد المرأة، وقد قلدوا فيه الكفار، زاعمين أنهم يكرمونها؛ رأيت أن أدعوك إلى أن تتصبر، فإن الصبر نصف الإيمان، وأن تنكر بقلبك، وإن كان أضعف الإيمان، ولتستمسك بدينك، فإن القابض عليه اليوم كالقابض على النيران، ولتسعد بدعاء نبيك للغرباء، ولتظل جذوة الخير متقدة في نفسك، فإنها الطاقة التي لا تغالب، ولتعتز بإسلامك؛ فإن العزة لمن اتبعه، والذل والصغار على من خالفه، ولتمض في طريقك، مستيقنا أن للباطل ساعة، وأن الحق إلى قيام الساعة، ولا تستقلن ما تقوم به من نفع الناس وتعليمهم، ولا يقلقنك كثر الهالكين، فإن الهدى ليس عليك، وما أنت بأغير من ربك على حرماته . كل خير تراه في الحياة هو من هدى الله الذي أنزله، أو من بقايا ما فطر عليه خلقه، وكل شر تراه فهو من أهواء الناس وضلالاتهم، فاحمد الله على الأول، وابتعد عن الثاني، فلا صلاح لحياتك إلا بذلك . إذا كان آدم أبو البشر لم يسس نفسه وزوجه من غير هدى ربه، والحياة بدائية، ودواعي الشر مفقودة، وهما أقرب إلى الفطرة، فما استقام حاله؛ حتى تاب الله عليه واجتباه، ثم نبأه واصطفاه، بعد أن قال له: "فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشقَىٰ وَمَن اَعرَضَ عَن ذِكرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ ٱلقِيَـٰمَةِ أَعمَى"، فأنى لحياة البشر أن تستقيم، وقد اتبعوا أهواءهم، واجتالتهم شياطينهم ؟. قال ابن القيم رحمه الله: "لولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة، ولا عمل صالح، ولا صلاح في معيشة، ولا قوام لمملكة، ولكان الناس بمنزلة البهائم، والسباع العادية، والكلاب الضارية التي يعدو بعضها على بعض، وكل خير في العالم فمن آثار النبوة، وكل شر وقع في العالم أو سيقع؛ فبسبب خفاء آثار النبوة ودروسها، فالعالم جسد روحه النبوة، ولا قيام للجسد بدون روحه، ولهذا إذا انكشفت شمس النبوة من العالم، ولم يبق شيء من آثارها البتة؛ انشقت سماؤه، وانتثرت كواكبه، وكورت شمسه، وخسف قمره، ونسفت جباله، وزلزلت أرضه، وأهلك من عليها، فلا قيام للعالم إلا بآثار النبوة" . = 8 مارس 2021 •

الخاطرة 324

العمل الدعوي يمر بأصعب مرحلة عرفها منذ استعادة الاستقلال، فعوامل الهدم نشطة طليقة، مع كثرتها، ووفرة أنواعها، وسهولة الوصول إليها، فرديا وجماعيا، وعوامل البناء معطلة، وأحسب أن الأمة ستجني ثمارا مرة نتيجة هذا التعطيل الذي قد لا يتفطن لخطورته، وبوادره جلية واضحة، وربما جعلناه في قرن مع الخسائر المادية والاقتصادية، إن لم تكن مقدمة عند كثير من الناس عليه، وأحدث ما سمعنا به هذا الاقتراح الجديد الغريب في مضمونه ووقته، الصادر عن الكونفدرالية الجزائرية لأرباب العمل، بأن يكون يوم الجمعة يوم عمل ليتوافق مع النظام العالمي!!. أبرز ما رزئنا فيه تعطيل مجالس المواعظ والدروس العلمية في المساجد، ومنع النساء والأطفال من الصلاة وحلقات العلم، توقفت منذ عام، ولم يعد لمنعها سبب مقنع، بعد أن سمح للنشاطات المختلفة بالعودة إلى وضعها، مع اتفاق الناس على أن المساجد حاز روادها درجة من الانضباط لم تظهر على غيرهم، لكن إجراءات الوقاية المقررة لم يعد لها إلا وجود شكلي لا يحصل به المقصود، وهو التباعد، واصطحاب السجادات، وتحديد وقت المكث فيها، وقد قلت منذ البداية إن السجادة الفردية تنفع في التوقي لو كان المصلي ينزل على مكان صلاته إنزالا، ثم يرفع ليوضع خارج المسجد، أما أن يطأ الفراش في دخوله وخروجه، ووقت مكثه؛ فأي وقاية هذه؟ لو قدرنا قيام سبب هذه الإجراءات؛ لكانت المساجد أولى بالتخفيف، فإنها خير البقاع، وهي أقرب إلى أن يدفع الله عن عمارها بإقامة الصلوات وتلاوة القرآن والاعتكاف وذكر الله ومجالس العلم التي تنزل على أصحابها السكينة، وتحفهم الملائكة، وهي تتعاقب على المساجد في الليل والنهار، وما يكون عليه المسلم وهو فيها من راحة نفسه واطمئنانها وابتعاده عن القلق والاضطراب فضلا عن القنوط واليأس، وهي أمور لها دخل كبير في حصانة جسمه وسلامته وقوته. لقد قصرنا الوقاية على جانبها المادي الحسي، ومراعاة الأسباب مطلوبه، ولكنّ اعتقادَ أنها عاملةٌ بنفسها شركٌ، واقرأ بعض عبارات إعلامنا في نشر الوعي: (سلامتك كمامتك)!! (معا ضد فيروس كورونا)!! (وعينا يحمينا)! أين نحن من جوانب الحفظ الأخرى من الاطمئنان بذكر الله، والاستماع إلى كلامه، وتحصيل العلم الذي به حياة القلوب، ومجالسة المؤمن لإخوانه، والأنس بهم، وغير ذلك؟ هذه من الأمور التي حفظنا ربنا بها، وصرف عنا بسببها ما لم يصرفه عن أمم أشد منا قوة، وأكثر تنظيما، وأعظم معرفة بالطب، وبنظام الوقاية، ومن طالع جغرافية الوباء وسير انتشاره منذ سنة؛ عرف هذا، وقد قال الله تعالى: "فَٱللَّهُ خَيرٌ حَـٰفِظًا‌ وَهُوَ أَرحَمُ ٱلرَّٲحِمِينَ"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن عمه عبد الله بن عباس: "احفظ الله يحفظك"، ومما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو به، وعلمه غيره: "اللهم احفظني بالإسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإسلام راقدا، ولا تشمت بي عدوا حاسدا، اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك". عين المانعة في السابع والعشرين من رجب 1442. •

الخاطرة 325

في هذا اليوم الأحد 15 من شهر شعبان 1442، الموافق ، نزف جرح آخر في السودان، يتألم له كل مسلم غيور على دينه، أعلنت علمانية هذه الدولة، وتواطأ الجيش وهو حامي البلاد كما يزعمون فألحق بها خرابا ما عرف من قبل، بعد أن اتفق على هذا الأمر مع الحركات التي كان يقاتلها، وكان هذا هو غرض قوى الحرية والتغيير ومن كان وراء ما سمى بالثورة، بل كانت هذه العلمنة إلى جانب الاعتراف بكيان اليهود على أرض فلسطين؛ هي العوض لترفع أمريكا السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والإرهاب عندهم هو إقامة شيء ولو قليلا من أحكام الله في الحياة العامة. يغيظهم أن يقام الحد على الزاني، وأن يمنع العري، وأن يعزر من يسب الصحابة، وأن تفصل النساء عن الرجال في الجامعات، مثل كلية الشريعة والقانون في أم درمان، وأن تعرف الدولة لأهل العلم قدرهم، وأن يصرح المسؤولون بأن الإنفاق على العلم الشرعي أجدى على الدولة في توفير الأمن من الإنفاق على أجهزة (الأمن) . عملوا على فصل جنوبه فأقاموا فيه دولة للنصارى، ثم كانت نهاية المطاف علمنة شماله: "وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُم حَتَّىٰ يَرُدُّوكُم عَن دِينِكم إِنِ ٱستَطَـٰعُوا". ذهبت الجماعة الفلانية التي كان بعضهم ساخطا على السودان من أجلها، فهل يهنأ لهم العيش بهذا المصير المؤلم؟، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، "رَبَّنَا أَفرِغ عَلَينَا صَبرًا وَتَوَفَّنَا مُسلِمِين"َ، "رَبَّنَا لَا تَجعَلنَا فِتنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغفِر لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ". ليلة الخامس عشر من شعبان 1442 - 28 ماس 2021 •

الخاطرة 326

(1) من أعظم مقاصد سورة الأنبياء؛ بيان ضرر الغفلة، قال الله تعالى: "ٱقتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُم وَهُم فِى غَفلَةٍ مُّعرِضُونَ". اقترب وقت حساب الناس، ودنا أوانه، وهو قيام الساعة، وهم في غفلة عظيمة، متولون، لا يلتفتون إليه، جمعوا بين الغفلة والإعراض، و(ٱقتَرَب) أبلغ في الدلالة من قرب. والغفلة "سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ"، قاله الراغب. وقال الشيخ الطاهر بن عاشور: "هي الذهول عن الشيء وعن طرق علمه"، لكنهما إنما عرفا أحد نوعيها، فإن منها ما فيه عذر، ومنها ما لا عذر فيه، وقد شملهما صاحب مقاييس اللغة بقوله: "أصل صحيح يدل على ترك الشيء سهوا، وربما كان عن عمد" اهـ فمن الأول قوله تعالى: "أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ ٱلكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَائِٕفَتَينِ مِن قَبلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِم لَغَـٰفِلِينَ أَو تَقُولُواْ لَو اَنَّا أُنزِلَ عَلَينَا ٱلكِتَـٰبُ لَكُنَّا أَهدَىٰ مِنهُم"، وقوله: "لِتُنذِرَ قَومًا مَّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُم فَهُم غَـٰفِلُون"، ومن دقة كلام الله؛ أن هذا النوع يأتي بصيغة الوصف، وهو اسم الفاعل، بخلاف النوع الثاني الذي الكلام فيه كما سترى. ومن الثاني قوله تعالى: "لَّقَد كُنتَ فِى غَفلَةٍ مِّن هَـٰذَا فَكَشَفنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ ٱليَومَ حَدِيدٌ"، وقوله: "وَأَنذِرهُم يَومَ ٱلحَسرَةِ إِذ قُضِىَ ٱلاَمرُ وَهُم فِى غَفلَةٍ وَهُم لَا يُومِنُونَ" . وفي القرآن من هذا الضرب (فِى غَفلَة)؛ أربعة: الأول في بداية هذه السورة وقد ذكر، والثاني في أواخرها حين يندم أهل الغفلة حيث لا ينفعهم الندم، فيقرون بغفلتهم، بل بظلمهم: "وَٱقتَرَبَ ٱلوَعدُ ٱلحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ اَبصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَـٰوَيلَنَا قَد كنَّا فِى غَفلَةٍ مِّن هَـٰذَا بَل كُنَّا ظَـٰلِمِينَ"، وهذا الاقتراب أخص من الأول فإنه يكون بعد ظهور علامات الساعة الكبرى كيأجوج ومأجوج. وإنما يجاء بالغفلة مجرورة بـ(في) الدالة على الظرفية، وهي هنا مجازية؛ ليفهم أن المتصف بها قد أحاطت به إحاطة الظرف بالمظروف، ومع هذا ضم إليها الإعراض والظلم في هذه السورة، وعدم الإيمان في سورة مريم؛ ليفرق بين النوع المعذور صاحبه وغيره، فما أعظم أسرار هذا القرآن!! وقد قال أبو العتاهية: "الناس في غفلاتهم ** ورحا المنية تطحن" !!. 17 من شعبان 1442 •

الخاطرة 326

(2) ...، تابع، اقرأ ما سبق في سورة الأنبياء أمور مما يغفل الناس عنه، منها الغفلة عن النظر في آيات الله الكونية، وعن الاعتبار بعاقبة الأمم الظالمة وما كان من نصر الله لأوليائه وحزبه، وإيتاء الله الملك من شاء وانتزاعه، وغير ذلك . ولما كان كتاب الله مذكرا بذلك كله؛ كانت الغفلة عنه أخطر الأنواع، لأنه أعظم طارد لها بتلاوته، والاستماع إليه، وتدبره، وبالاستنباط منه، والعمل بما فيه، قسمي لذلك ذكرا، وجاء هذا مبثوثا في أنحاء هذه السورة، كأنه لحمتها، تارة باسم الذكر، وأخرى باسم الوحي، وسنة هذا الكتاب العزيز؛ تفريق الكلام على الأمر العظيم، وتنويعه صنوفا من الأساليب، وفنونا من التعابير، فيتكرر ذكره، ويقوى الاهتمام به . وقد أغفل الناس هذا المنهج التعليمي القرآني في الدعوة إلى الله، متأثرين بنظم الكتابة في التآليف، وهي موجهة إلى خواص الناس، والدعوة موجهة إلى عمومهم، ولكل مقام مقال، والبلاغة مراعاة مقتضى الحال . جاء الابتداء بأعظم ما غفل عنه المشركون، ويغفل عنه كثير من المسلمين، وهو القرآن، مع وصف حالهم حين الاستماع إليه هكذا: "مَا يَاتِيهِم مِّن ذِكرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحدَثٍ إِلَّا ٱستَمَعُوهُ وَهُم يَلعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُم"، ووصف بأنه (مُّحدَث) لأنه حديث النزول، لتجدده حسب الحوادث، ولم يكتف بذكر لعبهم حال استماعهم؛ حتى ذكر لهو قلوبهم، فجمعوا انصراف الباطن عنه إلى الظاهر. واقرأ قوله تعالى: "لَقَد أَنزَلنَا إِلَيكُم كِتَـٰبًا فِيهِ ذِكرُكُم أَفَلَا تَعقِلُونَ"، فإن فيه بيان ما لهم في القرآن من النباهة برفع ذكرهم بين الأمم التي كانت في أرض فارس واليمن والحبشة والشام، لأنه نزل بلغتهم، وعلى رجل منهم، فالذكر هو الصيت والشرف، ومن ذا الذي يعرض عما يرفع ذكره ويعلي قدره بحق؟، فلهذا قال: "أَفَلَا تَعقِلُون"، ومثله قوله تعالى: "وَإِنَّهُ لَذِكرٌ لَّكَ وَلِقَومِكَ وَسَوفَ تُسـَٔلُونَ" على أن ما فيه من مكارم الأخلاق ومصالح الأنام مما هو موجه إليهم وإلى غيرهم أعظم، فالذكر ما يوعظون به ويذكرون، وهو أيضا ما يرفع ذكرهم عند غيرهم فيكون مشتركا. ومنه قوله: "أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦ ءَالِهَةً قُل هَاتُواْ بُرهَـٰنَكُم هَـٰذَا ذِكرُ مَن مَّعِىَ وَذِكرُ مَن قَبلِى‌ بَل اَكثَرُهُم لَا يَعلَمُونَ ٱلحَقَّ‌ فَهُم مُّعرِضُونَ"، ف(أم) هذه هي (المنقطعة)، أي بل ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦ ءَالِهَةً‌، طالبهم بالبرهان منسوبا إليهم، إشارة إلى أنه لا برهان لهم، هلم دليلكم على ما تشركون بالله من أصنامكم، فليس فيما أنزل علي، ولا فيما أنزل على من قبلي؛ شيء من ذلك، فما الحيلة مع الجاهلين المعرضين؟ رد شركهم بدليل النقل، بعد أن رده بدليل العقل في قوله قبل هذا: "أَمِ ٱتَّخَذُواْ ءَالِهَةً مِّنَ ٱلاَرضِ هُم يُنشِرُونَ لَو كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا‌ فَسُبحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلعَرشِ عَمَّا يَصِفُونَ"، ومعنى (يُنشِرُونَ) يحيون. ولعلك تلحظ الفرق بين قوله "هذا ذِكرُ مَن مَّعِىَ"، وقوله "وَذِكرُ مَن قَبلي"، فإنه إلماح إلى أن المؤمنين في هذا الدين هم المعنيون بهذا الذكر، فنسب إليهم، ولم يذكر معهم نبيهم صريحا، لأنهم ورثته في إقامته والتزام هديه لأن رسالته خاتمة باقية. أما من تقدمه من الرسل واتباعهم؛ فقال عنهم: "وَذِكرُ مَن قَبلِى‌"، فعم المرسل إليه والمرسل، لأن الرسالات كانت خاصة بأقوام، وانتهت برسالة الإسلام. ومن ذلك قوله: "وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذكُرُ ءَالِهَتَكُم وَهُم بِذِكرِ ٱلرَّحمَـٰنِ هُم كَـٰفِرُونَ". ذكر عدم اطراد تعاملهم، فهم ينزعجون إذا ذكرت آلهتهم بسوء، مع أنها حجارة من صنعهم، ولا يعبأون أن يكفروا بهذا الذكر الذي أنزل عليهم، فيصفونه بأنه أضغاث أحلام، ويعيبون من جاء به وهو الصادق الأمين عندهم؛ بالافتراء، وأنه شاعر: "بَل قَالُواْ أَضغَـٰثُ أَحلَـٰمِ بَلِ ٱفتَرَيٰهُ بَل هُوَ شَاعِرٌ"، وكلامهم ينم عن إضطرابهم وترددهم فيما يعارضون به الحق. ومن ذلك مقابلة هذا الكتاب بما أوتيه موسى وأخوه هارون عليهما الصلاة والسلام، وبيان ما كان عليه من اتبعهما من خشية الله بالغيب، والإشفاق من قيام الساعة بالإعداد لها، وهو تعريض بهؤلاء الغافلين المعرضين، المنكرين لهذا الكتاب المبارك، وقد يعتذرون بأنهم لم يأتهم رسول كما أتى الرسل بني اسرائيل: "وَلَقَد اَتَينَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلفُرقَانَ وَضِيَاءً وَذِكرًا لِّلمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يَخشَونَ رَبَّهُم بِٱلغَيبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشفِقُونَ وَهَـٰذَا ذِكرٌ مُّبَارَكٌ اَنزَلنَـٰهُ‌ أَفَأَنتُم لَهُ مُنكِرُونَ" يتبع. •

الخاطرة 326

(3) تابع، اقرأ ما سبق . ومنه هذا الوعد الذي في قوله سبحانه: "وَلَقَد كَتَبنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعدِ ٱلذِّكرِ أَنَّ ٱلاَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِي ٱلصَّـٰلِحُونَ"، قيل إن (ٱلزَّبُورِ) هو كتاب داود عليه الصلاة والسلام، وقيل هو الكتب المنزلة، ومنها القرآن، ويقوي هذا التفسير؛ قراءة حمزة بصيغة الجمع (بضم الزاي)، وهي مرجحة لكون المقصود من (ٱلزَّبُورِ) في قراءة الجمهور؛ الجنس، لا الفرد الذي هو علم على كتاب داود، اما (ٱلذِّكۡر) فهو اللوح المحفوظ. وقد قيل إن (ٱلاَرضَ) هي أرض الجنة، كما قال تعالى: "وَقَالُواْ ٱلحَمدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعدَهُ وَأَورَثَنَا ٱلاَرضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلجَنَّةِ حَيثُ نَشَاءُ‌ فَنِعمَ أَجرُ ٱلعَـٰمِلِين"، وقيل أرض الدنيا، وعلى هذا فالصلاح هو الشامل للقاصر والمتعدي، الذي يؤهل من قام به لإدارة الحكم في الأرض، والقيام بتبعاته ولوازمه، في مختلف الميادين، ومجالاته تتجدد بحسب العصور، وسعة الأعمال، على أن لا تخرج عن دين الله وشرعه، والتعبد له في كل ذلك، ولهذا جاء بعدها قوله سبحانه: "إِنَّ فِى هَـٰذَا لَبَلَـٰغًا لِّقَومٍ عَـٰبِدِينَ"، والمقصود باسم الإشارة (هَـٰذَا)؛ الوعد الرباني بوراثة الأرض، فمعنى البلاغ في الآية؛ الإخبار بأن حصول هذا الوعد قريب، وقيل الإشارة إلى القرآن، فمعنى البلاغ؛ أن هذا القرآن متى أقامت الأمة حياتها عليه بلغت به ذلك الصلاح الذي يرث أهله الأرض، فالموعودون بهذه الوراثة؛ هم القوم العابدون، وأقل ما يفيده هذا التعبير؛ أن يكون الوصف متوفرا في الكثرة الكاثرة من الأفراد، ووصف القوم بذلك مبعد للقوميين والعنصريين، ولو كانو العرب الذين رفع القرآن ذكرهم في العالمين، كما أن هذه الوراثة مستبعدة اليوم لما عليه غالب المسلمين مما ينافي الصلاح المذكور، لكنه آت بلا ريب، وقد تحقق هذا الوعد في القرون الثلاثة المفضلة، والحمد لله رب العالمين. . • [في رؤية الهلال وثبوت الشهر] الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن بداية الشهر تثبت بأمور: 1 - برؤية عدلين، وهو مذهب مالك لأنه من باب الشهادة عند بعض العلماء . 2 - وبرؤية عدل، لأنه من باب الإخبار، وهو الحق، لقيام الدليل عليه من السنة، ولأن الخبر يثبت به أصل الحكم، فكيف بفرعه؟، ورجحه ابن العربي . 3 - ويثبت برؤية الواحد لنفسه وأهله، وفي حق من لا عناية له برؤية الهلال، وهو مذهب مالك . 4 - وبالرؤية المستفيضة، لأنها من المتواتر . 5 - وبإكمال شعبان ثلاثين يوما، وهذا لا يستقيم إلا لمن أثبت أول شعبان بالرؤية، فلا عبرة بمن اعتمد على حساب الفلكيين طيلة العام، ثم عين ليلة الشك بناء على ذلك. وقد يكون ما ترى من (تعدد) ليلة الشك (!!) ناتجا عن هذا التلفيق، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "أحصوا هلال شعبان لرمضان" . 6 - أما الحساب الفلكي؛ فغير معتبر عند أهل العلم، لأنه مسبوق بالإجماع، قاله الباجي وغيره، ولأمره صلى الله عليه وآله وسلم بالصوم لرؤية الهلال والفطر لرؤيته، وقد نفى عن أمته في هذا الأمر القراءة والكتابة حسما للمادة، فالنفي خاص بما في السياق ونحوه. وقد قال مالك في (المدنية): في الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته، وإنما يصوم ويفطر على الحساب؛ أنه لا يقتدى به، ولا يتبع"، ذكره الباجي في المنتقى. وإذا ثبت الهلال لزم الناس، وهي إحدى الروايتين عن مالك وعليها مشهور مذهبه. ولا عبرة بكبر الهلال وصغره، فلا يدل كبره على أنه لليلة الماضية، فإذا رؤي في النهار؛ فهو لليلة المقبلة، لافرق بين أن يرى قبل الزوال أو بعده، وعليه أكثر أهل العلم . وليعلم أن القمر يكون على استقامة واحدة هو والأرض والشمس كل شهر، فينشأ عن ذلك (الاقتران)، ويدخل منزلة (المحاق)، ومعناه أن القمر لا يرى لحيلولة الأرض بينه وبين الشمس. والاقتران قد يحصل في أية ساعة من ليل أو نهار، ويتوقف حجم الهلال بعد الغروب على مقدار الفارق بين وقتي الاقتران والغروب . وللقمر ثمانية وعشرون منزلة، وضع العرب لكل منها اسما، بحسب النجم المحاذي لها، وهي التي يرى فيها القمر بالبصر، فإن كان تسعة وعشرين؛ احتجب القمر ليلة، وإن كان ثلاثين؛ احتجب ليلتين، وهو الاستسار، فالشهر القمري لا يقل عن هذا، ولا يزيد على ذاك، قال الله تعالى: "هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب" . كيف نستقبل رمضان __ وصايا مهمة جداً قبل دخول رمضان نستقبل رمضان ونحرص فيه على أمور : - سؤال الله تعالى أن يبلغنا إياه كي ننال فضله . - استحضار عظمة هذا الشهر الذي أنزل فيه القرآن كي يكون ذلك حافزا للمرء على الإكثار من العمل الصالح فيه . - تعلم أحكام الصيام ممن لا يعرفها حتى يصوم الصوم المشروع . - توطين النفس على الاستفادة من الصيام بالرجوع إلى الاعتدال في حظ النفس من الطعام والشراب . - الإقلاع عن العادات القبيحة من المحرمات كالتدخين، والإدمان على القهوة وغيرها من (المنشطات) - الإمساك عن فضول الكلام والطعام والشراب وغيرها . - وضع برنامج يومي لقراءة القرآن والأذكار وتعلم العلم ومطالعة الكتب . - الابتعاد عن التفرج على الحصص الهزلية فضلا عن غيرها مما اعتاد الناس تمضية الوقت فيه . - أداء الصلاة جماعة في البيت إن استمر أمر المساجد على ما هو عليه . - المبادرة إلى النوم عقب صلاة العشاء والتراويح مع الأهل . - اغتنام وقت السحر بالصلاة وتلاوة القرآن والذكر والدعاء - تعجيل الفطر وتأخير السحور . - مساعدة المحتاجين كل حسب قدرته . والله الموفق . الشيخ العابدين بن حنفية حفظه الله •

الخاطرة 327

هل يؤخذ من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"؛ أن استبقاء الخلوف مطلوب مقصود للشارع؟، فإذا قدرنا أن السواك يزيل هذه الرائحة؛ فلا يشرع، أم أن المراد تسلية الصائم، ومن يلحقه شيء من الأذى بتلك الرائحة كي لا ينزعج ولا يضجر، لأنه أثر هذه العبادة العظيمة؟، المناسب هو الأخير، فإن تجنب ما يؤذي الناس مطلوب من غير فرق بين ما للمرء فيه اختيار وغيره، متى قدر على رفعه، والظاهر أن الخلوف لا يزيله السواك، وإن خففه هو المضمضة. وقد بين الباجي رحمه الله في المنتقى أصل مالك فيما ذهب إليه من جواز الاستياك في نهار رمضان قبل الزوال وبعده، وهو أن سبب الخلوف عنده ما ينبعث من المعدة لفراغها، فلما كان السواك لا يزيله؛ كان مشروعا، اما الشافعي فمبنى مذهبه على أن مصدر الخلوف؛ الفم نفسه، فكره للصائم الاستياك بعد الزوال لأنه وقت ظهوره . قال الباجي: "قال البرني: خلوف فم الصائم؛ تغير طعم فمه وريحه لتأخر الطعام"، قال: وهذا ليس على أصل مالك رحمه الله، وإنما هو جار على مذهب الشافعي، ولذلك منع الصائم السواك بعد نصف النهار، لأنه وقت وجود الخلوف فيه عنده، وأباحه مالك رحمه الله، لأن الخلوف عنده لا يزول بالسواك، ولو زال بالسواك؛ لوجب أن يمنع منه قبل الزوال (!!)، لأن تعاهده بالسواك يمنع وجوده بعد الزوال . قلت: قد يعتمد هذا التعليل عند من أخذ من الحديث أن استبقاء الخلوف مطلوب؛ متى لم يقم دليل على جواز استياك الصائم، وكون مالك قد اعتمد على ما ذكره الباجي في جواز السواك؛ متوقف على تصريح مالك به، بل الظاهر أن معتمده ما في نصوص الاستياك من الإطلاق عند الوضوء والصلاة، فإنه لم يقيد بإفطار دون صوم، ومثل ذلك المضمضة في الوضوء . وفي المسألة ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عامر بن ربيعة قال: "رأيت الني صلى الله عليه وآله وسلم يستاك وهو صائم ما لا أحصي ولا أعد"، لكن فيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف . وإنما دعاني إلى هذا الذي كتبته؛ قول الباجي عن تأثر خطباء بلده بخطب ابن نباتة رحمه الله - والظاهر أنهم كانوا يعتمدون على ديوان خطبه - : "وسمعت جماعة من خطباء بلدنا يدخلون قول الشافعي في خطبهم لقلة معرفتهم، لما وجدوا ذلك بائنا في خطب ابن نباتة الواردة من المشرق، وخطبه مبنية على مذهب الشافعي، وهذه المسألة قوية لمالك رحمه الله، يلزم التنبيه عليها، لئلا يترك الأخذ بها من لا يعرف وجهها". ليلة السابع من رمضان 1442 •

الخاطرة 328

روى ابن ماجة عن ثوبان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورا، أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله؛ انتهكوها". في هذا الحديث أمور: - تشبيه المعقول بالمحسوس - الحض على دوام المراقبة والإخلاص . - كثرة الأعمال الصالحة ليست دليلا على الصلاح باطراد. - عدم الاغترار بالظاهر وإن كان الحكم به. - اختلاف بعض الناس في الخلوات عن الجلوات. - عبر بالهباء المنثور تشبيها للرياء بالشرك في إسقاط الأعمال. - من أمارات الرياء اختلاف ما يعلن عما يسر في الطاعات. - الأعمال الصالحة الكثيرة تصير مرجوحة في الميزان بالكبائر. - خفة الميزان بكثرة السيآت وبإحباط الرياء للصالحات. - أهمية صلاة الليل حيث خصت في سياق ذكر الفضل. - شيوع هذه الصلاة في الناس المخاطبين. - الأمة هي أمة الإجابة ولا يدخل الأصحاب عليهم الرضوان - قرينة ما سبق قوله: "لأعلمن" فهو للمستقبل. - الكبائر لا تكفر بالأعمال الصالحة. ونظير هذا الحديث قوله عليه الصلاة والسلام في الخوارج: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته إلى قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، لكن هؤلاء اختلف في كفرهم، وظاهر الحديث ينصره، والحديث الأول في رجحان أعمال السوء بالسبب المتقدم، والله أعلم . ليلة الرابع عشر من شهر رمضان 1442 •

الخاطرة 329

(1) الكفار المعارضون للحق أصناف، أغلبهم تابعون مقلدون، ودونهم الزعماء المتبوعون، يليهم المفتونون المترددون، والمغيظون المحنقون. وقد ذكر الحق تبارك وتعالى هذه الأصناف في سورة الحج في الآيات الخمس عشرة الأولى في طوايا ذكر أهوال القيامة، وإقامة الحجة على البعث والنشور. ومن صفاتهم الجدال، يلتقي عليه المتبوعون والتابعون، واستكبار المتبوعين، وتقلب المفتونين، لتعليقهم طاعة رب العالمين، على ما يصيبهم من السراء، فيكفرونه في الضراء. فالجدال في الله؛ المخاصمة فيه، بنفي توحيده، واحيائه الموتى، ويكون في آياته، وصفات ذاته، وأفعاله، واخباره، وأحكامه، وجدال الملاحدة والدهريين في وجوده، فللمجادلين من غيرهم؛ حظ من صفاتهم. قال الله تعالى: "وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيرِ عِلمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَـٰنٍ مَّرِيدٍ كُتِبَ عَلَيهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ"، فهذه "في الأتباع الجهلة الذين يجادلون بغير علم اتباعا لرؤسائهم من شياطين الإنس والجن"، قاله الشيخ محمد الأمين السنقيطي، ومجادلتهم بتبني أقوال متبوعيهم، والمنافحة عنهم، والكتابة قدرية كونية، فلا محيص لمن تولى شياطين الإنس والجن من الضلال، وورود النار. وقال تعالى: "وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيرِ عِلمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ ثَانِىَ عِطفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِى ٱلدُّنيَا خِزىٌ‌ وَنُذِيقُهُ يَومَ ٱلقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلحَرِيقِ ذَٲلِكَ بِمَا قَدَّمَت يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلعَبِيدِ"، وهذه في دعاة الضلال المتبوعين، والقرينة قوله "لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ‌ "، ومعنى "ثَانِىَ عِطفِهِۦ"؛ أنه مع جهله يلوي عنقه استكبارا، وخزي الدنيا؛ الذل والضعة. وقد نفى سبحانه عن الفريقين كليهما العلم، وزاد في المتبوعين نفي الهدى والكتاب المنير، فهما سواء في الجهل المحض، وإن كانا يحسبان ما عندهما علما، ويفرحان به، كما قال تعالى: "فَلَمَّا جَاءَتهُم رُسُلُهُم بِٱلبَيِّنَـٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلعِلمِ" . وجاء في رؤوس الضلال قوله تعالى: "وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيرِ عِلمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ"، فهو مقلد، وإن كان يدعي الاستقلال، وشر من قلد الشيطان، قال تعالى بعدها: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَل نَتَّبِعُ مَا وَجَدنَا عَلَيهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَو كَانَ ٱلشَّيطَـٰنُ يَدعُوهُم إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ". فإن قلت: ما هو العلم الذي نفي عن الفريقين؟ فالجواب أن السياق يدل على أنه الحكم العقلي الصحيح، وهو القياس، وهو هنا قياس إحياء الموتى على إحياء الأرض بالماء، وقياس الأولى، وهو قياس إعادة الخلق على بدئه -والجميع في قدرة الله سواء- فلهذا قال بعد ذكر الأول التابع: "يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُم فِى رَيبٍ مِّنَ ٱلبَعث"، إلى قوله: "وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبعَثُ مَن فِى ٱلقُبُورِ". وشمل قوله "بِغَيرِ عِلمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ"؛ مراتب اكتساب العلم، وهي إما الاجتهاد والاكتساب، أو التلقي من العالم، أو مطالعة الكتب الصائبة"، قاله الشيخ الطاهر بن عاشور. والعلم والهدى والكتاب المنير؛ مرتبة ترتيبا تصاعديا في حق الكافر، فإن البداية معه هي المحاجة بآيات الله الكونية في النفس وغيرها، أما المسلم فيكفيه كلام الله وخبره الصادق، فالترتيب معه تنازلي على خلاف الأول، وعليه؛ تكون الواو في السياق مفيدة للترتيب، فهذا عن المجادلين من الكفرة التابعين والمتبوعين.. يتبع . ليلة الثاني عشر من شهر رمضان 1442

الخاطرة 329

(2) قال تعالى: "وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرفٍ فَإِن اَصَابَهُ خَيرٌ ٱطمَأَنَّ بِهِ وَإِن اَصَابَتهُ فِتنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنيَا وَٱلاَخِرَةَ‌ ذَٲلِكَ هُوَ ٱلخُسرَانُ ٱلمُبِين يَدعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ‌ذَٲلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلبَعِيدُ يَدعُواْ لَمَن ضَرُّهُ أَقرَبُ مِن نَّفعِهِ‌ۚ لَبِئسَ ٱلمَولَىٰ وَلَبِيسَ ٱلعَشِيرُ". هذا ثالث أصناف الكفار المذكورين في أوائل سورة الحج، وهو المضطرب المتقلب، جاء فيه أطول سياق، فاضطرابه يناسبه الطول، كالمنافقين في سورة البقرة وغيرها . ومما جاء في نزولها ما رواه البخاري عن ابن عباس قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته، ونتجت خيله؛ قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله؛ قال: هذا دين سوء"!! . فهذا وإن كان (يَعبُدُ ٱللَّه)، فإنه (َعَلَىٰ حَرفٍ)، على شك، كالواقف على طرف الشيء لا يستقر، (فَإِن اَصَابَهُ خَيرٌ) مال أو ولد أو غيرهما من متاع الدنيا؛ (ٱطمَأَنَّ بِهِۦ‌) سكن وثبت، (وَإِن اَصَابَتهُ فِتنَة) ما لا يلائمه، مما يقلق ويزعج، وهو خلاف الخير؛ (ٌٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجهِهِۦ)، رجع إلى ما كان عليه من الكفر، (خَسِرَ ٱلدُّنيَا وَٱلاَخِرَةَ‌)، إن هو مات على الكفر، (ذَٲلِكَ هُوَ ٱلخُسرَانُ ٱلمُبِين)، الواضح الذي لا يخفى، (يَدعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ)، وهي الأصنام، رجع عن الإسلام ليجتنب الضر الذي أصابه، فدعا ما لا قدرة له على نفع ولا ضر، أما من يقدر على الضر الذي أصابه؛ فإنه يقدر على النفع، "ذَٲلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلبَعِيدُ"، الذي لا تنتظر بعده هداية. وقوله: "يَدعُواْ لَمَن ضَرُّهُ أَقرَبُ مِن نَّفعِهِۦ"؛ لا يخالف نفي الضر والنفع عن معبوده مطلقا، لأنه على أحد القولين فيمن يعبد من قد ينفعه في مصالح دنياه المؤقتة المحدودة، وقوله: "‌لَبِئسَ ٱلمَولَىٰ وَلَبِئسَ ٱلعَشِيرُ"، يؤيد بظاهره اختلاف المدعو الثاني عن الأول. فهذا حال من يعلق توحيد ربه وطاعته على مصالح دنياه، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيمن عظم حرصه على الدنيا حتى صارت أكبر همه: "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش"، والتعس السقوط، والانتكاس الانقلاب على الوجه، فهو دعاء عليه بالهلاك، فمعبودات من لم يستقر في قلبه ما خلقه الله لأجله؛ كثيرة . والتقلب قد يتكرر، قال الله تعالى: "إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزدَادُواْ كُفرًا لَّم يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغفِرَ لَهُم وَلَا لِيَهدِيَهُم سَبِيلاَۢ". ودواعي الانتقال إلى الكفر، وما دونه؛ لا تنحصر في نوطه بحال المكلف، فإن منها الشبهات، وتتبع الشهوات، وقرناء السوء، والافتتان بما عليه الكفار، وغير ذلك، وكل من لم يدخل الإيمان قلبه؛ فمتى تعرض للفتن؛ ضعفت مقاومته، فطوحت به، وهذا أخطر عصر من حيث تنوعها واستمرارها، ومن جنبه الله إياها - وهذا نادر اليوم - فقد ينجو. وفي مثل هذا قال عليه الصلاة والسلام: "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا"، وقد ختم ببيان سبب الانقلاب . وكما يكون التحول من الإيمان إلى الكفر يكون إلى ما دونه من تسخط القدر ودوام الضجر، وترك الأعمال الصالحة، أو الفتور الطويل فيها، فكل من ربط طاعة ربه بحاله عاش مذبذبا مضطربا، أما المؤمن الحق؛ فقد قال سبحانه عنه: "يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلقَولِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَفِى ٱلاَخِرَةِ‌ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ‌ وَيَفعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَاءُ"، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يامثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك". ليلة السابع عشر من رمضان 1442 . •

الخاطرة 329

عسر علي والله أن أكتب شيئا عن هذا الذي يجري في المسجد الأقصى، وفي بعض أحياء القدس، بعد أن انقطعت عن تتبع ما يجري منذ بداية هذا الشهر، وذلك لشعوري بالتقصير، فقد صرنا بحيث لا نقدر على أكثر من القول، بل القول الذي ذكر أنه يسعف؛ بخلت به الحكومات، فيما اعتادته من البيانات. ومع هذا فالذي يقوم به أفراد المسلمين من الدعاء والتضرع إلى الله تعالى بطلب النصر والتأييد لإخوانهم؛ هو العبادة، فلا يصح بحال أن يعتبر أمرا يسيرا، وما يكتبونه ويقولونه من استنكار وشجب لما يتعرضون له من إخراجهم من بيوتهم، وتدنيس مسجدهم، الذي تحول إلى ساحة حرب؛ هو ما يقدرون عليه. فإن لم يرد هذا عن المرابطين عدوان المعتدين؛ فإنه يقوي بإذن الله عزائمهم ويثبتهم، لسماعهم بتضامن إخوانهم، وأن السياسة التي فرقتهم لم توهن اخوة الإيمان الجامعة لقلوبهم، ورابطة الإسلام التي توحد جماعتهم، فما يزال الجسد ولله الحمد سليما تتداعى أعضاؤه وتتألم لما يصيبها. فأكثروا من الدعاء لإخوانكم، وادعوا على الكفرة الظلمة بالبوار والخسار في هذه الليالي المباركات، وفي صلاة الوتر والصلوات المفروضات، كما كان سلفكم يفعل، وخصوهم بذلك اثناء صومكم، ووقت فطركم، فإن دعوة الصائم لا ترد، كما أن دعوة المظلوم لا ترد، قال ربنا عز وجل: "وَلَقَد سَبَقَت كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلمُرسَلِينَ إِنَّهُم لَهُمُ ٱلمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلغَـٰلِبُونَ" . ليلة التاسع والعشرين من رمضان 1442 •

الخاطرة 330

قال الله تعالى: "فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَربَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثخَنتُمُوهُم فَشُدُّواْ ٱلوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلحَربُ أَوزَارَهَاۚ ذلِكَ وَلَو يَشَاءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنهُم وَلَـٰكِن لِّيَبلُوَاْ بَعضَكُم بِبَعضٍ‌ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعمَـٰلَهُم". الغاية التي تنتهي إليها أحكام الله هذه؛ هي انتهاء الحرب، فإن الأوزار هي الأثقال، وهي كناية عن السلاح، فإذا وضع وترك؛ فقد انتهت الحرب. لكن جاء عن كثير من أهل العلم منهم مجاهد بن جبر وقتادة بن دعامة والحسن والكلبي والفراء والكسائي؛ أن الغاية ليست هي انتهاء معركة من المعارك، ولا حرب من الحروب، بل هي صلاح العالم باختفاء الشرك، وهذا لا يحصل إلا بظهور الإسلام على الدين كله، فإن الله تعالى قال: "وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُم حَتَّىٰ يَرُدُّوكُم عَن دِينِكُم إِنِ ٱستَطَـٰعُوا"، وإذا كان المخاطبون أصالة هم خير الأجيال فكيف بغيرهم؟. روى ابن جرير الطبري بإسناد صحيح عن مجاهد قال: حتى يخرج عيسى بن مريم، فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب، ولا تقرض فأرة جرابا(!)، وتذهب العداوة من الأشياء كلها، ذلك ظهور الإسلام على الدين كله، وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دما إذا وضعها". وهذا الذي قالوه هو سنة الله تعالى في المجتمعات البشرية، لتنازع الناس البقاء، وميلهم إلى توسيع الملك، وبسط النفوذ، والحفاظ على المصالح. وقد أشير إلى هذه السنة في كتاب الله في موضعين: إحدهما في خاتمة قصة قتال جيشي طالوت وجالوت، قال تعالى: وَلَولَا دفـٰعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلاَرضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضلٍ عَلَى ٱلعَـٰلَمِين". والثانية بعد إذنه سبحانه للمسلمين في القتال أوائل العهد المدني، قال تعالى: "وَلَولَا دَفعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَّهُدِّمَت صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذكرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا‌ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ". وهذا الفهم الذي يلزم منه دوام الاستعداد؛ هو الذي كان عليه المسلمون إبان عهد اعتزازهم بدينهم، ممتثلين قول ربهم: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱستَطَعتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِم لَا تَعلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعلَمُهُم". ثم خلف من بعدهم خلف صدق عليهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم". إن إعداد القوة كما يكون للقتال؛ يكون لمنع حصوله، وهذا هو مدلول قوله "تُرهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُم"، وهو ما يسمى اليوم بأسلحة الردع، ودل قوله "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱستَطَعتُم مِّن قُوَّة؛ على وجوب إعداد كل ما يمكن منها، وهو متفاوت بحسب الزمان والحال، وتعمل بهذا الذي سماه الله العليم بمن خلق (إرهابا)؛ القوى العظمى منذ الحرب العالمية الثانية، فلا قتال بينها مباشرا، وإن حصل فبالوكالة كما يقولون. وقد حصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم القوة في الرمي فقال: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي"، وهذا يوم كان مداه لا يتجاوز عشرات الأمتار، ثم غدا اليوم أساس الحروب، يقاتل به من آلاف الأميال، مع أنه قد حض عليه بمثل قوله "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا"، وقوله: "كل ما يلهو به المؤمن باطل، إلا تأديبه فرسه، ورميه عن قوسه، ومداعبته امرأته"، فلهو المسلمين في أيام عزهم؛ كان تعلم فنون القتال. ومن الإعجاز في الآية أن القوة لم يذكر لها نوع، وإنما فسرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما علمت، والرمي في هذا العصر صنوف كثيرة، أما الحرب البرية وقد صارت نادرة اليوم؛ فقد أشير إليها بالخيل التي كانت بمثابة الدبابات. فمتى يعمل المسلمون على توطين إنتاج الأسلحة في بلدانهم، كيفما كان المستوى الذي تنطلق منه؟ ومتى يعطون الأهمية اللازمة للبحث العلمي؟ إن التكنولوجيا لا توهب ولا تنقل، والذين يمتلكونها لا يكشفون لكم عن أسرارها، لأن مصالحهم في تبعيتكم، فمتى تسلكون طريق الاستقلال؟. انطلقت اليوم من غزة صواريخ بلغ مداها 250 كيلومتر، كانت قبل سنوات موضع سخرية واستهزاء من الذين لا يعلمون، إنها أجدى بكثير من أسلحة بمآت الملايير من الدولارات تشترى ليأكلها الصدأ، فإن استعملت؛ ففي الحال والمكان والزمان المحدد من بائعيها، وفي الغالب في الحروب المدمرة للذات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ليلة الثاني من شوال 1442 •

الخاطرة 331

مما يميز عصرنا سرعة انتشار الأخبار وتأثيرها على الناس، فيستهويهم الكلام عليها، فلتكن فرصة يغتنمها الدعاة، جامعين بين تعليم الحق، والاستجابة لما يميلون إليه، مبتعدين عن أساليب الصحفيين والسياسيين والمحللين، فإن في هذا مقاومة للفتن، وتقوية للعزائم، وكشفا للبس، وتصحيحا للمفاهيم . وهذا أصل عظيم في الدعوة، فإنه لا حياد بين الحق والباطل، والدليل أن كتاب الله لم ينزل جملة كما كان المشركون يودون، بل نزل منجما حسب الحوادث والظروف، قال الله تعالى: "وَقُرءَانًا فَرَقنَـٰهُ لِتَقرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكثٍ وَنَزَّلنَـٰهُ تَنزِيلاً"، وقال مبينا بعض الحكمة من ذلك: "وَلَا يَأتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئنَـٰكَ بِٱلحَقِّ وَأَحسَنَ تَفسِيرًا". أي ولا يأتونك بمثل من أسئلتهم الباطلة، حتى صارت كالأمثلة السائرة؛ إلا أنزلنا عليك الجواب الحق الذي يدحض شبهاتهم، وجئناك بما هو أحسن معنى مما يكشف الغطاء عن مقاصدهم ومراميهم . قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره: "وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي للمتكلم في العلم: من محدث ومعلم وواعظ؛ أن يقتدي بربه، في تدبير حال رسوله، كذلك العالم يدبر أمر الخلق، فكلما حدث لذلك موجب، أو حصل موسم؛ أتى بما يناسب ذلك من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والمواعظ الموافقة لذلك". والذي يجري اليوم في فلسطين وفي غزة والمسجد الأقصى؛ أمر يهم الأمة كلها، وأقل ما ينبغي جلب الاهتمام إليه تقوية لوحدة الأمة، وبيانا لحكم الله في الدفاع عن أرض الإسلام، وما للمسلم على أخيه من الموالاة والنصرة، ومن أبى أن يفعل فليكف أذاه عن إخوانه في الدين، على أن الذي يجري اليوم في هذه الأرض من الظلم يتجاوز إنكاره أخوة الدين. من قبائح المنكرات أن تثار الخلافات التي بين المسلمين لتجعل حجة على التخاذل والتشفي وتبرير ما أقدمت عليه الدول التي منحت اليهود الغاصبين صك الاعتراف بدولتهم على أرض المسلمين، ثم ينتهي هذا المسار القذر إلى الفرح بقتلهم وتدمير بيوتهم وتمنى انتصار اليهود عليهم، فالله الحسيب الرقيب. الثالث من شوال 1442 •

الخاطرة 332

من مميزات سورة الحج أن الله تبارك وتعالى ذكر في خواتيمها الوصف الجامع الذي يستغرق كل فرد من أفراد هذه الأمة، كي تكون وحدة واحدة، على ما عليه أفرادها من التفاوت في القرب من الله تعالى بالتزام شرعه. أردت أن أذكر الذين يشمتون بإخوانهم في غزة، بل يفرحون بما يظنونه انتصارا لأعدائهم، مع قربهم من أرض فلسطين حيث يتحملون مسؤولية أكثر مما يتحمله من بعدت داره، وقد رأينا اليهود يحتجون بكلامهم على ما يفعلون بأهلها من التقتيل والتدمير. وحدة المسلمين لا تلغي الفوارق التي بين أفرادها في الجانبين العلمي والعملي، ولا الدعوة إلى الحق داخل الجماعة، لكنه ليس مانعا من وجوب الولاء والنصرة بين أفرادها وجماعاتها، كما قال الله تعالى "وَٱلمُومِنُونَ وَٱلمُومِنَـٰتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ‌ يَامُرُونَ بِٱلمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُوتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِٕكَ سَيَرحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم"، وقال عن المقابل لهم: "وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ إِلَّا تَفعَلُوهُ تَكُن فِتنَةٌ فِى ٱلاَرضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ" . ومما يشير إلى هذا التفاوت الذي لا يجوز أن يعترص به على عقيدة الولاء؛ قول الله تعالى "ثُمَّ أَورَثنَا ٱلكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصطَفَينَا مِن عِبَادِنَا فَمِنهُم ظَالِمٌ لِّنَفسِهِۦ وَمِنهُم مُّقتَصِدٌ وَمِنهُم سَابِقُ بِٱلخَيرَٰت بِإِذنِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلفَضلُ ٱلكَبِيرُ جَنَّـٰتُ عَدنٍ يَدخُلُونَها". ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم، ومسرعهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده". قد تطغى على هذا الوصف الفوارق العلمية والعملية داخل مجتمع المسلمين في أوقات الرخاء، فيظهر الخلاف، وهو أمر معهود معروف في تاريخهم، وهو مطلوب ما التزم الحق والأدب، وتم الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أما في أوقات الشدة، ولاسيما إذا كانت الأمة تواجه أعداءها فالأمر مختلف، فإنه يقاتل حينئذ مع البر والفاجر، وتاريخ أهل الإسلام على هذا في معظمه، ومن شذ شذ في النار، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"، وقال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله"، فذكر أمته، وذكر الطائفة المحقة من بينهم، وأمر الله تعالى بالإصلاح بين المتقاتلين من المسلمين، وفيهم الباغي والمبغي عليه، ومع ذلك قال في الختام: "إِنَّمَا ٱلمُومِنُونَ إِخوَةٌ فَأَصلِحُواْ بَينَ أَخَوَيكُم وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ". والوصف الذي عنيته هو وصف (المسلمين) الذي ينبغي أن يرفع في كل الأيام، ويغلب على ما سواه من الأوصاف المشروعة في مثل هذه الأيام، فكيف بالأوصاف المذمومة؟، قال الله تعالى عنه: "يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱركَعُواْ وَٱسجُدُواْ وَٱعبُدُواْ رَبَّكُم وَٱفعَلُواْ ٱلخَيرَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ وَجَـٰهِدُواْ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ‌ هو ٱجتَبَيٰكُم وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم فِى ٱلدِّينِ مِن حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُم إِبرَاهِيمَ‌ هُوَ سَمَّٰكُمُ ٱلمُسلِمِينَ مِن قَبلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيكُم وَتَكُونُواْ شُهدَاءَ عَلَى ٱلنَّاسِ‌ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَولَكُم فَنِعمَ ٱلمَولَىٰ وَنِعمَ ٱلنَّصِير". وجاء في تفسيره قول رسول الله صلى الله إليه وآله وسلم: "من دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثي جهنم، فقال رجل يا رسول الله: "وإن صام وصلى؟"، قال: نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها: المسلمين المؤمنين عباد الله"، رواه أحمد والنسائي عن الحارث الأشعري رضي الله عنه . أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم * من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا * وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا !! وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها * وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا وإن قال مولاهم على جل حادث * من الدهر: ردوا أحلامكم ردوا عصر الخامس من شهر شوال 1442 •

الخاطرة 333

(1) عقيدة النصر . قال الله تعالى: "مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنيَا وَٱلاَخِرَةِ فَليَمدُد بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَاءِ ثُمَّ ليَقطَع فَليَنظُر هَل يُذهِبَنَّ كَيدُهُ مَا يَغِيظ" (الحج:15). هذا أول المواقع التي ذكر فيها النصر في هذه السورة، وليس له نظير في القرآن، والثاني قول الله تعالى عقب الإذن في القتال، وذكر سنة التدافع: "وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إن ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ"، وختام السورة: "فَنِعمَ ٱلمَولَىٰ وَنِعمَ ٱلنَّصِيرُ". واختلف في المراد بالظان في الآية الأولى على قولين أولهما أنها في جماعة من ضعاف الإيمان أو المنافقين المرتابين الذين يشكون في نصر الله رسوله ومن معه، فقد جاء بعد ذكر أصناف من الكافرين، مقابلين بذكر المؤمنين العاملين للصالحات، فالآية في ظن عدم حصول النصر، وليس هو كاستعجال حصوله، ففيه قال الله تعالى: "أَم حَسِبتُم أَن تَدخُلُواْ ٱلجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَواْ مِن قَبلِكُم‌ مَّسَّتهُمُ ٱلبَاسَاءُ وَٱلضَّرَّاءُ وَزُلزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصرُ ٱللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصرَ ٱللَّهِ قَرِيب"، وقال تعالى: "خُلِقَ ٱلاِنسَـٰنُ مِن عَجَلٍ‌ سَأُوْرِيكُم ءَايَـٰتِى فَلَا تَستَعجِلُونِ". وفيها لطف بالمستعجلين؛ حيث قدم ذكر ما جبلت عليه النفوس من الاستعجال؛ قبل النهي عنه، وهي دعوة ضمنية للمؤمن إلى أن يجتهد في تقويم طبعه، حتى يكون منسجما مع أحكام ربه بالامتثال والاجتناب، وأقداره بالرضا والقبول، وقد روي مرفوعا: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"، ومما يقوي هذا؛ قول الله إثرها عن الكفار: "وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلوَعدُ إِن كُنتُم صَـٰدِقِين"، فإنها في استعجال العذاب. والقول الثاني أن الظان من جملة الكافرين، قال الشيخ السعدي رحمه الله (وقد تصرفت واختصرت): "أيها المعادي للرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الساعي في إطفاء دينه، يظن أن سعيه سيفيده شيئا، اعلم أنك مهما فعلت من الأسباب، وسعيت في كيد الرسول، فإن ذلك لا يذهب غيظك، ولا يشفي كمدك، ولكن سنشير عليك برأي يمكنك من شفاء غيظك بقطع النصر على الرسول، فات الأمر من بابه، وارتق إليه بأسبابه، اعمد إلى حبل ثم علقه في السماء، ثم أصعد حتى تصل إلى الأبواب التي ينزل منها النصر فأغلقها"، انتهى، وفسر قوله (ثُمَّ ليَقطَع ) بقطع الحبل الذي يتعلق به الظان فيختنق. قال: وهذه الآية الكريمة فيها من الوعد والبشارة بنصر الله لدينه ولرسوله ولعباده المؤمنين ما لا يخفى، ومن تأييس الكافرين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون" . ليلة السابع من شوال 1442 •

الخاطرة 333

(2) عقيدة النصر: النصر والنصرة هو العون، ومن معانيه العطاء، ومن نصره الله فلا غالب له، فهو خالق أسباب النصر، ما يعلمه الناس، وما لا يعلمونه، وهو ينصر بسبب وبغيره، فإنه يفعل ما يريد، وإنما ينصر من ينصره. أما نصر العبد لله؛ فبنصر أهل الحق من عباده، والقيام بحفظ حدوده، ورعاية عهوده، واعتناق أحكامه، واجتناب نهيه، قال قريبا منه الراغب في مفرداته . * فإن اعتقدت أن الله ينصر جنده ويؤيد حزبه، فهذا اعتقاد واجب، لقول الله تعالى: "وَلَقَد سَبَقَت كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلمُرسَلِينَ إِنَّهُم لَهُمُ ٱلمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلغَـٰلِبُونَ"، وقوله: "إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَيَومَ يَقُومُ ٱلاَشهَـٰدُ"، وقوله: "وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ". * وإن ذكرت أن إعداد القوة مطلوب؛ فهذا حق كما قال تعالى: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱستَطَعتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِم لَا تَعلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعلَمُهُم". * وإن قررت أن اليقين بوعد الله، والتوكل عليه، وصدق اللجإ إليه، والصبر على المكاره؛ من أعظم أسباب الانتصار، وأنه يسد خلل التفاوت في القوة؛ فالأمر كذلك: "فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغلِبُواْ مِاْئَتَينِ‌ وَإِن يَكُن مِّنكُم أَلفٌ يَغلِبُواْ أَلفَينِ بِإِذنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ"، وفي الحديث الصحيح: "ابغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم"، يعني بدعائهم، وتأمل المتعاطفين في قوله تعالى: "هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصرِهِۦ وَبِٱلمُومِنِينَ"؛ تدرك المقصود . * وإن اعتقدت أن النصر لا يكون إلا بتلك القوة؛ فراجع نفسك، فقد قال الله عن تأييده لنبيه ولمن معه بالملائكة: "وَمَا ٱلنَّصرُ إِلَّا مِن عِندِ ٱللَّهِ ٱلعَزِيزِ ٱلحَكِيمِ"، وقال: "وَمَا ٱلنَّصرُ إِلَّا مِن عِندِ ٱللَّهِ‌ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، وقال: "قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثِيرَةَ بِإِذنِ ٱللَّهِ‌ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ". * وإذا ذكرت أن الإعجاب بالقوة والكثرة من أسباب الهزيمة فمعك الدليل: "لَقَد نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَومَ حُنَينٍ‌ إِذ أَعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شَيـًٔا وَضَاقَت عَلَيكُمُ ٱلاَرضُ بِمَا رَحُبَت ثُمَّ وَلَّيتُم مُّدبِرِين". * واستيقن أن المعاصي مجلبة للهزائم، ولو مع الأنبياء وأهل الصلاح والتقوى، قال تعالى: "وَلَقَد صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعدَهُ إِذ تَحُسُّونَهُم بِإِذنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلتُم وَتَنَـٰزَعتُم فِى ٱلاَمرِ وَعَصَيتُم مِّن بَعدِ مَا أَرَيٰكُم مَّا تُحِبُّونَ‌"، وقال: "أَوَلَمَّا أَصَـٰبَتكُم مُّصِيبَةٌ قَد أَصَبتُم مِّثلَيهَا قُلتُم أَنَّىٰ هَـٰذَا‌ قُل هُوَ مِن عِندِ أَنفُسِكُم إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ". * وأعظم أسباب النصر طاعة الله ورسوله والحفاظ على فرائضه، يدلك على ذلك اشتراع صلاة الخوف بصورها الكثيرة، وصلاة المسايفة، والأمر بالإكثار من ذكر الله حال القتال، قال تعالى: "فَإِذَا قَضَيتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُم". * وإن اعتقدت أن شروط النصر غير متوفرة عند المسلمين عموما، أو في جماعة من جماعاتهم خصوصا؛ فأنت محق في الأول، وقد تكون محقا في الثاني، لكن لا يحل لك أن تثبط به عزائم من يقاتل أعداء الله ورسوله، فليس هذا وقت قيله، قال الله تعالى: "يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُم فِئَةً فَٱثبُتُواْ وَٱذكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُم تُفلِحُونَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَـٰزَعُواْ فَتَفشَلُواْ وَتَذهَبَ رِيحُكُم وَٱصبِرُواْ‌ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ". * ولا تلازم بين الانتصار والحق، فقد ينتصر المبطل، وينهزم المحق، لما لله في ذلك من الحكمة، ولما فيه من التمحيص بالفتنة، قال الله تعالى: "إن يَمسَسكُم قَرحٌ فَقَد مَسَّ ٱلقَومَ قَرحٌ مِّثلُهُ وَتِلكَ ٱلاَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَينَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُم شُهَدَاءَ‌ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمحَقَ ٱلكَـٰفِرِينَ " . ليلة الثامن من شوال 1442 •

الخاطرة 334

قال صاحبي: كيف تحرض على قتال الصهاينة، وحال المسلمين ما تعلم من الضعف والاستضعاف، والعواطف مثل العواصف، عواقبها وخيمة؟ . فقلت: العاطفة الصادقة المحروسة بالشرع محمودة، بل مطلوبة، وليست النائحة كالثكلى، ومع هذا فلا تعجل علي، فإن القتال وقع، ومحتلو أرضنا هم الذين أشعلوا فتيله، وأهلنا يموتون، فينبغي التعامل معه بما هو مصلحة للأمة، من التأييد والنصرة بما أمكن، والكف عن كل ما يثبط العزائم، وينشر روح الهزيمة، ونعوذ بالله مما عليه الفجرة الشامتون المخذلون. تعلم يا صاح أن الأمر ليس فتوى، وقف على الفرق بينها وبين التعامل مع ما نحن فيه، فإن من لم يفرق بين هذا وهذا أفسد ولم يصلح. فإن أردت أن تعرف الأمر على وجهه كما يراه من غاظك كلامه؛ فاقرأ هذا الذي جاء في العجالة (3/10) قبل اثنتي عشرة سنة، وهو كلام عن جهاد الطلب الذي هو جهاد الدعوة، في مقابل ما نحن فيه من قتال الدفع، وبينهما فروق، وكثير من الناس يخطلون بينهما . "وقد مرت هذه الفريضة بمراحل قبل أن تستقر على الحكم النهائي الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين، وهو وجوب الجهاد على الكفاية إلى يوم القيامة، وأحسب أن تلك المراحل لا مانع من العمل على وفقها كلما تحقق المناط. وخلاصة القول فيما مرت به؛ أن المؤمنين كانوا ممنوعين من القتال في مكة، رحمة من الله بهم، بأن جنبهم الاستئصال، يشير إلى ذلك قول الله تعالى: "أَلَم تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُم كُفُّواْ أَيدِيَكُم وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ"، فهذا دليل على أنهم كانوا مأمورين بالإمساك عن القتال، لا أنهم تركوه من تلقاء أنفسهم. فلما اشتد ساعدهم وكثر مناصرهم بعد الهجرة إلى المدينة أذن لهم فيه بقوله تعالى: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُواْ‌ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصرِهِم لَقَدِيرٌ". ثم جاء الأمر بقتال من يقاتلونهم، أي من كان شأنهم أن يقاتلوهم في قول الله تعالى: "وَقَـٰتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُم وَلَا تَعتَدُواْ‌ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلمُعتَدِين". ثم جاء الأمر بقتال الكفار عموما: "وَقَـٰتِلُواْ ٱلمُشرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُم كَافَّةً‌ وَٱعلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلمُتَّقِينَ"، والصواب أنه لا عموم فيها، بل المراد به الخصوص اعتمادا على المشبه به. الثامن من شوال 1442

الخاطرة 335

لشيخي عز الدين علي السيد الأزهري دفين البقيع قصيدة رثى فيها العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي بعد سنة شمسية من وفاته، عارض فيها مرثية أبي العلاء المعري التي مطلعها: غير مجد في ملتي واعتقادي ** نوح باك ولا ترنم شاد وقد أمرني أن أقرأها عليه كي أتمكن من إملائها على من يتولى طبعها بمدرسة التربية والتعليم التابعة لجمعية العلماء المسلمين بمدينة بلعباس التي آلت إلى وزارة الشؤون الدينية بعد أن حلت الجمعية، وإن امتدت خصوصية تلك المدرسة سنوات بعد ذلك، وقد كانت تنشد فيها الأشعار طيلة المدة التي كانت البعثة الأزهرية التعليمية بالمعهد الإسلامي في بلعباس. وقد خلص شيخي من رثاء الشيخ البشير إلى ذكر حشود الجيش المصري على حدود فلسطين سنة 1966، ثم كانت حرب 1967 التي انتهت باستيلاء اليهود على سيناء والضفة الغربية والجولان، وذكر فيها معاناة اللاجئين وتفاءل بقرب الفرج. وأنا أستبشر خيرا بالتوافق بين هذا وبين إذعان اليهود ومن وراءهم لوقف القتال من غير شرط بعد أن ووجهوا بما لم يكن في حسبانهم، فأقضت مضاجعهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وهم الرعاديد الجبناء، وقد فضحهم بعض جنودهم بأنهم يلبسون الحفاظات ليبولوا فيها و (...) حيث لا يجرؤون على مغادرة حصونهم التي ظنوا أنها مانعتهم من الله. لكني لا أشك أن اليهود ومن وراءهم ممن يسندونهم سيعظم مكرهم في التعامل مع هذه الحال التي جدت، ليفوتوا عليهم جني ثمار هذا الانتصار، فعلى أهلنا في هذه الأرض المباركة أن يجمعوا أمرهم وأن يكون همهم مرضاة ربهم باتباع شرعه، وتصحيح الارتباطات والولاءات، فإن النصر من عند الله وحده، وليحذروا هذا الذي دأب عليه المانحون لإعادة إعمار ما دمره اليهود وقد تم بأسلحتهم وتواطئهم ليحذروا من الربط ببن ذلك والاشتراطات التي ترهن دينهم واستقلالهم، ومن كلام العرب تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها: الموت أسهل عندي بين القنا والأسنه والخيل تجري سراعا مقطعات الأعنه من أن يكون لنذل علي فضل ومنه أما الأبيات التي علقت بذاكرتي من تلك القصيدة فهي هذه: هو مجد في ملتي واعتقادي * سفح دمع الحزين عند العوادي وعويل المصاب بالحدث الفا * جع حزنا والمنزل المرتاد ما لمن لم تبك العيون جدا * ه قيمة غير دفنه في الرماد إنما تبكي العيون فتبيض * ض من الحزن والضنى لعتاد لإمام في العلم كان إماما * يكشف اللبس في تقى وسداد لإمام في مدلهم الليالي * كان يسري كالكوكب الوقاد ما خلا منه في المشارق أفق * ما خلا منه في المغارب ناد كلما نادت العروبة مجدها * أتاها في طلعة الرواد حاملا بين الضلوع قلب نبي(!)* ورسول وراحم عواد أيها الراحل العزيز علينا * لو فدى الراحل المحبب فاد لفدينا ثراك يوم افترقنا * بنفيس الأرواح والأكباد يا عظيما خلفت كل عظيم * إننا اليوم شرع في الجهاد قد حشدنا جنودنا بحدود * وسنرمي عدونا بحداد اليهود اليهود أنجس خلق * أنزلتهمُ فينا يد الإفساد سلبونا أرضنا فغدونا * من غير مأوى وبدون كسرة زاد أيها اللاجئ الحزين توثَّبْ * واطْوِ عهدَ الخيام والأوتاد التاسع من شهر شوال 1442 •

الخاطرة 336

(1) من العلم (البارد) شرح حديث أولا: نص الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها؛ نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربدا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه"، رواه أحمد ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه. ثانيا: شرح ألفاظ الحديث. (تعرض الفتن على القلوب)؛ عرضت الشيء على فلان أريته إياه، وعرض الفتنة على القلب مجاز عن ملابستها له واستشعارها. (عرض الحصير) كما يعرض الحصير يبسط ويسرح، فيكون موطأ مهيأ يلتصق به جنب من يفترشه. (عودا عودا) بفتح العين، مصدر عاد يعود، هو حال من الفتن، أي يعاود عرضها ويكرر، قال ابن مالك: ومصدر منكر حالا يقع ** بكثرة كبغتة زيد طلع وقيل (عودا عودا) بضم العين، وهو تمييز، شبه عرض الفتن على القلوب بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدا بعد الآخر. وفي رواية (عوذا عوذا)، فيكون استئنافا، وهو تعوذ من شر الفتن، أي نعوذ بالله منها. (فأي قلب أشربها)، أي سقيها فسرت فيه كما يسري الماء، والمقصود أنها داخلته، وتمكنت منه. (نكتت فيه نكتة سوداء) النكتة البقعة المخالفة لما حولها في اللون، والسوداء: "أثر قليل كالنقطة شبه الوسخ في المرآة والسيف ونحوهما"، هكذا في النهاية، والمقصود بقاء أثر الفتنة في القلب واتساعه بتكررها وتنوعها، ففتنة واحدة يشربها القلب تهيئ لغيرها، وقد تصل إلى النهاية وهي الكفر . (وأي قلب أنكرها) كرهها فرفضها، فإنكار القلب فتنة واحدة؛ قد يكون سببا في نصاعته وسلامته . (نكتت فيه نكتة بيضاء)، إنكار الفتنة يخلف في القلب أثرا حميدا، ومثله كل إنكار للمنكر، ولو بمجرد القلب؛ فانه تحصين له من الفتن، ببقاء هذا الأثر فيه، وإن كان أضعف الإيمان. (حتى يصير القلب مثل الصفا)، الصفا جمع صفاة، وهي الحجر الأملس، وفيه دليل على أن الفتنة يقوى بها يقين من أنكرها، ويزداد رسوخا في الحق وصلابة. (لا تضره فتنة) لا تؤثر فيه لقوة إيمانه ومخالطة بشاشته قلبه، فانه إذا خالطت بشاشته القلوب لم يتأثر طارئ. (ما دامت السموات والأرض) المقصود مدة عمره، أي هو محصن طول عمره، فإن كان في آخر الدنيا؛ لم تضرة فتنة، ولو فتنة المسيح الدجال. (والآخر أسود مربدا)، مربد؛ كمحمر من اربد كاحمر، أي صار أسود مع غبرة، وهذا تصوير لمعنى معقول بأمر محسوس. (كالكوز مجخيا "المجخي المائل عن الاستقامة والاعتدال، فشبه القلب الذي لا يعي خيرا بالكوز المائل الذي لا يثبت فيه شيء"، قاله ابن الأثير رحمه الله، أي لا يمسك ما يوضع فيه، فلا ينتفع بعلم ولا بموعظة، فيستوي عنده المنكر والمعروف كما بينه بقوله: (لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه)، قد يتفق أن ينكر هذا الذي أظلم قلبه منكرا، أو يعرف معروفا، لكنه لا يستند فيهما إلى الشرع، بل إلى هواه، فلا عبرة بإنكاره، ولا أجر له فيه، لأن شرط الثواب على الفعل والترك؛ أن يكونا امتثالا لأمر الله ورسوله.. يتبع. •

الخاطرة 336

(2) ثالثا: بسط معاني الحديث 1- الفتنة: الفتنة الاختبار والامتحان، ولا بد منها للمؤمن، فإن بها يتم التمحيص، قال الله تعالى: "الم أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُم لَا يُفتَنُونَ وَلَقَد فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم فَلَيَعلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعلَمَنَّ ٱلكَـٰذِبِينَ". وإنما تعرض على القلوب؛ لأنها أصل تقلب الظاهر وتحوله، أو ثباته على الحق، والفتن عامة وخاصة، قال ابن رجب رحمه الله: "إن المؤمن لا بد أن يفتن بشيء من الفتن الشاقة عليه ليتمكن إيمانه"، وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله: "الثبات على العلم والإيمان عند وقوع الفتن والشبهات؛ هو من أعظم النعم، فإن من الناس من يؤمن في العافية، ثم إذا فتن ارتد، فينبغي أن يعلم أن ثباته على الإيمان عند الفتنة والشبهة؛ من أعظم النعم" . 2- فتنة المعصية: من الفتن ما هو معصية من الصغائر، فتكفرها الأعمال الصالحة، ومنها ما هو شبهة، فإن لم تعالج؛ تعاظم أثرها، فأورثت خللا في الدين، أو مروقا منه. فمن الأول ما في حديث "فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة عن حذيفة. فهذا في المعاصي العملية، وعلاقة العبادات المذكورة وغيرها بهذا النوع تتمثل في أمرين: غفران الذنوب، وتطهير القلب مما نكت فيه بسببها، وهذا أعظم مما قبله، لكن لا يحصل إلا للقليل للخلل الذي في فعلها. وفتنة الأهل والولد أن يشتغل بهم عن أعمال الخير، أو يفرط في تربيتهم وتعليمهم، والإنفاق عليهم، وفتنة النفس بتتبع الشهوات والسرف فيها، وفتنة المال بالحرص عليه والبخل به، وفتنة الجار أن يؤذيه أو يحسده، أو يقصر في حقوقه. وإنما يعظم خطر الفتن العملية اذا لم يتب منها، فتخالط القلب، فيقسو، فيستعصي على العلاج، وقد يصل إلى الكفر، كما قال الله تعالى: "كَلَّا‌ بَل رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكسِبُونَ"، وقال تعالى: "بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَـٰطَت بِهِۦ خَطِيـَتُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصحَـٰبُ ٱلنَّارِ‌ هُم فِيهَا خَـٰلِدُون"،َ فالمعاصي بريد الكفر، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها، وإن زاد زادت، حتى تعلو قلبه، فذلك الرَّان الذي ذكر الله في كتابه.... 3- فتنة الشبهة: والثاني هو الناشئ عن الشبهات الباعثة على التشكيك في الحق، وما أكثرها اليوم، وهذا أخطر من الأول، وأسرع تأثيرا منه، يصاب به من واقع المعاصي ومن لم يواقعها. 4- وسائط الفتنة: وأسباب الافتتان كثيرة، يجمعها افتتان الناس بعضهم ببعض، فإن منهم الغني والفقير والصحيح والسقيم والعالم والجاهل والمؤمن والكافر والمنتصر والمنهزم وهلم جرا، وعلاج هذا كله متكفل به في ديننا فهل من متعلم؟ قال الله تعالى: "وَجَعَلنَا بَعضَكُم لِبَعضٍ فِتنَةً أَتَصبِرُونَ‌"، وقال تعالى "وَكَذَٲلِكَ فَتَنَّا بَعضَهُم بِبَعضٍ لِّيَقُولُواْ أَهَـٰؤُلَاءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيهِم مِّن بَينِنَا‌". وأكبر الفتن من الأئمة الضلال، والعلماء الفجار، والعباد الجهال، وحضارة الكفار، وقد جاء في الأئمة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون"، بل جاء من المبالغة في التحذير من خطرهم ما لا مزيد عليه، فهو يفوق خطر الدجال (!!)، ووجهه أنه يأتي بالخوارق التي لا يخفى أمرها، فإنها لا تكون إلا لنبي، والنبوة انقطعت، أو لولي، وهو لا يتحدى بها، أو لفاجر، وأمره ظاهر، قال عليه الصلاة والسلام: "أخوف على أمتي من الدجال؛ الأئمة المضلون"، (الأئمة) خبر عن المبتدإ وهو (أخوف). والأئمة هم المتبوعون، لا خصوص الحكام، وخطرهم آت من تأثيرهم على الناس، ومنهم اليوم زعماء الأحزاب ورؤساء الجمعيات والهيآت والروابط المختلفة التي لم تقم نظمها وما تسوس به تابعيها على الحق. وكان السلف يقولون: "اتقوا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون"، والمفتون من ليس له من العلم والمعرفة ما يحصنه من أن يشرب قلبه الفتن. أما ما عليه الكفار فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر أو ذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قالوا اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ رواه الشيخان عن أبي سعيد، وفي حديث ابن عباس عند الحاكم نحوه، وفيه: "..وحتى إن أحدهم لو جامع امرأته في الطريق لفعلتموه"!! ليلة الثالث عشر من شوال 1442 •

الخاطرة 337

سألني بعض إخواني عن مرادي بالعلم البارد الذي عنونت به بعض ما كتبت، وإني ذاكر هنا ما يتضح به المراد فأقول: إن ربط احكام الشرع بالأحداث والوقائع والردود على المخالفين بأسمائهم، وإن كان نافعا مطلوبا؛ فليكن بقدر، وليوازن بالآثار التي خلفها في الأمة، والمقصود أنه ليس هو الأصل وهذا لا يختلف فيه لعدة اعتبارات: * منها أن أحكام الشرع مطلقة في الزمان والمكان والأحوال والأفراد إلا بدليل، فلنجر على هذا الأصل . * ولأن مرجع الردود هو هذه الأحكام، فلتقدم معرفتها، قال الله تعالى: "فَإِن تَنَـٰزَعتُم فِى شَىءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُم تُومِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱليَومِ ٱلاَخِرِ ذَٲلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَاوِيلاً" . ومهما حصل هذا الرد مع التجرد من الهوى زال النزاع، فإن لم يزل عذر المخالف بالاجتهاد، فأين الخلل في الذي نراه؟ . * ومنه أن الربط؛ وإن كان القائم به على درجة عالية من التثبت والحياد؛ فإنه يتأثر بعاطفته، وبموقفه القبلي، وبما في نفسه من الحنق والغيظ على من يرد عليه، وقد يقوده الانتصار لرأيه وحب الغلب؛ إلى التطفيف في بيان حجة المخالف، فإن النفس مجبولة على هذا، قال ابن أبي أويس: "كان مالك يستعمل الإنصاف، ويقول ليس في الناس أقل منه، فأردت المداومة عليه": ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ** بين الأنام وإن كانوا ذوي رحم * ومنه أن الإقبال على الدليل بحيادية أدعى إلى التفقه فيه، واستنباط ما فيه من أحكام استنباطا هادئا صحيحا. * ومنه أن هذا أقرب إلى الإخلاص لله تعالى وهو شرط القبول فيحصل الأجر والمثوبة. * ومنه حمل الناس على تعلم أحكام الله غير مقيدة بحال الحدث أو الرد، لأن معرفة الأحكام مقصودة لذاتها: تعتقد ويعمل بها فتكون حصنا للنفس من الشبهات، أما الردود فعلى نفعها تورث عند كثير من الناس الاضطراب والشك، لاسيما وقد غدا الاطلاع عليها ميسرا لكل أحد. * ومنه أن تعليق الأحكام بالأحداث والوقائع يصرف كثيرا من الناس عن معرفة ما لا يظهر له تعلق، أو لم يحضر متعلقه، فيثقل تعلم ما هذا شأنه عليهم، إما لعدم القدرة على ربطه به، أو لعدم وقوع ذلك . * ومنه أن آثار هذا بادية اليوم في انصراف نسبة كبيرة من الناس إلى التعليق والإعجاب بالردود والمجادلات بخلاف غيرها من العلم (البارد). * ومنه أن الردود إذا اعتورت المسألة الواحدة وعرف الناس الحق من الباطل وتقرر عند من وفقه الله إلى التسليم للحق؛ فإن تكرار الكلام عليها نافلة قول لا يزداد بها المخالف إلا إصرارا على موقفه، فالردود إذا لم يراع فيها أن تكون بقدر، وتجري على وزان معين؛ أثمرت خلاف المقصود، بزيادة الشحناء وانتشار الخلاف، وتحريك المناصرين من الطرفين، وهو أمر غير خاف اليوم، فإن كثيرا من الناس متى اعتبر فلانا خصما وصدر عنه كلام؛ فإنه لا يقرؤه أو يسمعه إلا لينكره أو ليرده . * ومنه أن اقتران البيان بأسماء المردود عليهم ليس ضروريا إلا إذا بلغ المخالف أن يحذر منه جملة، أما من ليس كذلك فليكن برفق، والقصد تصحيح الخطأ والزلل من غير تثريب ولا تشهير، ومن الأمثلة التي تذكر هنا رد البخاري في صحيحه على الحنفية بكتاب الحيل، ورد مالك عليهم في الموطإ في باب القضاء بالشاهد واليمين . * وقد استفاد كثير من الأغمار النكرات من رد أهل العلم عليهم واشتهروا، فكان إهمال كلامهم وترك الالتفات إليه خيرا بكثير من التعليق عليه، قال القرطبي رحمه الله: "عن سهل قال: إنما ظهرت البدعة على يد أهل السنة، لأنهم ظاهروهم وقاولوهم فظهرت أقاويلهم وفشت في العامة، فسمعه من لم يكن يسمعه، فلو تركوهم، ولم يكلموهم لمات كل واحد منهم على ما في صدره، ولم يظهر منه شيء، وحمله إلى قبره". إن هم الداعي إلى الله ليس مجاراة الناس فيما يرغبون، بل همه بيان الحق، وتربية الخلق، وتصحيح السلوك، فلم يسلس قياده لما تعودوه فيغدو له صدى عاكسا؟، إن من حق الناس على الدعاة أن يستجيبوا لما يرغبون فيما لهم فيه خيار، وهو صواب، كقلة الكلام، والابتعاد عن الرتابة، والجنوح فيه إلى التعقيد والإصطلاحات التي لا قدرة لمعظم الناس على فهمها . ليلة الثاني والعشرين من شوال 1442

الخاطرة 338

(1) قرأت حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه الذي رواه البخاري في باب جمع القرآن من كتاب فضائله الذي فيه قول أبي بكر لعمر رضي الله عنهما: "كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"؟ فذكرني بالسنة التركية التي هي من جملة ما يستدل به على عدم مشروعية العمل، بقيود يعرفها من أحاط علما بأقسام التروك، ومن علمها احتمى بحاجز حصين من المحدثات التي هي شر الأمور. لم يحظ هذا الدليل بما يكفي من البحث المستقل، وان عني به قليل من العلماء خلال الكلام على أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار أن الترك فعل كما قال الله تعالى: "لَولَا يَنهَٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلاَحبَارُ عَن قَولِهِمُ ٱلاِثمَ وَأَكلِهِمُ ٱلسُّحتَ‌ لَبِئسَ مَا كَانُواْ يَصنَعُونَ"، فسمى عدم نهيهم صنعا، وقال صاحب المراقي: "فكفنا بالنهي مطلوب النبي ** والترك فعل في صحيح المذهب". وقد يسر الله بعض الكلام عليها في كتابي السنة التركية (درء الشكوك عن أحكام التروك) قبل إحدى وعشرين سنة، وهو ثاني تأليف لي، وقد تولى طبعه صاحب دار الإمام مالك الشيخ عبد الله بن نور رحمه الله تعالى، وأجزل له المثوبة على ما خدم به العلم وطلابه والدعوة إليه، وأحسب أن أمثاله في ميدانه قلائل في بلدنا، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. ثم ظهر بعد تأليفي هذا بحوث في مسألة الترك، لعلها الآن تجاوزت ما أعلمه قبل عشر سنين، ومنها: * بحث عنوانه (رؤية أصولية لتروك النبي صلى الله عليه وآله وسلم)، كتبه الدكتور صالح كريم، صدر في مجلة الحكمة. * ومنها كتاب سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية لمحمد بن حسن الجزائري، غالب الظن أنه صدر سنة 1431. * ومنها خطبتا جمعة للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ يوم كان وزيرا للشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية في إحدى عشرة صفحة. * ومنها كتاب (السنة التركية مفهومها حجيتها أثرها والأسئلة الواردة عليها) نال به الدكتوراه الشيخ يحيى بن إبراهيم خليل، بجامعة أم درمان الإسلامية في السودان، وصدر سنة 1432. وقد قرظه شيوخ بعضهم من هيئة كبار العلماء، ثم إنه افتتحه بمقدمة كتابي المذكور - وهي ثلاث عشرة صفحة من الحجم الصغير - من غير أن يعزوها لصاحبها، لكنه خرج أحاديثها وآثارها وترجم لأعلامها! ومما اقتبسه من كتابي فصل أقسام التروك، وهي اثنتان وعشرون صفحة بيد أنه بين في الهامش ذلك، فأسأل الله أن ينفع الناس بما كتب. وقد تكلم الشاطبي رحمه الله في (الموافقات) على أقسام التروك، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الترك باقتضاب في بعض كتبه منها (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)، وفي بعض كتب ابن القيم رحمه الله كلام أيضا، وقد زدت على الأقسام التي أثبتها الشاطبي وفصلتها تفصيلا. ومن فصول الكتاب ما تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إشفاقا على الأمة، فإن هذا لا بد أن يخبر أمته بتركه مبينا علته، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد كثر زعم الإشفاق واتخذ مدخلا للابتداع... للمنشور بقية.

الخاطرة 338

(2) ومن الأمور التي تضبط أطراف البحث في الاحتجاج بالترك بعد معرفة أنواع التروك؛ أن ينظر في المقتضي والمانع وجودا وعدما في عهد التشريع، فإن الأمر إذا وجد مقتضيه وانتفى مانعه؛ فلا بد أن يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو يأمر به، أو يقر عليه، ويندرج في هذا ولا بد كل العبادات ذاتا ووصفا، بحيث لا يقيد ما أطلق، ولا يطلق ما قيد، وقد اعتبر الشاطبي خلاف ذلك ضربا من التشريع، وهو المسمى بالبدعة الإضافية. وإنما كانت العبادات كذلك؛ لأن ما يقتضيها كان قائما في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا ريب، وقد انتهى بوفاته، بخلاف غير العبادات فإنها تتجدد وتستحدث. والذي يشرع فعله بعد وفاته من العبادات مما لم يفعله، أو فعله ثم تركه؛ هو ما وجد المانع منه في حياته. ومثال ما لم يفعله لوجود المانع؛ إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فإن المانع هو حدثان عهد الناس بالإسلام، ولهذا أعاد بناءها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في خلافته، ثم أرجعها خصومه بعد مقتله إلى سالف عهدها ظنا منهم ما لا يظن بابن الزبير، وشاء الله أن يبقى هذا مثالا فريدا لما انتفى مانعه ولم يفعل . ومثال ما فعله ثم تركه لوجود المانع صلاة التراويح، فإنه صلاها بعض الليالي ثم تركها في الجماعة خوف الافتراض، فجمع عمر رضي الله عنه الناس عليها بإمامة أبي بن كعب. ومما له صلة بهذا جمع القرآن على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإن من أهل العلم الذين ذهبوا إلى تقسيم البدعة أقساما خمسة؛ من جعل هذا الجمع مثالا للبدعة الحسنة، والظاهر أنه مما قام مقتضيه ووجد المانع منه، فليس هو منها بسبيل، وهذا بخلاف ما قررته في الكتاب من عدم وجود مقتضي هذا الأمر . وبيانه أن الله تعالى تابع على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الوحي قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان نزولا، صح ذلك في حديث أنس الذي رواه البخاري، وتكاثر الوحي مع استمراره إلى آخر حياته؛ مانع من الجمع الذي حصل في عهد أبي بكر . فقد عارضه جبريل القرآن في رمضان الأخير مرتين على غير المعهود، وذلك لكثرة المتلقى من الوحي، وقد يكون أيضا للتغيير الذي شاءه الله في اللغة التي استقرت عليها التلاوة وهي لغة قريش، ثم كانت حجة الوداع التي توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدها بنيف وثمانين يوما، والفاصل بين وقت المعارضة ووفاته هو خمسة أشهر، مع ما تخللها من سفر الحج ذهابا وإيابا وهو نحو شهر، ثم مرض عليه الصلاة والسلام، ولما كان القرآن مكتوبا كله قبل وفاته، فإنه يعتبر جمعا أول مهد لجمع أبي بكر ثم لجمع عثمان، والمانع من جمعه في صحف هو أن ترتيب الآيات توقيفي، ولا يتأتى ذلك إلا إذا اكتمل النزول . وقد تردد أبو بكر في الأخذ بمشورة عمر رضي الله عنهما بجمع القرآن بعد غزوة اليمامة التي مات فيها عشرات القراء، فخشي عمر أن يستجري القتل بهم في غزوات تليها، فيضيع كثير من القرآن، أعني المحفوظ الذي يعضد المكتوب . ومما قاله أبو بكر لعمر: "كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"؟ فهذا احتجاج منه بسنة الترك، فكان جواب عمر: "هذا والله خير"، ثم شرح الله صدر أبي بكر لما شرح له صدر عمر، وحصل هذا لزيد أيضا حين انتدبه أبو بكر للجمع، وذكر فيه صفات أربعة هي كونه شابا عاقلا أمينا مع كتابته الوحي للنبي عليه الصلاة والسلام، ولم يطمئن زيد لهذا العمل، فراجع أبا بكر كما راجع أبو بكر عمر، وقال له: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟، فدل هذا على تقرر الاحتجاج بسنة الترك عندهم. فهل كان هذا الذي أشار به عمر وشرح الله له صدر كل من أبي بكر وزيد بن ثابت استحسانا منهم بدليل قول عمر ثم أبي بكر "هذا والله خير"، أم كان معتمدهم أمرا آخر، جرى بينهم لم يرد في الخبر؟. كيفما كان الحال؛ فإن المانع من جمع النبي عليه الصلاة والسلام للقرآن في صحف كان موجودا كما علمت، وإلا فإن ما فعله الثلاثة وواطأهم عليه الصحابة هو الدليل على مشروعيته، وهو داخل في قوله صلى الله عليه وآله وسلم حين سئل عن الفرقة الناجية "ما أنا عليه وأصحابي"، ثم في سنة الخلفاء الراشدين التي أمرنا باتباعها في حديث العرباض بن سارية، ومشمول بحديث "أقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، فلا يبقى في هذا الجمع متعلق لمن رأى ذلك التقسيم الخماسي للبدعة. يوم •

الخاطرة 339

: تواطؤ أم تهاون؟ هذه صورة من صور الفساد الذي لا يرصد في الغالب، لأن طرق ممارسته خفية ملتوية، وقد كثر اللجوء إليه في المستويات المحلية بعد هذا الذي يقال عن محاربته فيما هو أعلى وأشمل. أرض مساحتها 38 هكتارا، تقع في المحيط العمراني بإحدى مدن الغرب، فعدد البنايات التي أقيمت أو ستقام عليها تقديرا هي 38×50=1900. استحوذت وزارة الحرب الفرنسية على بعضها، ثم آل بعضها إلى إدارة أملاك الدولة، وبعضها الى البلدية والوثائق المتعلقة بها ترجع إلى سنتي 1902و 1905. وقد أقيم عليها موقع لتربية الخيول ومحجر، وتوطنت فيها فروع مؤسسات عامة من بينها المؤسسة الوطنية لنقل البضائع. أكري شطر منها لبعض الشركات الخاصة، ولم تسو مصلحة أملاك الدولة والمحافظة العقارية وضعية المكترين طيلة 28 عاما. راسل المعنيون المحافظة العقارية ومصلحة أملاك الدولة والولاة الذين تعاقبوا على هذه الولاية ولم يتلقوا إجابة!! نازع الدولة في ملكيتها خواص، فلم تتحرك المصالح المعنية لاستجلاب الوثائق من مظانها، ولا أولت اهتماما للقضية طيلة تلك المدة. ساعد بعض المواطنين ممن يغار على المصلحة العامة المحافظة العقارية واستعانوا ببعض خبراء العقار البارزين وببعض المسؤولين في هيئة مسح الأراضي في غير الولاية المعنية، وجلبوا الوثائق والمستندات التي تثبت ملكية بعضها للدولة وسلموها للهيئة المعنية في الولاية وحضوها (!!) على إقامة الدعوى ففعلت في عارضة قبل ستة أشهر!! ثم تراخت الهيئة المعنية فلم تواف المحكمة الإدارية بالوثائق المطلوبة في الوقت المحدد لغرض ما!! صدر الحكم لصالح الخواص أصحاب الدعوى مع القضاء بإخراج الشركات الخاصة التي توطنت في المنطقة. كيف يعقل أن تظل هذه الأرض الداخلة في منطقة عمرانية مجهولة الملكية طيلة ستين سنة ليحكم بها في الأخير الحكم المذكور؟ إنها صورة من الفساد المستشري في البلد المتواطإ عليه ممن المفروض فيهم الحفاظ على المال العام، فهل من غيور يحرك القضية من جديد صونا للمال العام من التلاعب قبل فوات الأوان، وقد قيل إن الأمر لا يمكن تداركه إلا بتدخل خاص من ديوان مكافحة الفساد، أو من الوزير المعني أو الرئيس.

الخاطرة 340

روى ابن أبي الدنيا عن سعيد الأنصاري أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: أيها الناس، فإني لم أجمعكم لأمر أحدثه فيكم، ولكني فكرت في هذا الأمر الذي أنتم إليه سائرون، فعلمت أن المصدق بهذا الأمر أحمق، والمكذب به هالك، ثم نزل". قال ابن كثير معلقا عليه في تفسير قول الله تعالى: (أَلَا إِنَّهُم فِى مِريَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِم): "لأنه لا يعمل له عمل مثله، ولا يحذر منه، ولا يخاف من هوله، وهو مع ذلك مصدق به، موقن بوقوعه، لكنه يتمادى في لعبه وغفلته، وشهواته وذنوبه، فهو أحمق بهذا الاعتبار، والأحمق في اللغة ضعيف العقل، وقوله (والمكذب به هالك)، هذا واضح"، انتهى . قلت: العمل دليل على درجة الاعتقاد، ومن العسير إطلاق القول بأن الشخص موقن، مع تفريطه في العمل، واستغراقه في المخالفات، وإنما قال ابن كثير (بهذا الاعتبار)؛ لأن معظم الناس يقولون عن الأحمق عاقل، ففي حديث حذيفة رضي الله عنه في الصحيحين مرفوعا: "...ويقال عن الرجل ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده!! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان...". وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه، وأباه عليه الذهبي -وهو ضعيف- عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز الأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني"، وما أكثر ما كنت أسمعه من الشيخ محمد معطى الله رحمه الله في مواعظه بمدينة بلعباس، وقال تعالى: "لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا"، أي حي القلب، وقيل من كان عاقلا. وقد خصص ابن قتيبة في كتابه (عيون الأخبار) فصلا لأخبار الحماقة والحمقى، وفيه قال أعرابي: لو صور العقل؛ لأظلمت معه الشمس، ولو صور الحمق؛ لأضاء معه الليل"، يريد أن ظلمة الحمق أشد من ظلمة الليل . وفيه عن محمد بن سيرين أن رجلا رأى في المنام أن له غنما، وكأنه أعطي بها ثمانية ثمانية، ففتح عينيه فلم ير شيئا، فغمض عينيه ومد يده فقال: "هاتوا أربعة أربعة"!! وفيه: ومن حمقى العرب كلاب بن صعصعة، خرج إخوته يشترون خيلا وخرج معهم كلاب، فجاء بعجل يقوده، فقال له إخوته: "ما هذا"؟ قال: "فرس اشتريته"!!، قالوا: "يا مائق (أحمق؟) هذه بقرة، أما ترى قرنيها"؟، فرجع إلى بيته فقطع قرنيها، فأولاده يدعون بني فارس البقرة !! . وقال بعضهم: "كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا، قالوا: فإن يوسف لم يأكله الذئب!! قال: فهذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف"!!. ليلة الثاني من ذي القعدة 1442 •

الخاطرة 341

قال الله تعالى: "قُل هَـٰذِهِۦ سَبِيلِى أَدعُواْ إِلَى ٱللَّهِ‌ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى‌ وَسُبحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ ٱلمُشرِكِينَ". تضمنت الآية أسسا عظيمة في الدعوة منها: * المعالنة والصدع بها: "قُل". * وضوحها كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها: "هَـٰذِهِۦ سَبِيلِى". * التوحيد أول اهتماماتها، وجامع تفاصيلها: "أَدعُواْ إِلَى ٱللَّهِ‌ ". * ليست دعوة إلى المشهور والمقدم فيها: "أَدعُواْ إِلَى ٱللَّهِۚ ". * عمومها للكل وشمولها: "أَدعُواْ إِلَى ٱللَّهِ‌"(حذف المعمول). * لزوم معرفتها والتحقق منها: "عَلَىٰ بَصِيرَة". * كل متبع مسؤول عنها: "أَنَا وَمَنِ ٱتَّبَعَنِىۖ ". * تعاون المسلمين على أعبائها "أَنَا وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى‌ ". * كمال ما فيها من كمال منزلها: "وَسُبحَـٰنَ ٱللَّهِ". * براءة القائمين عليها من نقيضها: "وَمَا أَنَا مِنَ ٱلمُشرِكِينَ". * الاختلاف لا ينافي سعة دائرة أفرادها"وَمَا أَنَا مِنَ ٱلۡمُشرِكِينَ". فالدعوة إلى الله ليس فيها ما يخفى كما يفعل المتحزبة، وذوو التنظيمات السرية، يعلنون غير ما يخفون، ويتربصون لإظهار ما يضمرون، وقد ألحقت الحزبيات المخفيات من الأضرار بالدعوة أضعاف ما أضرت بها الحزبيات المعتمدات من الحكومات والله. وهي واضحة: في مضمونها، ومصدر تلقيها، ومقصدها، وهي إلى الله وحده إخلاصا وتوحيدا، وقد قال الإمام ابن باديس رحمه الله: أدعو إلى الله لا أدعو إلى أحد * وفي رضا الله ما نرجو من الرغب وهي لا تعصب فيها إلا للحق، ولا عصمة لمن نبه فيها أو اشتهر، مما هو لازم تصرفات كثير من أتباع مشايخها، ولا غلو فيه ولا تقديس، ولا سيطرة له، ولا امتحان للناس به، كل هذا يتنافى مع كونها لله . والبصيرة التي عليها الدعاة هي المعرفة بما يدعون إليه، وبمن يدعى، وبمحيط الدعوة، وبقواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد، فإن حرف (عَلَىٰ) يفيد الاستعلاء، فدل على قوة البصر بأمورها، بصر العلم والعقل، كي يوضع كل شيء موضعه، ويراعى مقتضى حاله، كما قال الله تعالى: "ٱدعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلحِكمَةِ وَٱلمَوعِظَةِ ٱلحَسَنَةِ‌ وَجَـٰدِلهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحسَنُ‌". وهي عامة للناس، دل عليه حذف المعمول، وعلى غراره قوله تعالى: "ٱدعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلحِكمَةِ وَٱلمَوعِظَةِ ٱلحَسَنَةِ‌ وَجَـٰدِلهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحسَنُ‌"، وقوله: "وَمَن أَحسَنُ قَولاً مِّمن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلمُسلِمِين"، وقوله: "وَٱللَّهُ يَدعُواْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهدِى مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ". والذين يدعون أصناف: منهم من يدعى ليقلع عن الكفر إلى الإيمان، أو ليرجع عن البدعة إلى السنة، أو ليتوب من المعصية إلى الطاعة، أو ليعاود النشاط ويطرد الفتور والكسل، والجميع يذكرون كما تعالى: "وَذَكِّر فَإِنَّ ٱلذِّكرَىٰ تَنفَعُ ٱلمُومِنِينَ". 15 من شهر ذي القعدة 1442

الخاطرة 342

(1) خبر سار هذا خبر سار، إنها المرة الأولى التي أسمع أن أحد المسؤولين هدم ضريحا بعد أن بناه بماله أو بمال غيره في إحدى بلديات ولاية معسكر، لكن الذي يؤسف له أنه لم يهدمه توبة إلى ربه من جرمه، بل لأنه خشي على منصبه الذي زعزعته المنشورات بالتلميح المقارب للتصريح باسمه، فبادر إلى الاحتياط لدنياه الفانية، لا لآخرته الباقية: ومن البلية أن ترى لك صاحبا * في صورة الرجل السميع المبصر فطن بكل مصيبة في ماله * وإذا أصيب بدينه لم يشعر!! سبق أن نجح هذا المسؤول ذو الوظيفة المرموقة (!!) في بناء أكثر من ضريح في منطقة ما من هذه الولاية خدمة لـ(رجال البلاد) الذين يظن بعض الجهلة أن لهم تصرفا فيما يجري على المخلوقات، وهو شرك أكبر نعوذ بالله أن نشرك به شيئا، والذي يسر هو أن الضريح هدم على يد من بناه، فالحمد لله. القبر في هذه الشريعة لا يهان بالمشي عليه، أو بالجلوس عليه، ولا يعظم بالبناء عليه ولو بطلائه أو بالكتابة، وإنما شرعت زيارة القبور لأنها تذكر الآخرة، وليس من مقاصد هذا الدين بقاؤها، وإلا لكان أولى القبور بالبقاء؛ قبور الأنبياء -وهم جم غفير- كي تحفظ أجسادهم التي حرم الله على الأرض أن تأكلها، ولا يعرف من قبورهم على وجه الجزم غير قبر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وعلى آله، وعدم معرفة قبورهم من رحمة الله بالخلق، فإن الأمر كان على هذا النحو الذي في قوله عليه الصلاة والسلام: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"... يتبع •

الخاطرة 342

(2) صح النهي عن خمسة أمور أن تصنع بالقبر: أن يكون مشرفا، وأن يبنى عليه، وأن يجصص، وأن يكتب عليه، وأن يقعد عليه، والنهي الأول والثالث والرابع يدل من باب أولى على النهي عن الثاني كما لا يخفى. وهذه المناهي تدخل في سد الذرائع إلى الفساد، وأعظمه الإشراك بالله الذي يبتدئ بقصد القبر، يليه الدعاء عنده، ثم الدعاء به، وما يلي ذلك مما هو موجود معروف وهو شرك، ويؤخذ منها ما سبق ذكره في الشطر الأول من هذا المنشور وهو أنه ليس من مقاصد الشرع الإبقاء على القبور. ومن الأدلة ما رواه أبو داود عن علي الهمداني قال: كنا مع فضالة بن عبيد برودس من أرض الروم، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بتسويتها"، هكذا فعلوا وهم في حرب، لأن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لا هوادة فيها، ولا تتوقف على حال المسلم من منشط أو مكره أو عسر أو يسر، والأمر بتسويتها يدل على منع البناء من باب أولى. ومن فقه سحنون بن سعيد رحمه الله أنه بعد أن أورد آثارا في المدونة؛ عقب عليها بقوله: "فهذه آثار في تسويتها، فكيف بمن يريد أن يبني عليها"؟. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لأن يجلس أحدكم على جمرة تحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر". والقعود على القبر امتهان له، وحمله أهل المذهب على قضاء الحاجة، وهو مجاز، والحقيقة مقدمة، ومجاز القعود مستشنع لا يكاد يفعله إلا البهائم، فهو كالتعطيل لدلالته. ومما يتعجب منه قول الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله في كشف المغطى: "ووجه هذا الحمل أن الشريعة منزهة عن كراهة أو تحريم شيء في حق الميت يجوز مثله في حق الحي(!!)، فإن القبر بيت الميت، ولا مانع من القعود على سطح بيت أحد(!!)، أو على سرير فوق سريره كبيوت المدارس، وفرش مراكب البحر، فتعين تأويل اللفظ على محمل صحيح فصيح الاستعمال(!!)، انتهى، وهو كلام متهافت منقوض، بينت ما فيه في كتاب العجالة . وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يقعد على القبر وأن يقصص ويبنى عليه"، ورواه الحاكم في المستدرك فزاد النهي عن الكتابة، ولفظه: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبنى على القبر أو يجصص أو يقعد عليه، ونهى أن يكتب عليه" . والتجصيص - ويقال التقصيص - هو طلي القبر بالجص، وهو الجير، وغيره مثله، لما فيه من جلب الأنظار، فكيف بما فوقه من البناء ؟ . وروى مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال، قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته"، والمشرف هو الذي يتجاوز نحو الشبر علوا، وإذا كان القبر العالي بالتراب يسوى؛ فكيف بالبناء؟، ودلالة الاقتران بين التمثال والقبر المشرف على ضعفها؛ لا يخفى ما تشير إليه، وقد صارت بعض القبور كالأوثان بسبب التساهل في البناء عليها . والذي تداوله أصحاب المصنفات في المذهب؛ أن البناء على القبر مكروه، وعلقوا تحريمه على المباهاة به، قال خليل رحمه الله ذاكرا المكروهات: "وتطيين قبر وتبييضه وبناء عليه وتحويز وإن بوهي به حرم، وجاز للتمييز كخشبة بلا نقش"، وهذا الذي ذكره هو غرابة لأقوال كثيرة مضطربة يمكنك أن تطلع على الكثير منها في مواهب الجليل للحطاب رحمه الله، ومعظمها آراء لا أزمة لها ولا خطم، وقد بلغ الأمر ببعضهم أن جوز الكتابة على القبر إذا كان صاحبه من أهل الخير!!، ومثل هذه النقول التي لا تقرن ببيان الحق؛ هي من أسباب توهين هيبة النصوص في النفوس، فتنفتح أمامها الآراء وقد تتلاعب بها الأهواء . ومن ذلك تقييد حرمة البناء بالمباهاة، فإنها محرمة لذاتها صحبت البناء على القبر أو غيره، ونظير هذا؛ النهي عن اطالة الثوب إلى أسفل من الكعب، فهو محرم، فإن بوهي به؛ فقد جمع الفاعل الشر من جهتين . فإن كانوا قد أخذوا الكراهة التنزيهية من كلام الإمام مالك؛ فإن إطلاقها عليها اصطلاح حادث، وكثيرا ما يراد بها التحريم في لسان الشرع، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "...، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال"، ومن هذا القبيل تعبير مالك رحمه الله عن تزوج الحربيات بلفظ الكراهة لأنه ذريعة إلى تضييع دين الأولاد، فكيف يكون تنزيها؟، وقد جزم القرطبي المفسر بالتحريم، ومنه تعبيره بها عن بناء المساجد على القبور وغير ذلك ... يتبع . التاسع عشر من ذي القعدة 1442 . •

الخاطرة 343

رأيت هذه الأيام كتابا أصله مجلدان فبلغ بالتخريج سبع مجلدات، وهو أمر جرى عليه كثير من محققي الكتب بتخريج ما فيها من الأحاديث والآثار والإحالة على مظان المسائل الأصولية والفقهية واللغوية وغيرها، والترجمة للأعلام، فيغدو الأصل لا يمثل إلا جزءا يسيرا من حجمه، فيغلو ثمنه، ولا يستفاد من تسويد الورق بأسماء الكتب والأبواب المحال عليها وأجزائها وصفحاتها شيئا، مع أنها تختلف حسب الطبعات، فما الجدوى من هذا الذي يهدر به الوقت، ويرتفع به سعر الكتاب، ولا يستفيد منه إلا النادر من القراء؟ بل هو سبب في استثقاله والإعراض عن قراءته جملة. قد يستقصي المعتني بالكتاب من روى الحديث من أصحاب الصحاح والمستخرجات والسنن والمسانيد والمصنفات والمعاجم والأجزاء والمشيخات وغيرها، مع أنه في الصحيحين اللذين تلقتهما الأمة بالقبول، فإذا لم يكن ثمة زيادة في إحدى الروايات ينتفع بها في الاستدلال على حكم شرعي أو غيره، أو كان الحديث قد تكلم فيه، فقصد المخرج رد الطعن عنه - وفي الصحاح له أمثلة - فما فائدة ذلك؟. وفيم العناء في تخريج حديث ضعيف من غير أن يكون في هذا التسويد فائدة بذكر وصل منقطع، أو إسناد مرسل، أو رفع موقوف، أو ذكر متابعة أو شاهد يرفع به الضعيف إلى درجة الاعتبار؟. وقد قيل إن سفيان بن عينية رحمه الله ألجاه أصحاب الحديث إلى الميل فالتفت إليهم وقال: "ما أدري الذي تطلبونه من الخير (!!)، ولو كان من الخير لنقص كما ينقص الخير"، وهي كلمة بعثه عليها الضجر، ولأهل العلم فيها نظر، كما قال ابن عبد البر. وقد صاغ قولة سفيان هذه بكر بن حماد في بيتين ردهما عليه الناس وشددوا النكير وهما: أرى الخير في الدنيا يقل كثيره * وينقص نقصا والحديث يزيد ولو كان خيرا قل كالخير كله * وأحسب أن الخير منه بعيد!! وروى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن حمزة بن محمد بن علي الكناني قال: خرجت حديثا واحدا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مائتي طريق قال: فداخلني في ذلك من الفرح غير قليل، وأعجبت بذلك، قال فرأيت ليلة من الليالي يحيى بن معين في المنام فقلت له: يا أبا زكريا خرجت حديثا واحدا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مائتي طريق، قال: فسكت عني ساعة ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت: "أَلهَيٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ"، وهذا الذي قاله يصدق بلا شك على كثير مما ذكرته من التخريج. لا شك أن عناية الأمة بحديث نبيها صلى الله عليه وآله وسلم خير كله، ومن ذلك هذا الذي يبث على وسائل التواصل من كتابة الأحاديث، وبيان معانيها، والتنبيه بها على السنن المهجورة، فنحمد الله على هذه النعمة العظيمة التي تيسر منها ما لم يكن من قبل، لكنه ليس كهذا التكاثر الذي نتحدث عنه. في السابع عشر من شهر ذي القعدة 1442 •

الخاطرة 344

الوقوع في الشيخ العالم محيي السنة، محمد ناصر الدين الألباني انطلق في الخفاء إبان حرب الخليج، قبل أكثر من ثلاثين عاما. ومن آثاره ظهور غلاة الجرح، وما عانته الدعوة منهم وما تزال، ثم جاء وقت الطعن فيه علنا تمهيدا للوقوع في علماء آخرين فيما أحسب، وليس ذلك بضارهم شيئا، فقد قاموا بما عليهم، فرحم الله من مات منهم، وثبتنا وثبت الأحياء على الحق، ومن وضع هذا الأمر في السياق فإنه لا يستغربه . ولا بأس أن أذكر هنا قول المتنبي عن نفسه مستهينا بخصمه: لقد زادني حبا لنفسي أنني * بغيض إلى كل امرئ غير طائل إذا ما رآني قطع الطرف دونه * ودوني فعل العارف المتجاهل وإني بغيض للئام ولا ترى * بغيضا لهم إلا كريم الشمائل وقال: وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهي الشهادة لي بأني كامل ليلة العشرين من ذي القعدة 1442 •

الخاطرة 344

استقرأ أبو محمد علي بن حزم رحمه الله من عرف بالفتوى من أصحاب النبي صلى عليه وآله وسلم، فبلغوا أكثر من مائة وثلاثين نفسا، صنفهم إلى مكثر ومتوسط ومقل . وذكر في القسم الأخير ماعزا والغامدية رضي الله عنهما، فعلق ابن القيم رحمه الله في كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين) على ذلك قائلا: "ولعله تخيل أن إقدامهما على جواز الإقرار بالزنا من غير استئذان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك؛ هو فتوى لأنفسهم بجواز الإقرار، وقد أقرا عليها، فإن كان تخيل هذا؛ فما أبعده من خيال، أو لعله ظفر عنهما بفتوى في شيء من الأحكام". قلت: كأن ابن القيم استبعد أن يكون ماعزا والغامدية من المفتين، فالتمس هذا المخرج البعيد لما ذكره ابن حزم، والظاهر أن الأمر ليس مبنيا على هذا اللازم البعيد، وهو إقرارهما على مشروعية الاعتراف، فتكون فتوى لأنفسهم، فقد كانت قلوب القوم سليمة رقيقة يذكرون عن أنفسهم ما هو أدنى من ذلك بكثير كقصة حنظلة رضي الله عنه وغيره، فكيف بما علما أن فيه حدا؟. فحد الزاني البكر كان معروفا عندهم، وهو في كتاب الله، وكذا حد الزاني الثيب الذي بقي حكمه ونسخ رسمه، وثبت بالسنة الفعلية والقولية، مع أنه مشار إليه فيما صح من سبب نزول قوله تعالى: "فَإِن جَاءُوكَ فَٱحكُم بَينَهُم أَو اَعرِض عَنهُم وَإِن تُعرِض عَنهُم فَلَن يَضُرُّوكَ شَيـًٔا‌ وَإِن حَكَمتَ فَٱحكُم بَينَهُم بِٱلقِسطِ‌ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلمُقسِطِينَ"، وهو في يهوديين زنيا فرجمهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين ما في إقامة الحد من المصلحة للجاني في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال - وحوله عصابة من أصحابه- : "..ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه"، وشأن المبايعة أن لا تخفى على الناس. وأبلغ ما يدل على أنهما قد علما هذا الأمر؛ قول ماعز كما في صحيح مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني، وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل عنه قومه بعد أن أقر فقالوا: ما نعلم به بأسا إلا أنه أصاب شيئا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام عليه الحد"، ومثله الغامدية فقد قالت له: طهرني، بل قالت: أتريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك؟، فثبت أنهما اعترفا لما علما في إقامة الحد عليهما من مغفرة الذنب. وقد قال الصادق المصدوق عن توبة ماعز: لو قسمت بين أمة لوسعتهم، وقال عن الغامدية: لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم. ومما يدل على ذلك في الجملة؛ قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري من حديث زيد بن خالد وأبي هريرة رضي الله عنهما في قصة العسيف الذي زنا بامرأة صاحبه: "واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، وقد أجمع المسلمون على رجم المقر بالزنا بقيوده، لكن هذا قد لاينفع في قضيتنا، إذ ربما كان تاليا لقصة ماعز والغامدية رضي الله عنهما لا متلوا . فالغامدية وماعز على ما قاله ابن حزم كانا من المفتين، وإن كانا من المقلين، والحمد لله رب العالمين. يوم الرابع والعشرين من شهر ذي القعدة 1442

الخاطرة 345

تتباهى الدول بانخفاض نسبة الأمية فيها، وارتفاع نسبة التعليم، والأمية نقص ينبغي أن يربأ الإنسان بنفسه عنه، والأخذ بناصية علوم الحياة المختلفة أمر مطلوب شرعا، بل هو من فروض الكفايات، وقوة الدول المادية اليوم راجعة إليه . وليست الأمية ولا ترك التعلم كمالا إلا في نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه من آيات نبوته كما قال الله تعالى: "وَمَا كُنتَ تَتلُواْ مِن قَبلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ‌ إِذًا لَّٱرتَابَ ٱلمُبطِلُونَ". أما وصف هذه الأمة بالأمية؛ فلأن دينها ميسر يصل إلى معرفته الناس كلهم، ومن ذلك أوقات صلواتهم فقد ربطت بالشمس عينا وأثرا، وهو المشار إليه في قوله تعالى: "أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرءَانَ ٱلفَجرِ‌ إِنَّ قُرءَانَ ٱلفَجرِ كَانَ مَشهُودًا"، وكالصيام الذي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سياق الاعتماد على رؤية الهلال بداية ونهاية: "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، فهذا ليس مدحا للأمية كما ظنه بعضهم، فطعن في الحديث بجهله، ولكنه بيان لخصيصة من خصائص رسالته، وعن ابن عباس مرفوعا: "نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب، يقال أين الأمة الأمية ونبيها"؟، رواه ابن ماجة. ومع هذا فالأمر بالقراءة الذي هو أول ما نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتباهى به بعضهم في غير موضعه؛ مقرون بسم الله، وبإقرار الإنسان بخالقيته، وبضعفه، وتعليمه ما لم يكن يعلم: "ٱقرَأ بِٱسمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلاِنسَـٰنَ مِن عَلَقٍ ٱقرَأ وَرَبُّكَ ٱلاَكرَم ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلقَلَمِ عَلَّمَ ٱلاِنسَـٰنَ مَا لَم يَعلَم". قد نفرح بارتفاع نسبة القارئين والكاتبين في دول المسلمين، وإقبالهم على علوم الحياة لنسد نقصنا ونقلل من تبعيتنا، لكنها ليست مناط امتداح، ولا عنوانا على الفلاح، وهو ظن كثير من الناس، قال عليه الصلاة والسلام: "إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم، رواه أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه، والمقصود بظهور القلم الكتابة، والقراءة لازمة لها. قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله: "ففي الحديث إشارة قوية إلى اهتمام الحكومات اليوم في أغلب البلاد بتعليم الناس القراءة والكتابة، والقضاء على الأمية، حتى صارت الحكومات تتباهى بذلك، فتعلم أن نسبة الأمية قد قلت عنها حتى كادت أن تمحى، فالحديث علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وآله وسلم بأبي هو وأمي". قلت: ومثله هذا التطور المذهل في العلوم المشار إليه فيما رواه النسائي والحاكم عن عمرو بن تغلب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن من أشراط الساعة أن يفيض المال، ويكثر الجهل، وتظهر الفتن، وتفشو التجارة، ويظهر العلم"، والجمع بين ظهور العلم وكثرة الجهل؛ دليل على أنه علم الدنيا، مع انه إذا أطلق انصرف إلى العلم بالله وبأحكامه، فهو الذي به صلاح الأفراد والمجتمعات، وهو الذي فرض الله طلبه على كل مسلم، أما الأول؛ فلا يرفع عن الإنسان صفة الجهل، ولهذا جمعا في الحديث كما رأيت، وقال الله تعالى: "قُل اَفَغَيرَ ٱللَّهِ تَأمُرُونِّى أَعبُدُ أَيُّهَا ٱلجَـٰهِلُونَ"، وقال: "وَلَـٰكِنَّ أَكثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعلَمُونَ يَعلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَهُم عَنِ ٱلاَخِرَةِ هُم غَـٰفِلُونَ"، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزع من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"، رواه الشيخان عن ابن عمرو. إذا علمت هذا؛ فزن به ما تصف به غيرك أو تمدحه به لنجاحه فتكتب: هنيئا لابني فقد فاز في شهادة التعليم المتوسط، مزيدا من التألق والسمو لابنتي فقد حصلت في شهادة البكالوريا على أعلى معدل في ولايتها، حصل فلان على أعلى نقطة في الجزائر، ناقشت رسالتي للحصول على الدكتوراه فنلتها بدرجة مشرف جدا. نسر بنجاح أولادنا في الامتحانات، وبحصولهم على الشهادات، ونشاركهم عواطفهم، لكن لا يصح أن نغلو فنرسم هذه الهالة الأرجوانية للناجحين، فيزداد غرورهم، ويشتد حزن (الخاسرين) على ما فاتهم، إن المدح بالحق ذبح فكيف بالباطل؟ . لا يصح أن نفصل هذا التنويه عن التربية وحسن الخلق وصلاح السيرة، وإذا كان العلم بالله وأحكامه وهو لا بد منه للقيام بما خلقنا لأجله؛ لا ينفع بدون عمل، بل تعوذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه، فكيف بغيره مع هذا التدني في المستوى العلمي، والفساد الخلقي؟. ليلة آخر شهر ذي القعدة 1442

الخاطرة 346

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم من مجلس؛ حتى يدعو بهذه الدعوات لأصحابه: "اللهم أقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا". رواه الترمذي وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وحسنه الألباني، وهو في مستدرك الحاكم وقال: على شرط البخاري، وفيه أنه كان يختم بهن مجلسه، ورواه البيهقي في (الدعوات الكبير)، وترجم عليه بقوله: (جامع ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وآله وسلم)، ورواه النسائي في السنن الكبرى، وفي أوله: (كان ابن عمر إذا جلس مجلسا لم يقم حتى يدعو لجلسائه بهذه الكلمات، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو بهن لجلسائه)، وهو في الزهد والرقائق لابن المبارك، وهو عند البغوي في شرح السنة من طريقه، ورواه البزار في مسنده، والطبراني في معجمه الصغير . ومما اشتمل عليه هذا الدعاء العظيم الجامع: * أنه يشرع في نهاية المجلس . * وأنه يدعى به للحاضرين جهرا . * وقدم التزام التكاليف على غيره من دفع المضار وجلب المنافع؛ لأن سلامة الدين رأس مال المسلم وما عداها فأمره هين * وأن هم المؤمن فعل المأمور، واجتناب المحظور، والرضا بالمقدور . * وأن عليه أن يلجا إلى ربه يستعينه على تيسيرها اذ لا حول ولا قوة له إلا به . * وأن خشية الله - وهي الخوف المقرون بتعظيمه - يكفي منها ما يحول بين المرء وبين المعاصي . * وأن الطاعات؛ أسباب دخول الجنات، وفي قوله (ما تبلغنا) أمران: طلب الاستمرار عليها، وبيان أنها ليست موجبة للجنة وحدها . * وأن اليقين بأنه لا يقع في ملك الله إلا ما شاءه؛ مما تحتمل به المصائب وتخف وطأتها، إذ لا تخلو أفعال الله من حكمة . * وأنه يشرع الدعاء بدوام صحة السمع والبصر وغيرهما مدى الحياة، ويلزم من ذلك الحفاظ عليها . * وأن الأخذ بالحق لا يتعدى الظالم لأن خلافه فعل الجاهلية. * وأن المصيبة في الدين لا تقارن بالمصيبة في الدنيا . * وأن صرف بعض الاهتمام للدنيا لا بد منه . * وأن الاشتغال بعلومها لا يجوز أن يكون غالبا على المؤمن . * وفيه الدعاء بأن لا يكون الصالحون مغلوبين، ولا الظالمون هم الحاكمين، فإن الظالم لا يرحم رعيته . وقد روى الطبراني والحاكم عن جابر بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من قال سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛ فقالها في مجلس ذكر؛ كانت كالطابع يطبع عليه، ومن قالها في مجلس لغو؛ كانت كفارة له". فليجمع بين هذا الدعاء وبين الذي قبله لأنهما جنسان مختلفان، ولأن الأول دعاء للحاضرين، وهو جهر، والأخير دعاء للنفس، وليكن هو الأخير، والحمد لله رب العالمين. الثالث من شهر ذي الحجة 1442 •

الخاطرة 347

أكثر الأحاديث تداولا هذه الأيام بين العلماء والدعاة وعوام المسلمين؛ هو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله منه في هذه الأيام، يعني أيام العشر، قالوا يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بماله ونفسه ثم لم يرجع من ذلك بشيء". رواه البخاري وأبو داود وهذا لفظه، والترمذي والدارمي وابن ماجة، وفي رواية للطبراني "فأكثروا فيهن من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل". وقد لاحظت خروجا عن الصواب من بعضهم في فهم الحديث، حتى قيل: عجبا للناس يجتهدون في رمضان ولا يجتهدون في هذه العشر!! وهو قول غير سديد، فإن من اجتهد في طاعة الله في أي وقت يحمد له ذلك، ولا بأس أن ينبه إلى الأوقات الفاضلة، وشهرة فضل رمضان على غيره غالبة على الناس، فلا يصح أن نهونها في أنفسهم بمثل هذا القول. على أن ليالي رمضان خير ليالي العام، فإن فيها ليلة القدر وهي خير من ألف شهر، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، فإنها هي المقسم بها في قوله تعالى: "وَٱلفَجرِ وَلَيَالٍ عَشرٍ"، وأيام عشر ذي الحجة خير أيام العام، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "أفضل أيام الدنيا أيام العشر". حملني هذا على أن أكتب عن الحديث شيئا، فعاجلني بعضهم بما كتبه عنه، ذهب فيه إلى أن العمل الصالح الذي يفضل غيره في هذه الأيام؛ هو ما تختص به هذه العشر، لا عموم العمل، كما هو شائع بين جماهير العامة والخاصة، ثم تبين أن ما قرأته هو بعض ما كتبه الأخ الكريم الشيخ العيد شريفي وفقه الله، مقويا ما ذهب إليه بما في الحديث من تفضيل الأعمال الصالحات في هذه العشر على الجهاد بالقيد الذي في الاستثناء (إلا رجل خرج بماله ونفسه ثم لم يرجع من ذلك بشيء). قلت: هذا حق، فإن الجهاد إما فرض عين أو كفاية، فكيف يسوغ أن يكون المقصود بالأعمال الصالحة التطوعات من الصيام والصدقة ونحوهما؟ مع ما في الحديث القدسي الصحيح: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه"؟. والذي يزول به ما استشكله الشيخ العيد في نظري؛ هو أن المراد من الحديث مقارنة جنس العمل الصالح في هذه الأيام؛ بجنس العمل الصالح في غيرها، وجنس العمل يدخل فيه الفرض والنفل، فالفرض فيها أعظم أجرأ منه في غيرها، والنفل فيها كذلك، وبهذا يبقى على عموم الحديث، فلا حاجة إلى اعتباره من العام الذي أريد به الخاص، والأدلة قائمة على تفاوت الفرائض والمندوبات في الفضل في غير العشر هذه، فكيف بها فيها؟ كأجر من صلى البردين والصلاة الوسطى وركعتي الفجر والوتر وصيام الإثنين والخميس، فالمقصود من الحديث الموازنة بين مجموع الأعمال التي تجري في غير العشر بما هو في العشر مما تشارك فيه غيرها، ومما تختص به، لأنه ما من عمل مشروع في غيرها إلا وهو موجود فيها، وتزيد عليه بمناسك الحج من الطواف والسعي والوقوف بعرفة ورمي الجمار وبالأضاحي والهدايا وصلاة العيد، فبهذا الاعتبار تفضل هذه الأيام غيرها، ويبقى على عموم الأعمال في الحديث. أما ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم صوم يوم عرفة مع ما فيه من الفضل، فهذا والله أعلم لا حجة فيه على ما ذهب إليه الشيخ ابو عبد الباري، لأن تركه قد يكون لما هو أعظم منه مما لا يقوى عليه الحجاج مع الصوم، وهم يقتدون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون تزاحما بين مندوبين، وقد حصل نظير هذا لعبد الله بن مسعود فكان أصحابه يصومون وكان قد لا يصوم لأنه يضعفه عن تلاوة القرآن. أما قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صائما العشر قط"؛ فإنما يدل على نفي صوم العشر كلها، أعني التسع، فإن (العشر) مفعول به لاسم الفاعل (صائما)، وإنما يدل على المقصود لو قالت ما رأيته صائما في العشر، لكني لم يتيسر لي تتبع روايات الحديث، فلعل في بعضها ما يعترض به على هذا الذي ذهبت إليه. لكن لو قدر عدم صومه شيئا منها؛ ما كان ذلك تعارضا بين حديث المسألة وبين تركه الصوم، فإن القول شريعة عامة، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ترك بعض الأعمال إشفاقا على أمته لعلمه بحرصهم على الائتساء به، وأمثلته كثيرة، منها قوله عن وقت العشاء المفضل: "إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي"، وقوله: "ولولا أشق على أمتي ما تخلفت خلف سرية"، ومن ذلك قوله: "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوما ويفطر يوما"، ومع ذلك ما صام صوم داود، لكنه انتهى إليه في تدرجه مع عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقد يكون من هذا القبيل تركه الاعتمار في رمضان مع أنه يعدل حجة، والله أعلم، وجزى الله الشيخ أبا عبد الباري ونفع به وجمع له بين الأجر والعافية. ليلة السادس من شهر ذي الحجة 1442 •

الخاطرة 348

قال عليه الصلاة والسلام: "تعجلوا إلى الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له"، رواه أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي لفظ: "من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة"، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة، وفي الاستدلال بهما على أن الحج واجب لعلى الفور شيء، لكن الفور هو الأصل . والقول بلزوم الحج للقادر عليه فورا؛ هو قول البغداديين المالكية، والتراخي للمغاربة منهم، وعمدتهم أمر مختلف فيه، وهو السنة التي فرض فيها، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحج، بل بعث أبا بكر رضي الله عنه أميرا عليه. قال القاضي إسماعيل رحمه الله وهو ممن يرى أن الحج على الفور: "ويستبعد أن يفرض عليه الحج فيحج أبو بكر قبله، ولو كان مفروضا يومئذ فأخره عليه الصلاة والسلام؛ لم يشبه غيره، لأن الله سبحانه أخبره أنه يفتح عليه، ويدخل مكة آمنا، فكان على ثقة، فكيف يجوز لمن كان عليه فرض، وهو غير معلوم بقاؤه إليه؛ أن يؤخره، وليس على علم من تأخر عمره"، وللشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله كلام يشبهه. وقد جمع الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في زمان حجه بين تطهير الكعبة من الأوثان، وزوال النسي باستدارة الزمان، ومنع المسجد الحرام عن عبدة الأوثان . وفي حديث عياض بن حمار الذي في مسند أحمد وصحيح مسلم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "..، وإن الله أمرني أن أحرق قريشا، فقلت: رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة..."، والمقصود أنه فهم من الأمر الفور. وقد بلغ عدد الحجاج هذا العام من مواطني المملكة السعودية والمقيمين فيها ستين ألفا، وهو يزيد كثيرا على عددهم في العام الماضي، فلله الحمد، ولا يبعد أن يكون عدد الحجاج في عهد الخلافة الراشدة قد بلغ عدد هذا العام أو زاد عليه، ونسبة حجاج هذا العام إلى عددهم سنة 1439 قبل حصول الوباء هي 2،6%، وفي هذا عبرة وعظة، فلنتضرع إلى الله في هذا اليوم الذي الدعاء فيه خير الدعاء؛ أن يكشف السوء ويأذن بالفرج. وقد قيل إن عدد الصحابة رضي الله عنهم عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ بلغ أربعة عشر ألفا ومائة ألف، وأن عدد من حج معه أربعون ألفا، والأمر تقدير، وهو غير مستبعد، قال العراقي رحمه الله: والعد لا يحصرهم فقد ظهر ** سبعون ألفا بتبوك وحضر الحج أربعون ألفا وقبض ** عن ذين مع أربع آلاف تنض يوم التاسع من ذي الحجة 1442 •

الخاطرة 349

(1) مما يعين على فهم الكلام وقصد قائله؛ مراعاة سياقه، وهو إما الكلام نفسه، أو حال قائله، أو محيطه وبيئته، فالثلاثة لها دخل كبير في فهمه على وجهه . وأصل الأول عناية العلماء بأسباب نزول القرآن، حتى عده بعضهم من المرفوع، وذكروه في شروط الاجتهاد، وكذا أسباب ورود الحديث، مع أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. ويدل على الثاني أن الحكم قد يختلف بحسب حال المتكلم من إكراه وغضب، وشديد فرح وجوع وظمإ، وهم مزعج، وخوف مقلق، ومرض شديد، ونعاس وسكر وغيرها، ولبعض هذه أدلة تخصها، وما لم ينص عليه مقيس على ما نص عليه بالمساواة أو الأولوية . ويدل على الثالث عناية الصحابة - ومنهم كابن مسعود وغيره ومن بعدهم بتمييز القرآن المكي عن المدني، فإن هذا في كلام الناس كمعرفة بيئة المتكلم ومحيطه، فهي كالتأريخ له، والكلام الذي يناسب ظرفا قد لا يكون كذلك في غيره . وقد جرى عرف الباحثين المحققين على ذكر خصائص عصر من يحققون كتبهم لأن ذلك نافع في معرفة ما قد يؤثر على توجه صاحب الكتاب فيما هو عليه من العلاقات والمواقف والفتاوى وغيرها، بل إن المخالط للناس بالتعليم والفتوى والقضاء يختلف كثيرا في هذا عمن لم يخالطهم، وقد قال الحافظ ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) وهو يتكلم على صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "ولا يعرف من أئمة الفتوى إلا من احتاج اليها واحتج بها، وإنما طعن فيها من لم يتحمل أعباء الفقه والفتوى كأبي حاتم البستي وابن حزم وغيرهما". فمن لم يراع هذه الأمر قد ينسب للشخص ما لم يقله أو لا يدخل في قوله، ألا ترى بعض المختلفين الذين يجمعون على علم شخص وفضله؛ يذكر كل منهم كلامه نفسه ليقوي ما يراه، مع أنهما متناقضان، وما ذلك إلا لأن أحدهما انتزعه من سياقه قصدا، أو قصر في فهم غرضه منه، واللفظ وسيلة إلى فهم المقصود وليس مقصودا لذاته، لا يخرج عن هذا الميزان غير القواعد الكلية والأمور البدهية والمقررات العقلية القطعية ، ... يتبع . السابع عشر من شهر ذي الحجة 1442 •

الخاطرة 349

(2) أقتصر هنا على سياق الكلام الذي هو أحد أمور ثلاثة ينبغي أن تراعى كي يفهم قصد المتكلم على الوجه الصحيح، فإنه يقع به التخصيص والتقييد والتأويل وترجيح المحتمل، ومن أوضح الأمثلة على هذا قوله تعالى: "خُذُوهُ فَٱعتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَاءِ ٱلجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّواْ فَوقَ رَأسِهِۦ مِن عَذَابِ ٱلحَمِيمِ ذُق اِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلكَرِيم"، وقوله سبحانه: "قَالُواْ يَـٰشُعَيبُ أَصَلَوٰتُكَ تَامُرُكَ أَن نَّترُكَ مَا يَعبُدُ ءَابَاؤُنَا أَو اَن نَّفعَلَ فِى أَموَٲلِنَا مَا نَشَـٰؤُاْ‌ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلحَلِيمُ ٱلرَّشِيد". ومما يترتب على عدم مراعاته أن بعض الكلام يبدو أجنبيا غريبا عن سياقه، والأصل أن يكون مترابطا متناسبا، ما لم يكن مستأنفا استئنافا بينا، والطريق إليه هو التدبر وإدمان التفكر والبحث عن الروابط الخفية التي تحكم نسيج الكلام، وتسلك جمله وألفاظه في عقد متوافق متجانس، لا متنافر متخالف متشاكس. وقد أشار إلى مراعاة سياق الكلام في الاستدلال الإمام تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى في شرحه المسمى (عمدة الأحكام) عند كلامه على الحضانة وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الخالة بمنزلة الأم"، فقال: سياق الحديث يدل على أنها بمنزلتها في الحضانة، وقد يستدل بإطلاقه أصحاب التنزيل على تنزيلها منزلة الأم في الميراث، إلا أن الأول أقوى، فإن السياق طريق إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات، وتنزيل الكلام على المقصود منه، وفهم ذلك قاعدة كبيرة من قواعد أصول الفقه، ولم أر من تعرض لها في أصول الفقه بالكلام عليها، وتقرير قاعدتها مطولة إلا بعض المتأخرين ممن أدركنا أصحابهم، وهي قاعدة متعينة على الناظر، وإن كانت ذات شغب على المناظر". ومراعاة هذا الأمر يقام به الميزان الحق، وهو اعتبار قصد المتكلم، فتزول كثير من الإشكالات، وتسقط طائفة من الاستدلالات، لا يسع المقام ذكر أمثلة عنها . ينبغي القول إن كثيرا من أهل العلم وإن راعوا هذا الأمر ممارسة ما بين مقل ومكثر في التفسير وشرح الحديث؛ إلا أنهم لم يذكروه تقعيدا وتأصيلا، والعادة جارية في الغالب بأن الممارسة تسبق التنظير كما قال صاحب المراقي عن أصول الفقه: أول من ألفه في الكتب ** محمد بن نافع المطلب وغيره كان له سليقه ** مثل الذي للعرب من خليقه وأبرز من رأيته وظف هذه القاعدة العظيمة في ترجيح بعض الأقوال على بعض؛ شيخ المفسرين العالم الفذ الإمام المجتهد أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، فإذا أردت أن تقف على أمثلة منها فارجع إليه في قوله تعالى: "مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنيَا وَٱلاَخِرَةِ فَليَمدُد بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَاءِ ثُمَّ ليَقطَع فَليَنظُر هَل يُذهِبَنَّ كَيدُهُ ۥ مَا يَغِيظ"، وقوله: "هَـٰذَانِ خَصمَانِ ٱختَصَمُواْ فِى رَبِّهِم "، وقوله: "لَّيسَ عَلَى ٱلاَعمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلاَعرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُم أَن تَاكُلُواْ مِن بُيُوتِكم أَو بُيُوتِ ءَابَائِكُم أَو بُيُوتِ أُمَّهَـٰتِكُم أَو بُيُوتِ إِخوَٲنِكُم أَو بُيُوتِ أَخَوَٲتِكُم أَو بُيُوتِ أَعمَـٰمِكُم أَو بُيُوتِ عَمَّـٰتكُم أَو بُيُوتِ أَخوَٲلِكُم أَو بُيُوتِ خَـٰلَـٰتِكم أَو مَا مَلَكتُم مَّفَاتِحَهُ أَو صَدِيقِكُم لَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَاكُلُواْ جَمِيعًا أَو اَشتَاتًا‌"، والحمد لله رب العالمين. الثامن عشر من شهر ذي الحجة 1442 •

الخاطرة 349

أمل الحياة مصطلح يريد به علماء جغرافية السكان؛ متوسط أعمارهم في وقت ما، في بلد ما، وارتفاع نسبته دليل عند المختصين على تحسن مستوى المعيشة والرعاية الصحية وغيرها من ارتفاقات الحياة، وهذه قصارى ما يطالب به معظم الناس اليوم حكامهم، ويجعلونه مقياس نجاح حكمهم، ولا شك أنهم مطالبون به وبغيره مما هو أوكد وأنفع وأبقى، ويجمعهما حراسة الدنيا بالدين. إن تحسن دنيا الناس ليس معيبا لذاته، ولكنه ليس وحده هو غرض المسلمين من الحياة، ولا هو مناط السعادة فيها، فضلا عما بعدها ممن يؤمن بها، ومن الدعاء المأثور الذي قلما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفوته تذكير مجالسيه به: "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا"، وقد خاطب أصحابه فقال: "والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كم بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم"، وقال: "حد يعمل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا"، وقال الله تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" . لو كانت الديموقراطية حقا -وهي فيما أعتقد كفر- لكان على المسلمين إن لم يتركوها متابا إلى الله تعالى وهو واجب عليهم محتم؛ أن يتركوها لأنها أفسدت دنياهم، وأفسدت دين كثير منهم لو كانوا يعقلون. كنت ألزمت نفسي أن لا أتحدث عن شيء من السياسة الخالصة (!!) قبل عام لاقتناعي بأن الجري في حلبتها بمثابة من يرعى حول الحمى، فيوشك أن يتجاوز المشروع إلى غيره، وأستعيذ بالله أن أواقع معاصيه عالما بها ثم لا أتوب منها، لكني سمعت هذا الصباح عبارة أحد المحللين يعلق على الأوضاع التي استجدت في تونس فقال: إن أمل الحياة عند التونسيين قد انخفض في السنوات العشر الأخيرة، بسبب الحكم الذي ساد فيها، فرأيت ذكر أمور ثلاثة ليست من السياسة الخالصة(!!): أولها: أن هذا الذي تنكر له بعض الناس في هذا البلد؛ هو حكم ديمقراطي أشادوا به كثيرا، واعتبروه حلما تحقق، كتب له (النجاح) كما قالوا في هذا البلد دون غيره من البلدان التي شملها ما سموه بالربيع العربي، وهي كلمة مظلومة. والثاني: أن انخفاض أمل الحياة أمر حسن مفيد لمن وافته المنية ولما يتب، لكن ذلك غيب قد حجب عنا، فنتمنى للمسلمين التوبة مما هم فيه ليصير ارتفاع أمل الحياة خيرا لهم، وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: "خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله". والثالث: أن هذه النسبة غير صحيحة لأن أمل الحياة يحسب في الأحوال العادية، وتونس كغيرها قد أمعن فيها هذا الوباء فتكا بالناس، نسأل الله أن يكشف عنها وعن سائر بلدان المسلمين هذا السوء. يوم العشرين من ذي الحجة ١٤٤٢

الخاطرة 350

أورد البلقيني في تذكرته بالنقل عن ذيل تاريخ بغداد لابن النجار حكاية - اختصرها - عن أبي الرضا بن سعد الله الواسطي قال: كان ابن الكواز (عمر بن أحمد) وأصحابه لا يمكنون أحدا يعبر عليهم ومعه خمر إلا أراقوه، وكان ذلك في أيام السلطان مسعود، والأعاجم وأتباعهم العسكرية وغلمانهم حينئذ كثيرون ببغداد، واشتد إنكار ابن الكواز عليهم وكثر، حتى رفعوا ذلك إلى السلطان، فاتفق في بعض الأيام أن السلطان كان في مجلس له مشرف على دجلة، وقد عبئ له فيه من الفواكه والرياحين وقرابات الخمر والمغاني وهو مشغول بشأنه، فاجتازت سفينة في الشط فيها ابن الكواز وأصحابه، فقال بعض من كان في المجلس للسلطان: هذا ابن الكواز الذي يؤذينا !!، فأمر السلطان بإحضاره، فجيء به سريعا، فقال: "يا شيخ ما تظهر قوتك وإنكارك إلا على غلام عاجز أو خربنده ما معه قيمة شيء حقير، إن كنت تريد أن تعمل شيئا له قدر؛ فأظهر قوتك علينا، وما في مجلسنا، ومجلس أكابر من يخدمنا، وإلا ما في فعلتك معنى"، فقال: "يا سلطان، أنا أنكر على هؤلاء، لأنهم على قدري، وأما الجبال فينسفها ربي نسفا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفصَفًا لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمتًا"، فبكى السلطان وقال: قد أذنا لك في صب ما هاهنا، فأراقه كله في الدجلة، وانفصل ذلك المجلس، وتفرق من كان فيه، وخرج ابن الكواز إلى أصحابه. ملاحظة: الخربنده هو الذي يؤجر الدواب للمسافرين، هو الكَرِيّ بفتح الكاف وكسر الراء وتشديد الياء، ويطلق على المكتري أيضا. يوم الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة 1442 •

الخاطرة 351

لقد مس الضر إخواننا في ولاية تيزي وزو وبجاية وغيرهما في أنفسهم وأموالهم وديارهم ومراكبهم، فليصبروا وليحتسبوا، وليستيقنوا أن ربهم يصلي عليهم ويرحمهم؛ ما لجأوا إلى هذا الذي مدح به الصابرين المسترجعين عند النوائب والنوازل كما قال: "وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَىءٍ مِّنَ ٱلخَوفِ وَٱلجُوعِ وَنَقصٍ مِّنَ ٱلاَموَالِ وَٱلاَنفُسِ وَٱلثَّمَرَتِ‌ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَـٰبَتهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَيهِم صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِم وَرَحمَةٌ‌ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلمُهتَدُونَ". الذي ألم بهذا الجزء العزيز من بلدنا وإن كان محنة وهو قضاء الله وقدره الذي لا مرد له؛ فقد كان سببا في هذا التضامن الواسع الكبير الذي أبداه الناس من مختلف جهات الوطن، ومن بينهم جنود الجيش الذين توفي عدد منهم وهم يقاومون النيران الملتهبة، وينقذون عشرات الأنفس من أسباب الموت المحيطة بهم. أبانت هذه الحرائق التي تكررت فأتلفت أنفسا وأهلكت الزرع والضرع والممتلكات وأفسدت البيئة، وما سبقها ورافقها من هذا الوباء؛ فضيلة المواساة والعطاء والبذل المعتاد في ناسنا، وترسخت بها الأواصر التي تجمعنا، وخنست تلك الدعاية التي روجت لها أبواق التفرقة العنصرية المضللة فذهبت جفاء، فجزى المحسنين خير الجزاء، ونسأل الله تعالى أن يرحم موتانا، ويشفي مرضانا، ويرفع عن بلدنا وسائر بلدان المسلمين هذه الآلام والمحن والفتن، وأن يقينا شر الأشرار، وكيد الفجار، ويجعلنا من أهل الاعتبار والادكار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. يوم الاربعاء الثاني من شهر المحرم أوت 2021 •

الخاطرة 352

قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير" . دخلت حركة طالبان مدينة كابل عاصمة أفغانستان هذا اليوم السابع من شهر محرم 1443 بعد عشرين سنة من إزاحتها عن الحكم الذي تولاه الغزو الأمريكي والحلف الأطلسي. هي حرب لا تكافؤ فيها البتة في العتاد والعدة انتهت إلى غير ما توقعه المختصون والخبراء وأظهرت نتيجتها أن موازين القوى ليست على الظاهر فحسب وأن للاستماتة في بلوغ الهدف والصدق في التوجه دخل كبير في النتيجة . أما زعم وزير خارجية أمريكا أن بلاده نجحت في مهمتها!! فهو نجاح شبيه من وجه بفاجعة فرنسا في الفتنام. لقد غيرت أمريكا خطتها الاستدمارية من الاعتماد على الغزو العسكري إلى غيره من الحصار الاقتصادي والسياسي بعد أن أيقنت أنه لا يحقق لها ما تريد. وكان غزوها للعراق وما خلفه من آثار بداية هذا التوجه مع ما تلحظه من تغلغل النفوذ الصيني الاقتصادي الصامت الهادئ في الكثير من الدول، وقد ظهر ذلك جليا في سياستها إبان عهد رئيسها المعتوه ترامب في سوريا وليبيا واليمن وغيرها . اختلافنا مع طالبان في بعض المسائل العقدية والمنهجية والتصوف والعمليات الانتحارية وغيرها لا يجيز لنا أن نترك هذا الحدث يمر وكأنه أمر عادي، كيف نسوي بينها وبين الكفار الذين احتلوا هذا البلد وخرجوا منه أذلاء صاغرين بعد جهد كبير في إفساد المجتمع والمرأة بالخصوص، وبث الفرقة بين جماعاته وأفراده، وهل يسوغ أن نسوي بينها وبين العلمانيين الذين نصبهم الغزاة حكاما، ومن نصرهم ممن يسمون بالنخبة، فلهذا نفرح بانتصارهم ونرتاح لما حققوه . لكننا نعتقد أن أمريكا ما خرجت لتترك الأفغان وشأنهم، بل إنها ستواصل مكرها بطرق أخرى تراها أقل كلفة، وأعظم تأثيرا، ولعلها تراهن على عجز طالبان في الحكم سريعا بعد أن نجحت في كسب الحرب، وقد يكون رهانها على إثارة النعرات القبلية، وكذا على القوى الإقليمية المجاورة ولا سيما إيران التي قد تعتمد على شيعة هذا البلد وعلى الساخطين على طالبان لتنشئ حشدا شعبيا شبيها بالذي في العراق . إن تولي الحكم في هذا البلد وبعد التدمير الحسي والمعنوي الذي أصابه من الصعوبة بمكان، وبمقدار سرورنا بهذا الانتصار بمقدار خوفنا بالنظر إلى تجارب سابقة معاصرة. فعلى إخواننا أن يشكروا الله الذي مكن لهم ويتقوه ويلتزموا شرعه. وعليهم أن يولوا عناية خاصة لسلامة العقائد وإحياء السنن والابتعاد عن البدع، واعتماد العفو والصفح وترك الانتقام من الخصوم، والاستفادة من خبرات الأفغان في شتى المجالات من غير فرق بين الأعراق والجهات، وأن يعودوا الناس الاعتماد بعد الله تعالى على أنفسهم بعيدا عن مساعدات الدول المشروطة التي ترهن قرار بلدهم. ومع مضيهم على هذا السنن والتشبث بدينهم فليكونوا أهل مرونة في علاقتهم بالدول بحيث لا يثيرون عداءها الظاهر وإن كانت عدوة لهم، "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز" . كان لظهور حركة طالبان في أفغانستان ومن قبلها القاعدة بقيادة أسامة بن لادن ضرر بالغ على الدعوة، استغله الجهلة والمغرضون والمنافقون لينفروا الناس من الدين واعتمدت عليه الجهات الحاكمة فصنفت الناس بناء على نوع لباسهم وشكل لحاهم وغير ذلك، فصار يقال هذا لباس طالبان، هذا لباس الأفغان، فجعلوا هذا الظاهر عنوانا على الباطن، وقد ذكرني هذا الحدث بأمور بسيطة جرت لي قبل عشرين سنة: * افتتح أحد المساجد بمدينة معسكر، وطولبت بأن أقول كلمة بمناسبة زيارة والي الولاية له، فلما أخبرت المشرف على برنامج تلك الزيارة بأن المسجد يحمل اسم عبد الرحمن بن سمرة وأنه هو قائد جيش المسلمين الذي فتح مدينة كابل عاصمة أفغانستان؛ كبر عليه الأمر واستعظمه، وطلب مني أن لا أذكر هذا فكان له ما أراد!! * وقبل عشرين سنة كنت بزاوية ابن عبد الله بحي بابا علي التي كان يشرف عليها الشيخ محمد شنتوف رحمه الله، وقد أنابني عنه فيها وأعرب بلسان المقال والحال ورجا أن أصلح ما أستطيع ففعلت، وقد قيل عني بسبب ذلك إنني قبوري، وذات يوم جاء التحذير من وزارة الشؤون الدينية في مكالمة عاجلة بناء على تقارير بأن في الزاوية من يلبسون لباس الأفغان، لأن بعض طلابها كانت أزرهم إلى أنصاف الساق، وقد تحدثت عن هذا الأمر في كتابي (كيف نخدم الفقه المالكي). وفي السنوات الأولى من غزو الغرب لأفغانستان كنت في الطريق إلى الجزائر العاصمة فأوقفني حاجز للدرك الوطني بمدخل مدينة خميس مليانة، فنظر العون إلى سراويلي فرآه قصيرا فأنكر علي أن ألبس لباس الأفغان!! وهددني بالذهاب بي إلى المخفر، فقلت له: ذلك لك إن شئت، ثم ذكر لي قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم.. الحديث، فقلت له: إن الحديث حجة عليك لو كان المقام يسع البيان، وأريته عباءتي الجزائرية التي كانت على الكرسي الخلفي، فاعتذر لي. يوم الثامن محرم أوت 2021

الخاطرة 353

قال الله تعالى: "إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَموَالَهُم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ‌ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِم حَسرَةً ثُمَّ يُغلَبُونَ‌ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحشَرُونَ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجعَلَ ٱلخَبِيثَ بَعضَهُ عَلَىٰ بَعضٍ فَيَركمَهُ جَمِيعًا فَيَجعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ‌ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلخَـٰسِرُونَ ". هذا إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم ينفقون أموالهم - وهي أعز ما عندهم - في محاربة المسلمين، كي يصدوهم عن دينهم، كما فعلوا في غزوة بدر وأحد وغيرهما، ومع ذلك هزموا وغلبوا، وبين أنهم سيفعلون ذلك ويكررون، ثم يندمون على ما فعلوا ويتحسرون، ثم ينهزمون وينكسرون، ومن مات منهم على كفره؛ فإلى جهنم يحشرون، ليميز الله خبيث الناس من طيبهم، ويجمع الخبيث مركوما بعضه على بعض، ويلقيه في جهنم، وأنهم هم الخاسرون . ففي قوله "إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَموَالَهُم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ‌"؛ ذكر لمبدئهم وشأنهم، وفي قوله "فَسَيُنفِقُونَهَا"؛ بيان دأبهم واستمرارهم، وفي قوله "ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِم حَسرَةً"؛ ذكر ندامتهم على ما أنفقوا في غير طائل وتلهفهم، وفي قوله "ثُمَّ يُغلَبُونَ"، بيان لهزيمتهم وانكسارهم، كما قال: "قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغلَبُونَ وَتُحشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ‌ وَبِئسَ ٱلمِهَادُ"، وفي قوله "وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحشَرُونَ"؛ ذكر لمصيرهم في آخرتهم، وفي قوله "لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ"؛ بيان علة حشرهم كلهم إلى جهنم بذكر الوصف الجامع لهم، وفي قوله "وَيَجعَلَ ٱلخَبِيثَ بَعضَهُ عَلَىٰ بَعضٍ فَيَركمَهُ جَمِيعًا فَيَجعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ‌ "، ذكر علة أخرى لحشرهم، لأنه ليس إلا خبيث وطيب، وفي قوله "أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلخَـٰسِرُونَ"؛ قصر الخسار عليهم وحدهم. والمؤمنون إذا اتصفوا بخلاف هذه الصفات؛ فإنهم ينالون نقيض منال الكفار، كما تحقق لسلفهم، فما حجم إنفاقنا في مقابل إنفاقهم؟، وإذا عجزنا عن بعض أنواع الجهاد؛ فما عذرنا في ترك بقية الأنواع؟، ألم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" ؟. حصيلة الغزو الأمريكي لأفغانستان: * حرب استمرت 20 عاما . * شارك فيها 700000جندي يتعاقبون . * نفقاتها بلغت تريليون دولار . * تدمير هائل ختم بتخريب تجهيزات المطار بنسبة سبعين بالمائة * دمروا ما أمكن من الأسلحة التي خلفوها . * انسحاب تكتنفه الخيبة والندامة لأن الغزو لم يفدهم شيئا. * قالوا إنهم سعداء بصنعهم بعض الرأي العام الذي يحمل لواء المعارضة لما قد يكون عليه الحكم الجديد . * لا حديث في الإعلام الخبيث المضلل عن هذا التدمير والمآسي . * التركيز على إجلاء عسكريي الغزاة ومن خدموهم . * وعلى النساء الكاسيات العاريات الهاربات، وعلى الفنانين المخنثين، والعملاء المستخذين. * حصل هذا - والغيب محجوب عنا - مع ما نحن عليه من تقصير وقصور، وترك للنصرة والتأييد ولو بالكلام، فكيف لو كنا أهلا بالكامل لوعد ربنا "إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَيَومَ يَقُومُ ٱلأَشهَـٰد"، وقوله: "ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ‌ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَينَا نُنجِ ٱلمُومِنِينَ"، وقوله: "وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ"؟ . ليلة السابع والعشرين من شهر محرم سبتمبر 2021

الخاطرة 354

نعمة التنفس (1) أعظم ما تتوقف عليه حياة الإنسان هو تنفس الهواء، فلهذا جعله الله في متناوله، ولم يمكن أحدا من سلطان ملكه، فهو أعم شيء مشاع بين خلقه، وما دونه مما يملك؛ فقد أباح الله عامته للإنسان، وأوجب على مالكه مواساة من فاته، وندب إلى التطوع بما زاد عليه، هذا عن الحياة المادية التي يشترك فيها الأحياء . أما عن سعادة الإنسان في حياتيه؛ فموقوفة على ما خلق له، وهو توحيد ربه، فركزه في فطرته، وجبله على معرفته، وجعل كلمة التوحيد عنوانا عليه، وهي أفضل ما قاله النبيون كلهم صلوات الله عليهم وسلامه، وبها أرسلوا، فعصمت بها الدماء، وأورثت بها الجنان، وكانت خلاصة الأديان، وتفرد سبحانه بالتشريع الذي يجلب للعاقل مصالحه، ويدفع عنه مفاسده، وعم ذلك كله اختصاصه بهدايته وإضلاله، فالمهتدي الموفق؛ هو من هداه، فوفقه بفضله، والضال المخذول؛ هو من أضله، فخذله بعدله. ولما كان الماء كما قال الله تعالى: "وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَىۡءٍ حَىٍّ‌ۖ "، وكانت حاجة الأحياء ماسة إليه؛ جاء النهي عن بيع فضله، وهو ما زاد عن حاجته، كما في حديث جابر عند أحمد ومسلم والنسائي، واعتبر الماء أفضل الصدقات ليسر بذله، وامكان الاستكثار من عطائه، قال عليه الصلاة والسلام: "أفضل الصدقة سقي الماء" ... يتبع . التاسع من شهر محرم 1443

الخاطرة 354

نعمة التنفس(2) ...، ومما تشتد حاجة الناس إليه؛ نبات الأرض من الزرع والكلأ، فإنه متاع لهم ولدوابهم وأنعامهم، امتن الله تعالى علينا به في مواضع كثيرة من كتابه، وهو مشعر بأنه قدر مشاع بينهم، كقوله تعالى: "هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً‌ لَّكُم مِّنهُ شَرَابٌ وَمِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُون"، أي ترعون، وقال: "وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَأَخرَجنَا بِهِۦ أَزوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ كُلُواْ وَٱرعَواْ أَنعَـٰمَكُم إِنَّ فِى ذَلِكَ لَأَيَـٰتٍ لِّأُوْلِى ٱلنُّهَىٰ"، وقال: "أَوَلَم يَرَواْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلمَاءَ إِلَى ٱلاَرضِ ٱلجُرُزِ فَنُخرِجُ بِهِۦ زَرعًا تَاكُلُ مِنهُ أَنعَـٰمُهُم وَأَنفُسُهُم أَفَلَا يُبصِرُونَ"، وقال: "مَتَـٰعًا لَّكُم وَلِأَنعَـٰمِكُم". وفي الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يمنع الماء والكلأ والنار"، فهو دليل على لزوم بذلها، ومنع بيعها، وهو محمول على المقيد، وهو ما فضل عن الحاجة، وكان غير محرز، وفي أرض غير مملوكة، والقيد هو ما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من منع فضل مائه أو فضل كلئه؛ منعه الله عز وجل فضله يوم القيامة"، والفضل الأول الزائد عن الحاجة، والثاني العطاء الخاص . فإن قيل: لم لم يذكر منع فضل النار في الحديث ؟، فالجواب أنها لا تنقص بالاقتباس، ولا بالاستصباح، والإيراء، فلا حاجة لذكرها لأن المنع مقيد بالفضل، ولو أريد الوقيد نفسه كالجذوة ونحوها؛ لذكرت لإمكان الفضل فيها، فينهى عن منعه . وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ"، وليس المقصود منع الفضل مقيدا بالتعليل، فمن منع الأول لأجل ذلك؛ كان كالمانع للثاني آثما من جهتين، لأن كلا منهما منهي عن منعه استقلالا . وفي كتاب الله عز وجل قول موسى عليه الصلاة والسلام لأهله: "ٱمكُثُواْ إِنِّى ءَانَستُ نَارًا لَّعَلِّى ءَاتِيكُم مِّنهَا بِقَبَسٍ أَو أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى"، والقبس وهو الشعلة من النار قد تكون مادته من القابس، أعني المستصبح والمستدفئ المصطلي، وقد يكون جذوة من النار نفسها، وهو الظاهر هنا، دل عليه قوله تعالى: "لَّعَلِّى ءَاتِيكُم مِّنهَا بِخَبَرٍ أَو جَذوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُم تَصطَلُونَ"، فإن الألف واللام للعهد، وقال تعالى: "إِنِّى ءَانَستُ نَارًا سَىَآتِيكُم مِّنهَا بِخَبَرٍ أَو ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ". وقال عليه الصلاة والسلام: "المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء والكلإ والنار"، رواه أحمد وأبو داود عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقد اختلف العلماء هل تملك هذه الثلاثة؟ فقيل تملك، وقيل إن للمرء فيها حق الانتفاع بما وضع عليه يده، ولا يمنع الفضل، وظاهر الحديث أنها لا تملك إلا ما خصه الدليل، وقد ذكروا الإجماع على تملك المحرز في الأواني والبرك الخاصة، ويجري مجراه ما كان في الأرض المملوكة، لكن الظرف الذي قيل فيه الحديث كان سفرا، وهو مظنة الحيازة غالبا، ففي رواية أبي داود: "غزوت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثا أسمعه يقول: ..فذكره، وفي المذهب أن صاحب الماء يجبر على بيعه لمن به عطش، فإن تعذر الثمن؛ أجبر على بذله من غير ثمن، وهو أحد أمور عشرة يجبر فيها المالك على البيع كما في مواهب الجليل، والله أعلم ... يتبع . ليلة لأربع عشر من محرم أوت 2021 •

الخاطرة 355

(1) الدين وفضل الاقراض حكى أبو بكر بن ثابت، قال: حدثني محمد بن علي بن عبد الله الحداد - و كان من أهل الدين و القرآن و الصلاح - عن شيخ سماه قال: حضرت يوم الجمعة مسجد الجامع بمدينة المنصور، فرأيت رجلا في الصف حسن الوقار، ظاهر الخشوع، دائم الصلاة، لم يزل يتنفل مذ دخل المسجد الى قرب قيام الصلاة، فجلس فغلبتني هيبته، ودخلت قلبي محبته. ثم أقيمت الصلاة، فلم يصل مع الناس الجمعة، فكبر علي ذلك، وتعجبت من حاله، وغاظني فعله، فلما قضيت الصلاة تقدمت إليه، وقلت: أيها الرجل، ما رأيت أعجب من أمرك: أطلت النافلة وأحسنتها، وتركت الفريضة وضيعتها !!، فقال: يا هذا إن لي عذرا منعني من الصلاة، فقلت: وما هو؟، قال: أنا رجل علي دين، اختفيت في منزلي بسببه، ثم حضرت اليوم للصلاة، وقبل أن تقام؛ التفت، فرأيت الذي له الدين علي، فمن خوفه أحدثت في ثيابي، فهذا خبري، أسألك بالله إلا ما سترت علي وكتمت أمري !! فقلت: ومن الذي له عليك الدين؟، قال: دعلج بن أحمد الفقيه، قال: وكان إلى جانبه صاحب دعلج، وهو لا يعرفه، فسمع هذا القول ومضى في الوقت اليه، وذكر له القصة، فقال له: امض إلى الرجل، واحمله إلى الحمام، واطرح عليه خلقة من ثيابي، وأجلسه في منزلي حتى أنصرف من الجامع . فلما انصرف؛ أمر بالطعام فأحضر، ثم أحضر حسابه فنظر فيه، فإذا له عليه خمسة آلاف درهم، فضرب دعلج عليه، وكتب له علامة الوفاء، ثم أحضر الميزان، ووزن خمسة آلاف درهم، وقال له: أما الحساب الأول؛ فقد حاللناك فيما بيننا وبينك فيه، وأسألك أن تقبل هذه الخمسة آلاف درهم، واجعلنا في حل من الروعة التي دخلت قلبك برؤيتك إيانا في المسجد الجامع" . منقول باختصار عن مفكرة البلقيني، وهو في تاريخ دمشق لابن عساكر، ووفيات الأعيان لابن خلكان، وأورده الذهبي في تاريخ الإسلام موجزا . والمتصدق بالقرض المحسن بالعطاء؛ هو دعلج بن أحمد بن دعلج السجزي الفقيه، ثقة أخذ عن ابن خزيمة المصنفات، وكان يفتي بمذهبه، ولم يكن في التجار أيسر منه، اشتهر بالعطاء وبالقرض الحسن والتصدق به، مترجم له في البداية والنهاية لابن كثير، وفي تاريخ الإسلام للذهبي، ووفيات الأعيان لابن خلكان، توفي سنة 351 هجرية ... يتبع . التاسع عشر من شهر الحرم 1443

الخاطرة 355

(2) إقرأ ما قبله . لعل اعتبارك بقصة دعلج بن أحمد السجزي ومدينه في الجزء الأول من هذا المنشور؛ يثير فيك التشوف إلى قراءة شيء عن الأحكام المتعلقة بالقرض، وهو ما ستراه إن شاء الله باختصار في الجزء الثالث . أرجو أن يتعاون العلماء والدعاة وأئمة المساجد والجمعيات وأهل السعة واليسار على إرجاع الاعتبار للقرض وما يرتبط به من الرهن والضمان وغيرهما من أحكام الله، فإنها وافية بمصالح خلقه، يقل بها اللجوء الى الربا الذي هو من أكبر الكبائر، أو يختفي، وما ذلك على الله بعزيز . ويشار قبل ذلك إلى ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع المسلم من الاقتصاد في الإنفاق في نطاق ما أحله الله من زينة الحياة وطيباتها، وإني على يقين أن الاقتصاد في المعيشة يوفر لكثير منهم من الطبقة الوسطى التصدق بنصف ما ينفقونه على غذائهم، فهذا مما يستعان به على التطوعات المالية والصدقات التي لا بد أن تشيع في مجتمع المسلمين، وهي مما يتوقي به الربا الذي هانت مواقعته على كثير منهم، وقد بلغ من حرص هذا الشرع الحنيف على التنفير من إهدار الموارد وتضييع المال أن قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة"، مسلم عن جابر . مما يعاقب الله به متبعي الشهوات عاجلا؛ أن يفقدوا التلذذ بها وحلاوتها، جراء ادمانهم، وضراوتهم، زيادة على أنها مدعاة للوقوع في الشبهات، والتثاقل عن الطاعات، والجرأة على المحرمات، واكتناز المال، والبخل بفضله، وقسوة القلب، وظهور الأمراض، وضعف مناعة الأجسام، وهو ما أكدته جغرافية انتشار هذا الوباء . ويشير إلى أهمية الصدقات في تجنيب المسلمين كبيرة الربا؛ أنه ما ذكر إلا مقرونا بها كما في قوله تعالى: "وَمَا ءَاتَيتُم مِّن رِّبًا لِّيَربُوَاْ فِى أَموَالِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَربُواْ عِندَ ٱللَّهِ‌ وَمَا ءَاتَيتُم مِّن زَكَوٰةٍ تُرِيدُونَ وَجهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئكَ هُمُ ٱلمُضعِفُونَ "، على أحد التفسيرين في المقصود بالربا، ومنه قوله تعالى: "يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَاكُلُواْ ٱلرِّبَوٰاْ أَضعَـٰفًا مُّضَـٰعَفَةً‌.. إلى قوله: "ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّاءِ وَٱلضَّرَّاءِ"، وهي أول صفات المتقين في السياق، أما أطول سياق في التنفير من وباء هذا العصر الذي ما نجا أحد من غباره؛ فقد جاء في سورة البقرة، واقترن به أطول سياق في الصدقة وآدابها، ومفاسد الربا وسوء عاقبة أهله على مدى عشرين آية . إن روح التكافل الاجتماعي والتعاون على الخير راسخة متأصلة في الأمة ولله الحمد، والمطلوب تنظيمها بإحصائها وصنع بطاقية للمستفيدين منها، والعمل على استمرارها، بدل ما هي عليه من الموسمية والارتباط بالنوازل والطوارئ، وقد تجلت هذه الأريحية أبرز ما تكون بمناسبة ظهور هذا الوباء، ثم هذه الحرائق التي تنادى الناس من جميع الجهات لإسعاف المصابين فيها . إن غالب ما يدفع الناس إلى القرض الربوي التوسع في التجارات وأضرب الخدمات والمقاولات، والمؤمن لا يجوز له أن يكون همه جمع المال وتنميته من غير مراعاة الطرق المشروعة في الحصول عليه وفي انفاقه، والمستيقن أن بعث المعاملات الشرعية وإرجاع الاعتبار لها سواء أكانت واجبة أو مندوبة أو مباحة كالزكاة والكفارات والقرض والرهن والضمان والصدقة والوقف والمضاربة والمساقاة والمزارعة وغيرها؛ يوفر للمسلمين ضرورات العيش وحاجاته . إن أول ما يجب أن يكون عليه المسلم الاستغناء بالحلال عن الحرام، فإن فيه النفع والبركة والنجاة، وفي الحرام الضرر والمحق والعقوبة، ومن الدعاء الوارد: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك"، رواه أحمد والترمذي والحاكم عن علي رضي الله عنه . ومثله الاقتصاد في المعيشة الذي يقتضي ترك التبذير والإسراف، فالأول هو نثر الشيء وتفريقه، أصله البذر يطرح في الأرض، لأن الفاعل لا يعرف مآله، لكنه مشروع فإن إنبات الأرض معتاد متى سقيت، أما المبذر فينفق على غير بصيرة وهدى، وقد لا يعرف الجائز من غيره، أو يعرفه ولا يلتزمه، وإضاعة المال حرام، قال الله تعالى: "وَلَا تُبَذِّر تَبذِيرًا إِنَّ ٱلمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخوَانَ ٱلشَّيَـٰطِينِ‌ وَكَانَ ٱلشَّيطَـٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا". والسرف هو تجاوز الحد في الفعل وغيره، والمقصود هنا مجاوزته في الإنفاق، وهذا يكون في المباحات، فإن من معانيه الضراوة بالشيء، أما المحرمات فيستوي في منع الإنفاق عليها الكثير والقليل، قال الله تعالى: "وَكُلُواْ وَٱشرَبُواْ وَلَا تُسرِفُواْ‌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلمسرفين"، وقال: "وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَم يُسرِفُواْ وَلَم يَقتُرُواْ وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا"، ... يتبع .

الخاطرة 355

(3) اقرأ ما قبله . الكلام على القرض في فقرات ثلاثة هي: تعريفه، وفضله، وبعض أحكامه، وقد شرع الله تعالى صورا لنقل المال والمنافع بين الناس مؤقتا أو دائما، في أقسام ثلاثة: مفروض وتطوع وبدل، فمنه البيع والميراث والهبة والصدقة والزكاة والقرض والإجارة والعارية والمنيحة والرهن . والقرض يشبه التمليك المؤقت للعين، وحيث تعذر رد الذات نفسها لفواتها أو تغيرها؛ لزم رد مثلها بحسب الاستطاعة، ولهذا اشترط فيما يقرض أن تحصره الصفة ليتأتى رد المثل، ويجوز رد ذات المقرض إذا لم يتغير . ويقال للقرض سلف، والسلف يستعمل بمعنى السلم الذي هو بيع موصوف في الذمة إلى أجل، وعرف بأنه "دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلا". والمتمول ما يحل تملكه نقدا كان أو عرضا، وقد استثنوا تراب الصاغة والدور والأرض لتعذر المثل، مع أن بعضها اليوم يضبط وصفها كالبناء الجاهز . واستثنى بعضهم الحيوان للعلة ذاتها، لكن صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه "استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فقال: لم أجد فبها إلا خيارا رباعيا، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء"، رواه مسلم عن أبي رافع، فلا يقبل قول المانع، فإن رد المثل بحسب الاستطاعة، فاذا زاد صفة أو عددا من غير شرط ولا وأي - وهو العادة - جاز، فلا تعطل مصلحة القرض لأجل بعض التفاوت غير المقصود ولا المشروط . وهو من أعمال البر العظيمة الأجر، الكثيرة النفع، يفشو به التعاون والتكافل بين الناس، ويحد من اللجوء إلى الربا وبخاصة إذا صحبه ما يطمئن المقرض بالاحتياطات التي شرعها الله ورسوله حسا ومعنى، ومنها الرهن والضمان ومصرف الغارم وقضاء الدين من التركة ووعيد الواجد المماطل وحل عرضه وعقوبته ووعيد من قصد بالقرض إتلاف أموال الناس، وغير ذلك . وقد ذكر ربنا الصدقة ثم الربا ثم عاد فأمر بإنتظار المعسر، وندب إلى التصدق عليه، مبينا أنه خير بقوله: "وَإِن كَانَ ذُو عُسرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيسَرَةٍ‌ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيرٌ لَّكم إِن كُنتُم تَعلَمُونَ وَٱتَّقُواْ يَومًا تُرجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ‌ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفسٍ مَّا كَسَبَت وَهُم لَا يُظلَمُونَ"، وهي من آخر ما نزل من القرآن. وجاء في إنظار المعسر؛ قوله عليه الصلاة والسلام: "من أنظر معسرا؛ فله بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين؛ فله بكل يوم مثليه صدقة"، رواه أحمد عن بريدة رضي الله عنه . ومما جاء في فضله قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من أقرض ورقا مرتين كان عدل صدقة مرة"، رواه البيهقي عن ابن مسعود، والعدل بكسر العين المثل، ولا مفهوم للورق الذي هو الفضة، فإنه لقب، وقد جاء موضحا عاما بلفظ: "إن السلف يجري مجرى شطر الصدقة"، رواه أحمد وأبو يعلى عنه، وهو في الصحيحة للألباني رحمه الله، والشطر النصف . وجاء في فضل إبراء ذمة المدين ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عني، فتجاوز الله عنه". وجاء في السماحة في المطالبة لتأدية القرض وأدائه وفي البيع والشراء: "رحم الله امرأ سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى سمحا إذا اقتضى"، رواه البخاري وابن ماجة عن جابر رضي الله عنه . ومن الدعاء الذي ييسر الله به أداء الدين قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا أعلمك كلمات لو كان عليك مثل جبل صبير دينا؛ أداه الله عنك، قل: "اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك"، رواه أحمد والترمذي والحاكم عن علي رضي الله عنه . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة في دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين ينام بعد تمجيد لله وتعظيم قوله: "اقض عنا الدين واغننا من الفقر"، ... يتبع . ليلة التاسع والعشرين من شهر محرم 1443

الخاطرة 355

(4) إقرأ ما قبله الكلام هنا على الضمانات التي شرعت لطمأنة المقترض على ماله، فلا يمتنع منه كما عليه معظم الناس اليوم، وهي كما سبق نوعان: معنوية ومادية . فمن المعنوية - وهي أقوى عند أهل الإيمان - وعيد من قصد بالاقتراض إتلاف أموال الناس بالدعاء عليه، والدعاء بتيسير الأداء لمن قصده، قال عليه الصلاة والسلام: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها؛ أتلفه الله"، رواه أحمد والبخاري وابن ماجة عن أبي هريرة. وجاء في التحذير من تأخير الغني قضاء الدين قوله عليه الصلاة والسلام: "مطل الغني ظلم وإذا أحلت على مليء فاتبعه"، رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو، والمطل تسويف القادر على الأداء، والمليء الغني، والحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة، كأن يكون لك دين على زيد، فيحيلك زيد على عمرو المدين هو له، ففيها تقليل الذمم، وقوله: "ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته"، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن الشريد بن سويد رضي الله عنه، واللّي المطل بتأخير قضاء الدين، والواجد من عنده ما يرد به الدين، فهو مطلق الغنى، وحل العرض بأن يصفه بسوء القضاء، و عقوبته بأن يلازمه حتى يؤدي دينه، وهو مفرد مضاف، فيعم ما يصلح له إلا ما دل النص أو الإجماع على منعه، فليس منه عقوبات البدن إلا إذا كانت تعزيرا يتولاه الحاكم، ومن المختلف فيه العقوبة المالية، وجمهور العلماء على نسخها، وهي دعوى لا دليل عليها من نص ولا إجماع، والأدلة عليها كثيرة مرفوعة وموقوفة، وليس هذا مقام ذكرها . ومما جاء فيها؛ حديث معاوية بن قرة رضي الله عنه عن النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "في كل سائمة إبل: في أربعين بنت لبون، لا يفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا بها؛ فله أجرها، ومن منعها؛ فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا عز وجل ليس لآل محمد منها شيء"، رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم، وهذا في الزكاة وهي عبادة، فكيف بما تمحض لحق الخلق، واعتبر الشرع فاعله ظالما؟، وكيف إذا طالت المدة وكان الدين نقدا انخفضت قيمته أضعاف أصله ؟. والعقوبات المالية معمول بها اليوم إذا تأخر المدين عن تسديد الديون للهيآت والشركات في المدة المحددة بنسبة مائوية محددة، ومن عيبها أنها لا تفرق بين موسر ومعسر كما أمر الله، والحق أن تتبع ذلك والتأكد منه عسير، وإذا قيل بجوازها، ولم يتأكد من الوصف المجيز؛ فالصواب أن لا تكون، وليقتصر على المؤسسات والشركات، وإلا قطع التموين في مدة تحدد . ومن ذلك أن هذه العقوبات المختلف فيها تلتبس بالربا إذا كانت نسبة مائوية، بخلاف ما لو كانت جزافية على وفق جدول تصاعدي حسب مقدار الدين، فإن الشبهة تزول أو تخف . والبنوك الإسلامية وإن سلطت هذه العقوبة على المدين، وقد أحسن بعضها بتأكدها من عدم عذره، ومع هذا فإن منها من يلتزم يإنفاقها على المشاريع الخيرية، وينص على ذلك في العقود، وهذا من أحسن ما فيها . وليعلم أن القرض مرغوب عنه إلا للحاجة أو الضرورة، وقد سلك الشرع طرقا للتزهيد فيه، منها اعتباره ترويعا للنفس!!، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟، قال: الدين"، رواه أحمد والطبراني في الكبير، وهو في الصحيحة للألباني رحمه الله تعالى . ومنها الاستعاذة بالله من غلبته كما في قوله: "اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، ومن غلبة العدو، و شماتة الأعداء"، رواه النسائي والحاكم عن عبد الله بن عمرو. ومنها قوله في الدعاء في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم"، فلما قيل له: ما أكثر ما تستعيد من المغرم؟، قال: فإن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد أخلف"، رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها . ومن ذلك استثناء الدين مما تكفره الشهادة في سبيل الله على عظم شأنها كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر؛ كفر عنك خطاياك إلا الدين، كذلك قال لي جبريل آنفا"، رواه أحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة . ومن ذلك امتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة على الميت حتى يسأل: هل عليه دين؟، فإن كان له وفاء أو دفع الدين بعض الناس عنه؛ صلى عليه، وإلا امتنع وأمرهم بالصلاة عليه كما دل عليه حديث سلمة بن الأكوع عند البخاري، فلما فتح الله عليه كان يقضي الدين عن الميت ويصلي عليه، وسيأتي ذكره في النوع الثاني من الضمانات ... يتبع . غرة شهر صفر 1443

الخاطرة 355

(5) إقرأ ما قبله هذا أوان الكلام على الضمانات المادية والاحتياطات التي يطمئن بها المقترض على ماله، وهي كثيرة، منها بيان الأجل والكتابة والإشهاد والرهن والضمان والحمالة والحوالة وقضاء الدين من التركة ومصرف الغارمين وقضاء الحاكم دين الميت والاقتراض لرد الدين. ومن الأمور الحديثة الصكوك والاقتطاع من الراتب، فهذه ثلاث عشرة مسألة، والغرض الإشارة إليها لا ذكر تفاصيل أحكامها. والأربعة الأولى هي في أطول آية من كتاب الله تعالى، وفيها من التفصيل والتدقيق ما يعلمه من تدبرها، ومن ذلك أن الكتابة ذكرت فيها وفي التي بعدها باشتقاقاتها تسع مرات، في وقت كانت قليلة عند العرب، لتعويلهم على الحفظ، ومعظم النزاعات المالية تنشأ عن ترك التزام هذا الأمر المؤكد، حتى إنه جلت قدرته قال: "إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَينَكُم فَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَلَّا تَكتُبُوهَا‌"، فترك كتابة التجارة الحاضرة وهي التي يتسلم فيه العوضان لا جناح على تاركها، وهذا يشعر بأن كتابتها خير، على أن البناء والأرض والسيارة ونحوها في هذا العصر وإن حصل التسليم لا يصح أن يختلف في وجوب توثيقها، لأن الجهات الحاكمة لا تعترف بملكيتها، بل لو قيل بعدم صحة بيع هذه الأمور لكان متجها، ومن ذلك قوله تعالى: "وَلَا تَسأَمُواْ أَن تَكتُبُوهُ صَغِيرًا أَو كبِيرًا إِلَىٰ أَجَله". وقد جاء ما يدل على أن من فرط في كتابة دينه لا يستجاب دعاؤه على من مطله أو أنكر دينه من أصله، قال عليه الصلاة والسلام وعلى آله: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم، رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال؛ فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيها ماله، وقد قال الله تعالى: "وَلَا تُوتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَموَالَكُمُ"، رواه الحاكم عن أبي موسى، وهو دليل على لزوم كتابة الدين، وهو اختيار أبي جعفر بن جرير الطبري، لكن جمهور أهل العلم على استحبابها لأنه أمر إرشاد !!، وليس في متن الحديث نكارة توجب رده متى صح سنده، وقد قال بهما النووي، فإنه يجوز أن يكون المقصود بقوله "فلا يستجاب لهم" رد دعائهم في خصوص ما ذكر لتفريطهم فيما طلب منهم، والله أعلم. ومنها الضمان، ويسمى الضامن زعيما وكفيلا وحميلا، وعرفه خليل بقوله: "هو شغل ذمة أخرى بالحق"، وقيل في تعريفه: "ضم ذمة إلى ذمة الأصل في المطالبة"، ويصح ممن له التبرع، ولا يشترط فيه رضا المضمون عنه، ويرجع عليه بما أداه، وهو من المعروف فلا تجوز المعارضة عليه، ويشاركه في هذا الشفاعة والقرض، وهو أقسام ثلاثة: * ضمان مال، وهو التزام دين لا يسقط عمن هو عليه، وجاء فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين يقضى، والزعيم غارم"، رواه أبو داود وابن ماجة عن أبي أمامة، وحسنه الترمذي، والزعيم هو الضامن . * ضمان الوجه، وهو إحضار الغريم وقت الحاجة إليه، فتبرأ ذمة الضامن، ولو كان المضمون ميتا، فإن لم يأت به ضمن، وهو داخل في عموم حديث أبي أمامة، إلا أن يشترط عدم الغرم، لأن المسلمين على شروطهم . * ضمان الطلب، وهو التفتيش عن الغريم، ولا غرم على الضامن إلا إذا فرط، أو تخلى عن التزامه، قال خليل: "وضمن إن فرط وهرب، وعوقب". لكن هذا والذي قبله لا يصلح أن يتولاهما إلا الحاكم لأن الإحضار إن كان قسرا؛ فقد تنشأ عنه مفاسد، ومثله التفتيش في بعض الحالات . وضمان القرض كاد يختفي في هذا العصر، إلا في البنوك، واعتاض عنه بالصكوك تحمل مبلغ الدين بأجله أولا، وما أكثر الذين يودعون السجن لأنهم أعطوها دون رصيد . ومنها الحمالة بفتح الحاء، وهي ما يحمله المرء بالغرم عن غيره كالدية والدين وغيرهما لإصلاح ذات البين، وجاء فيها ما رواه مسلم عن قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسأله عنها فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال: "يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا". والضامن إما أن يكون فقيرا استدان لأجل الحمالة؛ فيدخل في صنف الغارمين، وإما أن يكون غنيا، وقوله في الحديث (ثم يمسك) دليل على أنه غني، لأن الفقير ليس عليه أن يمسك، قاله القرطبي، ويقوي هذا أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يستفصله عن حاله، وهو منزل منزلة العموم، وهو المناسب للمحسن بالضمان، فمن المستبعد أن يجمع الله عليه بين إحسانه وتغريمه كما هو شأن الدائن يخرج زكاة دينه مرة ولو أقام عند المدين سنوات.. يتبع . يوم الخامس من شهر صفر 1443

الخاطرة 355

(6) اقرأ ما قبله .. ومما يطمئن الدائن على ماله؛ قضاء دين الميت من تركته، وقد تكرر ذكره عقب الفرائض تأكيدا له، من ذلك قول الله تعالى: "مِن بَعدِ وَصِيَّةٍ يُوصي بِهَا أَو دَينٍ"، وهو مقدم على الوصية بالإجماع، وإنما قدمت في الذكر لأنها غالبة، وقد أمر بها، وقد يتهاون في إنفاذها، بخلاف الدين، ومع هذا جاء ما يرفع ما يظن من تقديمها عليه فيما رواه البيهقي عن علي رضي الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الدين قبل الوصية، وليس لوارث وصية"، ورواه الترمذي نحوه من طريق الحارث الأعور وهو ضعيف . ومنها قضاء الدين من الزكاة عن الغارمين الفقراء، قال الله تعالى: "إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَـٰكِينِ وَٱلۡعَـٰمِلِينَ عَلَيهَا وَٱلمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبنِ ٱلسَّبِيلِ‌ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ‌ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"، واختلفوا في قضائه من الزكاة عن الفقير إذا مات، ومذهب المالكية عدم الفرق، قال خليل: "ومدين ولو مات" . ومنها قضاء الحاكم الدين عن الميت الذي لم يترك ما يقضى به دينه، فقد روى مسلم قال: "كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟، فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: صلوا على صاحبكم"، فلما فتح الله عليه الفتوح؛ قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين؛ فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته"، رواه مسلم وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلينا" رواه البخاري عن أبي هريرة، والكل بفتح الكاف هو ما يثقل ويمل، والمقصود العيال لا نفقة لهم والدين حيث لا وفاء له، ولا دليل على أنه كان يقضي من غير الزكاة، فيستدل به لما سبق من قضاء دين الفقير لا فرق بين حي وميت . ومنها الاستدانة لرد الدين الذي حل أجله، لكن لا ينبغي أن يتوالى ذلك من المدين قصدا، كلما حل أجل الدين استدان، فيعيش حياته مدينا، روى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتقاضاه دينا كان عليه، فأرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: "إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك"، ولنكتف بهذا خشية التطويل ... يتبع يوم السادس من شهر صفر 1443

الخاطرة 355

(7) تبين مما سبق فضل القرض، وأهميته في كفاية المجتمع المسلم، وبيان الضمانات الكثيرة المعنوية والمادية التي شرعها الله تعالى ورسوله لطمأنة المقرض على ماله . ولو عمل المسلمون بهذا الهدي الرباني وغيره من مفردات النظام المالي الإسلامي وطوروه ونظموه في مستوى الأفراد والهيآت الرسمية والخدمات الاجتماعية والجمعيات الخيرية؛ لاستغنوا بما أحل لهم ربهم عما حرم عليهم، فكيف بالربا الذي أوعد الله بمحقه، وتوعد آكليه بقوله: "ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَـٰنُ من المس". واقتصر هنا على بعض المعاملات المحظورة المرتبطة بالسلف بما يناسب المقام، ويجمع الكثير منها؛ القرض الذي يجر نفعا . * فمنها الزيادة المشروطة عينا أو وصفا، قلت أو كثرت، فإن هذا هو ربا الجاهلية، تقع الزيادة في مقابل التأخير، فإن كانت تبرعا؛ جازت ما لم تجر بها العادة، وقد سبق ذكر دليلها من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقوله . * ومنها أن يعطي مالا لغيره يتاجر فيه، على أن يعين له قدرا مضمونا من الربح، فهذا قرض ربوي، والمشروع أن يتفقا على حصة منه لكل منهما إن حصل ربح، وهذا على وضوح منعه يقع فيه كثير من الناس . * ومنها رد الدين قبل أجله في مقابل الحط منه، وهو المسمى (الحطيطة)، و(ضع وتعجل)، فهو عكس تأخير الدين في مقابل الزيادة فيه، لكن لو قدم على أجله دون الحط منه وكان نقدا؛ جاز، ولزم الدائن قبوله، فإن أبى أجبره الحاكم لأن الأجل حق المدين. * ومنها ما سموه (حط الضمان وأزيدك)، وهو ما إذا كان الدين عرضا في بيع سلم، وزيد فيه مقابل تقديمه على أجله، فتكون الزيادة في مقابل التخلص من ضمانه، ومثله العرض يسلم للدائن في غير بلده بغير رضاه، لما يترتب على نقله إلى موطنه من النفقة. * ومنه (أسلفني وأسلفك)، سواء أكان بين فردين أو مجموع، يخرج كل منهم مالا بالتساوي على أن يعطاه أحدهم كل شهر أو غيره، فهذا قرض مشروط، وقد جوزه بعضهم وما أراه يجوز . * ومنه اجتماع القرض مع غيره من العقود شرطا كالبيع والإجارة والصرف والشركة، فهذه مع اندراجها تحت القرض الذي يجر نفعا؛ يشملها نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صفقتين في صفقة، وهو أعم من النهي عن بيعتين في بيعة، ويظهر أن علة المنع؛ تأثير إحدى الصفقتين على الأخرى، ولهذا منع اجتماع البيع مع واحد من تلك العقود التي قال عنها بعضهم : عقود منعناها مع البيع ستة * ويجمعنا في اللفظ جص مشنق فجعل وصرف والمساقاة شركة * نكاح قراض منع هذا محقق . * ومنه ما شاع في هذا العصر من وثيقة الاعتراف بالدين، بدافع عدم التمكن من التوثيق القانوني، فإذا بيع شيء كالسيارة والدار والأرض وهو مرهون أو غير مملوك أو غير تام الملكية أو مشاع أو متنازع فيه أو كان تنازلا عن كراء مسكن للدولة؛ كتبت وثيقة يعترف فيها البائع بأن للمشتري عليه دينا قدره كذا، وهذا لا يجوز لأنه كذب خلاف الواقع، ولأن أحكام البيع غير أحكام القرض، ولتغير قيمة العوضين وغير ذلك . * ومنه بيع الدين بالدين، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، رواه الدارقطني عن ابن عمر، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقد قيل إنهما إنما صححاه لظنهما أن روايه هو موسى بن عقبة، وإنما هو موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، لكن نقل الاتفاق غير واحد من أهل العلم على منع الدين بالدين، لكن مالكا رحمه الله جوز تأخير رأس مال السلم ثلاثة أيام، وقد أباه بعض أتباعه منهم ابن عبد البر . * ومنه السفتجة بفتح السين والتاء، وهي كلمة غير عربية معناها أن يعطيه المال في موضع على أن يرده في موضع آخر، كأن يكتب لوكيله ليوفيه إياه، وقد اختلف فيها لكونها داخلة في القرض الذي يجر نفعا، وتجويزها رواية عن أحمد، وقال بها ابن تيمية رحمهما الله، والنفع قد يكون لهما: هذا يحفظ ماله من أن يغصب في الطريق، وهذا ينتفع بالقرض حيث لا مال له، وهي ممنوعة عند المالكية إلا إذا عم الخوف على نقل الأموال؛ فتجوز بل تندب أو تجب قال خليل رحمه الله مشبها في المنع: "كسفتجة إلا أن يعم الخوف" . ويعمل بهذا اليوم كثير من التجار لعدم قدرتهم على تحويل المال بالطرق القانونية، غير ملاحظين أنها تكون في القرض، والأجل فيه لا بد منه، أما البيع - وهو هنا صرف - فلا بد فيه من التقابض . * ومنه إبراء الذمة بإخراج الزكاة، كأن يكون لزيد على عمرو دين ويكون على زيد زكاة، فيحسب دين عمرو من الزكاة، ويبرئ ذمته، كأنه يقاص نفسه، وقد نقل ابن تيمية الإجماع على عدم الإجزاء، ووجهه أن الزكاة تملك، وهذا ليس تمليكا، ولأن المدين إما ملئ؛ فيجب عليه الأداء، وإما معسر؛ فينبغي إنظاره، قال خليل رحمه الله: "وفي جواز دفعها لمدين ثم أخذها تردد".. يتبع . ليلة التاسع من شهر صفر 1443 •

الخاطرة 355

(8) مما ينفع في باب القرض؛ أن تؤسس له جمعيات محلية أو وطنية لتنظيمه، ويضمن القانون أساس طريقة تمويله، والحصول عليه، وهذا أمر كررت الدعوة إليه قبل عقدين . فالتمويل يتم عن طريق المال الموقوف ولو مؤقتا، وعن طريق الصدقات، ويشارك في التمويل الأفراد والشركات والمؤسسات، في مقابل ضمانات يبينها القانون الأساس، وقد جرب بعض إخواننا في إحدى مدن الغرب هذا الأمر فنفع، لكن على نطاق ضيق. ومن بوادر الخير أن بعض البنوك الإسلامية توفر القرض وفق شروط لم أطلع عليها، وتقوم هيآت الخدمات الاجتماعية في مختلف القطاعات بهذا أيضا، وتضمن عمالها في رد الدين بالتقسيط، وبعض الشركات تخصص مبلغا معتبرا لإقراض العاملين فيها. فهذه أمثلة عن ظاهرة صحية في مبادرات طيبة لكنها منعزلة فينبغي أن تنظم وتوسع لتشمل ما أمكن من الهيأت والشركات، ومما يساعد على ذلك أن تنشأ لها جمعية وطنية يتولى إدارتها أهل العلم والخبرة والاختصاص فيعظم النفع، وستأتي الحلقة الأخيرة من هذا المنشور إن شاء الله. ليلة الثامن عشر من شهر صفر 1443

الخاطرة 355

(9) فإن قيل: إن البنوك الإسلامية توفر بديلا عن المعاملات الربوية، وقد اعتمدت الحكومة صيرفتها في بعض البنوك، فوفرت أضربا من المعاملات المشروعة . فالجواب أننا نفرح بهذا المنعطف الذي حصل في النظام البنكي الذي جرى على الربا منذ استعادة الاستقلال، وإن كان لم يأت طاعة لله ولرسوله، بل فرضته ظروف الانكماش الاقتصادي، وعزوف الناس عن التوفير، وانقباض معظمهم عن التعامل مع البنوك الربوية التقليدية لأن الربا من الكبائر، وبهذا فات الفاعل الثواب على ترك الحرام، فإنه في فعله العقاب، وفي تركه امتثالا الثواب، ومع هذا نسر بهذا التحول . غير أن بعض المعاملات في هذه البنوك لا تخلو من شبهات قوية يعسر معها القول بجوازها، وليس الغرض الدخول في تفاصيلها، ومناقشة بنود عقودها، بل المراد الإشارة إلى بعض الأسس التي تقوم عليها. وأول ما يتساءل عنه أن يقال: لم لا تمارس المعاملات التي لا يختلف في جوازها المسلمون وهي واضحة بينة؟ والجواب أنها مقيدة بالنظام المالي في البلد الذي تستوطنه، فلا يقبل منها أن تخرج عنه في معاملاتها. فإن قيل: فكيف بمعاملاتها التي يتولى مراقبتها المختصون؟ فالجواب: أن القائمين عليها من أهل الرقابة الشرعية والإداريين والخبراء يسعون في تكييفها كي لا تصادم تلك القوانين من جهة، ولا تظهر بالصورة الربوية المتفق عليها من جهة أخرى، وقد يجدون في أقوال أهل العلم مندوحة فيما يذهبون إليه. فإن قيل: فما هي المخالفات الشرعية التي تؤخذ عليها؟. فالجواب أن ذكر أشخاص هذه المخالفات لا يهم كثيرا إذا عرف الإطار العام الذي يحكمها، فإن أمر الحيل قديم، وفيها المشروع وغيره، فإذا علم القصد من تلك المعاملات (الملتوية)، وصدر عن جهة (متهمة)، بناء على الأصل الذي عرفته؛ ترجح المنع. فإن قيل: ما هي التهمة التي يبنى عليها التشكيك في المعاملة؟. قيل: هي النظام المالي التي تقوم عليه البنوك التقليدية والتي تدور في فلكه مرغمة، فإنها تعطي لتأخذ أكثر، ولو كانت هذه المعاملة معزولة؛ لسكت عنها، أما أن تكون مطردة عامة هي الأصل، بحيث يصير الشاذ أصلا، والأصل شاذا فلا، وقد قال خليل في المختصر: "ومنع للتهمة ما كثر قصده"، وهو كلام حق. والتهمة لا يختلف في وجودها، وبيانها أن البنوك الربوية إنما بنيت على الفارق بين الإقراض والاقتراض، وما ارتبط بهما، ثم على الخدمات التي تقدمها، أما البنوك ذات الصيرفة الإسلامية فتعتمد الاستثمار أيضا، لكن حصول المساهم على ربح -إن كان- في مدة محددة سلفا هو في حاجة إلى توضيح، أما القرض الربوي الصريح فلا تعتمده . إن النظام الربوي قائم على استبعاد الخسارة، فالمال فيه يلد المال، والصيرفة الإسلامية لم تتمكن من التخلص من هذا المبدإ لما عرفت، فسمح لها في المعاملات بقيود تضمن الربح، ولا تبدو في صورة الربا الذي لا يختلف في تحريمه. فإن قيل: هلم مثالا على ذلك. فالجواب المجمل أن كثيرا من العقود تشتمل على واحد أو أكثر من هذه الأمور: أعني القرض الذي يجر منفعة مشروطة، والصفقتين في صفقة، والبيع والشرط، وبيع ما ليس عند المرء، مع السكوت عن بنود إلزامية التأمين، والتوكيل المشروط في العقد على البيع وغير ذلك. وهاك أمثلة تسهل عليك فهم الأمر، فمنها أن البنك الربوي التقليدي يقرضك مالا ويأخذ منك زيادة بنسبة، و(غير الربوي) يشتري لك سيارة بعد أن يتأكد من التزامك بأخذ بعض الثمن، ثم يبيعها لك مرابحة (بربح مضمون)، فهو والأول سواء في ضمان الربح، غير أن ذاك بقرض ربوي صريح، وهذا ب(بيع) وفرت له السيارة المشروعية لتلافي الربا الصريح، ووراء هذا أنه ممنوع من التملك الحقيقي أعني المستقر، وربما سمح له به استثناء. ومنها أن يمول لك مسكنا بمشاركة منك فتصيرا شريكين، ويلزمك في العقد أن تشتري الشقص الذي ملكه مرابحة في مدة ما، والفرق بينه وبين القرض الربوي ما ذكرته، مع زيادة هي اشتمال العقد على صفقتين في صفقة شرطا. ومنها أن يمول لشركة سلعة تصنعها له على وجه السلم، ثم يوكلها هي أو غيرها على بيعها له بربح محدد، وهذا مثل السابق، لكن فيه زيادة التوكيل في البيع، وهو جائز(!!)، وقد عرفت سبب التوكيل، وهو أن التجارة البينة لا يسمح بها للبنك ... يتبع. في الثامن عشر من شهر صفر 1443 .

الخاطرة 355

(10) فإن قيل: ما وجه اقتصار البنوك الإسلامية في معاملاتها على بيع المرابحة دون المساومة والمزايدة وغيرهما؟. فالجواب أن وراءه أسبابا: - منها أن المرابحة تناسب معاملاتها المبنية على الربح المضمون سلفا، وهو الأقرب إلى أن (المال يلد المال) في النظام الربوي . - ومنها أنها تناسب ترك ممارسة التجارة بالصورة المعتادة. - ومنها أنها تناسب تعاقدها الذي يسبق تملكها (العابر)، لما تشتريه أو لبعضه في الشراكة، ولهذا يذكر أحيانا في الفواتير الأولية المشتري (الصوري) والمشترى له معا. والعامة ينخدعون بلفظ المرابحة، وهم لا يفهمون معناها، فيظنون جواز المعاملة، كأنها تغني عن معرفة بقية بنود العقد، وإنما هي طريقة لتحديد الثمن. فإن قيل: فما العيب أن يبتكر الناس من النظم ما يحقق ضمان الربح وتجنب الخسارة؟ . فالجواب أن ذلك ليس معيبا، بأن تدرس نجاعة المشروع، وتوضع في الحسبان العوامل القائمة، والمحتملة المتوقعة، ويتخذ من الاحتياطات ما تجتنب به الخسارة، بل هو مطلوب لأنه من حفظ المال، والمعيب أن نعتمد على ما ليس مشروعا صراحة أو بحيلة التغطية التي عرفتها. إن التجارة التي شرعها الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن يضع المقدم عليها في الحسبان الربح والخسارة، قلت أو كثرت، بقطع النظر عما يحصل، فإذا اطردت المعاملات على ضمان الأول فهو الربا أو السائر في فلكه، وقد قال عليه الصلاة والسلام وعلى آله: "لا يبع حاضر لباد: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"، رواه مسلم وأبو داود عن جابر، فمع مصلحة البادي المترتبة على بيع العارف بالسعر وهو الحاضر نهى عنه، رعاية للمبدإ المذكور، ما لم يترتب على بيع البادي بنفسه ضرر كبير. وأقول في ختام هذا الذي تريثت في قوله مدة طويلة؛ إنه مهما كان الاختلاف فيما سبق ذكره من المآخذ على عقود هذه البنوك؛ فإن من ورائها نظاما ماليا ربويا، وهي تكيف أعمالها حتى لا تتعارض معه، لكنها لا تخرج عن قروض بزيادة، تغطيها تجارة صورية. إن مسؤولية من يتولون الرقابة الشرعية في هذه البنوك خطيرة، فعليهم أن يستحضروا أن في تقريرهم هذه المعاملات باطراد، وإنما هي بيوع صورية يحتال بها على الربا؛ تغييرا لأحكام الله المعروفة عند المسلمين منذ عهد نبيهم صلى الله وعليه وآله وسلم . ولا يفوتني أن أذكر أني أعرف بعض الإخوة القائمين على هذه البنوك، وأني أشكر لهم سعيهم في الخير، وتجاوبهم مع النصح قدر ما يملكون من الصلاحيات، فإن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، فنسأل الله لنا ولهم السداد والرشاد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وإخوانه، والحمد لله رب العالمين. يوم عشرين من شهر صفر 1443

الخاطرة 356

(ما من ضلالة إلا عليها زينة) يعوض المرء تفريطه في العناية بالحقائق بتزيين ظاهره وتجميله، هو كثير اليوم في دول المسلمين، منبئ بأن ما يربط الفاعل بدينه وأصالته من العواطف والتقاليد؛ أكثر بكثير مما يشده إليها بالعلم والاقتناع، فلهذا يسهل عليه أن يستجيب لعواطفه بهذا الذي تخف مؤنته ولا يكلف جهدا ولا رفدا، ومنه سن الذكريات و(الإبداع) والاختراع في الرسوم والشكليات، ولو كانت مباحة لما كان ضير، فقد قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، فقال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس"، رواه مسلم والترمذي عن ابن مسعود، لكن الذي يقلق أن غالب هذه المظاهر تقليد لغير المسلمين، وتشبه بهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم" . وقد جاء في هذه العلاقة التي تكاد تطرد أحاديث وآثار في المساجد والمصاحف وغيرها أذكر بعضها . فمنها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد"، رواه أحمد وأبو داود عن أنس، فهذا التفاخر قد اطرد مع التفريط فيما بنيت له كما دل عليه تاريخ المسلمين، وقد علق البخاري عن أنس ما يبين العلاقة المذكورة، قال: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا"، وأصرح منه في هذا الربط؛ ما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم"، وهو وإن كان ضعيفا فمصداقه في واقع المسلمين، وقال ابن عباس: "والله لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى"، فهذا مما اتبع فيه المسلمون سنن من تقدمهم كما أخبر بذلك الصادق المصدوق بقوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ... الحديث، وقال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم"، رواه ابن أبي شيبة عن سعيد بن أبي سعيد، ورواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي الدرداء، لكن فيه (إذا زخرفتم)، وقوله (فالدمار عليكم) خبر لا دعاء إن شاء الله، وإلا فيا ويح من دعا عليه، وقال ابن عباس عن تزويق المصحف: "تغرون به السارق، وزينته في جوفه"!!، وقال عمر وهو يجدد مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس"، وهو معلق في صحيح البخاري . ويجمع أطراف المسألة ما قاله سفيان الثوري رحمه الله: "ليس من ضلالة إلا عليها زينة، فلا تعرضن دينك لمن يبغضه إليك". ومما قيل في هذه العلاقة التعويضية هذان البيتان اللذان أوردهما ابن كثير عند تفسيره قول ربنا عز وجل: "أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِى ٱلحِليَةِ وَهُوَ فِى ٱلخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ: وما الحلي إلا زينة من نقيصة * يتمم من حسن إذا الحسن قصرا فأما إذا كان الجمال موفرا * كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا!! وقيل: ليس الجمال بمئزر * فاعلم وإن رديت بردا إن الجمال معادن * وموارث أورثن مجدا وقيل: أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها * مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب حسن الحضارة مجلوب بتطرية * وفي البداوة حسن غير مجلوب وقيل: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه * فكل رداء يرتديه جميل وإن هو لم يضرح عن اللؤم نفسه * فليس إلى حسن الثناء سبيل يوم = 17 سبتمبر 2021 •

الخاطرة 357

فتاوى ثلاثية روى مسلم عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة؛ صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة"، رواه أحمد ومسلم وغيرهما. وعن أنس رضي الله عنه مرفوعا: "الدعاء بين الأذان والإقامة مستجاب فادعوا"، رواه أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه، وهو في المستدرك نحوه . وما أجدر أن تكون حكاية الأذان وما معها في الحديث الأول داخلة دخولا أوليا في الدعاء المقبول بين الأذان والإقامة، لكن معظم الناس يتهاونون في هذا الأجر العظيم، والثواب الفخيم، ومما يهون في أنفسهم هذا؛ أن يسألوا مفتيا في إحدى القنوات الرسمية فيكون جوابه على هذا النحو العابث: * يمكنك أن تتوقف عن القراءة وتحكي الأذان ثم تعود إليها * ويمكنك أن تحكي جملة من الأذان، ثم تستأنف القراءة، ثم ترجع فتحكي التي تليها، وهكذا !! . * ويمكنك أن تمضي في القراءة ولا تحكي شيئا من الأذان !!. أهكذا يتعامل مع الأحكام الشرعية حتى ولو كانت مستحبة؟ ومذهب مالك أن المصلي المتنقل يحكي الأذان، ومن لم ير الاستحباب قال الصلاة صحيحة، إلا أن يذكر لفظ الحيعلتين، قال في المختصر ذاكر مستحبات الأذان: "وحكايته لسامعه ولو متنفلا". والعجب أني استمعت إلى فتوى ثلاثية أخرى جوابا عن حكم حلق اللحية، وأترك لك أن تتصور الجواب الثلاثي، ولا أحسب أن الثلاثيات تنتهي هنا، فكفى عبثا بأحكام الله أيها المفتون . •

الخاطرة 358

من الألفاظ التي جرت بها ألسنة الناس -وهي كفر لفظي- قولهم (شيع فلان إلى مثواه الأخير)، والذي يعقب الموت إلى البعث إنما هو حياة برزخية، منزلة بين الدنيا والآخرة، أما المثوى الأخير فهو الجنة أو النار كما قال الله تعالى: "فَرِيقٌ فِى ٱلجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ" . وقال تعالى: "أَلهَيٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرتُمُ ٱلمَقَابِر"، وفي معنى زيارة المقابر قولان: أولهما أنهم كانوا يكاثرون غيرهم بعدد أفراد قبيلتهم، حتى بلغ بهم الأمر أن زاروا المقابر مفاخرين بعدد الأموات، والثاني أن زيارتها هي موتهم، ولما كان الزائر غير مقيم؛ كان القبر معبرا. ويحسن أن يذكر أن حديث (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار)؛ ضعيف، وقد رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة، وقال الألباني رحمه الله: موضوع، كما رواه الترمذي عن أبي سعيد . ويذكر أن الزمخشري اعتمد على هذا الحديث فأثبت عذاب القبر خلافا لشيعته أهل الاعتزال، مع كثرة الأحاديث الواردة فيه، وذلك في تفسيره لقول الله تعالى: "وَإِنَّمَا تُوَفَّونَ أُجُورَكُم يَومَ ٱلقِيَـٰمَةِ‌"، وهو ما اعتمد عليه بعض من نفى عذاب القبر ونعيمه، محتجا بما فيه من القصر، ولا شك أن الجزاء الأوفى على الأعمال إنما يكون في الجنة والنار، ولا ينفي هذا أن يكون في القبر ما هو مقدمة لذلك الجزاء، فكيف وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة، بل دل عليه كتاب الله في أكثر من موضع، نعوذ بالله من فتنة القبر وعذابه. ليلة الثالث عشر من صفر 1443 •

الخاطرة 359

من معاني الذمة؛ العهد، والحفظ، والأمان، والضمان، والحرمة، والكلاءة، فإذا قيل فلان في ذمة الله؛ فمعناه أنه في حفظه وكلاءته، وقد جاء ذلك مرتبا على بعض الأعمال في الدنيا كصلاة الصبح، أما بعد الموت؛ فليس مجزوما به لغير من ثبت له، لكن الناس دأبوا على نعي الموتى في مواقع التواصل، مخالفين نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن النعي، ثم شاع عنهم فيما يكتبون ويقولون: فلان في ذمة الله، يقولونها عن المسلمين، وعن الكافرين، وعن المرتدين، فالخير إن أعلن عن الوفاة أن يقتصر على ذكر وفاة الشخص مع الترحم عليه إن كان مسلما. ليلة الرابع عشر من شهر صفر 1443 •

الخاطرة 360

قال الله تعالى: "إِنَّ ٱلاِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ ٱلخَيرُ مَنُوعًا إِلَّا ٱلمُصَلِّينَ"، الآيات السبع عشرة من سورة المعارج، ومثيلتها الإحدى عشرة من سورة المؤمنون. الهلع مما طبع عليه الإنسان، وقد اضطرب علماء اللغة في تفسيره، وأبى صاحب التحرير والتنوير كل ما ذكروه، معتبرا إياه من غوامض اللغة، لكنه لم يزد فيما استقرأه من معناه على أن قال: "قلة إمساك النفس عند اعتراء ما يحزنها، أو ما يسرها، أو عند توقع ذلك، والإشفاق منه". ومن العجب أن لا يتعرض الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن لذكر الهلع ألبتة، والحق أنه مفسر في السياق ذاته، فاستغنينا عن تعريفه، والمقصود أن الإنسان مطبوع على أنه إذا أصابه شر؛ فهو جزوع، وإذا أصابه خير فهو منوع، والجزوع الشديد الجزع، وهو ضد الصبر، والمنوع العظيم المنع لما ينبغي أن يبذل . لكن ليس في ذكر هذه الطبيعة الإنسانية تسويغ لها، ولا هو اعتذار عن الاتصاف بها، فإن التبعة ملقاة على الإنسان، بدليل الاستثناء، فما وصف به الإنسان جبليا كان أو طارئا؛ يتعين تهذيبه وصقله بما شرعه الله من الأحكام والآداب، حتى يرجع إلى الاعتدال، وأعظم ما يحقق ذلك الصلاة . فمن ذلك قوله تعالى: "وَكَانَ ٱلاِنسَـٰنُ عَجُولاً"، وقوله: "وَكَانَ ٱلاِنسَـٰنُ أَكثَرَ شَىءٍ جَدَلاً "، وقوله: "وَحَمَلَهَا ٱلاِنسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا"، وثمة قسم ثالث كقوله تعالى: "وَخُلِقَ ٱلاِنسَـٰنُ ضَعِيفًا"، والغرض من ذكر ضعفه؛ أن الشرع راعى هذا الضعف الذي في طبيعته وغرائزه بما شرعه وأباحه مما يستجاب به لها، مع يسر التكليف ووجود البدائل فيه تبعا لحال المكلف . هذا تمهيد للوصول إلى أن جمهور المفسرين يرون أن الاستثناء في قوله تعالى: "إِلَّا ٱلمُصَلِّينَ"؛ متصل، وقال الشيخ الطاهر بن عاشور إنه منقطع، والظاهر الأول لأمور: * كون الاستثناء المتصل هو الأصل، ولا مانع منه هنا. * ولأن المستثنى منه هو قوله: "إِنَّ ٱلاِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ ٱلخَيرُ مَنُوعًا"، فالذي يليه هو المستثنى، والمراد بالإنسان الجنس، فيدخل المؤمنون والكفار. * ومما يدل على أن المستثنى منه يدخل فيه المؤمنون وغيرهم ذكر ركنين من أركان الايمان في السياق، وهما: "وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَومِ ٱلدِّينِ وَٱلَّذِينَ هُم مِّن عَذَابِ رَبِّهِم مُّشفِقُونَ"، بخلاف سياق سورة (المؤمنون)، لأنها في المؤمنين أصلا أسند إليهم الفلاح متى حازوا تلك الصفات. * ومنه أن أول الصفات في سورة (المؤمنون) الخشوع في الصلاة، وهو لبها ومناط انتفاع المصلي بها، فإنه ليس له إلا ما عقل منها، وقد ذكر في الحديث لهذا الذي يقله المرء من صلاته تسع درجات من النصف إلى العشر، وقوله "فِى صَلَاتِهِم" يدل على غلبة الخشوع عليهم فيها أو دوامه لما في الجملة الاسمية من الدلالة على الاستمرار، وهذا لم يذكر في سياق سورة المعارج، لكن عدم ذكره لا يدل على انتفائه، وإن دل على أنه ليس مثل الأول. * ومنه ذكر الإعراض عن اللغو في الأول دون الثاني، فإن كان من الصغائر؛ فهو مما تكفره الصلاة وغيرها مما ذكر في الأحاديث، وإلا كفرته التوبة . * ومنه أن شطري الصلاة ذكرا في الأول تصريحا: الخفي الباطن (ٱلَّذِينَ هُم فِى صَلَاتِهِم خَـٰشِعُون)، والصوري الظاهر (وَٱلَّذِينَ هُم عَلَىٰ صَلَوَتِهِم يُحَافِظُونَ)، والحكم على الصلاة من حيث الإجزاء يتجه في الغالب إلى الصورة: من الشروط والأركان والواجبات، أما الثاني فذكرت فيه المداومة عليها (ٱلَّذِينَ هُم عَلَىٰ صَلَاتِهِم دَائِمُونَ)، والمحافظة عليها (وَٱلَّذِينَ هُم عَلَىٰ صَلَاتِهِم يُحَافِظُون)، وكلاهما من الشطر الظاهر . * فإذا سلم ما سبق؛ صح أن يستنتج أن بين الفريقين في السياقين تفاوتا مرده إلى درجة انتفاعهما بالصلاة، التي اكتنف ذكرها السياقين بداية ونهاية، فإن قيل: إن جزاء الفريقين الجنة، قيل: الجنة درجات، وقد قال عن أحدهما: "أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلوَارِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلفِردَوسَ هُم فِيهَا خَـٰلِدُونَ"، وقال عن الآخر: "أُوْلَـٰئِكَ فِى جَنَّـٰتٍ مُّكرَمُونَ"، فيوزعان على المقتصدين والسابقين. ومن الفوائد أنه يشرع أن يذكر للناس منافع العبادة النفسية من دفع القلق والاضطراب وحصول السكينة والراحة، وهو أمر لا يعرفه إلا المقيمون للصلاة كما أمر الله، وإن حصل لغيرهم فهو مؤقت لا يدوم لانقطاع سببه أو بلاه، وقد قال النبي الله عليه وآله وسلم: "أرحنا بها يا بلال"، وقال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة"، وكان إذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة، فصلوا يا عباد الله كما أمر الله تعرفوا طيب الحياة. ليلة سادس عشر من صفر 1443 • الخاطرة361 في أحد ملتقيات الفكر الإسلامي قبل أربعين سنة اعتلى منبر الخطابة أحد الدعاة، فكان من بين ما لام المسلمين عليه وشنع؛ أنهم منعوا النساء من الحكم مستندين إلى حديث ضعيف، وجهل هذا الداعية الكبير (في نظر الناس) أن الحديث رواه البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، قال هذا لما بلغه تولية الفرس عليهم بوران بنت كسرى شيرويه، وعزز هذا الداعي نقده اللاذع للمسلمين بذكر أمثلة للنساء اللاتي حكمت بلدانهن فقادتها إلى الفلاح والنجاح حسب زعمه، فسمى بندرا نايكا في سريلانكا (سرنديب)، وهي أول امرأة تشغل منصب رئيسة وزراء في العالم، وجولدا مايير في أرض فلسطين المحتلة، ومارغريت تاتشر في بريطانيا، ولعل هذا الكاتب الإسلامي لو كان حيا لفرح بالذي حصل اليوم في بعض بلدان المسلمين. ليلة الثالث والعشرين من شهر صفر 1443 •

الخاطرة 361

ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت، فانظر ما يكون عليه حالك بعدها من قيامك بما أوجب الله عليك، وابتعادك عما حرم، فإنه على قدر ذلك يكون انتفاعك بها، وإلا فاتهم نفسك على شيء منها: على المداومة برعاية أوقاتها، أو الحفاظ على أركانها وشروطها وواجباتها، أو على الخشوع فيها . هي أحب الأعمال إلى الله، فإذا أديتها كما أمر؛ استتبعت جنسها من الصالحات، واجتذبته اجتذاب المغناطيس للمعدن، ونفت ما لا يلائم مناجاتك ربك، فإن الأعمال كالأرواح، جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، وإن من بركة الحسنة الحسنة بعدها . دل على هذا قول الله تعالى: "وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ‌ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنهَىٰ عَنِ ٱلفَحشَاءِ وَٱلمُنكَرِ‌"؛ فإنه أمر بإقامة الصلاة على الوجه المتقدم، وعلله بأنها تنهى عن الفحشاء، وهي الفعلة الشنيعة، وعن المنكر وهو المعاصي، وإنما نهيها بما تحدثه في النفس من مراقبة الله . فإن قيل: قد أخبر الله عن نهيها، لا عن انتهاء فاعلها، والنهي لا يلزم منه الانتهاء . قيل: لو كان المقصود مجرد النهي، فإنه ليس خاصا بالصلاة، فإنه يكون من الله ورسوله، وممن دونهما من الحاكم والعالم والمؤمن وغيرهم. وقد أرجع أهل مدين -وهم يدافعون عن نظرياتهم الشيطانية في التقليد والحرية- ما وجههم إليه شعيب من توحيد الله والتزام حكمه في تنمية المال إلى أثر الصلاة فيه، فقالوا مستهزئين: "يَـٰشُعَيبُ أَصَلَوٰتُكَ تَامُرُكَ أَن نَّترُكَ مَا يَعبُدُ ءَابَاؤُنَا أَو اَن نَّفعَلَ فِى أَموَلِنَا مَا نَشَـٰؤُاْ‌ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ". وأمر الله بني إسرائيل بالاستعانة بها وبالصبر؛ على فعل البر، ومطابقة أفعالهم لأقوالهم: "وَٱستَعِينُواْ بِٱلصَّبرِ وَٱلصَّلَوٰةِ‌ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلخَـٰشِعِينَ" . فإن قيل: أن أبا جعفر بن جرير الطبري رحمه الله قد قال: "تنهى من كان فيها، فتحول بينه وبين إتيان الفواحش، لأن شغله بها يقطعه عن شغله بالمنكر"، جعل الانتهاء خاصا بوقت أدائها، وذكره بعض المفسربن؛ فالجواب من أوجه: - الأول أن هذا وقت محدود، وفعل الفاحشة والمنكر لا يستغرقان وقت المرء كله . - والثاني أن الصلاة لا تختص بهذا، فإن الإنسان لا يقوم بعملين في وقت واحد غالبا كالآكل والشارب والصانع والماشي واللاعب. - والثالث أن ابن جرير تأول على ما ذكره أثرين لابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، فقد صح عن الأخير أنه قال: "من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا"، وصح عن قتادة والحسن مثله، وقولهم غير مقيد بحال الصلاة كما تأوله رحمه الله. فإن قلت: فما الحامل لبعض أهل التفسير على هذا القول؟ فالجواب أنهم رأوا كثيرا ممن يصلون لا ينتهون عما أخبر الله أن الصلاة تنهى عنه، وخبر الله لا بد أن يكون، قال الألوسي: "وما أرى هذا الإشكال إلا مبنيا على توهم استلزام النهي للانتهاء، وهو توهم باطل، وتخيل عاطل، لا يشهد له عقل، ولا يؤيده نقل". قلت: أما النقل فهو خبر الله عن الصلاة التي أمر بإقامتها، ومن أصدق من الله قيلا؟ وأما العقل فلا يحيله، على أنه تابع للنقل. فإن قلت: "أليس قد روي هذا المتن مرفوعا؟. فالجواب أن نعم، لكنه لم يصح، فقد رواه الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. فإن قيل: فهل في متنه ما يستوجب رده؟ قلت: متنه مستقيم ليس فيه ما يخالف الشريعة، لكن لأهل العلم فيه أقوال: * أولها قول الألباني رحمه الله: "وأما متن الحديث فإنه لا يصح، لأن ظاهره يشمل من صلى صلاة بشروطها وأركانها بحيث إن الشرع يحكم عليها بالصحة وإن كان هذا المصلي يرتكب بعض المعاصي، فكيف يكون بسببها لا يزداد من الله إلا بعدا؟ هذا مما لا يعقل ولا تشهد له الشريعة". * والثاني ما تأوله الإمام ابن تيمية، وهو أن يكون ما ترك من الواجب منها؛ أعظم مما فعله، فأبعده ترك الواجب الأكثر من الله؛ أكثر مما قربه فعل الواجب الأقل، واستبعد هذا التأويل الألباني. * والثالث أن المقصود به التهويل والزجر لا الحقيقة. والحق أن المتن لا نكارة فيه، وهو وإن لم يصح مرفوعا؛ فقد ثبت كما علمت عن بعض السلف، فكيف يقولون هذا الذي يخالف الشريعة؟. قلت: وجه قول السلف؛ أن الصلاة ذكرت مضافة، ولا يلزم أن تكون هي الصلاة التي علق عليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا قد أومأ إليه ابن تيمية في كلامه السابق، وإن لم يصرح به، ولأن الصلاة لا تكفر الكبائر التي ذكر أنها تنهى عنها، وهي مع عدم التوبة يزداد المرء بها من الله بعدا. وفي الختام فقد روى أحمد والبزار عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قيل: يا رسول الله إن فلانا يصلي الليل كله، فإذا أصبح سرق، فقال: "سيمنعه ما تقول، أو قال: تمنعه صلاته". •

الخاطرة 362

كتب أحد الإخوة من العين الصفراء يقول (وقد غيرت من كتابته كلمة واحدة): وجدت صاحبي مهموما وتبدو عليه ملامح الحسرة، فسألته عن حاله، فأخبرني أنه سلم على بعضهم فلم يردها عليه، فقلت: نلت الأجر وأثم، فقال: هذا ما أحزنني، أعلم أنه لا يردها، وما أحببت أن يأثم"، فقلت: سبحان الله!!، أين أنت وأين هم"؟؟. قال كاتبه: قال الله تعالى عن الرجل الصالح مع أصحاب القرية: "وَجَاءَ مِن اَقصَا ٱلمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسعَىٰ قَالَ يَـٰقَومِ ٱتَّبِعُواْ ٱلمُرسَلِينَ ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسَؤلُكُم أَجرًا وَهُم مُّهتَدُونَ"، قال قتادة رحمه الله: "لا تلق المؤمن إلا ناصحا، لا تلقاه غاشا"، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "نصح قومه في حياته: "قَالَ يَـٰقَومِ ٱتَّبِعُواْ ٱلمُرسَلِينَ ٱتَّبِعُواْ مَن مَن لَّا يَسَؤلُكُم أَجرًا وَهُم مُّهتَدُونَ"، ونصح قومه بعد مماته: "قَالَ يَـٰلَيتَ قَومِى يَعلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلمُكرَمِينَ".

الخاطرة 363

في قول الله تعالى: "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلبِرِّ وَٱلتَّقوَىٰ‌ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلاِثمِ وَٱلعُدوَٰنِ‌ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ‌ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ"؛ الوعيد الأكيد، لمن خالفوا هذا الأمر والنهي بالعقاب الشديد، وهو عام في عقاب الدنيا والآخرة، وقال تعالى: "وَكَذَلِكَ أَخذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ‌ إِنَّ أَخذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ"، وقال: "لَّهُم عَذَابٌ فِى ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا‌ وَلَعَذَابُ ٱلاَخِرَةِ أَشَقُّ‌ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ". وعذاب الدنيا غير مقصور على الاستئصال الذي كان في الأمم السابقة، فإن منه الآفات المختلفة في الأنفس وفي الأموال، وأدناه ما يحصل للمتعاونين على الباطل من التباغض، وما يترتب عليه من التناحر والتقاتل، كما هو مشاهد معيش، فإنهم وإن اجتمعوا في الظاهر؛ فقلوبهم كما قال الله تعالى عن أهل النفاق: "تَحسَبُهُم جَمِيعًا وَقُلُوبُهُم شَتَّىٰ‌ ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لَّا يَعقِلُونَ". وقد أفرط ابن العربي فاستدل بهذه الآية على بطلان إمامة المفترض للمتنفل، مع أن نيتيهما متعلقة بعبادة الله، فكيف بالمكونات المتضاربة الهجينة الذين هم كثوب ضم سبعين رقعة؟. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا تعاونوا على الإثم والعدوان أبغض بعضهم بعضا"، قلت: هذا شأنهم في الدنيا، وإلا فالأمر في الآخرة كما قال الله "ٱلاَخِلَّاءُ يَومَئِذِ بَعضُهُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلمُتَّقِينَ". في الصدر غصص مما يجري في السودان، يسهل التخفف منها بشيء يكتب، وقد رقمته، ثم امتنعت من نشره، بعض الفقهاء يرون أن الخمر تباح لإزالة الغصة، لكني كرهت أن أزيلها بغير ما أرتضيه، فضربت عنه صفحا وكظمت غيظي. فاللهم احفظ أهلنا في السودان وسائر بلدان المسلمين وقهم كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وشر العلمانيين والملحدين، ياذا الجلال والإكرام . ليلة 21 شهر ربيع الأول 1443 •

الخاطرة 363

(1) في كلام رسل الله عليهم الصلاة والسلام وهم يعانون تعنت أقوامهم وإعراضهم، أو يشاهدون ما حاق بهم من عذاب الله وانتقامه؛ ما يدل على عظيم إشفاقهم، ويكشف ما أودع الله في نفوسهم من رحمة خلقه، بحرصهم على صلاحهم واستقامتهم، وأسفهم لما يلحقهم، مع أن الفرح بهلاك الظالمين متقرر كما قال الله تعالى: "فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ‌ وَٱلحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَـٰلَمِينَ"، وقال: "فَمَا بَكَت عَلَيهِمُ ٱلسَّمَاءُ وَٱلاَرضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ"، وقال عليه الصلاة والسلام: "مستريح ومستراح منه". بيد أن المشاعر الإنسانية والخواطر النفسانية ولو كانت شرا؛ فليست محل تكليف، بل هي موضع تجاوز عن هذه الأمة، فكيف إذا كانت إشفاقا ورحمة؟، وإذا كان هذا فيمن كفروا برسالات الله وآذوا رسله؛ فكيف بالمؤمنين؟ ولنتأمل بعض ما ورد من هذا في كتاب الله لنقف على فيض نفساني رحيم كان عليه صفوة الخلق المهديين . قال تعالى: "فَلَمَّا ذَهَبَ عَن اِبرَٲهِيمَ ٱلرَّوعُ وَجَاءَتهُ ٱلبُشرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَومِ لُوطٍ"، أي يراجع الملائكة في عقاب قوم لوط خشية أن يهلك معهم صالحوهم، أما قوله: "إن إِبرَٲهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٲهٌ مُّنِيب"؛ فهو علة اشفاقه، أي غير عجول على الانتقام من المسيء، كثير التأسف، ومنه على ما فات قوم لوط من ترك ما كانوا عليه من الفجور فعوقبوا، وهو رجّاع إلى الله بعد صقل هذه العاطفة الجياشة التي كفكفها قول ربه: "يَـٰإِبرَٲهِيمُ أَعرِض عَن هَـٰذَا إِنَّهُ قَد جَاءَ أَمرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُم ءَاتِيهِم عَذَابٌ غَيرُ مَردُودٍ". وقال عن دعاء كليمه موسى مع أخيه هارون عليهما الصلاة والسلام: "فَٱفرُقۡ بَينَنَا وَبَينَ ٱلقَومِ ٱلفَـٰسِقِين"، دعا ربه أن يفصل بينهما وبين قومهما بقضاء يقضيه، أو يصرف عنهما ما قد يعاقبهم به، وقد حدا به إلى هذا الدعاء ما اتصفوا به من الفسق، حتى إذا أجاب ربه سؤله، وهو أعلم بما في نفسه؛ نهاه عن الحزن عليهم فقال: "فَلَا تَأسَ عَلَى ٱلقَومِ ٱلفَـٰسِقِين" . وقال عن صالح عليه الصلاة والسلام: "فَتَوَلَّىٰ عَنهُم وَقَالَ يَـٰقَومِ لَقَد اَبلَغتُكُم رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحتُ لَكُم وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ"، قيل إنه تقريع وتوبيخ، وقيل تحسر عليهم بما فاتهم من الإيمان والإذعان للحق، فسلى نفسه عما لحقها من الأسى. وقال عن شعيب عليه الصلاة والسلام: "فَتَوَلَّىٰ عَنهُم وَقَالَ يَـٰقَومِ لَقَد اَبلَغتُكُم رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَنَصَحتُ لَكُم فَكَيفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَومٍ كَـٰفِرِينَ"، اشتد حزنه عليهم ثم أنكر على نفسه: كيف يحصل هذا على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم واستخقاقهم ما أنزل بهم"، قال هذا أو قريبا منه صاحب الكشاف، وروى الطبري عن ابن إسحاق قال: "أصاب شعيبا على قومه حزن لما يرى بهم من نقمة الله، ثم قال يعزي نفسه فيما ذكر الله عنه ...فَكَيفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَومٍ كَـٰفِرِين. أو يخفى عن عيسى عليه الصلاة والسلام أن متخذيه إلاها عذبون ولا بد، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، وليس هذا خاصا برسالة الإسلام، لكنه فوض إلى ربه فقال: "إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ"، وليست هذه شفاعة فيهم كما ظنه بعضهم، فراح يبحث عن المسوغات له، ولعظم أثر هذه الآية على المؤمن بتخفيف ألم إعراض الناس وصدودهم عن الحق، وما يراهم عليه من الإجرام والآثام؛ قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها ليلة كاملة يرددها. فإن تعلقت الرأفة بحدود الله فالواجب مدافعتها حتى لا تنهض مانعة من تنفيذ حدوده، فإن الذي شرعها هو أرحم الراحمين، فلهذا قال عن الزاني والزانية: "وَلَا تَاخُذكُم بِهِمَا رَأفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُم تُومِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱليَومِ ٱلاَخِرِ"، والنكتة في ذكر اليوم الآخر هنا أن الحدود كفارات كما في حديث عبادة الصحيح، فالرأفة هنا هي أن يقام عليه الحد ليخلص إلى الآخرة وقد غفرت ذنوبه، بخلاف العقاب الكوني القدري فإن الرأفة لا ترده... يتبع . ليلة 22 من شهر ربيع الأول 1443 •

الخاطرة 363

(2) وقال تعالى مخاطبا نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم: "فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفسَكَ عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم إِن لَّم يُومِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلحَدِيثِ أَسَفًا"، وقال هو مخاطبا قتلى المشركين في أعقاب غزوة بدر: "يا فلان بن فلان، ويافلان بن فلان: هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا؟، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا"، وقال ابن مسعود: "كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، وكلاهما في صحيح البخاري، وهذا استغفار لهم مشروط بالتوبة، أو هو دعاء لهم بها، هكذا قال الحافظ ابن حجر، لأن الاستغفار للمشركين لا يجوز بنص القرآن، قلت: فهل يجوز أن يكون تنازلا منه عما ألحقوا به من الأذى خاصة كي لا يكون سببا في عقابهم؟. ومثله حديث عائشة رضي الله عنها حين سألته: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟، فقال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي.."، وفي بقية الحديث أن ملك الجبال قال له: "إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا"، والأخشبان جبلان في شمال مكة وجنوبها . فإن قلت: ألا يدل قول الله تعالى: "قُل لَّو اَنَّ عِندِي مَا تَستَعجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلاَمرُ بَينِى وَبَينَكُم وَٱللَّهُ أَعلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ"؛ على تشوفه إلى عقابهم ورغبته فيه؛ فالجواب أنه موقف هذا موقف تصحيح وبيان، وهو أن العقاب مرده إلى الله لا إليه. ولهذا الخلق الكريم سلطان على النفوس الزكية والقلوب السليمة، ولاسيما أهل العلم الذين هم ورثة الأنبياء، وطلابه الصالحون، فإنهم لا يفرحون بما يصيب خصومهم من الضر، بل يدعون لهم بالهداية والصلاح، لكن يسألون ربهم أن يصرف شرهم ويبطل مكرهم وكيدهم، ولاسيما ما له أثر على الدعوة إليه، وهذا منهج أهل السنة، فإنهم أحرص الناس على الحق، مع أنهم الأشفق على الخلق، ولا يلزم من الحرص على الحق إذاية الخلق. 22 ربيع الأول 1443

الخاطرة 364

هذه إنجازات إمام مسجد ثابت بن الدحداح في مدينة تغنيف بولاية معسكر خلال أقل من ست سنوات، وليس هو الوحيد الذي يسر الله له نفع خلقه في هذه الولاية وغيرها . * أربع سيارات ذات مهام مختلفة منها حمل الجنائز ونقل المرضى . * شاحنة ذات استعمال متعدد . * قطعة أرض من 700م2 . * شراء أو اتهاب أربع بنايات حولت اثنتان منها إلى ناديين، والباقي في طريق الإعداد . * توسعة المسجد بإضافة طابق من 700م2 . * مسكنان وظيفيان . * مغسلة للأموات . * قاعة استقبال . * بئر ماء . هذه بعض الإنجازات المادية التي جسدها هذا الإمام، وأهم منها ما وراءها من عمل دعوي تعليمي دائب عرف الناس به دينهم، فربطهم به ربطا صحيحا، وأشاع بينهم الثقة، فأقبلوا على الصدقات والهبات طيبة بها نفوسهم . وقد ذكرني عمله هذا بالمرسوم المنشئ لمؤسسة المسجد الذي صدر منذ نحو ثلاثين سنة في ظروف سياسية (تنافسية)، وكنت أقول عنه يومئذ إنه مشروع حضاري عظيم . فليكثر الله من أمثال هذا الرجل وليجز الله خير جزائه المحسنين من عباده وفي مقدمتهم الدعاة إلى دينه. ليلة 24 من شهر ربيع الأول 1443

الخاطرة 364

(1) العلم لازم في الدعوة إلى الحق، تليه إقامة الحجة، والتمام صلاح السيرة والسلوك، وإلا يكن شرطا؛ فإنه حجة على المدعو، والصلاح والفساد فارق بين كرامة أولياء الرحمن، واستدراج أولياء الشيطان. من ذلك قول الله تعالى عن شعيب عليه الصلاة والسلام: "وَمَا أُرِيدُ أَن اُخَالِفَكُم إِلَىٰ مَا أَنهَيكُم عَنهُ‌"، وقوله تعالى موبخا بني إسرائيل: "أَتَامُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلبِرِّ وَتَنسَونَ أَنفُسَكُم وَأَنتُم تَتلُونَ ٱلكِتَـٰبَ‌ أَفَلَا تَعقِلُونَ"، وقوله منكرا على المؤمنين: "يَـٰأَيُّها ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفعَلُونَ كبُرَ مَقتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفعَلُونَ" . وفي كتاب الله إلزام المشركين الإقرار بنبوة سيدنا محمد بعد تحديهم بالقرآن؛ بما عرفوا من سيرته، وما عهدوه فيه مما ينفي أن يكون القرآن من عنده، فأقام الحجة بذلك تارة، ودفع التهمة تارة أخرى، وهما كالمتلازمين . فمن الأول تذكيرهم بما كانوا يعرفون عنه من الخلق الكريم، ووصفهم له بالصادق الأمين، كقوله تعالى: "أم لَم يَعرِفُواْ رَسُولَهُم فَهُم لَهُ مُنكِرُونَ أم يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُ‌ۚ بَل جَاءَهُم بِٱلحَقِّ وَأَكثَرُهُم لِلحَقِّ كَـٰرِهُونَ"، وقوله: "ن. وَٱلقَلَمِ وَمَا يَسطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعمَةِ رَبِّكَ بِمَجنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجرًا غَيرَ مَمنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ"، وقوله: "وَمَا هُوَ عَلَى ٱلغَيبِ بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَولِ شَيطَـٰنٍ رَّجِيمٍ فَأَينَ تَذهَبُونَ". فلم يكن لهم بد أن يقروا بهذا الذي عرف عنه كما في كلام أبي سفيان رضي الله عنه مع قيصر ملك الروم قبل أن يسلم، ومنه كلام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي ملك الحبشة العادل، وقبل ذلك ما قالته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها أول بعثته تخفف عنه وتسليه، وتبني على ذلك أن ربه لا يخزيه . واعتمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على هذا مع عشيرته الأقربين أول ما دعاهم إلى الله فقال يستدرجهم إلى تصديقه: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟، قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد"، وقد ذكر غير واحد من السلف هذا عن نفسه متى اقتضاه المقام، فلو أن امرأ فعله غير مفاخر فلا ضير فيه. ومن الثاني وهو دفع التهمة؛ أن الله تعالى لقنه ما يرد به على المشركين مطالبتهم بقرآن آخر أو تبديله ليجعلوه ذريعة إلى أنه مفترى: "وَإِذَا تُتلَىٰ عَلَيهِم ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرجُونَ لِقَاءَنَا ٱئتِ بِقُرءَانٍ غَيرِ هَـٰذَا أَو بَدِّلهُ‌ قُل مَا يَكُونُ لِى أَن أُبَدِّلَهُ مِن تِلقَاىِ نَفسِى إِن اَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ إِنِّى أَخَافُ إِن عَصَيتُ رَبِّى عَذَابَ يَومٍ عَظِيمٍ قُل لَّو شَاءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوتُهُ عَلَيكُم وَلَا أَدرَيٰكُم بِهِۦ‌، والحجة هي قوله: "فَقَد لَبِثتُ فِيكُم عُمُرًا مِّن قَبلِهِۦۚ أَفَلَا تَعقِلُون"، فإنهم لم يعهدوا منه في عمره قبل البعثة ما له صلة بما في القرآن من لفظه وبلاغته وتشريعاته وإخباره بالغيب وغير ذلك. ومن رد التهمة قوله تعالى: "وَلَقَد نَعلَمُ أَنَّهُم يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلحِدُونَ إِلَيهِ أَعجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ"، وقوله: "وَمَا كُنتَ تَتلُواْ مِن قَبلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ‌ إِذًا لَّٱرتَابَ ٱلمُبطِلُونَ". ومن تمام ذلك؛ أنه لم يظهر عليه وقت ولادته ما ظهر على بعض الأنبياء من الخوارق، كتكليم عيسى الناس في المهد، وإيتاء يحيى الحكم في الصبا، وقد تكلم غير الأنبياء في المهد كصاحب جريج الراهب . ولهذا لم يثبت ما تناقله أهل السير من الخوارق يوم ولادته كاضطراب الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، وسقوط الشرفات، وغيرها، فكان عدم وقوع هذه الآيات؛ هو من الحجج على صدقه، لأن آيته الكبرى علمية باقية، وآيات غيره حسية آنية، على أن الله أعطاه من الحسية بعد النبوة المئات، فكان ما أعطاه آية كما كان ما منعه آية. وقد بين بين كتاب الله دخائل نفوس المعارضين، الذين يضمرون تصديقه، ويبدون تكذيبه كما في قوله تعالى: "قَد نَعلَمُ إِنَّهُ لَيَحزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُم لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجحَدُون"، ومما ذكره أنهم لا يقيمون على وصف يقدحون به فيه، فهم مضطربون مترددون متقلبون فيما يتقولونه من صنوف الفرى كما في قوله تعالى: "بَل قَالُواْ أَضغَـٰثُ أَحلَـٰمِ بَلِ ٱفتَرَيٰهُ بَل هُوَ شَاعِرٌ" ليلة 27 ربيع الأول 1443

الخاطرة 364

(2) ومما له بهذا صلة؛ ما جاء عن قتادة رحمه الله وبعضه في تفسير ابن أبي حاتم، وفي الدر المنثور للسيوطي عن قوله تعالى: "وَإِنَّكَ لَتَدعُوهُم إِلَىٰ صِرَٲطٍ مُّستَقِيم"؛ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم لقي رجلا فقال له: أسلم"، قال: "إنك تدعوني إلى أمر أنا له كاره"، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أسلم وإن كنت كارها"، وهو مرسل، لكنه صح عند أحمد عن أنس مرفوعا، وقال قتادة: وذكر لنا أنه لقي رجلا فقال له: أسلم، فتصعده ذلك وكبر عليه، فقال له: أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث، فلقيت رجلا تعرف وجهه وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل، أكنت تتبعه؟، قال: نعم، قال: فوالذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو كنت عليه، وإني لأدعوك لأسهل من ذلك لو دعيت إليه"، قال: وذكر لنا أنه لقي رجلا فقال: "أسلم، فتصعده ذلك، فقال: "أرأيت لو كان لك فتيان، أحدهما إذا حدثك صدقك، وإذا ائتمنته أدى إليك، أهو أحب إليك، أم فتاك الذي إذا حدثك كذبك، وإذا ائتمنته خانك؟، فقال: بل فتاي الذي إذا حدثني صدقني، وإذا ائتمنته أدى إلي، قال: فكذلكم أنتم عند ربكم". واستفادة الدعاة من هذا؛ أنهم متى عرفوه عن خصومهم هانت عليهم المطاعن، وخف عنهم ما يقاسونه من جفاء الأقران، وأتباعهم من الدهماء، وما يأخذونه عليهم مما ألصقوه بهم، فليضربوا عنه صفحا، وليطووا عنه كشحا، وقد فعل كثير منهم ذلك فانجحوا . ليلة 27 ربيع الأول 1443 •

الخاطرة 365

مما وفق الله الأمة إليه لحفظ هذا الدين؛ مراعاة فهم سلفها لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال أبو داود رحمه الله في باب الوضوء مما مست النار: "إذا تنازع الخبران عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ نظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده". وقال ابن تيمية رحمه الله: "فما ظهر من بعدهم مما يظن أنه فضيلة للمتأخرين، ولم تكن فيهم؛ فإنها من الشيطان، وهي نقيصة، لا فضيلة، سواء أكانت من جنس العلوم، أو من جنس الخوارق والآيات، أو من جنس السياسة والملك، بل خير الناس بعدهم أتبعهم لهم". وقد دأب المفسرون وحملة الحديث في فهم الكتاب والسنة على الاعتماد على المأثور عن السلف، فأدخلوا فيما رووه الموقوف على الصحابة، والمقطوع عمن دونهم من التابعين وتابعيهم من الأئمة والعلماء، كما تراه في تفسير ابن أبي حاتم، وأبي جعفر بن جرير الطبري وغيرهما من نقلة المأثور، وفي مصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق الصنعاني وغيرهما؛ من آثار الصحابة ومن دونهم مجموعا إلى السنة، وما في موطإ مالك من أقوال العلماء يسترشد بهم في فقهه، مع تمسكه بما عليه أهل العلم بالمدينة حتى قال بإجماعهم، وتأمل تراجم البخاري وما صدرها به من آثار الصحابة ومن دونهم بين يدي الحديث ليستعان بها على فهمه، مع أن كتابه يسبق كل كتاب عدا كتاب الله، والتزم الترمذي أن يذيل ما دلت عليه الأحاديث بمذاهب الصحابة ومن بعدهم من أئمة الهدى في فهمها . ومن هذا اعتبار كثير من العلماء قول الصحابي عن الشيء سنة؛ مرفوعا حكما، وهو الحق، واعتبار بعضهم قول التابعي من السنة كذا؛ مرسلا، والاستدلال بما شاع في عهده صلى الله عليه وآله وعرف، ولو لم يعلم اطلاعه عليه، واعتبار ما قاله الصحابي في سياق سبب النزول مرفوعا، وأطلق بعضهم في هذا متى كان مما لا يقال بالرأي، وصدر عمن لم يعرف برواية الإسرائيليات، ومن ذلك عنايتهم بنقل سبب ورود الحديث، واعتماد بعض الأئمة على القراءة الشاذة في استنباط الأحكام، ومنه ما في باب الإجماع من أن الصحابة إذا اختلفوا في مسألة على قولين؛ امتنع إحداث قول ثالث، لأنه نظير مخالفة الإجماع على الشيء الواحد، بل عمم بعضهم هذا المنع على جميع العصور متى استيقن الإجماع. فهذا وغيره يكشف منهج علماء الأمة في الطريقة الموصلة إلى فهم الكتاب والسنة فهما صحيحا، ليتمكن العالم - فضلا عن غيره - من السير على طريق الهداية الذي أوجب الله على كل مسلم سؤاله إياه في كل صلاة كما قال: "ٱهدِنَا ٱلصِّرَٲطَ ٱلمُستَقِيمَ صِرَٲطَ ٱلَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم غَيرِ ٱلمَغضُوبِ عَلَيهِم وَلَا ٱلضَّالِّينَ"، وقال: "وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلاَوَّلُونَ مِنَ ٱلمُهَـٰجِرِينَ وَٱلاَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنهُم وَرَضُواْ عَنهُ"، وقال النبي صلى الله إليه وآله وسلم: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، وهذه خيرية علم وعمل وصلاح، فالمقصود مدحهم بهذه الأمور ليقتدى بهم، فهذا المنهج لا يشكك فيه إلا مخبول. وليس فيما سبق حجر على العلماء في أي عصر، فإن الله تعالى يفتح على عبده من الفهم عنه وعن نبيه صلى الله إليه وآله وسلم ما يشاء، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". أما ميزان قبول هذا الذي يفتح على العبد؛ فبأن لا يخرج عن مقاصد الشرع وأصوله، وما علم منه بالضرورة، وما هو منه مشهور عند المسلمين قاطبة، وأن لا يتبع ما تشابه من الوحيين، بل يرده إلى المحكم الذي هو أم الكتاب، وأن يربأ بنفسه عن متاهات أهل التفسير الإشاري من المتصوفة المتهوكين، وتكلفات المبتدعين. والاحتجاج باختلاف السلف في العمليات لا ينهض على خلاف ما ذكر، أما في العلميات فهو قليل بل نادر، وما كان منه في التفسير فهو من اختلاف التنوع غالبا، وإن عظم اجتهادهم فيه، فاتبع فقد كفيت، والحمد لله رب العالمين. الثالث من شهر ربيع الثاني 1443 •

الخاطرة 366

ذكرت الرئاسة الفرنسية أن رئيس هذا البلد يحترم كثيرا الأمة الجزائرية(!!)، ويحترم تاريخ الجزائر وسيادتها(!!)، ويتأسف لسوء التفاهم الذي ساد مع الجزائر في الفترة الأخيرة، ويتمنى مشاركة رئيسها في مؤتمر ليبيا يوم الجمعة بباريس . هذا ليس اعتذارا من هذا الرئيس عما نسب إليه، ولا هو تراجع عنه، فهو عنده مجرد سوء تفاهم (!!)، والدافع إليه أن يبدو بمظهر الحريص على مصلحة ليبيا بجمع من يريد جمعهم لمصلحة بلده، مع أنه كان له النصيب الأكبر في تدميرها وإذكاء نار الفرقة بين أبنائها. إن المسلم يحب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أكثر مما يحب نفسه، فكان الواجب أن نغضب يوم أقر هذا الرئيس ما تورط فيه بعض مواطنيه من الإساءة إلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، بل ولدين الإسلام نفسه؛ أكثر من غضبنا لنفيه تاريخنا الذي نعتز به، غير ناسين أننا نُسأل عن أعمالنا وما كسبت أيدينا كما قال الله تعالى: "تِلكَ أُمَّةٌ قَد خَلَت لَهَا مَا كَسَبَت وَلَكُم مَّا كَسَبتُم‌ وَلَا تُسئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعمَلُون". لو غضبنا لديننا ولنبينا لضم ذلك إلى هذا الذي اعتذر عنه بأسلوب الماكر المخادع، لكنا لم نفعل فلم يفعل، ولا شك أنه هو ومستشاروه يوازنون ويقارنون ويستخلصون العبرة من موقفينا!! العلاقة بيننا وبين هذه الدولة التي دمرت بلدنا وما تزال لا يصح أن تقوم على ردود الأفعال الآنية، فنمشي خطوة إلى الأمام لنتراجع بعد حين خطوات إلى الخلف، إن فعلنا أغريناهم بتكرار ذلك كلما دعتهم مصلحتهم الانتخابية أو غيرها . ليلة الخامس من ربيع الثاني 1443 •

الخاطرة 367

أهينوا ماكرون المهان، فلا تقبلوا له عذرا، ولا تجيبوا له دعوة، وأروه من أنفسكم اعتزازكم بدينكم تمسكا، وبلغتكم العربية تعلما وتحدثا، وبأمجاد أمتكم اتباعا في الحق وائتساء. لقد أهانه ربكم فتخلقوا بأخلاقه، فإنه لا يذل من والاه، ولا يعز من عاداه، قال سبحانه: "إِنَّا أَعطَينَـٰكَ ٱلكَوثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنحَر إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلاَبتَرُ"، وقال: "ومَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكرِمٍ‌"، وقال: "إن ٱلَّذِينَ يُحَادُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ فِى ٱلاَذَلِّين"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري" . ملك كسرى مزقه الله كل ممزق لأنه مزق كتاب نبيه، فكيف بمن سب دينه وأقر على إهانته؟. كل ما قاله حاكم فرنسا بخصوص بلدنا -وإن استعظمناه- فهو أهون عندنا بكثير من الإساءة إلى سيدنا ونبينا. 6 ربيع الثاني 1443

الخاطرة 368

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. هذه صورة عملية عن نظر بعض مديري الثانويات في بلادنا إلى مادة التربية الإسلامية المظلومة، بعد هذا الذي دبر لها في مضمونها، ثم في سلم التنقيط في امتحاناتها، وما ترتب على ذلك من أثرها على الدارسين والدارسات، بل وعلى المدرسين والمدرسات. شاب يحفظ القرآن الكريم، مجاز في القراءات، متخرج من جامعة وهران قبل سنوات، عين أستاذا بإحدى ثانويات ولاية معسكر، قدم نصيحة لبعض الطالبات بالتزام اللباس (المحتشم !!)، (كما صرنا نسميه لثقل كلمة اللباس الشرعي على كثير من الأسماع)، يستدعيه مدير الثانوية ليقول له: "كل الخبز واسكت"!!، ثم يأمر الحارس أن يمنعه من الدخول فمنعه، ومن المضحك المبكي أن يقال له: علمها الصلاة، ولا شأن لك بلباسها !!. يتحمل القائمون على المؤسسات التعليمية وغيرها بعد الآباء والأمهات والأولياء مسؤولية هذا العري الفاضح الذي عليه كثير من النساء داخلها، وفي محيطها، وفي الطريق إليها . ما المانع لهؤلاء أن يعدوا نظاما داخليا يلزم به الدارسون ذكورا وإناثا، وأن يبلغوه للأولياء؟، أهو قصور أم تقصير أم غير ذلك؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعونه فلا يستجيب لكم"، رواه أحمد والترمذي عن حذيفة رضي الله عنه . ليلة 15 من شهر ربيع الثاني 1443 •

الخاطرة 368

(1) أخبر الله عن نفسه أنه منور السماوات والأرض، فهو مدبر أمرهما مع من فيهما وما فيهما، وهو القائم عليهما "ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلاَرضِ‌". وأبرز من ناله ذلك النور عبده المؤمن، فضرب مثل واحد لهداية قلبه بإيمانه بالله، ثم بالإذعان له وطاعته، لم يجعلهما مثلين كمثلي الكافر لأن العمل لا ينفصل عن الإيمان ولا ينفك عنه. * فأما مثل نور قلبه؛ فهو قوله: "مَثَلُ نُورِهِ كَمِشكَوٰةٍ فِيهَا مِصبَاحٌ ٱلمِصبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ‌ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ زَيتُونَةٍ لَّا شَرقِيَّةٍ وَلَا غَربِيَّةٍ يَكَادُ زَيتُهَا يُضِىءُ وَلَو لَم تَمسَسهُ نَارٌ‌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ‌ يَهدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَاءُ وَيَضرِبُ ٱللَّهُ ٱلاَمثَـٰلَ لِلنَّاسِ‌ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ". ذكرت المشكاة -وهي الكوة غير النافذة- لأنها تجمع النور فيزداد شدة، فكيف إذا كان لمعان زجاجته كالنجم الشديد الضوء، ووقوده زيت شجرة مباركة، نالها من ضوء الشمس وحرارتها ما جعل زيتها غاية في الصفاء ؟، فيكاد يضيء ولو لم يوقد، فكيف إذا وقد؟ هي صورة حسية تقرب معنى النور الذي في قلب المؤمن، جمعت مقوماته الكاملة المتناسقة . * وأما العمل المنبعث عن ذلك النور؛ فجاء ذكر المساجد التي هي خير البقاع في مقدمته، تزداد قلوب المجتمعين فيها نورا، وقلوب الخيرين منهم معلقة بها كما في حديث السبعة، والصلاة خير ما فيها من الأعمال، وهي نور كما قال عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا يلهي هؤلاء شيء من الحياة عنها، مع دوام خوفهم يوم العرض على الله، يوم تتقلب القلوب: بين أمل النجاة، وخشية الهلاك، وتتقلب الأبصار بين مناظر العرض المهولة: "فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا ٱسمُهُ ۥ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلغُدُوِّ وَٱلاَصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلهِيهِم تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيعٌ عَن ذِكرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَاءِ ٱلزَّكَوٰةِ‌ يَخَافُونَ يَومًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلقُلُوبُ وَٱلاَبصَـٰرُ لِيَجزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضلِهِۦ‌ وَٱللَّهُ يَرزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ". ومن دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، ومن فوقي نورا، ومن تحتي نورا، ومن أمامي نورا، ومن خلفي نورا، وأعظم لي نورا"، فبدأ بسؤال ربه أن ينور قلبه الذي هو بداية الصلاح، ومنطلق استقامة الأعضاء، وختم بسؤاله أن يعظم له النور، فإن المطلوب إعظام السائل المسألة. يتبع ليلة 17 من شهر ربيع الثاني 1443 •

الخاطرة 368

(2) ...أما المثلان اللذان ذكرهما ربنا للكافر؛ فأولهما عن ضياع أعماله، وعدم نفعها له، وثانيهما عن جهله والظلم التي تجتمع عليه في حياته، فكما أن حياة المؤمن نور عل نور، فحياة الكافر ظلمة على ظلمة، وقد اعتبر ابن كثير رحمه الله المثل الأول للداعي المتبوع، والثاني للمقلد التابع . قال الله تعالى عن أولهما: "وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَعمَـٰلُهُم كَسَرَابِ بِقِيعَةٍ يَحسَبُهُ ٱلظَّمئَانُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهۥ لَم يَجِدهُ شَيئًا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ ۥ فَوَفَّهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلحِسَابِ"، قال ابن كثير: "هو للكفار الدعاة إلى كفرهم الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء..". وقال تعالى عن الثاني: "أَو كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحرٍ لُّجِّىٍّ يَغشَهُ مَوجٌ مِّن فَوقِهِۦ مَوجٌ مِّن فَوقِهِۦ سَحَابٌ ظُلُمَـٰتُ بَعضُهَا فَوقَ بَعضٍ إِذَا أَخرَجَ يَدَهُ لَم يَكَد يَرَاهَا وَمَن لَّم يَجعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ" . هي ظلمات ناشئة عن بحر عميق، متراكمة أمواجه، حجب عنه ضوء الشمس والقمر السحاب، لا يكاد يرى فيه شيء، قال أبي بن كعب رضي الله عنه: "فهو يتقلب في خمسة من الظلَم (جمع ظلمة): فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات: إلى النار". قال ابن كثير: فهذا مثل لقلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يعرف حال من يقوده، ولا يدري أين يذهب، بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم!! قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري". قلت: مما يتندر به في بلادنا أن أحدهم وجد شخصا واقفا في صف، فقال له: لم تقفون هنا؟ قال: لا أدري، وجدتهم واقفين فوقفت، فهذا أحسن حالا بكثير، مما ذكره ابن كثير. 17 من شهر ربيع الثاني 1443 •

الخاطرة 369

رب ضارة نافعة وإذا أراد الله نشر فضيلة * طويت أتاح لها لسان حسود !! لولا اشتعال النار فيما جاورت * ما كان يعرف طيب عرف العود لولا التخوف للعواقب لم تزل * للحاسد النعمى على المحسود المأمول أن يكون ما أثير هذه الأيام عن التربية الإسلامية حافزا للقائمين على هذا القطاع عموما، وللذين يتولون الإشراف المباشر على هذه المؤسسات التعليمية في مختلف أطوارها خصوصا، من المعلمين والأساتذة والإداريين؛ على التعاون والتكامل لإعادة الاعتبار لهذه المادة -التي هي أساس كل تعليم ناجح- ضمن البرامج الدراسية، وفي الممارسة والسلوك، لعلنا نستعيد أمورا كادت تفقد من الأدب والحياء والعفة واللباس المشروع داخل هذه المؤسسات وفيما حولها، وبالتنسيق مع الأولياء، فليلتزم المعنيون كلهم نظاما داخليا يشرفهم، ويعلو به ذكرهم. إن الغيرة على أحكام الله يجب أن تكون قدرا مشتركا بين المسلمين، والمديرون وأعوانهم كذلك ولله الحمد، وجهود الكثير منهم مشكورة مشهودة، فلنر منهم -وفقهم الله- التفاتة طيبة واعية نحو هذا الذي نشترك في المسؤولية عنه في الدنيا والآخرة، ولا يعفينا منه -والله- مزاعم الحرية الكاذبة، والمواثيق الناكبة، فلنعرف أحكام ربنا، ولنجتهد في إلزام الدارسين وغيرهم بمراعاتها، بل وليدخل ذلك في عملية التقويم الشاملة لمدى تحصيل التلميذ، فينالون رضا مولاهم، ويحببهم الله إلى خلقه. إنه لا يصح بحال أن يلام من نصح أو أنكر ما يتعين إنكاره في كنف الدعوة بالحسنى، ومن شأن أستاذ المادة أن يحرك همم تلاميذه لتجسيد ما يتلقون عنه، فإن التربية ممارسة وتعود، لا كلمات منعزلة عن السلوك والعلاقات، قال النبي صلى الله عليه وآله: "الخير عادة والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين"، وأذكر نفسي وإخواني ممن يهتمون بهذا الأمر بقول نبينا عليه الصلاة والسلام: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت". 19 ربيع الثاني 1443 •

الخاطرة 370

من الناس من يحسدك لا على النعمة تصيبك فحسب، بل على النقمة أيضا إذا رأى فيها رفعة لك، وقد أورد صاحب العقد الفريد هذه القصة بالنقل عن الأصمعي فقال: "كان رجل من أهل البصرة بذيئا شريرا، يؤذي جيرانه ويشتم أعراضهم، فأتاه رجل فوعظه فقال له: "ما بال جيرانك يشكونك"؟، قال: "إنهم يحسدونني"، قال: "على أي شيء يحسدونك"؟ قال: "على الصلب"، فال: "وكيف ذلك"؟، قال: "أقبل معي"، فأقبل على جيرانه فقعد متحازنا، فقالوا: "مالك"؟ قال: "طرق الليلة كتاب معاوية أن أصلب أنا ومالك بن المنذر، وفلان وفلان، فذكر رجالا من أشراف أهل البصرة، فوثبوا عليه، وقالوا: "يا عدو الله، أنت تصلب مع هؤلاء ولا كرامة لك"؟! فالتفت إلى الرجل فقال: "أما تراهم حسدوني على الصلب، فكيف لو كان خيرا". ليلة 20 من شهر ربيع الأول 1443 •

الخاطرة 371

روى الإمام أحمد عن شبيب بن روح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفجر، فقرأ فيهما بالروم، فالتبس عليه في القراءة، فلما صلى قال: "ما بال رجال يحضرون الصلاة معنا من غير طهور؟ أولئك الذين يلبسون علينا صلاتنا، من شهد معنا الصلاة فليحسن الطهور". قال ابن كثير رحمه الله: "هذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام"!! . ليلة 27 من شهر ربيع الثاني 1443 •

الخاطرة 372

قول الله تعالى: "ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَونَها"(سورة الرعد)، وقوله تعالى في سورة لقمان: "خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَونَهَا‌"، ذكر في الأولى الرفع، وفي الثانية الخلق، وقد يقارن الرفع الخلق، وقد يسبق الخلق. قوله (بِغَيرِ عَمَد) جار ومجرور في محل نصب حال من (ٱلسَّمَـٰوَٲت)ِ، أي أن السموات رفعها الله خالية من عمد، وهو جمع عمود، ويجمع على أعمدة وعماد . وفي إعراب جملة (تَرَونَها) وجهان: * أولهما أنها في محل جر صفة لعمد، فإن الجمل بعد النكرات صفات، أي خلقها بغير عمد مرئية، ففيه إثبات وجود العمد، ونفي رؤية الخلق لها . * والثاني أنها في محل نصب حال من المفعول به، وهو (ٱلسَّمَـٰوَٲتِ)، أي خلقها بغير عمد، وأنتم ترونها كذلك، ففيه نفي وجود العمد ورؤيتها معا. والإعراب الأول هو الأقوى لأنه على الثاني يكون للسموات حالان: جملة وشبهها، وقد فصل احدهما عن الآخر، واتصال الحال بصاحبها هو الأصل، فلو كان المراد مدلول الإعراب الأول؛ لقيل خلق السموات ترونها بغير عمد . ولأهل العلم قولان في تفسير هذه الآية، لكل منهما علاقة بأحد الإعرابين المذكورين: أولهما أنها مرفوعة من غير عمد بإطلاق، وممن ذهب إليه إياس بن معاوية وقتادة في قوله الثاني، وهذا يتواءم مع الإعراب الثاني، وقد نصره البغوي وابن كثير ولم يذكر صاحب التحرير والتنوير غيره، قال ابن كثير: "فهذا هو اللائق بالسياق، والظاهر من قوله تعالى: "وَيُمسِكُ ٱلسَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلاَرضِ إِلَّا بِإِذنِه"..، وهو الأكمل في القدرة"، انتهى. قلت: الناس لا يختلفون أن الله هو الفاعل، ومن ذلك أن يخلق في الشيء ما يجعله متماسكا بنفسه، ويضع فيه نظام حفظه كما هو معروف اليوم في علم الجاذبية . والقول الثاني يثبت وجود العمد، فقد صح عن ابن عباس من طريق مولاه عكرمة أنه قال له "إن فلانا يقول إنها على عمد، فقال: اقرأها (بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَونَها)، أي لا ترونها". وصح هذا أيضا عن مجاهد والحسن وقتادة في أحد قوليه، ويظهر أن هذا متأخر على الذي سبق، وقال ابن جرير الطبري رحمه الله مرجحا أحدهما: "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال الله جل ثناؤه (ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَٲتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَونَها)، فهي مرفوعة بغير عمد نراها"، قلت: هذا ليس بينا في ترجيح أحد القولين للاحتمال الذي في مرجع ضمير (نراها). فهؤلاء يثبتون للسماء عمدا لا ترى، فيلتقي هذا القول مع الإعراب الأول، وهو ما أثبته العلم الحديث من القول بالجاذبية التي شاع أن أول من اكتشفها هو نيوتن الإنجليزي المتوفى سنة 1727. وقد ذكر الشيخ صالح آل الشيخ وفقه الله أن الذي اكتشف الجاذبية هو أبو القاسم عبيد الله الخرداذبة المتوفى سنة 280 هجرية، ونقل كلامه الذي يثبت ذلك من كتابه المسالك والممالك. وقد وقف الهبطي رحمه الله على قوله (عَمَدٍ) في السياقين للتفصي من نسبة شيء لغير الله كما وقف في قوله تعالى: "وَلَو تَرَىٰ إِذ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ‌ ٱلمَلَـٰـئِٕكَةُ يَضرِبُونَ وُجُوهَهُم وَأَدبَـٰرَهُم وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلحَرِيق"؛ على كلمة (كفروا) للمقصود نفسه، وفي وقفه فصل بين الصفة والموصوف، أو بين الحال وصاحبها حسب الإعرابين المذكورين، ومراده أن يكون قوله (تَرَونَهَا) استئناف، أي ترونها لا عمد لها، والعلم عند الله. يوم 27 ربيع الثاني 1443 •

الخاطرة 373

"وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلقَاءَ مَديَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّى أَن يَهدِيَنِى سَوَاءَ ٱلسَّبِيلِ"، خرج موسى عليه الصلاة والسلام فارا من بطش فرعون وملئه، فيمم أرض مدين، فهل كان يجهل الطريق؟، أم أن الطريق الذي سلكه، ذكره بسواء السبيل الذي هو همه؟، فانطلق لسانه يرجو ربه أن يهديه إليه، هو المتبادر الذي ليس عليه جمهور أهل التفسير. إن (سَوَاءَ ٱلسَّبِيل)ِ لم يرد في القرآن إثباتا أو نفيا إلا في معنى صراط الله المستقيم، فرجاء موسى هو نظير قول أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام: "وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهدِينِ". شأن المؤمن أن يخطر على قلبه الأبعد إذا ذكر الأقرب، ويرنو إلى الأهم بالمهم، ولجل بالدق، وأعظمه الآخرة بالدنيا، وقد يستعين بهذا لتصور ذاك . وهذا هو منهج كتابك أيها المسلم، يقرن بين الأمرين، في امتزاج فريد سلس، وجمع متآلف، يعتاد تاليه استحضار النظير بنظيره، فيتوق ويستشرف، وإن كان البون شاسعا، لا يأسره الظاهر، فيحجب عنه الباطن، ولا يقف عند عاجل المصالح - والنفس مولعة بها - فيضرب صفحا عن آجلها. وتأمل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي رضي الله عنه: "قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى؛ هدايتك الطريق، وبالسداد؛ سداد السهم". إن الاهتداء في الطريق، أقوم من الاهتداء إليه، والتسديد نحو الجهة، نازل عن إصابة فلب الجهة، فلهذا أمر علي أن يستحضر بمعقول طلابه، ما اعتاده من أمر مجيئه وذهابه، وغالب من استقاموا وما أقلهم لم يجاوزوا الأول: ولم أر في عيوب الناس نقصا * كنقص القادرين على التمام !! . فإن رمت أمثلة من كلام ربك؛ فقد قال: "وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقوَىٰ‌"، وقال: "يَـٰبَنِى ءَادَمَ قَد اَنزَلنَا عَلَيكُم لِبَاسًا يُوَٲرِى سَوءَٲتِكُم وَرِيشًا وَلِبَاسَ ٱلتَّقوَىٰ ذَٲلِكَ خَير"، وقال عن المراكب: "َلِتَستَوُاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذكُرُواْ نِعمَةَ رَبِّكُم إِذَا ٱستَوَيتُم عَلَيهِ وَتَقُولُواْ سُبحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُون"، وقدم سبحانه في امتنانه على عباده بخلق النار؛ كونها تذكرة، على اعتبارها ارتفاقا ومتاعا: "نَحنُ جَعَلنَـٰهَا تَذكِرَةً وَمَتَـٰعًا لِّلمُقوِين"، وقال النبي صلى الله إليه وآله وسلم: "ناركم هذه التي يوقد بنو آدم؛ جزء من سبعين جزءا من نار جهنم.."، فاللهم قنا عذاب النار، واهدنا سواء السبيل. يوم الثالث من جمادى (1) 1443 •

الخاطرة 374

علوم الدنيا كلها لا تخرج عن العلم بخلق الله، وهو مرد كثير من المنافع التي شاء الله إمداد خلقه بها، وعلى قدر تطوره تزداد وتيرة التسخير . ومنهج الإسلام أن تؤسس معارف الحياة على العلم بالله، والعلم بأمره، وما يترتب عليهما من أثر في المكلفين، وهذا لا يطعن به في حياد البحث وتجرده، فبهذا تصير منسجمة مع نواميس الكون، بل تغدو من جملة ما يطلبه الدين ويحض عليه. أما إذا خلت الحياة مما سبق؛ فإنها تبلغ من التفاهة بحيث لا تساوي جناح بعوضة، بل تنزل عن ذلك إلى أن تستحق اللعنة كما في قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه". أما العالم بها وحدها؛ فحسبه قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "إن الله يبغض العالم بالدنيا الجاهل بالآخرة"، وهو مشمول بقول الله تعالى: "وَعدَ ٱللَّهِ‌ لَا يُخلِفُ ٱللَّهُ وَعدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعلَمُونَ يَعلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَهُم عَنِ ٱلاَخِرَةِ هُم غَـٰفِلُونَ". ليس مطلوبا من العارف المسلم بأي من معارف الدنيا؛ أن يتبحر في علم دينه، حسبه أن يلم بما لا بد لكل مسلم منه، وهو القدر الذي يحقق به إسلامه عقيدة وعملا، وهو ما يشكل الميثاق الجامع للمسلمين، الداعم لوحدتهم، الصائن لجماعتهم من التفكك، وقد أشار إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". فعلى كل من ابتغى معرفة من معارف الحياة؛ أن يحوز زيادة على ذلك القدر المشترك؛ ما يجعل علمه خادما لأمته الخدمة النافعة المشروعة، ولا يكون معول هدم كما تراه في كثير من معارف الأدب والفلسفة والقانون والإعلام وغيرها، بل إن بعض من يدعون التخصص في علم الشريعة؛ يبذل قصارى جهده في هدمها. وحيث إن الحياة العامة قد غلب عليها التنظير العلماني، وممارساته العملية الجاهلة؛ فإن ظهور دول المسلمين في علوم الحياة وحدها، وإن لم يكن مقصودا للشرع بالأصالة؛ فإنه قد يوفف هذا الانهيار الفكري، والاستلاب الحضاري، والهزيمة النفسية، بل والاعتقاد المستكن في بعض النفوس، الراجع بهذا التخلف إلى الإسلام . لهذا الذي قلت؛ فإن المرء لا يسعه إلا أن يفرح ويستبشر خيرا إذا سمع بمثل الدكتور بلقاسم حبة الذي ضرب بسهم وافر في براءات الاختراع، فبلغ بما أزيد من الألف، والأمل أن تولي دول المسلمين الاهتمام اللازم لتوطين هذه العلوم، بدعم البحث العلمي، والعناية بالقائمين به، إنها البداية التي لا بد منها لفك هذه الأغلال التي يكبلنا بها الغرب: يصدر لنا ثمرات العلوم بعد أجيال من ظهورها، ويحدد لبعضها شروط استعمالها، ويحجب عنا قوانينها ونظمها، وبقدر ما نسر بهذا؛ نأسف للاهتمام الواسع الذي يولى لحثالة من الناس من التافهين والتافهات، ولكن اكثرهم لا يعلمون . ليلة الثامن من جمادى (1) 1443 •

الخاطرة 375

نلت حظي من الاحتفال بـ(فوز) فريق كرة قدم بلادي، فقد (انتصر) على الفريق التونسي ليلة أمس، فصار بطل العرب!! لكني لم أكن مختارا في حضور الاحتفال، فقد احتشد الفرحون، فسدوا الطرقات دوننا ونحن عائدون من صلاة العشاء، فسرنا في موكب اللاهين مرغمين، وصرنا من جملة المحتفلين العابثين !!. هذه المظاهر تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن منظومتنا التربوية بمختلف تصنيفاتها ومستوياتها؛ لم توفق في توجيه طاقات الشباب إلى الميادين النافعة -وقد يكون هذا التوجيه أمرا مقصودا- فاتجه كثير منهم إلى اللعب واللهو وغيرهما من الآفات، يصرفون فيه طاقتهم، وقد يتوهمون أنهم ينفسون عن أنفسهم، والذي لا يشك فيه أنهم يعانون فراغا روحيا رهيبا، فبلغوا في تعلقهم بهذا الكرة وغيرها من البدائل حد السكر والجنون، فالحمد لله الذي عافانا، ولو شاء لابتلانا: جنونك مجنون ولست بواجد ** طبيبا يداوي من جنون جنون !! قيل إن اللعب هو الفعل الذي لا يقصد به فاعله شيئا يجلب منفعة أو يدفع مضرة، وهذا لا يناسب إلا الصغار الذين يتلذذون بأفعالهم لذاتها، وأما اللهو فهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، ولهذا قالوا إنه فعل الكبار، والخطر ليس في اللهو ذاته متى كان مشروعا، بل أن يستولي حب اللهو على القلب، فتلك كبوة لا لعا لها، وهذا ما عليه معظم المولعين بكرة القدم مع الأسف، ومن عجيب أمر اللغة العربية أن اللعب مرده إلى اللعاب والبصاق في تفاهته، فكيف تضفى عليه هذه الهالة التي يخرج الناس فيها عن طورهم؟، وقد يموت بعضهم فرحا، ويقضي آخرون كمدا وترحا . حصر كتاب الله تعالى الحياة الدنيا كلها في اللهو واللعب كما في قوله تعالى: "وَمَا هَـٰذِهِ ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا إِلَّا لَهوٌ وَلَعِبٌ‌"، وقال: "وَمَا ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهوٌ‌"، فقدم اللهو تارة، وقدم اللعب تارة أخرى، لتساويهما في النتيجة، وإذا عذر الأطفال، فما بال الكبار ؟. من لم يستيقن هذه الحقيقة العقدية التي وصفت بها الدنيا لا يتمكن من رعاية التوازن في النظر إلى الحياتين، والتفكر فيهما معا، فضلا عن إيثار الآخرة على الدنيا، فيعيش لاعبا لاهيا ولو ظن أنه جاد، فكيف إذا كان لاعبا لاهيا بما يراه الناس كذلك: "ٱعلَمُواْ أَنَّمَا ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرُ بَينَكُم وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلاَموَٲلِ وَٱلاَولَـٰدِ‌ كَمَثَلِ غَيثٍ أَعجَبَ ٱلكُفَّارَ نَبَاتُهُ ۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَـٰمًا‌ وَفِى ٱلاَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضوَٲنٌ‌ وَمَا ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلغُرُورِ". إن أعمال الدنيا كلها لعب ولهو متى ابتعد الناس فيها عن طاعة ربهم؛ فكيف بما يعتبرونه ويسمونه لهوا ولعبا؟، فكيف إذا صدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، واعتبروه فوزا ونصرا وبطولة؟، وصار إجارة ووظيفة، فكيف إذا لم يتقيد بنظام الوظائف فأنفق عليه من الأموال ما الله به عليم؟؟. ليلة 15 جمادى (1) 1443 = •

الخاطرة 376

مؤذنو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعة: أشهرهم بلال بن رباح الحبشي رضي الله عنه، هو أول من تولى الأذان، واستمر على ذلك إلى وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم خلفه سعد ابن عائذ المشهور بسعد القرظ، الذي كان يؤذن بقباء، ثم جاء به أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد النبوي، فأذن فيه مدة خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقد توارث أبناؤه الأذان من بعده . وقد أذن في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم مع بلال عمرو بن أم مكتوم رضي الله عنه، وكان مؤذنه في مكة عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي . وقد أسند النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأذان إلى بلال لأنه كان أندى صوتا من عبد الله بن زيد الأنصاري، مع أنه هو الذي رأى الأذان في المنام، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه كان وراء هذا السبب الظاهر أمر خفي أعظم، أكرم الله به بلالا من جنس عمله، فإنه عذب من أجل توحيد ربه مع جماعة من المسلمين المستضعفين، فما منهم أحد إلا واتى معذبيه على بعض ما أرادوا إلا هو، فإنه ما فتئ يردد وهم يعذبونه: أحد، أحد، فأكرمه الله بأن صار مؤذنا بشعار التوحيد طيلة العهد المدني . وتولى عمرو بن أم مكتوم القرشي العامري رضي الله عنه الأذان لصلاة الصبح في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع بلال، لكنه لم يتبوأ ذلك إلا بعد أن تجشم الصعاب في حضور صلاة الجماعة في هذا المسجد، إذ لم يرخص له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التخلف عنها، فقد روى أبو داود وابن ماجة وابن خزيمة عنه أنه قال: يا رسول الله، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟، قال: هل تسمع النداء؟، قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة"، واعتذر في رواية أخرى بأن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال له: حي هلا !! . وما قيل من أنها واقعة عين لا عموم فيها لاحتمال أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم أنه قادر على الحضور بنفسه؛ يرده قوله (ولي قائد لا يلائمني)، وقوله عن المدينة: إنها (كثيرة الهوام والسباع)، وجائز أن يكون عين له من يصحبه، والمقصود أنه كان يعد بهذه المشقة غير المعتادة لما صار إليه من تولي الأذان في صلاة الصبح، ثم إلى أن يستخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة في بعض غزواته، وقد قال أبو الطيب (وفيه ما يتعقب): لولا المشقة ساد الناس كلهم ** الجود يفقر والإقدام قتال !!. ليلة 22 جمادى (1) 1443

الخاطرة 377

مما قيل في متاعب الكبر وضرر طول الأمل: رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ** فكيف بمن يُرمى وليس برام؟ وأهلكني تأميل ما لست مدركا ** وتأميل عام بعد ذاك وعام !! إذا ما رآني الناس قالوا ألم تكن ** جليدا حديث السن غير كهام؟ فأفنى وما أفني من الدهر ليلة ** فلم يغن ما أفنيت سلك نظام فلو أنني أُرمى بنبل رأيتُها ** ولكنني أُرمى بغير سهام!! على الراحتين مرة وعلى العصا ** أنوء ثلاثا بعدهن قيامي كأني وقد جاوزت تسعين حجة ** خلعت بها عني عذار لجامي ليلة 23 جمادى (1) 1443 •

الخاطرة 378

يقضى على المرء في أيام محنته ** حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن عرضت لي حاجة ليلة أول العام الشمسي 2022 فخرجت، وأنا اخشى أن أقف موقف تهمة، فكان فيما سمعته عزاء مما ألحقته بي فتاوى تهنئة النصارى بعيد الميلاد من اضطراب وقلق، لقد نقلونا من إنكار الاحتفال على عوام المسلمين؛ إلى اعتباره جائزا، بل مطلوبا بفتوى خواصهم. ابتدرت بعض الشباب قائلا: هل خرجت للمشاركة في الاحتفال بما يسمى بعيد الميلاد؟ فقال: هذه ليلة كغيرها من الليالي، وقال الثاني: إن للمسلمين عيدين، وهذا ليس عيدنا، وقال آخر: هذا حرام، وقال رابع: كيف نبدأ العام بالمعاصي؟ وتكرر على مسمعي في اليوم الموالي مثل هذا ومقابله. لقد أيقنت أن بعض الشباب وفطرهم سليمة أعرف بحكم الله في هذا الأمر من شيخ الأزهر، وأعرف به ممن علق الجواز على مصلحة الدعوة من "هيئة كبار العلماء" (السعودية أم المصرية؟)، وهل أصل الدعوة إلى التوحيد والبراءة من الشرك وأهله؟ وهم أيضا خير ممن ذكر كلام ابن تيمية رحمه الله زاعما أنه جوز فيه تهنئة غير المسلمين، وهذا إن صح فإنه في المناسبات الخاصة، فنقله هو إلى التهنئة بعيد مؤلهي المسيح عليه الصلاة والسلام، ليقنع من يعرف لابن تيمية منزلته عسى أن يوافقه على باطله، وإن كان هو لا يرى لابن تيمية هذه المنزلة!! هذه الفتاوى الكاذبة المضللة؛ انعكاس لضعف الأمة الديني والدنيوي، وما خلفه من الهزائم النفسية، والافتتان بدنيا الغرب، وقد قال الله تعالى: "وَجَعَلنَا بَعضَكُم لِبَعضٍ فِتنَةً أَتَصبِرُونَ‌ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا". أما المرموقون من أهل الفتوى؛ فكثيرا ما يكون دفاعهم إلى ما يقولون مجاراة الواقع، لكأنهم في برنامج (ما يطلبه المستمعون)، وبعضها أشبه ما تكون بالقوانين الوضعية التي تقنن للناس ما يشتهون، وما شاع فيهم، يبتغون الزلفى والامتداح من المنظمات الدولية ومن الحكام داخل أوطانهم وخارجها. إنها معاص كبرى وفتن عظمى، وأصحابها يتناولهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "...، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا"، لقد ضلوا في أنفسهم وأضلوا من تبعهم من عوام المسلمين المفتونين بهم، وقد كان السلف يقولون: "اتقوا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون". إن من يسترضونهم بهذا الكذب على الله لا يقنعون بما دون تركهم دينهم كما قال الله تعالى: "وَلَن تَرضَىٰ عَنكَ ٱليَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم"، ولن تغني عنهم شعارات الوسطية والاعتدال والتسامح التي يغطون بها ضلالهم، ولا تلبيسهم بمقولة الرسالات السماوية، ولا كذبة وحدة الأديان، ولا الاشتراك في الديانة الخليلية، ولا المحافظة على الوحدة الوطنية، "وَسَيَعلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ". يوم الثلاثين من جمادى الثانية 1443 •

الخاطرة 379

أبو الأسود الدولي -رحمه الله- اسمه ظالم بن عمرو، هو من سادات التابعين وأعيانهم، ومن أكمل الرجال وأسدهم عقلا، وهو من أصحاب علي رضي الله عنه. اشتُهر في الناس نسبةُ نشوء علم النحو إليه، وتعددت فيه الأخبار، مما يدل على أن لها أصلا، وأنه أزعجه ما لحق لسان العرب من الفساد، فاهتم بما يدفع خطره، فقيل إن علي بن أبي طالب قال له: الكلام كله ثلاثة أضرب: اسم وفعل وحرف، فتمم على هذا أو انح هذا النحو، فسمي علم النحو بهذا، وأنه عمل على ذلك وكتمه عن الناس إلى عهد زياد. ومن أخباره أنه كان مؤدب أولاد زياد بن أبيه إبان ولايته على العراقين، فقال له: إني رأيت العرب قد خالطت هذه الأعاجم، وتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يقيمون به كلامهم؟، قال لا، فجاء رجل إلى زياد فقال: "أصلح الله الأمير، توفي أبانا وترك بنون..."، فقال زياد متعجبا: "توفي أبانا وترك بنون"؟!، ادعوا لي أبا الأسود، فلما حضر قال: "ضع للناس الذي نهيتك أن تضع لهم". وذكروا أن بنته قالت له: "يا أبت ما أحسنُ السماء"، (بضم كلمة أحسن)، فقال: "يا بنية، نجومها"، فقالت: "إني لم أرد أي شيء منها أحسن، إنما تعجبت من حسنها"، قال: قولي "ما أحسنَ السماء"!!، وحينئذ وضع النحو، فكان أول باب وضعه باب التعجب. ومما قالوه إنه كان يُبخل، ويقول: "لو أطعنا المساكين في أموالنا لصرنا أسوأ حالا منهم"!!، قلت: إن استندوا إلى هذا في وسمه بالبخل؛ فإنه لا يدل عليه، فليس المطلوب من المرء أن يخرج من ماله كله، يؤيد ما قلته ما ذكروا من نوادره، وهو أنه عشى ليلة مسكينا، ثم قيده ليستبقيه عنده، فقال له: أطلقني، قال: هيهات!!، إنما أردت أن أريح المسلمين منك هذه الليلة!!. ومما يحسن حفظه من شعره قوله فيمن يخالف فعله قوله: يا أيها الرجل المعلم غيره * هلا لنفسك كان ذا التعلبم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى * كيما يصح به وأنت سقيم!! وأراك تلقح بالرشاد عقولنا * جهلا وأنت من الرشاد عديم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يسمع ما تقول ويقتدى * بالفعل منك وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم ليلة غرة جمادى (2) 1443 •

الخاطرة 380

جاء في مراسلة مدير للشؤون الدينية يحض الأئمة على دعوة الناس إلى الاحتفال بمناسبة يناير قوله: (وبمناسبة حلول ذكرى يناير المصادفة ل 12 جانفي من كل سنة والتي تعيد علينا مشاهد التآزر والإيمان..)!! فجعل الاحتفال بالأعياد الشركية إيمانا. ووصف هذه الاحتفالات بأنها (متماشية والكتاب والسنة الشريفة وموافقة للشرع الحنيف) !!، وهذا أخطر ما في منشوره، فإنه من أعظم الفرى والكذب على الله ورسوله صلى الله وعليه وآله وسلم، كما قال الله تعالى: "قُل اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلفَوَٲحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلاِثمَ وَٱلبَغىَ بِغَيرِ ٱلحَقِّ وَأَن تُشرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَم يُنَزِّل بِهِۦ سُلطَـٰنًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ"، ولهذا أنصح الكاتب أن يبادر بالتوبة، ومن لوازمها أن يكتب منشورا آخر يلغي ما سبقه لعل الله يغفر له. إن هذا الاحتفال لا يختلف عن احتفال النصارى بميلاد عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن كلا منهما باطل، لأنه عيد وثني شركي، يحرم الاهتمام به، والتهاني والتهادي بمناسبته، وصنع أي شيء يجعل اليوم متميزا عن غيره، بل لا يشرع التأريخ به، كما لا يشرع التأريخ بالحساب الشمسي الميلادي من غير أن يسبقه التأريخ القمري الهجري. وقد كان بعض الناس قبل عقود يحتفلون بهذه المناسبة جاهلين أصلها الوثني، أما وقد عرفوا ذلك فلا يجوز شيء منه اليوم، فمن أمر الأئمة بالتنويه به فقد أمر بمنكر عظيم، فلا طاعة له، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في المعروف. إن المنتظر من المسلم الذي لا يقدر على تغيير المنكر بيده -وهو حال معظم الناس- أن ينكره بلسانه أو بقلبه وهو أضعف الإيمان. وكل ما يقال عن ربط المصلحة الوطنية وتقوية الأواصر الاجتماعية بهذه الاحتفالات؛ فهو افتيات على الشرع، وتجاوز له، وإبطال كون أحكامه وافية بمصالح العباد، محققة لها، بل إن التفرق من أجل الحق؛ خير من الاجتماع على الباطل، بل لا وجه للمقارنة بينهما ألبتة، فالوحدة النافعة المنشودة هي التي يعتصم أفرادها بالشرع كما قال الله تعالى: "وَٱعتَصِمُواْ بِحَبلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ‌ وَٱذكُرُواْ نِعمَتَ ٱللَّهِ عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِۤ إِخوَٲنًا وَكُنتُم عَلَىٰ شَفَا حُفرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنهَا‌ كَذَٲلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُم ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ"، وقال الله تعالى: "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُومِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِم حَرَجًا مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسلِيمًا". ليلة الخامس من جمادى (2) 1443 •

الخاطرة 381

العناية بالأرامل عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل القرشية العدوية رضي الله عنها؛ من المهاجرات الفاضلات، كانت امرأة جميلة ذات خلق عال، أخوها سعيد بن زيد، وعمر بن الخطاب ابن عمها . تزوجها عبد الله بن أبي بكر الصديق فأولع بها، فشغلته عن المغازي، فأمره أبوه بطلاقها وعزم عليه ففارقها، ثم تبعتها نفسه، فرق له أبوه، وأمره بارتجاعها بعد أن دخل عليه وهو يقول من أبيات: أعاتك لا أنساك ما ذر شارق * وما ناح قمري الحمام المطوق أعاتك قلبي كل يوم وليلة * إليك بما تخفي النفوس معلق ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها * ولا مثلها في غير جرم تطلق ثم شهد عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزوة الطائف، فأصابه سهم فمات بسببه في المدينة، فتزوجها بعده زيد بن الخطاب، فقتل عنها شهيدا يوم اليمامة، ثم تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وكان لها محبا، وبها معجبا، فلما قتله أبو لؤلؤة المجوسي عليه لعنة الله، تزوجها الزبير بن العوام رضي الله عنه، وقتل عنها يوم الجمل، ثم خطبها علي بن أبي طالب بعد انقضاء عدتها من الزبير، فأبت عليه، واعتذرت بكلام ذكرت فيه خوفها عليه، وقيل إن الحسن بن علي رضي الله عنهما تزوجها أيضا، وهو آخر من ذكر من أزواجها، وقد قالت شعرا ترثي به أزواجها عبد الله وعمر والزبير رضي الله عنهم. ومن أخبارها أن الزبير قد شرط لها أن لا يمنعها من الخروج إلى المسجد، وفي ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات"، لكنه كان إذا رآها تهيأت للخروج إلى الصلاة قال لها: "والله إنك لتخرجين وإني لكاره"، فتقول: "امنعني فأجلس"، فاحتال فجلس لها على الطريق في الغلس، فلما مرت وضع يده على كفلها، فاسترجعت، ثم انصرفت إلى منزلها، فلما حان الوقت الذي كانت تخرج فيه إلى المسجد لم تخرج، فقال لها: "مالك لا تخرجين إلى الصلاة؟، قالت: "فسد الناس!!، والله لا أخرج من منزلي"، فعلم أنها ستفي بما قالت فقال: "لا روع يابنت عمرو"!!، وأخبرها الخبر. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسب أنه قال: وكالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر"، لكن القوم تجاوزوا هذا الإحسان المادي إلى ما علمت، فرضي الله عنهم. ليلة الحادي عشر جمادى (2) 1443 •

الخاطرة 382

أعظم ما يحول بينك وبين خصال الكمال؛ شهوتك وهواك، فاعمل على كبحها، واجتهد في مخالفته: إذا المرء لم يترك طعاما يحبه* ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما فيوشك أن ترى له الدهر سبة *إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما!! الغاوي: الضال. يمم (أصله أمم): قصد.السبة (بضم السين وتشديد الباء): العار . تملأ الفم: كناية عن عظم قبحها . 13 جمادى (2) 1443 •

الخاطرة 383

(1) [عن الوباء المزعوم..] الفِعلان (صرف) الثلاثي والمضاعف؛ يدلان على نقل الشيء من حال إلى حال، وعلى استبداله بغيره، والمشدد يفيد التكثير كما قاله الراغب. وتصريف المخلوقات -دون استثناء- أبرز أفعال الله تبارك وتعالى، وأعظمها دلالة على ربوبيته وألوهيته، منها ما يشترك الناس في معرفته، ومنها ما يعلمه بعضهم، ومنها ما يجهلونه، وقد تكشف لهم بعض أسراره. وأبرز أضربه الإيجاد والإحياء والإماتة والإفناء والقوة والضعف والمرض والسقم والغنى والفقر والإعزاز والإذلال وسائر أضرب التغيير والتحويل مما لا يحاط به، ما علم سببه وما جهل. والناس وإن كانوا يعرفون هذا التصريف والتحويل؛ إلا أن معظمهم لا يعدو ذكره وإحصاءه، كما تراه في تعاملهم مع هذا الوباء، فإنهم يصدفون عن الحكمة منه، وهي الاستدلال به على قدرة الله، ومشيئته الكونية العامة، وتدبير شؤون خلقه، وتصريف أحوالهم، وإظهار عجزهم وفقرهم، ومن ثم الاستسلام له بتصديق خبره، والانصياع لأمره ونهيه، كما قال الله تعالى: "أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون"، وقال: "انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون". وخلاصة ما ذكره الله في كتابه عن هذا التصريف؛ لا يخرج عن قسمين: ما تعلق بآياته المنزلة المتلوة، وما ارتبط بآياته الكونية المرئية والمحجوبة، وقد خص من أفراد الأخيرة بالذكر تصريف الماء والرياح وذكر تصريف الوعيد في القرآن . فتصريف الآيات المنزلة ما فيها من ذكر الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأنواع العظات والعبر، وضروب الحجج، وكثرة الأمثال. وتصريف الماء نزوله في موضع دون آخر، وتفاوت كمياته، وتغير صوره، وما فيه من نفع وضر . وتصريف الرياح تدبير انتقالها، وتنوع مهابها، وشدتها وضعفها، وحرارتها وبرودتها، وغير ذلك. وتصريف الوعيد؛ تعدد وجوه ذكره تصريحا وتلويحا، وتعجيلا وتأجيلا، وما حصل منه للظالمين من الغابرين. ومنه تصريف فيروس هذا الوباء الذي ملأ الدنيا وشغل الناس منذ ظهوره قبل عامين في الصين. وإذا تأملت الطريق الذي سلكه في الانتشار، وتذبذب أراء العلماء والأطباء واختلافهم فيه، وما قيل عن نشأته وماهيته، وما اختلف فيه من علاجه؛ قضيت العجب، فإن أخباره ينسي بعضها بعضا، وأحسب أن بعضهم يذكره أكثر مما يذكر ربه. والمهم هنا ذكر انتشاره الذي ارتبط بعاملين واضحين: أولهما: التقدم الحضاري والتكنولوجي، فإن أكثر الدول عدد إصابات ووفيات؛ هي الدول المتحضرة، لكن ذلك لم يغن عنها شيئا، على خلاف ما كان الناس يتوقعون، لما للتقدم الطبي وقدرة التنظيم والاستعداد للطوارئ من أثر في تحجيم هذا الوباء ومحاصرته، فهل من معتبر؟ والثاني: عامل الكفر والبدعة، فإن أكثر الدول تضررا بهذا الوباء؛ دول الصين وإيطاليا وروسيا وفرنسا وألمانيا وأنجلترا وأمريكا والبرازيل وإسبانيا، وإيران التي لا تدانيها دولة من دول المسلمين فيما هي عليه من البدع، ومنها المكفرة، فهل من مدكر؟. لا شك أن لهذا الاختلاف سببا يعرفه أهل العلم والإيمان، وإن كان لا يصدق به أهل الكفر والطغيان، وليس هذا وقت ذكره، فلنكتف بكتابة قول الله تعالى عن حملة العرش: "الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا"، وقوله عن عموم الملائكة: "والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض"، أما التخلف الحضاري فمرد ضعف الوباء في دوله إلى الغذاء (المتخلف!!). لكني لا أحسب أن عظماء هذه الدول وخبراءها قد أولوا هذا الأمر اهتمامهم، فدرسوه كما هي عادتهم فيما يسمونه بالظواهر الطبيعية، وأكبر ظني أنه عندهم من الصدف، وفعل الطبيعة العمياء، التي تخبط عندهم خبط عشواء. وبعد جهود حثيثة بذلها الخبراء والأطباء قبل أن يصلوا إلى صنع هذا اللقاح؛ تواطأ صانعوه على أنه يكسب الجسم مناعة تتراوح ما بين بالمائة، ثم عادوا لما قالوا، فقرروا أنه لا بد من حقنة ثانية، ثم قالوا بالثالثة، ثم بالرابعة، ولا أحسب إلا أن الأمر سيؤول إلى تلقيح موسمي ثابت. وقد كان الأطفال بمنأى عن هذا الوباء أكثر من عام، ثم صاروا كغيرهم في هذه الموجة التي كادت تعم الناس، وقد نكون محتاجين في المستقبل إلى إحصاء السالمين، لا المصابين، وإن كانت الإصابات في معظمها خفيفة والحمد لله. وقد أخبرني بعض الأطباء أن الخبراء سرهم هذا الانتشار، لأنه يكسب الناس مناعة!! فلعل الأمر سيؤول إلى ما نادى به رئيس وزراء أنجلترا في بداية الأمر من اللجوء إلى سياسة (القطيع!!)، فسبحان من صير الداء محمودا بعد أن عجز الدواء، وقد قيل: لعل عتبك محمود عواقبه * وربما صحت الأجسام بالعلل !! يوم 21 شهر جمادى (2) 1443

الخاطرة 383

(الصواب: 386) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فقد روى أحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده عن عمر بن سعد بن أبي وقاص؛ أنه كانت له حاجة إلى أبيه سعد، فقدم بين يدي حاجته كلاما مما يحدث الناس: يوصلون، لم يكن يسمعه، فلما فرغ قال: "يا بني، قد فرغت من كلامك؟ قال: نعم، قال: "ما كنت من حاجتك أبعد، ولا كنت فيك أزهد مني منذ سمعت كلامك هذا!! سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "سيكون قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر من الأرض"، وهو في الصحيحة للألباني رحمه الله. إذا كان سعد رضي الله عنه قد ذكر هذا الحديث في أعقاب ما قاله ابنه يرتجي أن يقنعه بحاجته كما هو ظاهر الخبر؛ فكيف بما يقوله غيره ممن لا حاجة لهم إلا نقل الأخبار؟ لا يفرقون بين حقها وباطلها، ونافعها وضارها، بل يقولون كل ما يريدون، أو ما يراد أو ما يعد لهم، فكيف إذا أخذوا عليه أجرا فجمعوا بين قول الباطل، وأكل السحت؟؟. إن الذين تنطبق عليهم هذه النبوءة اليوم كثيرون، ومنهم الذين يتكلمون ويكتبون في وسائل التواصل هذه على غير هدى، ويدخل فيه بعض الدعاة والمفتين ممن يتحببون اإلى العوام والحكام بتغيير أحكام الله، فيلبسون الحق بالباطل، ويهونون من شأنها في النفوس بزخرف القول، ومنهم المذيعون في القنوات الفضائية، وفي الإذاعات، وفي الجرائد والمجلات، ومن يدعون رجال الإعلام عموما، ولا ينفعهم مبدأ الحياد الذي يزعمون أنهم يلتزمونه، فإنه لا حياد في قول الباطل. قال المناوي رحمه الله في فيض القدير: "يتخذون ألسنتهم ذريعة إلى مأكلهم، كما تأخذ البقر بألسنتها، ووجه الشبه بينهما؛ أنهم لا يهتدون من المأكل(؟)، كما أن البقرة لا تتمكن من الاحتشاش إلا بلسانها، والآخر أنهم لا يميزون بين الحق والباطل، والحلال والحرام، كما لا تميز البقرة في رعيها بين رطب ويابس، وحلو ومر، بل تلف الكل"!! وقال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله في التنوير (بتصرف يسير): "أي يجعلون النفاق والكذب والزور والشتم ونحوه آلة لأكلهم الأموال، وشبههم بالبقر من حيث إنهم لا يهتدون لما ينفعهم ويضرهم، ويحتمل أن المراد أنهم يأكلون بأفواههم شرها كما تأكل البقر"!! يوم

الخاطرة 384

[الاستعاذة من الشرور] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. استعاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أمور كثيرة، بعضها مقيد بأماكن وأحوال، وبعضها مطلق، ليسن لأمته الاستعاذة منها، لا فرق بين الصالح منهم وغيره، وهي أقسام: 1 - ما هو تكليفي اختياري، فيستفاد من التعوذ بالله منه؛ التنفير من مواقعته، واجتناب ما يؤدي إليه، مع الالتجاء إلى الله، إذ لا حول ولا قوة إلا به. 2 - ما لا دخل للمرء فيه بسبب ظاهر، فإن حصل فهو ابتلاء ترفع به الدرجات بشرطه . 3 - ما للمستعيذ فيه دخل بالتقصير في الاحتياط وأخذ الحذر، ومن ذلك ارتكاب الذنوب . ومما استعاذ منه صلى الله عليه وآله وسلم: العجز، والكسل، والجبن، والبخل، والهم، والحزن، والفقر، والقلة، والذلة، والجوع، والخيانة، والهدم، والتردي، والغرق، والحرق، والمأثم، والمغرم، والبرص، والجنون، والجذام، وسيء الأسقام، والخبث، والخبائث، وشرور النفس، وشر السمع، وشر البصر، وشر اللسان، وشر القلب، وشر المني، وشر الغنى، وشر الفقر، وتخبط الشيطان عند الموت، والموت في سبيل الله مدبرا، والموت لديغا، وعذاب القبر، وفتنة المحيا، وفتنة الممات، وفتنة المسيح الدجال، وفتنة النار، وعذاب النار، وعذاب جهنم، وضلع الدين، وغلبة الرجال، وزوال النعمة، وتحول العافية، وفجاءة النقمة، والشقاق، والنفاق، وسوء الأخلاق، وأن يظلم، وان يُظلم، وأن يجهل، وأن يجهل عليه، وأن يزل، وان يُزل، وعلم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع، وصلاة لا تنفع، وشر ما عمل، وشر ما لم يعمل، وشر ما في الريح، وشر ما أرسلت به الريح، وشر الرؤيا، وجهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وكلها ثابتة في النقل إلا عددا لا يتجاوز أصابع اليد. ويجمع الاستعاذة من هذه الأمور كلها؛ قراءة المعوذتين، فلهذا كان مسنونا أن تقرأ دبر كل صلاة، وأن تقرأ ثلاثا في الصباح والمساء، وعند النوم، وتقرآن في الوتر، ومعهما سورة الإخلاص التي هي صفة الرحمن، ومن الحكمة في سبق سورة الإخلاص عليهما أن من لم يعرف ربه ويوحده أنى له أن يسأله الحماية؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعقبة بن عامر رضي الله عنه: "ألا أعلمك خير سورتين قرئتا: (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس)، يا عقبة، اقرأ بهما كلما نمت وقمت، ما سأل سائل، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما". ومن الأدعية الجامعة لكل ما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا؛ ما علمه لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهو قوله: "اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمت منه، وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه، وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم إني أسألك الجنة، وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول وعمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا"، والحمد لله رب العالمين . ليلة 23 جمادى (2) 1443 •

الخاطرة 384

سأقول هذا بصراحة تامة غير مرم2 ولا مجمجم: إن في مسابقة معادلة الكفاءات التي أشرفت عليها السفارة الفرنسية ببلادنا؛ إهانة لأطبائنا، ومعاملة حكومة هذا البلد لهم؛ استخفاف لا ينبغي لمسلم قبوله، وإذا كان الفارق بين مستوى الطب عند البلدين لا ينكر، ولهم أن يشترطوا ما يرونه صالحا لبلدهم، فعلينا أن نأخذ العبرة من هذا فنعيد النظر في نظامنا التعليمي الذي ما فتئ يتردى. ومع هذا فلم يهين المسلم نفسه من أجل عرض من الدنيا قليل؟ وفي الحديث: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه: يتعرض من البلاء لما لا يطيق"، وهذا في غير المباشر والخفي، فكيف بالمباشر الجلي؟ وقد قيل: إذا أنت لم تقم لنفسك وزنها ** هوانا بها كانت على الناس أهونا ذكر لي بعضهم أن مسابقة تجرى للناجحين بعد سنوات على مناصب محدودة، فكم من الوقت يلزم لنجاح مائتين وألف في هذه المسابقات كي يقبلوا أطباء؟ وقد أقام أحدهم في هذا البلد ثلاثين سنة، ثم لم يتمكن من أن يلتحق بمستوى نظرائه، وأعرف آخر أقام فيها اثنتي عشرة سنة في رتبة عون صحي، بعد إلزامه بدراسة دامت ستة أشهر، ثم رجع بمنحة تقاعد في تلك الرتبة!! وأحسب أن الكثير من إخواننا هؤلاء سيكون هذا مآلهم في أحسن الأحوال. راتب الطبيب الفرنسي نحو 7000 اورو وهو ما يعادل ( 140000000) سنتيم، وراتب الطبيب الناجح في هذه المسابقة نحو 2500 أورو، وهو ما يعادل (50.000.000) سنتيم تقريبا في السوق (الموازية) ولا أقول السوداء، مع استحضار الفارق الكبير بين البلدين في الأسعار، وفي مستوى المعيشة. إنه لمحزن أن يلتحق بفرنسا هذا العدد الذين أنفق على تعليمهم وتكوينهم من أموال الأمة الكثير على مدى يقارب عشرين سنة، بعدها سنوات التخصص، ليستفيد من علمهم وخبرتهم البلد الذي دمر بلدنا واستولى على خيراتنا، وما يزال يمعن في المكر والكيد لنا، وموقف حكامه من ديننا ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم غير خاف. أعرف ما يطمح إليه معظم حملة الشهادات وما يؤملونه من متاع الحياة المادي والمعنوي، وما يعانيه كثير منهم من صعوبة الحصول على الوظيفة، فهل هذا مسوغ للإقدام على هذه الخطوة؟ وهل ما هم مقبلون عليه في هذه المغامرة يكافئ جهودهم؟ ويستجيب لطموحهم، مع ما علمنا من كيفية معاملتهم؟ فأين طاعة الله من الهجرة إلى بلاد الكفار وترك بلاد الإسلام؟ وكيف يرضى المسلم أن يهان؟ ثم هل يأمنون على أنفسهم أن يفتنوا عن دينهم، وأن يعرضوا أولادهم للتسلخ والانحلال؟ وأين هم من راحة النفس واطمئنانها بالعيش بين الأهل والعشيرة وصلة الأرحام؟ ولم يساهمون في دعم حكام فرنسا الذين يستغلون جهودهم لتقوية أركان دولتهم، وخدمة مصالحها، فيزداد المسلمون بها افتتانا، أو لا يذكرون ما جرى من تشجيع حكام هذا البلد للرسوم المسيئة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن التضييق على إخوانهم، وإلزامهم بما يخالف مبادئ نظام هذه الدولة نفسها، وختاما فقد قال الله تعالى: "فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". يوم السادس من رجب 1443

الخاطرة 385

روى أحمد والبخاري والنسائي عن سعد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر". وقال الله تعالى بعد ذكر ما يمر به الإنسان من أطوار خلقه، ومراحل عمره: "ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا". والأرذل من كل شيء الرديء منه، وأرذل العمر؛ آخره في حال الكبر والعجز والخرف، يصير فيه المرء إلى شبه الطفولة من ضعف العقل والقوة، كما قال الله تعالى: "ومن نعمره ننكسه في الخلق"، ونكس الخلق يشمل ضعف الجسد والعقل، واللام في قوله (لكي لا يعلم) لام الصيرورة والعاقبة . فإن قيل: ما وجه عدم الاستعاذة من الهرم؟، قيل: لأنه مجرد كبر السن، فتكون الاستعاذة معارضة للنهي عن تمني الموت، لأنها تتضمن طلبه قبل الهرم، ولو جاءت لكان المطلوب حمله على حال خاص كالخرف ونحوه، يدل عليه ما رواه الترمذي وهو حديث ضعيف: "بادروا بالأعمال سبعا: هل تنتظرون إلا مرضا مفسدا، أو هرما مفندا ...، الحديث، يقال للشيخ إذا هرم قد أفند، لأنه تكلم بالمحرف من الكلام عن سنن الصحة، ومما يدل على هذا أيضا مجيء الاستعاذة مقيدة بسوء الكبر في الحديث الذي رواه أبو داود، وقد تردد الراوي فيه بين لفظي الكفر والكبر، وروي أيضا ضعيفا "بادروا بالعمل هرما ناغضا... الحديث، يقال نغض الشيء وانغض إذا تحرك، فالهرم الناغض الذي تصحبه الحركة غير الاختيارية، فأنظر كيف توافقت الأحاديث صحيحها مع ضعيفها في هذا الأمر، ولم تتعارض . أما استثناء الهرم من أن يكون له دواء في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "تداووا عباد الله، فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم"؛ فلا يخالف ما سبق، والذي فيه هو اعتبار الهرم من جملة الأدواء، لما يظهر فيه من الضعف المصاحب لغالبها، غير أن ضعف الهرم ذاتي، فاستثني من نفع الدواء . وقد حكى الشيخ الحسين بن عودة العوايشة - حفظه الله ورحم شيخه المحدث الألباني وسائر أموات المسلمين - حكاية في هذا المعنى، قال: قال شيخ كبير لأحد من الأطباء: "سمعي ضعيف"، فقال: "من الكبر"، قال: "في بصري غشيان"، فقال: "من الكبر"، فقال: "ليس لي قوة على المشي، وعلى البطش، ولي انكسار في الظهر، ووجع في القلب، وأمثال ذلك"، فقال في كل منها: "إنه من الكبر"، فساء خلق الشيخ فقال: "ما أجهلك، كله من الكبر"!!، قال: "هذا أيضا من الكبر"، قلت: "يظهر أن هذا الطبيب أيضا قد أصابه داء الكبر، فأحال الأمراض كلها على الكبر"!!. ليلة 26 شهر جمادى (2) 1443 •

الخاطرة 385

(1) قال الله تعالى: "وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُون وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ ومِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُون ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون". جمع الله في هذا السياق من سورة النحل أنواع الأشربة الأربعة براهين على وحدانيته وقدرته، ممتنا بها على عباده، فلما دخلتها الصنعة البشرية أخرجتها عن أصلها، فذهب الكثير من منافعها، وكاد هذا يعم ما يتغذى به الإنسان، وعلف الحيوان، وسماد النبات، فما ظهر في هذه الحضارة من النعم؛ انطوى على كثير من المضار، ولا عجب فإنها تحمل في طياتها عوامل خرابها. وقد قال الله تعالى: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون"، فالذنوب ذاتها فساد، لأنها شذوذ عما فطر الله عليه المخلوقات، فإنها تسبح بحمد الله، وتسجد له، وفساد كثير منها يحصل بهذه الذنوب أيضا، وغالب الناس لا يقيم اعتبارا لها، وإن كانت أخطر مما يحشدون له الجهود، ويرصدون الأموال، ويسنون النظم، وهو ما يسمونه التلوث البيئي. ويدل على هذا الذي يفتك بالناس دون شعور منهم ما رواه الشيخان عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "مستريح ومستراح منه: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها، إلى رحمة الله تعالى، والعبد الفاجر تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب"، قال العلماء إن استراحة البلاد والشجر والدواب لما يأتي به من المعاصي، فإن ذلك مما يحصل به الجدب، فيقتضي هلاك الحرث والنسل" . وقال الله تعالى: "وَلَوْ يُوَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ"، وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "كاد الجعل أن يهلك في حجره بخطيئة ابن آدم"، رواه ابن أبي حاتم والطبري وغيرهما. على أن البشر في هذا الجانب الذي يزعمون أنهم يرعونه؛ يصلحون بيد، ويفسدون بأخرى، وذلك بتدخلهم في الحيوانات والنباتات بإفساد خصائصها الوراثية مباشرة، أو بالتهجين والتلقيح وبالمزج والخلط ومواد الحفظ - وهو من أسباب كثير من أمراض العصر - مدفوعين بتكثير الإنتاج، وتحقيق المصالح التجارية، والهيمنة الاقتصادية، والمد في صلاحية المنتجات، مع أن بعض الدول تتلف فائض الإنتاج لتحافظ على الأسعار التي ترضيها، وقد قال الله تعالى عن الأرض حين خلقها: "وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِين". وقد كشف الله بهذا الذي يجترحه الناس، وبأثره الضار على الإنسان؛ ما انطوى عليه هدي خليله صلى الله عليه وآله وسلم، حين نهى عن تأبير النخل، فما فوض أمره إلى الناس يومئذ، لأنهم أبصر بشؤون دنياهم استثناء، فصيروه في هذا العصر أصلا..يتبع يوم الثاني عشر رجب 1443

الخاطرة 385

(2)... تابع الأشربة الأربعة المذكورة في سورة النحل؛ هي الماء واللبن والعصير والعسل، قال الله تعالى: "وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يسمعون"، وقبله قول الله تعالى: "وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ". قدم ذكر الماء لما بينه وبين ما قبله من المناسبة، فإن في القرأن نعيم الأرواح وحياتها، وبالماء حياة الأجسام وقوامها، كما قال تعالى: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُون"، وفي الحديث: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضا..). ومن ذلك شرف السماء، والماء صنع فيها، ثم أسكنه الله في الأرض كما قال: "وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ"، والإسكان مشعر بطول المكث من غير أن يفسد، ووجود الأحياء واستمرار حياتها؛ راجع إليه، وباقي الأشربة متوقف عليه . وقد وصف بأنه طهور، ومبارك، ولا ينجسه شيء، وهو شرط في التطهر، ثم بأجزاء الأرض التي تحيا به، وهو يدفع عن نفسه، وورد النهي عن بيع فضله، واختلف في تملكه، وخير الصدقة سقيه . ووقت نزوله من أوقات قبول الدعاء كما في حديث "اطلبوا إجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول المطر"، وهو وقتها حديث عهد بربه، وعن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما أن ما ينزل منه في العام ثابت، يصرفه الله بين عباده كيف يشاء، وقد قال سبحانه: "وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا"، فالمنة به أعظم، وأكبر من ذلك كله أنه يحتج باحيائه الأرض بعد موتها على بعث الخلق. وتذكر النعم في القرآن لا لكونها متاعا للخلق فحسب، بل لأنها منة الله على عباده، وحجته عليهم بعلمه ومشيئته وقدرته، فلهذا قال: "وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً"، فهو منزله، وليس لغيره دخل في صنعه. وجاء التعقيب بقوله (لقوم يسمعون) لأن منافعه لا تحتاج إلى أكثر من التذكير بها، لتساوي الناس في معرفتها، وإن كانوا يغفلون عن أهمية النعم بالاعتياد، ولا يتذكرونها إلا عند الافتقاد، وقد بعدوا عن رؤية العيون والأنهار، وتعاملوا مع الصنابير والخزانات والصهاريج والقوارير، فازدادت حجب الغفلة، وأذكر أني كنت عند حلاق بمدينة بلعباس سنة 1966، فتذاكر الحاضرون قحوط المطر، فقال الحلاق: رزقي في رؤوس الناس!! فقلت: إذا افتقدوا ما يأكلون فلن يهتموا بحلق رؤوسهم.. يتبع ليلة

الخاطرة 385

(3) ...، تابع وقال تعالى: "وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبينِ". الْأَنْعَامِ اسم جمع للإبل والبقر والغنم بنوعيها الضأن والماعز، فعاد الضمير عليه مفردا مرعاة للفظه، وعاد جمعا في سورة المؤمنون مراعاة لأفراده: "وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا". والعبرة ما يتعظ به ويعتبر من العبور، لأن المعتبر ينتقل ذهنه منه إلى غيره مما يشبهه كما في القياس، أو يدل عليه كما هنا، وهو تدبير الله هذا الأمر العجيب البديع، حيث يسقي عباده اللبن المستخلص من الفرث والدم. وقوله تعالى (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبين)؛ بيان للعبرة. والفرث الفضلات التي تنزل إلى الأمعاء من المعدة. و(البين) في قوله (مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَم) اعتباري لرجوع اللبن إليهما. ثم يختلف حال الثلاثة: فاللبن يتغذى به، والفرث يتخلص منه، والدم يبقى عليه في الجسم بعد تخليصه من الشوائب كالبول وغيره. وقوله (خَالِصًا) أي خاليا من كل ما يكدره مما في أصليه من الرائحة واللون وغيرهما. وقوله (سَائِغًا) أي سهل الابتلاع والازدراد، وقد روي مرفوعا: "ما شرب أحد لبنا فشرق"، وليس عدم الشرق بلازم لهذا الوصف، فإن سببه دخول شيء في مجرى النفس، ولم يذكر هنا تذييل كما ذكر في باقي الأشربة اكتفاء بقوله (لَعِبْرَةً). وللبن مرتبة في الغذاء لا يدانيها غيره، فجاء ذكره عقب الماء، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: "اللهم بارك لنا فيه، وأبدلنا خيرا منه، وإذا شرب لبنا فليقل: "اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن"، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما. ولما كان اللبن لا دخل للمخلوق فيه؛ كان أقرب إلى الفطرة، فكان غذاء الأطفال، واختاره النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الخمر -وجاء على العسل- ليلة الإسراء والمعراج، فقد قال: "وأتيت بإناءين أحدهما لبن، والآخر فيه خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربته، فقيل: "أصبت الفطرة". وللبن البقر مزية على غيره، فقد قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء إلا الهرم، فعليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كل الشجر"، رواه الحاكم وغيره وهو في الصحيحة للألباني رحمه الله، ومعنى ترم تأكل، فهو غذاء ودواء، وقوله (فإنها ترم من كل الشجر) تعليل للتداوي به وهو مفهوم من السياق، فالبقر فيما تأكله كالنحل، وهو أمر خسره الناس في هذا العصر غالبا. أما تفضيل بعض علماء التغذية والأطباء لبن المعز على البقر، فما في الحديث هو الصواب، أو لأنهم اقتصروا على عينات خرجت عن الوضع الطبيعي الذي هو مناط التفضيل كما سبقت الإشارة إليه. وروى الطبراني عن مليكة بنت عمرو مرفوعا -وهو في صحيح الجامع للألباني-: "ألبان البقر شفاء، وسمنها دواء، ولحومها داء". ولحم البقر حلال بالإجماع، وقد ضحى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبقر عن نسائه في حجة الوداع، وزكاته منصوص عليها، وهي داخلة في زكاة الأنعام المجمع عليها، وقد كان قليلا في أرض الحجاز . فإذا صح الحديث؛ فإما أن يكون المقصود أن في لحمها ضررا يتقى بالإمعان في طهوه، وأحسب أني وقفت على حديث بهذا المعنى لا يحضرني، أو لما في بقر الحجاز من الضرر بسبب البيئة من يبوسة لحمه، وقلة رطوبته، فاختلف عن اللبن، وقد ذكر هذا المعنى الألباني في الصحيحة عن الحليمي رحمهما الله.. يتبع ليلة

الخاطرة 385

(4) تابع الشراب الثالث المذكور في سورة النحل؛ هو العصير، قال الله تعالى: "ومن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْاَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ". ولما كان مختلفا عن الماء واللبن والعسل؛ بدخول الصنعة فيه؛ قال (تَتَّخِذُونَ)؛ فأسند الاتخاذ إلى الناس، أي ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذونه من العصير المسكر والرزق الحسن، وهو العصير غير المسكر. وقد اختلف في معنى السكر، والظاهر أنه ما يسكر، لأنه المشهور في اللغة، إذ هو مصدر سكر يسكَر من باب فرح، فأطلق على الوصف مبالغة، وهذا تفسير ابن عباس، رواه الطبري بإسناد حسن، قال: "الرزق الحسن الحلال، والسكر الحرام"، وقال نحوه قتادة ومجاهد وغيرهم . ويقوي هذا التفسير؛ مفهوم (حَسَنًا) في المعطوف، فيكون المعطوف عليه مخالفا له، والأنسب أن يكون عصيرا، فلا يختلفان إلا في الإسكار، وذلك لقرينتين: أولاهما (تَتَّخِذُون)،َ والثانية فعل (نُّسْقِيكُم) المقدر في المعطوف . فإن قيل: كيف يمتن بالمسكر؟ فالجواب أن الممتن به هو الرزق الحسن، أما السكر فمعاتب عليه، فجمع العتاب مع الامتنان توطئة للتحريم، وقريب منه على أحد التفسيرين؛ قول الله تعالى: "وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ"، فإن المقصود أبو طالب: يمنع الأذى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وينأى عن الإيمان به، فاجتمع فيه خير وشر!! ومما يستأنس به في تقوية هذا التفسير؛ تذييله بقوله (لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون)، فإن المسكر يفسد العقل، فناسب أن يناط إدراك هذه الآية بمن يعقلون. وقد رجح أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله أن المراد بالسكر ما كانوا يصنعون من الثمار من النبيذ غير المسكر والخل والرب، وأن الرزق الحسن التمر والزبيب وغيرهما. أما السكر فقد علمت ما فيه، وأما تفسير الرزق الحسن بما ذكر؛ فحمله على ما يناسب معنى الاتخاذ أولى كما تبين من قبل. أما ما قيل من أن آية سورة المائدة التي حرم الله بها الخمر ناسخة لهذه الآية؛ فيقال إن الذي نحن فيه جار على وفق البراءة الأصلية، فلا يعتبر مخالفه ناسخا، فكيف إذا كان عتابا؟؟. وينبني على تفسير السكر بالمسكر؛ أن يكون في الآية دليل على أن عصير العنب ليس هو ما يصدق عليه لفظ الخمر وحده كما عليه فريق من أهل العلم ومنهم الحنفية، فقد ذكر النخيل في قوله (ومِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ)، ولأن الخمر ما خامر العقل، أي خالطه، كما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو من أهل اللسان، ومن ذلك لفظ السكارى في قوله تعالى (وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ)؛ فإن التعبير بالمشتق يشعر بعلية ما منه الاشتقاق، فيلتقي هذا مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"، وقوله: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"، رواه أبو داود والترمذي عن ابن عمرو، وجاء هذا المتن بصيغ مختلفة منها "أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره"، رواه النسائي عن سعد، ونحوه عن وافد أهل اليمن وجابر . وهذا الذي علمته لا يراه من قصر الخمر على عصير العنب المشتد، فإنه يجيز غيره مما لا يسكر إلا كثيره، مع أن معتمده اللغة لو صح أنها كذلك، فكيف إذا لم تصح؟ أو جاء الشرع بتجاوزها فيما وجدت فيه العلة التي أغفلها أبرز أئمة القياس في هذه المسألة؟. والمقصود أن آية سورة النحل أولى المراحل الأربعة التي مر بها تحريم الخمر، وقد عهد هذا التدرج في الصيام والصلاة والربا وغيرها. وثانيها قوله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا"، وباعث المسلمين على السؤال ما علموه من ضررهما، فإن الإثم حزاز القلوب، والمؤمن يستبين الضرر لزكاء فطرته، فيتشوف إلى نزول حكم الله فيه، لأنه وإن أدرك بعقله قبح الشيء أو حسنه؛ فإنه لا يبني عليه حكما شرعيا، وأبرز هؤلاء في هذه الأمة عمر رضي الله عنه كما صح في موافقاته لبعض أحكام ربه، أما في هذا فقد صح عنه ما يدل على ذلك قبل نزول آية سورة البقرة كما في سنن أبي داود وغيره، فقد قال: "اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا"، وكررها إثر نزول آيتي سورة البقرة والنساء، فلما سمع قول الله تعالى: "فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ"؛ قال انتهينا. أما ثالث المراحل؛ فقوله تعالى: " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ"، وقد ضيق بها زمان الشرب، حيث كان المنادي يقول: لا يقرب الصلاة سكران، أما المرحلة الأخيرة؛ فقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون". ليلة •

الخاطرة 386

قال تعالى: "ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرون" ، وقال الله تعالى عن المساجد: "يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَار"، وقال الله تعالى: "ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ". يحرم البيع وغيره من العقود والأعمال المباحة إذا فوتا صلاة الجماعة في المسجد أو خارجه على القول بوجوبها، وهو الحق، أما إن ضاق وقت الصلاة بحيث يفوت بالبيع وغيره مما سبق؛ فإنه يحرم قياسا على البيع عند أذان الجمعة، أو لأنه مما لا يتم الواجب إلا به. قال ابن رشد رحمه الله في بداية المجتهد: "وأما سائر الصلوات فيمكن أن تلحق بالجمعة على جهة الندب لمرتقب الوقت، فإن فات؛ فعلى جهة الحظر، وإن كان لم يقل به أحد في مبلغ علمي"، انتهى قلت: هو واضح، لكن معظم الناس يذهلون عنه، فيقصرون تحريم البيع ونحوه على وقت نداء الجمعة. عصر الجمعة •

الخاطرة 387

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية: يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وكان يقول: إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول". رواه أحمد وابن خزيمة وأبو داود والدارمي. في هذا الحديث وغيره حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على تسوية الصفوف، باستقامتها، وتراصها، وتقاربها، بقوله وفعله، لا الاكتفاء بالقول كما هو الغالب علينا، حتى صار معتادا لا يعني شيئا عند المصلين. أما مسح صدور المصلين ومناكبهم أو بعضهم؛ فهي سنة مهجورة، لا أحسب أنها ذكرت في مصنفات الفقه، مع ما لها من أثر عظيم في تهيئة النفوس، واستعدادها لمناجاة الله، وحصول التحاب والتآلف، ويستبعد أن تكون من الخصائص. ليلة العشرين من رجب 1443 •

الخاطرة 388

يتجرع حلف شمال الأطلسي اليوم غصص سياسته الهوجاء منذ تسعينات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فاغتنم الفرصة خلال الثلاثين سنة الماضية لتوسيع رقعته فشملت معظم دول أوروبا الوسطى والشرقية بما فيها بولونيا التي شهدت عاصمتها تأسيس حلف وارسو عام 1955، ثم حل سنة 1991. يضم هذا الحلف اليوم ثلاثين دولة من أوروبا وأمريكا الشمالية، والمواجه الشرس له هو فيدرالية روسيا وحدها، ولئن زال الفارق الإيديولوجي والسياسي والاقتصادي أو كاد بين المعسكرين؛ فقد استمر الصراع على النفوذ والتوسع وحماية المصالح، وهي أمور لا تزول بين الدول، بل هي كاللازم لحياة البشر، فياويح الضعيف . هيمن هذا الحلف على قيادة التحالف الدولي ضد العراق بقيادة أمريكا، وكان مظلة لغزو أفغانستان بزعامتها أيضا، عقب أحداث سبتمبر في حرب دامت عشرين سنة، أنفقت عليها آلاف المليارات، ثم خرج يجر أذيال الخيبة قبل أشهر، واضطلع بالدور الرئيس في غزو ليبيا لينتقم من نظام القذافي الذي قاوم نفوذ الغرب في أفريقيا بشراسة، لا شفقة على الليبيين من حكمه كما ظن كثير من الناس. أما رد فعل فدرالية روسيا على توسع هذا الحلف وتطويقها بالتهامه الدول من حولها؛ فكان متدرجا ممنهجا، ثم اتخذ في السنوات الأخيرة خطوات عملية : - منها استغلاله ما سمي كذبا بالربيع العربي، فتحالف مع النظام النصيري الظالم في سوريا مقابل معاهدات خولته إنشاء قواعد عسكرية برية وبحرية ما تمكن منها منذ أن تولت عائلة الأسد قيادة هذا البلد قبل أربعين سنة . - كما استعاذ بعض نفوذه في مصر بعد الأحداث المؤلمة التي عرفتها . - ثم استمال بعض دول حلف الأطلسي فعقد صفقة صواريخ متطورة مع تركيا تسببت في أزمة بينها وبين أمريكا . - واتخذ موقفا مضطربا في نزاع الغرب مع إيران بشأن برنامجها النووي، فهو يزودها بما تحتاج إليه في هذا البرنامج (السلمي) والظاهر أنه يود أن تصبح دولة نووية، وفي ظني فإنها تتحين الفرصة للإعلان عن ذلك قريبا، وموقفه هذا مشابه لنزاع الغرب مع كوريا الشمالية. - وقد تدخل في ليبيا وفي مالي وأوكرانيا تحت غطاء شركة أمنية هي فاغنر . ومن العجبب أن ترتفع أصوات في روسيا تجرم النظام الشيوعي البائد لتفريطه في بعض المقاطعات، وأن يعتبر ذلك مؤامرة مدبرة، فأقدم الروس على ضم جزيرة القرم، بعد سقوط النظام الموالي لهم في أوكرانيا إثر تشجيع الغرب للمظاهرات التي اجتاحتها ليمهدوا بذلك ضمها إلى الحلف المذكور . كل من المعسكرين اعتمد على القوميات لتقسيم الدول كما حصل في العراق والسودان وسوريا، وهو ما ينتهجه اليوم الاتحاد الروسي في أوكرانيا حيث اقتطع منها جمهورتي دونيسك ولوقانسك بالاعتراف بهما . ما كتبت هذا إلا لأقول إن جهاد الطلب أو الدعوة الذي هو فرض كفاية بإجماع المسلمين هو كاللازمة البشرية فلا انفكاك عنها البتة، والمسلمون اليوم وإن كانوا عاجزين عنه لتفريطهم في أحكام دينهم ومنها إعداد ما استطاعوا من القوة؛ فإن المستغرب أنه لا يكاد يذكر مجرد ذكر بل لا أشك أن كثيرا من الناس يستحيي أن يذكره ويقرر أحكامه مع أن الله إنما شرعه لنشر الحق والدفاع عنه وحماية المسلمين وأرضهم وقد ذكر بعض أهل العلم المصالح المقصودة من ورائه وهي هذه باختصار وتصرف: - الدفاع عن المسلمين وأوطانهم، كما قال الله تعالى: وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ". - تأمين حرية الدين ومنع الاضطهاد فيه كما قال الله تعالى: "قَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ". - تأمين سلطان الإسلام وسيادته بدفع المخالفين له الجزية كما قال الله تعالى: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون". ليلة •

الخاطرة 389

قال ربنا عز وجل: "ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُون فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ". لليهود والنصارى أحكام يختلفون فيها عن غيرهم من الكفار الملقبين بالمشركين، منها أن لهم كتابا سماويا، وإن حرفوه وبدلوه، فجوز الشرع تزوج المسلمين نساءهم، وأحل ذبائحهم، وشرع قبول الجزية منهم إذا لم يسلموا، واختلف في غيرهم، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب موافقتهم فيما لم ينزل عليه فيه شرع، ثم انتهى إلى مخالفتهم، ودل كتاب الله على اختلاف اليهود عن النصارى في عداوة المسلمين، وكل هذا داخل في قاعدة الموازنة بين درجات الشر، فيدفع الأعظم منها بما دونه، والمسلم يعرف خير الخيرين وشر الشرين. وكانت دولتا الفرس والروم تكتنفان أرض العرب من الشمال والشرق، وهم منقسمون في علاقتهم بالدولتين، فأهل الحجاز والعراق يناصرون الفرس، وعرب الشام يناصرون الروم، ولهم إمارات على تخومهما، ولهذا ورد ذكرهما في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم محذرا من التشبه بهم، ومخبرا بفتح بلادهم، ومعتبرا بما معهم من التجارب، وكانت عملتهم هي المتداولة في عصر النبوة وعهد الخلفاء الراشدين. ولما غلب الفرس الروم سنة 616م؛ فرح المشركون بذلك لقربهم مما هم عليه من عبادة الأصنام، فأنزل الله الآيات الأولى من سورة الروم ليكسر تطاولهم وتباهيهم بهذا الانتصار، مخبرا أن الفرس سيغلبون في بضع سنين، وهي ما دون العشر، فخرج أبو بكر رضي الله عنه رافعا بذلك صوته، ولما كان مستيقنا حصول ما أخبر الله به؛ راهن بعض المشركين على هذا الوعد الرباني، قبل أن يحرم القمار، وانتصر الروم على الفرس في السنة السادسة من الهجرة، وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن الزبير الكلابي قال: "رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، كل ذلك في خمس عشرة سنة!! وقال ابن عطية رحمه الله في تفسيره مبينا بعض أوجه فرح المسلمين بانتصار الروم: "ويشبه أن يعلل ذلك بما تقتضيه الفطرة، من محبة أن يغلب العدو الأصغر، لأنه أيسر مؤنة، ومتى غلب الأكبر؛ كثر الخوف منه، فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترجاه من ظهور دينه، وشرع الله الذي بعثه به، وغلبته على الأمم، وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه". وقال في موضع آخر: "وتأمل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سر حين غلبت الروم فارس، وذلك لكونهم أهل كتاب، ولم يرد عليه السلام أن يستمر ظهور الروم، وإنما سر بغلبة أهل كتاب لأهل عبدة النار، وانضاف إلى ذلك إن غلب العدو الأصغر، انكسرت شوكة العدو الأكبر المخوف على الإسلام". إن هذه الحرب القائمة في شرق أوربا ليست بين أوكرانيا ودول الاتحاد الروسي فحسب، إنها بينه وبين حلف شمال الأطلسي بطرق تختلف عن المعالنة لما يخشاه الطرفان من النتائج التي يخسر فيها الجميع، وقد كانت أمريكا تخطط لأن تصير أوكرانيا دولة نووية من جديد بعد أن ساهمت هي نفسها في تجريدها من ذلك غداة انهيار الاتحاد السوفياتي، ولا شك أن وضع العالم السياسي والاقتصادي سيتغير عما كان عليه بعد هذه الحرب، فهل يستفيد المسلمون من هذا الوضع القادم لتصحيح علاقاتهم بالدول مراعين عقيدتهم وأحكام دينهم ومصالح بلدانهم؟. لو كان لي أن أفرح بانتصار أحد المعسكرين لتمنيت أن ينتصر أقلهما إضرارا بالمسلمين على أكثرهما إضرارا وأقواهما. ومن العجيب أن نسمع من يدعو المسلمين إلى القتال مع هذا الطرف أو ذاك، وأن تدعو سفارة أوكرانيا في بلادنا إلى التطوع في هذا القتال!! يوم السادس شعبان 1443 •

الخاطرة 390

قال ابن رشد الحفيد عما قصده من كتابه (بداية المجتهد)، مفرقا بين ملكة الفقه، وحفظ الفروع، ناقما على أكثر متفقهة زمانه عدم تفريقهم بين الأمرين، مشبها فاقد الملكة بالخفاف الذي يملك خفافا كثيرة، لكنه لا قدرة له على صنعها، ومع هذا يسمونه خفافا، فقد يجيئه من لا يناسبه قياس ما عنده؛ فلا يسعفه بشيء!! ولا ريب أن حالنا في هذا الزمان أبعد ما يكون عن الأمرين جميعا، فكيف إذا انضم إلى ذلك الجرأة على الفتوى وافتقاد الورع ومجاراة الناس؟؟. قال رحمه الله: "هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد، إذا حصل ما يجب له أن يحصل قبله، من القدر الكافي له في علم النحو، واللغة، وصناعة أصول الفقه، ويكفي من ذلك ما هو مساو لجرم الكتاب أو أقل، وبهذه الرتبة يسمى فقيها، لا بحفظ مسائل الفقه، ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان، كما تجد متفقهة زماننا: يظنون أن الأفقه؛ هو الذي حفظ المسائل أكثر، وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفاف؛ هو الذي عنده خفاف كثيرة، لا الذي يقدر على عملها، وهو بين: أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة، وهو الذي يصنع لكل قدم خفا يوافقه، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت". يوم

الخاطرة 391

من ذكريات العين الصفراء.. المقصود العبرة لا صورة المثل *** سمعت أن امرأ قد كان يألفه * كلب فعاشا على الإخلاص واصطحبا فمر يوما به والجوع ينهبه * نهبا فلم يبق إلا الجلد والعصبا فظل يبكي عليه حين أبصره * يزول ضعفا ويقضي نحبه سغبا يبكي عليه وفي يمناه أرغفة * لو شامها جائع من فرسخ وثبا فقال قوم وقد رقوا لذي ألم * يبكي وذي ألم يستقبل العطبا ما خطب ذا الكلب؟ قال الجوع يخطفه * مني وينشب فيه الناب مغتصبا قالوا وقد أبصروا الرغفان زاهية: * هذا الدواء فهل عالجته فأبى؟ أجابهم ودواعي الشح قد ضربت * بين الصديقين من فرط القلى حجبا: لذلك الحد لم تبلغ مودتنا * أما كفى أن يراني اليوم منتحبا!؟ هذي دموعي على الخدين جارية * حزنا وهذا فؤادي يرتعي لهبا!! أعيذكم أن تكونوا مثله فنرى * منكم بكاء ولا نلقى لكم دأبا إن تقرضوا الله في أوطانكم فلكم * أجر المجاهد طوبى للذي اكتتبا يقضي نحبه: يموت. سغبا: جوعا. أرغفة ورغفان: جمع رغيف؛ هو الخبزة. شامها: رآها من بعيد. رقوا: أشفقوا ما خطب ذا الكلب؟: ما مصيبته؟ ينشب فيه الناب: يغرزه. من فرط القلى: من شدة البغض. منتحبا: رافعا صوتي بالبكاء. يرتعي: يحترق. دأبا: عملا. اكتتب: سجل اسمه في ديوان الباذلين. •

الخاطرة 392

استنفدت القوى المسماة بالعظمى رغباتها ومطامعها في معظم دول العالم المستضعفة، فاستولت على خيراتها، وفرضت سياساتها، وبسطت نفوذها المتنوع، وطوعت حكامها لإرادتها، بالترغيب والترهيب، وبالتضييق والحصار الاقتصادي، وبالغزو المباشر إذا اقتضى الحال، والدولار اليوم هو المهيمن على عملات العالم كلها. استمر هذا الدأب من القوى المتصارعة على مدى أكثر من سبعين سنة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو مواجهة ضمنية بين هذه القوى نفسها، لم تخل من المنازعات والصراعات العلنية، فكانت الحرب الباردة وسباق التسلح الذي لم تنفع معه الاتفاقيات المتتالية. ومن صور الصراع سعي كل من المعسكرين إلى بسط نفوذه في الدول المجاورة لخصمه، كما تراه في كوبا وكوريا الجنوبية وتايوان وغيرها، ومن هذا القبيل تمديد حلف شمال الأطلسي رقعته نحو الاتحاد الروسي ليطوقه من الغرب والشمال والجنوب الغربيين، وهو سلوك بلغ منتهى الغباء والسذاجة السياسية، فكان سبب هذه الحرب التي انطلقت قبل سنوات بضم الروس شبه جزيرة القرم، ثم حصلت أول مواجهة بين المعسكرين في أوربا من غير أن يعلن عن ذلك، والهجرة الناتجة عنها لم تحصل في هذه القارة منذ الحرب العالمية الثانية. ليست روسيا وحدها هي المعنية بهذه الحرب، فإن الصين على رأس الدول المؤيدة بل الفرحة بها، وقد أعلنت أنها لا ترى الأمر غزوا بل تعتبر حلف الناتو هو المتسبب فيها، وتنادي بوقف تمدده. ومن الدول المناصرة للروس كوريا الشمالية وإيران وكوبا وفنزويلا والجزائر وباقي الدول التي امتنعت عن التصويت على قرار الجمعية العامة الذي يدين الغزو الروسي، وكثير من الدول التي عانت من هيمنة أمريكا وتسلطها وإن كانت تناصرها في الظاهر؛ فإنها تتمنى أن تحيق بها وبحلفائها الهزيمة، عسى أن ينكسر كبرياؤها، وتخف غطرستها، والذي لا شك فيه أن مصلحة الدول الضعيفة هي التخلص من تأثير المعسكرين، يلي ذلك وجود التوازن بين الفرقين، لأن تفرد معسكر واحد بالنفوذ يلحق بها أبلغ الأضرار، وإن كان كل منهما شرا. أي ضير على حلف شمال الأطلسي في حياد أوكرانيا وإبرام معاهدة لضمان أمن هذا البلد وغيره من دول أوربا؟ إن المانع له من ذلك هو أن أمريكا وحلفاءها يعتبرون انتصار الروس في أوكرانيا هزيمة لهم، لأن حلفهم وإن لم يشارك في القتال بجنوده؛ فإنه حاضر بمستشاريه ومدربيه وبسلاحه و معداته، وهي تخشى أن تنعكس نتيجة الحرب على العلاقات بين دوله، فيبيد كما باد حلف وارسو قبل ثلاثين سنة لا أبقى الله أيا منهما، وهكذا زوال هيبتها عند الدول التي هيمنت عليها، ولهذا يمنعون الأوكرانيين أن ينقذوا بلدهم من الدمار بعقد اتفاقية الحياد. والغرض من هذا أن أتساءل: هل تغتنم الدول المستضعفة ومنها معظم الدول الإسلامية ما قد تفضي إليه هذه الحرب من انشغال المعسكرين بنتائجها وآثارها لتستعيد بعض استقلالها وتتلخص من أضرار النفوذ الغربي عموما والأمريكي خصوصا ؟؟، وهل تجتهد الدول الإسلامية التي طوعتها أمريكا وغيرها تحت عناوين محاربة الإرهاب والتشدد والتطرف لتعود إلى الحق بالتمسك بدينها وتصحيح الانحراف الحاصل في برامجها التربوية والثقافية والإعلامية؟. إن مما يساعد الدول المستضعفة على التحرر من سياسة القهر التي تمارسها الدول المسماة بالعظمى ما يلي: * أن تسعى في حصول الدول غير النووية على مقعد دائم في مجلس الأمن كما يسمى. * وأن يكون لكل قارة ممثل في هذا المجلس كيفما كانت دولها. * وأن تجتهد في كسر سورة النظام المالي الذي يسيطر عليه الدولار الأمريكي باللجوء إلى العملة الصينية مثلا أو غيرها في التجارة الواسعة كالمحروقات. * وأن تسحب أرصدتها المالية من البنوك الأمريكية وغيرها. * وأن تنوع مصادر تسليحها وإن كانت التسليح في معظم الأحيان لا جدوى منه. * وأن تجد في الاستقلال الغذائي والصناعي عن الدول التي لها ماض استعماري يغذي نفوذها ومطامعها إلى الآن. * وأن ترشد الاستهلاك وتربي شعوبها على التخفف من غير اللازم منه بتغيير الأنماط الغذائية. * وأن تدعم التبادل التجاري مع دول غير المعسكرين. * وإن كان لا بد من الميل إلى أحد المعسكرين؛ فلتختر الذي قد تفوتها معه بعض مصالحها المادية، ولا يتدخل فيما عدا ذلك من خصوصيتها الدينية والثقافية ونحوهما، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ليلة

الخاطرة 393

قول الله تعالى: "أفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُون مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُون"، هو في المكذبين الجاحدين، المستعجلين عذاب رب العالمين، فإنه مهما طال زمان تمتعهم، ولو استغرق أعمارهم أو مدة الدنيا كلها؛ فإنه لا يغني عنهم شيئا إذا حل أوان عقابهم، ولا ضير أن ينزع بها في كل متعة عاجلة، فوتت منزلة آجلة، في الدار الآخرة، فإنها ضارة بوجه ما، فكيف إذا فوتت واجبا؟ . كان هذا شأن الصالحين، من السلف المرحومين، ينزعون بالآيات التي في الكفار، حياطة لدينهم، ورغبة فيما عند ربهم، كعمر في تمتع الكافرين، وأبي هريرة في نشر العلم، ومالك في إباء الركوع، بعيدا عن منهج الخوارج باستدلالهم بهذه الآيات على تكفير المسلمين. وقال الله تعالى: "يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ"، قال البغوي رحمه الله: "التغابن فوت الحظ، والمراد بالمغبون من غبن في أهله ومنازله في الجنة، فيظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان". وفي هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في جهنم صبغة، ثم يقال له: "يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟، هل مر بك نعيم قط؟، فيقول: "لا والله يارب"، ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: "يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط"؟، فيقول: "لا والله يارب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط"، رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أنس، وهذا إما نسيان، والحلف عليه من لغو الأيمان، الذي لا يؤاخذنا به الرحمن، وإما استقلال لما حصل من النعيم والبؤس في الدنيا بالنظر إلى ما هم فيه . وذكر القرطبي في تفسيره عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك لحيته ثم قرأ: "أفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُون مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُون"، ثم يبكي ويقول: نهارك يا مغرور سهو وغفلة ** وليلك نوم والردى لك لازم فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم ** ولا أنت في النوام ناج فسالم تسر بما يفنى وتفرح بالمنى ** كما سر باللذات في النوم حالم وتسعى إلى ما سوف تكره غبه ** كذلك في الدنيا تعيش البهائم الردى: الموت الأيقاظ: جمع يقظ خلاف الراقد النوام: جمع نائم، ويجمع على نوم بضم النون وتشديد الواو الحالم: هو الذي يرى الرؤيا، يقال حلم يحلم من باب نصر. تكره غبه بكسر الغين: تكره عاقبته. يوم •

الخاطرة 394

لم أملك سوابق العبرة وأنا أستطلع أنباء هذه الحرب في أوكرانيا، فأنحيت على نفسي باللائمة لجمود العين، وقلة التأثر بما يعانيه الناس في بلد صيرته القوى العظمى موطن استعراض لعضلاتها العسكرية والاقتصادية والإعلامية إرضاء للكبرياء والغرور. كنت أنزعج من نزعة التشفي هذه، فأجتهد في دفعها، ولم يشفع لي في هذا الخاطر الغريب عن طبعي؛ استحضار ما قاسته أمتي وما زالت من ويلات الحروب، بما فيها من القتل والتدمير والتهجير والإذلال على يد هؤلاء، فإننا أمة لا يقر دينها الظلم، ودعوة المظلوم ولو كافرا ليس بينها وبين الله حجاب، فكيف إذا كان بهذا البلد أربعمائة ألف مسلم؟ وربنا الرحيم الرحمن يعامل خلقه في دنياهم بمقتضى ربوبيته، فتسعهم جميعا رحمته. إن الحروب هي قوت هذه الأنظمة التي ما اتسعت مساحات دولها إلا على أنقاض سكانها من الهنود الحمر في أمريكا، وعلى الأرض الإسلامية في روسيا، ومع ذلك يرمون هذا الدين الذي هو رحمة للعالمين بالنعوت الباطلة التي يجدون لها صدى في أوساط بعض المسلمين، وهم في تعطشهم للحروب والدماء يشبهون بعض قبائل العرب قبل الإسلام، التي أولعت بالغارات والسلب، فإذا لم يجدوا البعيد كرّوا على القريب: فمن تكن الحضارة أعجبته * فأي رجال بادية ترانا ؟ ومن ربط الجحاش فإن فينا * قنا سلبا وأفراسا حسانا وكن إذا أغرن على قبيل * فأعوزهن كون حيث كانا اغرن من الضباب على جلال * وضبة إنه من حان حانا وأحيانا نكر على أخينا * إذا ما لم نجد إلا أخانا !! وقد ضحك الفريقان على رئيس هذا البلد، فجعلوه شريكا في تدمير وطنه، فأكثر من الخطب كالنائحة لا الثكلى، وتغافل أن لا علاج لهذه الحرب إلا حياده، وأن الأمر يبرم في غيبته بين مالكي القرار، ومن ظلمه وكذبه قوله لحكام اليهود ان ما أصاب بلده شبيه بما يكابده اليهود من الفلسطينيين! لِمَ يُهجّر سكان هذا البلد بالملايين، ثم يمتنون عليهم بقبول استقبالهم لاجئين، ويتشدق رئيس أمريكا باستعداده لاستقبال مائة ألف منهم، وفيم يمارس التمييز الديني والعرقي في قبولهم؟ والعهد قريب بما جرى لإخواننا السوريين والليبيين وغيرهم حيث أقفلت أوربا أبوابها دونهم!! إن الوقوف على دواعي هذه الحرب وإصرار موقديها على استمرار لهبها كل بطريقته ليحقق غرضه؛ يكذب زعم هذه الدول المهيمنة على مجلس الأمن أنها تحافظ على العالم واستقراره، وما هي إلا مصالحها وامتيازاتها. فهل لك وأنت تتابع همجية حروب هؤلاء غابرها وحاضرها أن تستحضر بعض مقاصد الجهاد الذي شرعه الله تعالى بهذه المبادئ العظيمة، ففرطنا فيه كغيره من كثير من ديننا، فلحقنا ما لا يزول إلا برجوعنا إليه، فيا ليتنا عكفنا على إصلاح نفوس أفرادنا ومجتمعاتنا بعد أن زحزحنا عن موقعنا الحضاري الرائد القائد، وقد قال ربنا عز وجل: "ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ". * لقد ارتبط شرع القتال في ديننا برد الظلم: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ". * أما غاية الجهاد فقوله سبحانه: "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِين". * ما يقاتل المسلمون من أجله: "الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ". * من يشرع قتالهم: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين". * الوفاء بالمعاهدات والعقود: "وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ". * القتال من لوازم حياة البشر، فلا بد منه لدفع الضرر: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين". * الاستعداد الدائم للقتال: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ". * إيثار السلم على الحرب: "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ". * نصرة المستضعفين: "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا". * تأمين سلطان الإسلام: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون". يوم

الخاطرة 395

تدبر قول الله تعالى في بيان تفاصيل حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحياة المؤمنين حيث خصها الله بشهوده: "وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِين"، فحياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تعدو أمرين: * (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ)، الشأن هو الأمر المهم، وليس في حياته صلى الله عليه وآله وسلم ما ليس مهما . * (وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ)، أي وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن تبلغه، فحرف (من) الأول للتعليل، والثاني للتبعيض . ولما كان تبليغ القرآن وتلاوته أهم شؤونه؛ خص بالذكر، وعطف على العام، وهو الشأن، وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها "كان خلقه القرآن"، فهذه خلاصة حياته . * وقوله: (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَل)، فهذا يشمل أصحابه وجميع المسلمين، وجيء معه بحرف النفي (لا) الذي يخلص الفعل المضارع للاستقبال، وجيء فيما هو خاص به بحرف النفي (ما) الذي ينفي الفعل في الحاضر. * (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا)، أي لا يحصل شيء من ذلك إلا في حال كوننا رقباء عليكم، والشهود جمع شاهد وهو الحاضر، والمقصود علم الله بذلك كله: بشأنه، وتلاوته، وعمل المؤمنين به، وكل المنهيات نكرات عامة . والله تعالى مع جميع خلقه بعلمه كما قال: "أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ"، لكن الأعمال الصالحة - وهي أعمال المؤمنين - يعلمها الله علم وقوع راضيا عنها، محبا لها، ولهذا جاء التعميم بعد ذلك لباقي المخلوقات في قوله (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) . * إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ"، أي حين تندفعون إليه، وتخوضون فيه، وخصت الإفاضة في العمل بالذكر مع أن الله رقيب على الخواطر والنيات لأمور: أولها: أن ما يندفع إليه الإنسان ويشرع فيه؛ أولى أن يراقب ربه فيه. والثاني أنه هو الذي له أثر في الخارج فيقع به الصلاح والإصلاح. والثالث أن الجزاء عليه هو الأصل، وإن كان المؤمن يؤجر على الهم والنية. ليلة أول رمضان 1443

الخاطرة 396

قول الله تعالى: "فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُون وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ". أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام وعلى آله أن يعلن براءته من شرك عشيرته الأقربين، وسائر أعمالهم، وأن يجمع إلى ذلك الاعتماد عليه، فإنه العزيز الذي لا يغالب، وهو ناصره على من عاداه، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فكيف بمن يمم رضاه؟. وقوله (يَرَاكَ) هي رؤية مع عناية ورضا، خص بها وقت صلاته، لأنها مناجاة له، ومثلها قوله تعالى: "قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا"، وقوله لموسى وأخيه عليهما الصلاة والسلام: "لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ". وذكر نوعين من الصلاة: صلاة الليل بقوله (حِينَ تَقُومُ)، وصلاة الجماعة بقوله (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) على أحد الأقوال فيه. وعطفها على (حِينَ تَقُومُ)؛ يستأنس به في تقوية القول بوجوبها عليه، فإن ضم النظير إلى نظيره أولى، وإن كانت دلالة الاقتران ضعيفة عند أهل الأصول. وأوثر وصف (السَّاجِدِينَ) لأنه أقرب حالات العبد من ربه. والقول الثاني أن المراد بقوله (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) أصحابه رضي الله عنهم، فإن السجود أخص صفات المؤمنين، وهم سادتهم، كما في قوله تعالى(التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين)، وهذا أرجح من الأول، وهو أعم منه، فتدخل فيه الصلاة وغيرها من الأعمال، ويعضده أمور: *أحدها: أن التقلب هو التصرف، وهو أظهر في المخالطة في أمور الأمة العامة، وفي الخاصة، وحمل اللفظ على المعنى الذي يغلب إطلاقه عليه مقدم، ومنه قول الله تعالى: "لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ "، وقوله: "فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ"، وقوله: "وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكم"، أي تقلبكم في النهار، ومثواكم عند النوم، وقيل التقلب في الدنيا، والمثوى في الآخرة، والأول أولى، يبينه قوله تعالى: "وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ". *والثاني: أن الحرف (في) يفيد الظرفية، وهي حقيقية ومجازية، وحمل التقلب على صلاة الجماعة؛ تكون معه مجازية، والحقيقية مقدمة. *والثالث: أن السورة مكية، وصلاة الجماعة لم تكن مقامة فيها، فيلزم استثناء هذه الآية منها، وعدم الاستثناء هو الأصل . *والرابع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ذكر مع أصحابه في غير موضع من كتاب الله، ووصفوا بكثرة العمل من الضرب في الأرض لطلب الرزق، والقتال في سبيل الله، وبكثرة الصلاة، وهي خير العمل، والإخلاص لله واحتساب جزيل الثواب عنده، فمن ذلك قوله تعالى: "فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، وقوله: "محَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ". وفي هذا السياق إرشاد للمؤمن إلى ما يقابل به ظهور المعاصي مع افتقاد السلطان الوازع، وعجزه عن التغيير الرادع، وهو أن يتبرأ منها، ويتوكل على الله في محقها، وظهور الحق عليها، والاستمرار في الدعوة إلى تركها، والمحافظة على الصلاة فرضها ونفلها، فإنها ملجأ المؤمن في الضيق، وعون عظيم على لأواء الطريق، فقد أمر الله تعالى بالاستعانة بها، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا حزبه أمر صلى فاستراح بها، وقد اقترن الأمر بها مع حصول الضيق في غير موضع من كتاب الله، كقوله تعالى: "وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِين"، وقوله: "وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا، إلى أن قال: "أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا". يوم الرابع من شهر رمضان 1443

الخاطرة 397

ترتب على تعيين مواضع يباع فيها الزيت والحليب بدل محلات التجار؛ مفاسد لا يتحقق معها المقصود، وهو إيصال المادة إلى المستهلك مباشرة، كما كنا نفعل في عهد أسواق الفلاح والأروقة بإشراف الدولة، مع فارق هو لصالح التنظيم الغابر .    من مفاسد هذا الأمر اجتماع عدد كبير من الناس، وانتقالهم من أماكن بعيدة، وتجنيد الشرطة للمراقبة والتنظيم، والشعور بحصول أزمة في الغذاء، مما يؤدي إلى تخزين المواد، وفتح باب المتاجرة لغير التجار، وضياع الوقت، فإن من الناس من يقف في هذه الطوابير قبل الفجر.   ولو أمعن أصحاب القرار النظر لعلموا أن تنظيم هذه العملية عن طريق التجار أيسر، لمعرفتهم غالب المشترين، فلا يأخذ الواحد منهم ما لا يحتاجه، وإنما ينفع هذا الإجراء مع اعتماد بطاقة التموين، دار هذا في ذهني بمجرد سماع خبر هذا التنظيم، ثم سمعت قصة امرأة عثر في منزلها على العشرات من قارورات الزيت فكتبته، فما أحوجنا إلى التريث في اتخاذ القرارات وترك التفرد بها فنفسد من حيث نريد الإصلاح.    حاجتنا إلى إعادة بناء الفرد عظيمة وما لم نفعل فلا قيمة لبقية أنواع البناء، ومما ينبغي أن نعيد النظر فيه نظام الغذاء في محتواه وكميته ووقته، فلتتظافر جهود المعنيين على هذا، يمكن الاستغناء عن كثير من المواد أو الحد من استهلاكها كالزيت والسكر والعصائر والجبن والمشروبات الغازية والقهوة وغيرها، فكيف إذا كانت مضرة؟ وأعرف بعض من استغنوا عن الكثير منها متأثرين بكلام الأطباء عما يحفظ على الأجسام مناعتها.    قد يستهجن الكلام على هذا الأمر في شهر رمضان، لكن ما الحيلة وقد صار مناسبة للإفراط في الاستهلاك وندرة بعض المواد وغلاء أسعارها فكان هذا مسوغا لهذا الذي كتبته.     ليلة

الخاطرة 398

(1)    صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة، وأسماؤه التي هي أعلام؛ معانيها مقصودة كمحمد وأحمد والمقفي والحاشر، وهي في الكتاب والسنة، وبعضها في كتب الأنبياء.      وقد ذكر الغزالي كما في فتح الباري الاتفاق على منع تسميته صلى الله عليه وآله وسلم باسم لم يسمه به أبوه، ولا سمى به نفسه، قاله ليحتج به -من باب أولى- على ما ذهب إليه من أن أسماء الله تعالى توقيفية، وهو يرى أن صفاته ليست كذلك، والصواب أن كلا منهما توقيف .   وقال الزرقاني مؤيدا احتجاج الغزالي: "ولو دل على صفة كمال، ولا يرد على الاتفاق؛ وجود الخلاف في أسماء الله تعالى، لأن صفات الكمال ثابتة له عز وجل، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما يطلق عليه صفات الكمال اللائقة به وبالبشر، فلو جازت تسميته بما لم يرد؛ لوصف بأوصاف لا تليق إلا بالله تعالى فيقع الواصف في محظور وهو لا يشعر"، انتهى ببعض اختصار .   قلت: وكذلك يحترز مما قابل هذا ومنه الأوصاف التي يوصف بها الحكام والملوك مما لايليق به .    وأعظم صفاته وصف الرسالة لجمعه الكمال البشري، فلهذا ذكر في الأذان والإقامة مراعاة للغرض منهما، وضم إليه وصف العبودية في غيرهما كالتشهد وخطبة الحاجة وفي مواضع أخرى، منها سؤال المنكر والنكير، وحديث البطاقة، والدعاء بعد الوضوء، وفي حكاية الأذان وغير ذلك، لكن عاطفة كثير من المسلمين تدفعهم إلى ذكر أوصاف أخرى فيما يقولون ويكتبون .    وما يوصف به مما هو في الكتاب والسنة؛ فذكره مطلوب من غير تكلف، وعلى أن لا يزاد على الألفاظ المتعبد بها كالأذان والإقامة والأذكار والصلاة عليه، فإن أصحابه -وهم أهل العربية- ما تجرأوا على أن يذكروا صيغة يؤدون بها ما أمر الله به من الصلاة عليه، ولو فعلوا لعذروا، لكنهم رجعوا إليه فقالوا: "هذا السلام قد عرفناه فكيف نصلي عليك؟، فقال: قولوا اللهم صل على محمد.. الحديث.     وبعض ما يصفه به الناس وإن كان معناه صحيحا كالزعيم والقائد والحاكم والرئيس، إلا أن تجنبه هو الجادة، فإن من صفاته ما يندرج بعضه في بعض، فلم يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير متى لم يرد؟، وليس صوابا فتح الباب لأخذ أوصاف له من الأفعال بإطلاق .      وبعض الخطباء والمدرسين ربما عبروا عما يعتلج في صدورهم تجاه سياسة حكامهم فقالوا وأشهد أن قائدنا وزعيمنا ورئيسنا محمدا رسول الله، قال الشيخ الطاهر بن عاشور: "...، هو ليس بملك، وهو يتصرف في الأمة تصرف الملوك، تصرفا بريئا مما يقتضيه الملك من الزخرف والأبهة...".    ويغني عما سبق أن يعلم أن طرق تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم توقيفية اعتقادا وقولا وفعلا، فينبغي ضبط العواطف بهذا الأصل، لأن فتح باب الاجتهاد يفضي إلى أن يتبع كل ما يستحسنه، وقد نهانا عن اطرائه، وأمرنا بما ارتضاه فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله".   وقد قلت بعض هذا في ندوة للأئمة، فلما انجر الكلام إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أبو داود عن أبي أمامة مرفوعا: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا...، الحديث؛ قال لي احدهم: أليس قد وصف نفسه بالزعيم، ففيم الإنكار!! جهل المسكين أن اللفظ متحد، والمعنى مختلف، فإن الزعيم هنا هو الضامن.   وقد كتب بعض الغماريين غفر الله له شيئا استحسن فيه أن يزاد لفظ السيد في الأذان والإقامة، وادخل ذلك أحد المؤذنين في مدينتنا في الأذان إبان انقطاعنا عن المساجد في بداية ظهور هذا الوباء، فلما أنكرت عليه قال إنه جائز!!.   وقد قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام مبينا ما ينبغي اعتقاده في وصفه بالسيد: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"، لكن روى أحمد وأبو داود عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله تبارك وتعالى، قلنا: "وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا"، فقال: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان"، أي لا يستدرجنكم ويستهوينكم، فخشي عليهم الغلو وعدم التمييز بين سيادته وسيادة زعماء قبائلهم..              السابع عشر رمضان 1443 = ( )

الخاطرة 398

(2) تكملة لما نشر بتاريخ 17 رمضان وجاء وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعبودية في القرآن في سياقات التنويه به. * فمنها إنزال القرآن: "تبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا". * ومنها التحدي بالقرآن: "وإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ". * ومنها إيمان الجن به: "وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدا". * ومنها الإسراء: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ". * ومنها رؤيته جبريل على هيئته التي خلق عليها: "فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحى". * ومنها انتصاره في بدر: "وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ". وفي آخر سورة الفتح اكتفي من صفاته بالرسالة، وذكرت أبرز صفات أصحابه رضي الله عنهم، مما هو أساس صلاح الفرد والمجتمع، فالأول الصلاة والإخلاص لله وطلب مرضاته، والثاني توادهم والغلظة على أعدائهم، قال تعالى: "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ على الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا". فقوله (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) مبتدأ وخبر، يجوز الوقف عليه، فتكون الواو في (وَالَّذِينَ مَعَهُ) للاستئناف، وهو أقوى ما قيل في إعرابه، واختاره الهبطي تبعا لشيوخه. وقيل ( مُّحَمَّدٌ) خبر مبتدإ محذوف يعود على (رَسُولَهُ)، و(رَّسُولُ اللَّهِ)بدل أو عطف بيان أو نعت، وهذا لا يختلف عن الأول، فإن ما بعد كل منهما استئناف، وإنما كان الأول راجحا؛ لأن الأصل عدم الحذف. وقيل إن (رَّسُولُ اللَّهِ) صفة، والواو في قوله (وَالَّذِينَ مَعَه) للعطف، وما بعده هو الخبر، خص بالرسالة، وشارك أصحابه صفاتهم. وأول الصفات (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار)، أي غلاظ في معاملة الكفار المحاربين، وقدم على ما هو أهم، لأن في السورة الإشارة إلى صلح الحديبية الذي بدا لبعضهم أن فيه شروطا مجحفة، حتى قيل: لم نرض الدنية في ديننا؟، وإنما كان لمصلحة اقتضتها ظروف الدعوة، فلا يؤخذ منه خلاف الأصل في معاملة الكفار المحاربين، فهذا اقتضى البدء بهذا الوصف . وقوله (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) أي متعاطفون متوادون، فهو احتراس كي لا يظن أن وصف الشدة ديدنهم، ونظيره قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ"، وقدمت هنا علاقة وصف علاقة بعضهم ببعض لمناسبتها قبلها من محبة ربهم لهم، ومحبتهم له، فإن تحاب المؤمنين لازم لمحبتهم ربهم، كما في حديث (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان... إن هذه الصفة أساس قيام جماعة المسلمين المتآلفة المتعاونة، والصفتان معا أقوى آثار عقيدة الولاء والبراء، ولا يحصل التعاون إلا بعد التراحم والتذلل: أشداء ما باهى الجهاد بمثلهم ** وهم بينهم في أمرهم رحماء أساءوا إلى الأسياف حتى تحطمت ** وما مرة للمستجير أساءوا وقد ذكرت هذه الصفات في التوراة والإنجيل، فالذي في التوراة يدل على حصافة عقول الصحابة بوضعهم الأمور في نصابها، وأولاها اختلاف معاملتهم لإخوانهم عن أعدائهم، مع ما هم عليه من المحافظة على أعظم شعائر الإسلام، والإخلاص لله، وظهور ذلك في حسن سمتهم، والذي في الإنجيل يدل على تعاونهم، وهو قوله (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَه) وعلى حصول القوة بهذا التعاون (فَاسْتَغْلَظَ)، وعلى كمال ذلك فيهم (فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ)، وأن هذا يفرح به من يعرف أثره في الأمة (يُعْجِبُ الزُّرَّاع)، وهو يغيظ الكفار ويزعجهم (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)، فضده يفرحهم ويسعدهم. وقد اختلف أهل التفسير في المثلين: هل كل منهما في التوراة والإنجيل؟ أم أنهما موزعان عليهما؟ فعلى الأول تكون الواو في قوله (وَمَثَلُهُمْ) عاطفة، وعلى الثاني تكون استئنافا، فيوقف على (التَّوْرَاةِ). وقد تبين لي بحمد الله ما يرجح الثاني، وهو أن كلا من المثلين جاء على خلاف ما عليه المنحرفون من اليهود والنصارى في ذلك الوقت، فرباهم الله بصفات أصحاب هذا النبي الكريم، بأن ذكر في كل منهما الأنموذج الذي ينبغي أن يحتذوه. فاليهود أهل غلظة وقسوة، كان بعضهم يقتل بعضا، ويخرجونهم من ديارهم كما قال الله عنهم: "ثم أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ"، وما هم عليه اليوم اقتضته ظروف إنشاء كيانهم اللقيط ثم الحفاظ عليه، فناسب أن يذكر في كتابهم تراحم أصحاب نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. أما النصارى فكانوا أهل انقباض ورهبانية كما ذكر الله عنهم في قوله: "وجعلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا"، فحسن أن يذكر ما يقابل ذلك في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا من إعجاز القرآن الخفي، وقد أشير إلى المثلين في الكتابين المذكوين بكلام غير جلي والغموض كثير فيهما. ومما يؤسف له أن من المسلمين من جمع الوصفين: الانقباض عن إخوانه، والقسوة والشدة عليهم، فأين رحمة المسلم أخاه في هذا الجدال المستعر، العديم النفع، المحقق الضر، الذي لم يلتزم أصحابه (هدنة) لا في رمضان ولا في يوم العيد، ما أبعد ما يصنعون عن خدمة الدعوة، وما يقولونه لا ينفع داعيا عالما، ولا طالب علم، لقد تجاوز الخصام حد النقل والعقل، كأن من يتولون كبره لا هم لهم إلا أن يثبتوا براعتهم في لوك الألفاظ، وتتبع العورات والسقطات، والتقاط النفايات، وتنطس الأخبار، والقيل والقال، إرضاء لمرض شهوة الكلام، وحب الغلب، فاللهم اهد عبادك وأصلح حالهم. السادس من شوال 1443

الخاطرة 399

[في فضل المدينة]    الأحاديث الواردة في فضل المدينة كثيرة، والمفاضلة بينها وبين مكة معروفة، والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بألف صلاة، لكن لا يلزم من هذا التفضيل الخاص التفضيل العام، إلا على قول من يرى شمول المسجد الحرام لمدينة مكة.    ومما تضمنته الأحاديث الواردة في فضلها؛ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرمها، كما حرم إبراهيم مكة، ودعا لها بالبركة عموما، وفي الصاع والمد خصوصا، بل دعا أن يجعل الله البركة فيها بركتين، وأخبر أن أنقابها عليها ملائكة فلا يدخلها الطاعون ولا الدجال، وأنها تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد، وأن الإيمان يأرز إليها، أي يتقبض ويدنو بعضه من بعض، وأن الله أمره أن يسميها طيبة، وأنها خير لهم لو كانوا يعلمون، وأن من تركها رغبة عنها أبدل الله من هو خير منه، وأن من أراد أهلها بشر أذابه الله ذوب الرصاص، وأنه يشفع لمن صبر على لأوائها، أي شدتها وضيق معيشتها.     وقال: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها"، رواه أحمد وابن حبان والترمذي وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما.    وقد يستشكل معنى الحديث بأن المرء لا خيار له في الأرض الذي يموت فيها، كما قال الله تعالى: "وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ"، فكيف يناط هذا الأمر بالاستطاعة؟ ولا يصح أن يكون المقصود ترك الخروج منها، فإن منه ما هو لازم كالحج والجهاد، ومع هذا فالقصد من الحديث بيّن، وليس اللفظ إلا وسيلة إلى الفهم والإفهام، فلا يوقف عنده إذا وضح المعنى كما يقول العلماء، فالمراد الحث على الإقامة فيها وملازمتها حسب الاستطاعة فيكون الغالب أن يموت فيها، ونظيره قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ "، وهي وصية يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه أيضا، فمن لزم توحيد ربه وحذر نواقضه، والتزم التوبة على الفور من كل ذنب اجترمه؛ مات على الإسلام، فإن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه.    وقد التقيت بأبناء رجل من تمنغست (تمنرست) بالجزائر من عائلة (كفيلو) هاجر إلى المدينة قبل استعادة الاستقلال، وكان حديث الموت بالمدينة سبب إقامته بها، كان ذا ثروة ومكانة في قومه التوارق، وكان له مملوكون أرقاء، فأعتق من أعتق، فلما علموا بسفره ضجوا، وقالوا إلى من تتركتا؟ ثم أصابته في المدينة فاقة شديدة فصبر، ثم وسع الله عليه، فكان كثير الاستضافة للوافدين عليها من الجزائر وغيرها، حتى شقت خدمة الضيوف على أبنائه، لكنهم اقتدوا به في الكرم، فهم يقومون على تفطير الصائمين كل يوم بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتفانون في خدمتهم بما لم أره من قبل.    ولما مرض أبوهم أوصى زوجه بأنه إن لم يعد التصرف اليه؛ فلا يخرجونه منها ولا يخرجوا هم أيضا، ثم اشتد عليه المرض فأغمي عليه مدة، وكانت له علاقة حسنة بأمير المدينة يومئذ، فعزم على نقله إلى الرياض للعلاج، لكن زوجته أخبرتهم بوصيته فمات ودفن بها رحمه الله.     ليلة العاشر من شوال 1443

الخاطرة 400

[مقتل الصحفية الفلسطينية النصرانية وترحم المسلمين عليها]    أمر العقيدة لا هوادة فيه، ومواساة أهل القتيل ينبغي أن لا تخرج عن المشروع، ومن نبه على شيء من ذلك؛ فلا يصح أن يعتبر قوله تشويشا على تأييد الفلسطنيين نصرهم الله على عدوه وعدونا نحن المسلمين، ولا ننتصر عليهم إلا تحت وصف الإسلام كما أخبر بذلك المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم.    ومن المرفوض أن يعتبر هذا الأمر اشتغالا بالجزئيات عن المسألة الأم، فإن المقطوع به أن الاستغفار لغير المسلمين محرم بلا خلاف، بل هو من الاعتداء في الدعاء، لأن الفاعل يسأل الله ما أخبر أنه لا يفعله كما قال: "إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ"، وقال سبحانه: "مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ".  والقول بأن الترحم يجوز بخلاف الاستغفار باطل، فإن المغفرة تغطية الذنوب، والعفو عنها، والرحمة أوسع منها، وهي في الدنيا عامة للخلق كلهم، فإن الله يعاملهم بمقتضى ربوبيته، فلا يحرمهم نعمه التي كفروها، أما رحمته في الآخرة فهي خاصة بمن قال عنهم: "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ"، ولذلك تاتي الرحمة بعد المغفرة، ويجمع بين اسمي الله تعالى الغفور والرحيم كثيرا، فإن من غفر الله ذنوبه تأهل لما هو أعلى من ذلك، قال تعالى: "وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا"، وهكذا يقال في الدعاء للميت المسلم: "اللهم عافه واعف عنه واغفر له وارحمه وأكرم نزله"، فهذا من باب الترقي في الصفات يفضي بعضها إلى بعض. فلنصن عقيدتنا عن الخلط والخبط، ولنلتزم أحكام ربنا، فإن الحق لا ينصر بالباطل، ومن العجيب أن يقول المسلم عن غير المسلم يقتل إنه شهيد، فإن هذا الوصف قد اختلف في إطلاقه على المعين ممن قتل في سبيل الله في الظاهر، والله أعلم بمن يقتل في سبيله، فكيف بالصحفي من المسلمين؟ فكيف بالكافرين؟.

الخاطرة 401

روى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل بسنده عن الحسين بن عروة قال: لما حج هارون الرشيد وقدم المدينة؛ بعث إلى مالك بن أنس بكيس فيه خمسمائة دينار، فلما قضى نسكه وانصرف وقدم المدينة؛ بعث إليه: أن أمير المؤمنين يحب أن يزامل مالكا إلى مدينة السلام!! فقال للرسول: قل له إن الكيس بخاتمه!! قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" قال: فتركه. ليلة الثاني عشر شوال 1443

الخاطرة 402

كرم الله بني آدم بالعقل الذي هو مناط التكليف، غير أن إثباته بإطلاق ليس إلا لنفيه عن المعتوهين والمجانين والصبيان، ممن رفع عنهم القلم، ولهذا فما أكثر من يوصفون بالعقل وهم لا يعقلون كما تراه في كتاب الله. تعثر في كتب التراجم والسير على وصف الشخص بالعاقل، يريدون ما تميز به من الأناة والحلم والصبر، وهو ينزل الأشياء منازلها، ويقدم أقواها نفعا، وأخفها ضررا عند تزاحمها، ويتكلم متى لزم الكلام، ويلجأ إلى الصمت متى رآه خيرا، فكما يجتنب المرء بأصول الفقه مخاطر التيه عند الاستنباط فإنه يهتدي به في التعامل مع المستنبطات إذا نزلها على الواقع أو ربطها به. ربما حصل المرء على العلم، ومع ذلك لا ينفعه في علاقته بالناس لخلل في نظره، وحاجة الدعوة اليوم إلى هذه المنزلة من العقل؛ أكثر من حاجتها إلى العلم بدونها. كان السلف يسمون المعلم مربيا، وحرصهم على تعلم سمت معلميهم وهديهم ودلهم شائع معروف، بل كان الأولياء يوجهون أولادهم إلى ذلك في وقت مبكر. جاء في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي رحمه الله عن الحسين بن إسماعيل عن أبيه قال: كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون، نحو خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت، وقد يكون في عدد الحاضرين مبالغة لكن الغرض منه معروف. وعن ابن بطة أنه سمع النجاد يقول: "سمعت أبا بكر المطوعي يقول: اختلفت إلى أبي عبد الله ثنتي عشرة سنة وهو يقرأ المسند على أولاده فما كتبت عنه حديثا واحدا، إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه". وفي المدارك للقاضي عياض رحمه الله، قال ابن مهدي: لقيت أربعة: مالكا وسفيان وشعبة وابن المبارك، فكان مالك أشدهم عقلا، وقال هارون الرشيد: ما رأيت أعقل من مالك، وقال ابن وهب: تعلمنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه، وكان ربيعة شيخه إذا جاء مالك يقول: قد جاء العاقل. وهو الذي ربته عليه أمه في بداية أمره، فقد قال: كانت أمي تعممني وتقول: اذهب إلى حلقة ربيعة فخذ من أدبه قبل أن تأخذ من علمه": هي الأخلاق تنبت كالنبات ** إذا سقيت بماء المكرمات تقوم إذا تعهدها المربي ** على ساق الفضيلة مثمرات وليس ربيب عالية المزايا ** كمثل ربيب سافلة الصفات وحكى أبو فهر المصري قال كان أبو بكر بن إسحاق إذا ذكر عقل أبي علي الثقفي يقول: ذلك عقل مأخوذ من الصحابة والتابعين، ذلك أن أبا علي أقام بسمرقند أربع سنين يأخذ تلك الشمائل عن محمد بن نصر المروزي، وأخذها ابن نصر عن يحيى بن يحيى، فلم يكن بخراسان أعقل منه، وأخذها يحيى عن مالك، أقام عليه لأخذها سنة بعد أن فرغ من سماعه، فقيل له في ذلك، فقال: إنما أقمت مستفيدا لشمائله، فإنها شمائل الصحابة والتابعين!! وقال ابن لبابة المالكي: "فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها ابن حبيب، وأعقلها يحيى بن يحيى، وكان مالك يعجبه سمت يحيى وعقله"، ولا شك أن يحيى بن يحيى عالم أيضا لكنه تميز بأمر فخص به. وسبب هذه التسمية ما رواه يحيى بن يحيى أنه كان يوما جالسا في جملة أصحاب مالك إذ قال قائل: قد حضر الفيل!! فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه، فقال له مالك: مالك؟ لم لم تخرج فتراه؟ فإنه ليس بأرض الأندلس، فقال يحيى: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك، لا لأنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك وسماه العاقل. ما هو نصيب هذا الجانب الخلقي العملي في صلة الأتباع ببعض الدعاة المتبوعين اليوم؟ فهل لك أن تقول إذا عظم سوء خلق الأتباع كما هو واضح في منشوراتهم مع سكوت المتبوعين؛ دليل على أنه يمثل الجانب الخفي المكتم لما هم عليه؟ أو أنهم يخشون أن ينفضوا من حولهم وينقلبوا عليهم؟ وإلا فلم لا ينهونهم عن هذا السفه؟ أو يتبرأون منهم علنا إن أصروا؟

الخاطرة 403

الكفر جماع القبائح وأعظمها، ولهذا كثرت الأوصاف التي وصف الله بها الكفار في كتابه، فعلى الذين تورطوا في مخالفة هذا الأمر المجمع عليه باستغفارهم لهم أو بالترحم عليهم أو بالصلاة عليهم؛ أن يعلنوا براءتهم مما قالوه أو فعلوه علنا جهارا، فإن هذا أمر عقدي لا محاباة فيه ولا هوادة لأنه الولاء والبراء أما معاملتهم وصلة المسلمين بهم في الحياة فمعروفة في هذه الشريعة السمحة ولله الحمد. وأذكر هنا بعض ما وصف الله تعالى به غير المؤمنين في كتابه لعله يكون عبرة للمعتبرين، وصفهم بالكافرين والمجرمين والظالمين والفاسقين والضالين والمتكبرين والجاحدين والخائضين والمكذبين والمسرفين والمفسدين والملعونين والمفترين والمقبوحين والجاهلين والمستهزئين والأفاكين والخراصين واللاهين واللاعبين والساهين والمغرورين والعمي والصم والبكم والناسين الله وأعداء الله وشر البريئة والأضل من الأنعام وغير ذلك، وبعض هذه الأوصاف قد يشاركهم فيها بعض المؤمنين لكنها لا تستوجب خلودهم في النار، وقانا الله وإياكم من النار. الجمعة

الخاطرة 404

قال بعض أهل العلم: "ووالله لا أشتط إذا قلت إني أبصرت بعد العمى لما درست هذين العلمين الجليلين، (يقصد علم أصول الفقه، وعلم الحديث)، وأقرر هنا أن الجاهل لهذين العلمين؛ لا يكون عالما، مهما حفظ من كتب الفروع، لأن تقرير الحق في موارد النزاع؛ لا يكون إلا بهما، فعلم الحديث يصحح لك الدليل، وعلم أصول الفقه يسدد لك الفهم، فهما كجناحي طائر". قلت: وإذا صح الاعتماد في الثاني على أهل الصنعة مع التحري؛ فإنه لا يتأتى ذلك في أصول الفقه، فإن استثمار قواعده في الاستنباط؛ لا ينوب فيه أحد عن أحد، على أن كثيرا ممن ألموا بعلم أصول الفقه؛ يجبنون إذا واجهوا الدليل.

الخاطرة 405

قال العلامة تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي المتوفى سنة 771 رحمه الله في كتابه طبقات الشافعية متحدثا عن البلدان التي انتشر فيها مذهب الشافعي رحمه الله: "وأما بلاد الحجاز فلم تبرح منذ ظهور مذهب الشافعي وإلى يومنا هذا في أيدي الشافعية(!!): القضاء والخطابة والإمامة بمكة والمدينة، والناس من خمسمائة وثلاث وستين سنة يخطبون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويصلون على مذهب ابن عمه محمد بن إدريس: يقنتون في الفجر(!!)، ويجهرون بالتسمية(!!)، ويفردون الإقامة(!!)، إلى غير ذلك، وهو صلى الله عليه وآله وسلم حاضر يبصر ويسمع، وفي ذلك أوضح دليل(!!) على أن هذا المذهب صواب عند الله!!" قلت: يا لله العجب، هذه بداية الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا لا يقبل من عوام المسلمين، فضلا عن علمائهم، ومع هذا فقد قيل في عهد كانت فيه بيضة الإسلام محمية، وشريعته في الجملة مرعية، فكانت المذاهب نظاما عاما للحكم في مختلف مجالات الحياة، فلا يقارن بما عليه متعصبة المذاهب اليوم -لا المتمذهبون المستبصرون- حيث لم يبق في أيديهم إلا ما الأصل أن يترك الناس فيه وشأنهم، وهو عبادتهم ربهم، بما يعلمون إن تأهلوا، أو يسألون إن لم يعلموا.

الخاطرة 406

زال التباعد في الصلاة، واستبدلنا به في الغالب التقارب، لا التراص الذي هو الواجب، والنادر أن يقع البصر على صف متراص، وقل أن ترى من يولي هذا الواجب اهتماما، إلا ما أعتاد أئمة المسجدين وغيرهما قوله كاستووا، وسدوا الخلل، وإذا دعوت من بجانبك إليه لم يزد على أن يقوم بالتحرك نحوك، والخلل موجود، فما أصعب البناء وما أيسر الهدم!! إن هذا الأمر الذي يبدو يسيرا لكثير من الناس تعددت فيه الأحاديث، فبلغت حد التواتر، فقد اختلف في إفادة الأربعة ذلك قال صاحب المراقي: إلغاء الأربعة فيه راجح ** وما عليه زاد فهو صالح وقد سلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحث عليه مسالك عدة، اتجهت إلى الصورة والظاهر، وعنيت بالخفي الباطن، فأمر ونهى، وأنذر وبشر. أمر بتسوية الصفوف وسد خللها، وإتمام الأول فالأول منها. وأخبر عمن وصل الصف بإتمامه، وسد خلله، والدعوة إلى ذلك؛ أن يصله الله بمزيد من بره ورحمته، وأن من قطعه عُومِل بخلاف ذلك. وجعل هذا العمل من صفات الملائكة في انتظامها وانضباطها عند ربها، فالمصلون يتشبهون بهذه المخلوقات التي لا تعرف المعصية. وبين أن المظهر والمخبر يتبادلان التأثير، وهو وعيد عظيم خطير. وأن من خصائص هذه الأمة أن جعلت صفوفها كصفوف الملائكة، والملائكة على قلب واحد، فالتفريط في تسويتها مفض إلى اختلاف القلوب. وبين أن خللها تعمره الشياطين وهي تفسد علاقات الناس بإلقاء الظنون والوساوس والبغضاء والشحناء، وهذه بعض الأحاديث القولية عن تسعة من الصحابة: * قال عليه الصلاة والسلام: "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة"، رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه. * وقال: "سووا صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم"، رواه ابن ماجة عن النعمان بن بشير رضي الله عنه. * وقال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، سووا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم، ولينوا في أيدي إخوانكم، وسدوا الخلل، فإن الشيطان يدخل فيما بينكم مثل الحذف، رواه أحمد والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه. * وقال: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، رواه أحمد والنسائي عن ابن مسعود رضي الله عنه. * وقال: "استووا تستو قلوبكم وتماسوا تراحموا"، رواه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية عن أبي مسعود رضي الله عنه، وهو ضعيف، يشهد لمتنه منطوقا أو مفهوما ما قبله. * وقال: "من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله"، رواه النسائي والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنه. * وقال: "أقيموا الصف فإنما تصفون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسددوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، من وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله عز وجل"، رواه أحمد والطبراني عن ابن عمر. * وقال: "أقيموا الصفوف في الصلاة فإن إقامة الصف من حسن الصلاة"، رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. * وقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها يتمون الصفوف الأول فالأول، ويتراصون في الصف"، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه. * وقال: "أقيموا صفوفكم لا تخللكم الشياطين كأنها أولاد الحذف، قيل يا رسول الله وما أولاد الحذف؟ قال سود جرد بأرض اليمن"، رواه أحمد والحاكم عن البراء رضي الله عنه. الثاني من ذي القعدة 1443

الخاطرة 407

الخدمات المقدمة للوافدين على المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينكرها إلا جاحد أو مكابر، فجزى الله القائمين عليها خير الجزاء، قال الله تعالى: "وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ". ومن أبرز الخدمات سقي ماء زمزم دون انقطاع، والعناية العظيمة بالنظافة، وتوفير عربات نقل العاجزين عن المشي في الطواف والسعي، وإرشاد التائهين، ومكاتب التوجيه والإفتاء، وتوزيع الكتب، وأساور للأطفال تعرف بها مواضعهم، وخدمات مكتبة المسجد النبوي كل أيام الأسبوع عدا يوم الجمعة على مدى اثنتي عشرة ساعة، ومكتبة المسجد الحرام، وتفطير الصائمين في نظام محكم، وحد محتواه هذا العام، بإشراف الرئاسة العامة للحرمين، وتمويل المحسنين، والمطلوب الإبقاء عليه باعتباره استثناء!! غير أن تنظيم حركة الداخلين إلى المسجدين وانتقالهم من جهة إلى أخرى؛ تسترعي النظر، فقد تأثرت بأمور منها ما لا خيار للمنظمين فيه، ومنها ما ينبغي أن تراعى المرونة في تطبيقه، فيفرق بين موسم العمرة والحج ورمضان ويوم الجمعة حيث يكثر الوافدون، وغيرها حيث يقلون. إن الاحتياطات التي اتخذت للوقاية من وباء كرونا ما تزال بعض آثارها باقية، وإن صرح برفعها ممثلة في أمور لا يجد لها المتأمل تفسيرا. وقد أورثت توسعة المسجد الحرام عدم انتظام أبعاده عن مركزه وهو الكعبة، لطبيعة الموقع، كتوسعة الملك عبد الله رحمه الله غربا، والتوسعة الثالثة في عهد المملكة السعودية شمالا، بخلاف مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، غير أن توسعته التي تجري الآن شرقا هي بداية عدم الانتظام. والمقصود أنه قد ترتب على ما سبق أمور ينبغي تأملها وإعادة النظر فيها حسب الحال، ومنها: - منع غير المحرمين من الدخول إلى صحن الطواف من غير فرق بين حال وحال، والإحرام لا يمكن معرفته مع النساء ومن الرجال من يصطنع الإحرام!! - منع الوافدين غالبا من الدخول إلى الطابق الأرضي المسقوف حول المطاف. - إلزام راكبي العربات بالطواف في الطابق العلوي مع ما في ذلك من المشقة. - منع الطائفين المتطوعين من الطواف في الصحن. - تخصيص أصناف الداخلين بأبواب: فهذا للنساء، وهذا للرجال، وهذا للمحرمين، وهذا للعربات، وهذا مغلق لقلة الوافدين!! - صعوبة رؤية الكعبة على غير المعتمر والحاج، مع أنه أمر مرتبط عظيم الارتباط بعاطفة المسلم كما لا يخفى، وفي النظر إليها أثر موقوف على ابن عباس لا يحضرني الآن. - سير مريد الوقوف على قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خط متعرج طويل يبتدئ من باب السلام نفسه ليعود إليه، والغرض كسر شدة الزحام كما هو معمول به في المطارات وغيرها. بعض ما سبق مسبب عن عدم مرونة خطة تنقل الوافدين على المسجدين والساحات المحيطة بهما، فكثيرا ما تراها مجزأة أو محاطة بالحواجز من غير داع، فتقطع مسافات لا حاجة إليها، وربما سار قاصد المسجد وراء الأبواب الخارجية!! ولنختم ما نحن فيه بشيء له صلة به، وهو أن الأحكام الشرعية المعللة تسكن إليها النفوس وتطمئن، وإن كان المطلوب الإذعان لأحكام الله، عرفت عللها وحكمها أو لم تعرف، بخلاف آراء الناس، وقال فريق من العلماء يصح التعليل بالعلة القاصرة لفائدتين هما تقوية الحكم، والعلم بامتناع القياس، والحديث كما تقول العامة (قياس): وعللوا بما خلت من تعديه ** ليعلم امتناعه والتقويه الخامس من ذي القعدة 1443

الخاطرة 408

المبادرة التي أعلنها البنك المركزي بخصوص منح قرض لحجاج هذا العام كي يواجهوا ارتفاع تكاليف الحج؛ ليست قرضا حسنا كما كنا نظن اعتمادا على البيان المقتضب الذي أدلى به بعض المسؤولين فيه، فكان مبعث السرور. فقد تبين أن بنود العقد تتضمن تحميل المقترض تكاليف الخدمة، وهذه يسكت عنها، لكن اشتراط التأمين على الحياة، والعقوبة المالية عند التأخر في التسديد، وفرض القيمة المضافة؛ تجعل العقد بمعزل عن القرض الحسن، لا فرق بين اعتبار البنك ملكا للدولة لأنها هي منشئته كما نعتقد، أو مستقلا عنها بالنظر إلى طريقة تسييره، وقد استقيت هذه المعلومات من مصدر موثوق، ومن الغريب أن تفرض على هذا القرض القيمة المضافة كالمعاملات الربحية. كتبه بن حنفية العابدين في السادس من شهر ذي القعدة 1443

الخاطرة 409

[فتنة المغيلي] لنلتزم في الدعوة إلى الحق ما ننال به رضا ربنا وثوابه، استجيب للذي ندعو إليه أو لا، نصدق ونخلص له فيما نقول ونكتب، قاصدين النصح للمسلمين، راغبين في إيصال الخير لهم، ملتزمين البيان مقرونا بالدليل، مزينا بالرفق، محفوفا بالحلم، بعيدا عن إثارة الحفائظ، وايقاظ نائم الفتن، والمس بالسكينة الاجتماعية، معرضين عن التسمية إلا عند الضرورة، مؤثرين ذكر الوصف، على تسمية الشخص، مكتفين بنفي التهمة، ولو اشتدت للخصومة النهمة، قال الله تعالى: "ومِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِير"، وقال: "مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون"، ولنجر على نسق قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم "ما بال أقوام". دعوت في منشور بتاريخ 11رجب 1439 إلى الرفق بالسنة، بعد دعوة بعض العلماء إلى الرفق بأهل السنة، واعتبرت ما قيل يومئذ كالعودين تذكى بهما النار، وبذور الثمار المرة، تجني الدعوة منها مزيدا من التضييق، والدعاية المضللة، وقد صدقت الأحداث ما قيل، وقد قيل: ومن دعا الناس إلى ذمه ** ذموه بالحق والباطل فإذا سمعت من أنكر تقسيم التوحيد إلى الأقسام الثلاثة المعروفة؛ فاكتف بالقول: إنه بيان لما لم يختلف المسلمون فيه، وتوضيح له، وهل يختلفون في أن الله تعالى هو رب العالمين، وأنه وحده الإله المعبود بحق، وأن له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله؟؟ فمن أقر بهذا فلا عليه من هذا التقسيم. واذكر ما أضافه أهل الكلام ومن ولدوا في العقائد من صفات السلوب التي لم يرد لها ذكر في الكتاب والسنة، ولا عن أحد من سلف الأمة، لزعمهم أنها من لوازم التوحيد، مع ما فيها من الإجمال الموهم نفي ما لم يحط به هؤلاء علما، لكأنهم يصفون عدما، في مقابل المشبهين الذين يعبدون صنما، فلم يفقه الفريقان قول الله تعالى: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"، وهو أصل فيما عليه سلف الأمة من النفي المجمل، والإثبات المفصل. وقل بعد ذلك: إن كثيرا من علماء الإسلام أضافوا كلمات لأجل البيان، وفي المقدمة العقدية لابن أبي زيد القيرواني رحمه الله شيء من هذا، فقارنها بما في كتابه المسمى بالجامع، كقوله: استوى على العرش بذاته، ومنه إضافة (غير مخلوق) فيقولون (القرآن كلام الله غير مخلوق)، وقد تتبع بعضهم هذه الزيادات فبلغت ثمانية عشر موضعا. وإذا قيل: إن الجماعة الفلانية لا يذكرون شيئا من صفات الباري كالعلم والإرادة والقدرة وغيرها؛ فاكتف بالقول إن هذه غفلة من قائلها، أو سوء فهم للمراد من توحيد الأسماء والصفات، وهو أن يثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله علبه وآله وسلم، مع اعتقاد أن لا نظير له من خلقه في شيء منها متى صلح اللفظ أن يوصف به غيره، ثم التزام التوقيف في اطلاقها. وقل أيضا إن إحصاء هذه الصفات لا يغني عن الفاعل من الله شيئا إذا لم يوحده بعبادته، وهو توحيد الألوهية الذي خلق لأجله: "ومَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ". وإذا سمعت من يقول: إن الأهم هو ذات المولى لا الصفات والأسماء؛ فقل إن هذا كلام بلغ من السوء موضعا، فليتب منه من فاه به، وهو يناقض ما سبق من كلامه، فإن الله تعالى إنما تعرف إلى عباده بذكر أسمائه وصفاته وأفعاله في كتابه، وعلى لسان نبيه، وفي مخلوقاته مما يشاهدون منها ويسمعون عنها، أما ذاته فقد قال عنها نبيه صلى الله غيه وآله وسلم: "تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذاته"، ودلالة القرآن على هذا مما يستيقن. وإذا سمعت من يستدل بعدم الترحم على البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب دواوين السنة حين يذكر من روى الحديث على أنه يكفرهم؛ فذكره بلازم قوله وهو أن يعمم ذلك على كل من يقول رواه فلان ولا يترحم عليه، وقد جرى عليه علماء الإسلام ومن دونهم قرونا طويلة، ثم كيف يحتج المستدل برواية من يكفره؟ فهذا كلام بلغ الحضيض في التفاهة، وهل تعلم أن القائل يعتقد أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تجب إلا مرة واحدة في العمر، مع أنها أوكد من الترحم على المسلم، فما يلزم تاركها عنده؟ ويحق لك أن تسأل عن موقفه من الترحم على الكفار والاستغفار لهم!! وإذا سمعت من يقر التوسل بالمخلوقين من الأنبياء والمرسلين والصالحين، بل يحض عليه؛ فقل: إن الأصل أن يسأل المسلم ربه من غير واسطة كما قال: "وإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"، وحال المسلمين اليوم في ضعف عقيدتهم، وغلوهم في أصحاب القبب والضرائح لا ينكره إلا مكابر أو [مبارِك]مشارك، وسد الذرائع إلى الفساد أصل معروف من أصول الأدلة، فكيف به في العقائد؟ وإذا قلت عن شيء إنه شرك أو كفر بدليله، فزعم زاعم أنه تكفير للمسلمين؛ فقرر المبدأ وامض، وهو الفرق بين وصف الشيء بالكفر والشرك والبدعة، وبين الحكم على المعين المواقع له، فلا يلزم هذا من ذاك لمانع ما، ومن الشرك الأكبر أن ينادي المرء الغائب الذي لا يملك سبب ما يستغيث به من أجله كأن يقول: يا سيدي عبد القادر أو غيره، فكيف إذا كان يناديه في سجوده، وهو أقرب ما يكون فيه من ربه، فيعدل به غيره؟. وإذا صك سمعك قول من أبطل الصلاة خلف جماعة من المسلمين، ومن بينهم من يؤم الناس في الحرمين، ويقول إنهم قد استولوا عليهما؛ فذكره بأنه يبطل الصلاة خلف الصحابة فمن بعدهم من خير القرون ومن تلاهم من أئمة المذاهب المدونة وغيرهم، فإنهم كانوا على ترك التأويل مع التفويض، وهذا القائل قد التقى مع الروافض الذين يقولون قوله، بل يجدون في انتزاع الحرمين ممن يعمرونهما. وإن شئت فاذكر له أن مالكا قد أبطل الصلاة خلف بعض الفرق كما في المدونة، واسأله عما يمنعه من ذكرهم غير سيف القانون والسلطان؟ أما غيرهم فقد أمن الغائلة من جانبهم، فقال ما شاء، وقل له إن المالكية جعلوا الفسق نوعين: فسق عقيدة كالجبرية والقدرية والخوارج، وفسق جوارح، وقد أبطلوا الصلاة في الأول، واختلفوا في الثاني، وسر على هذا المنوال في رد هذا الباطل، فإنه كثير، لكنه زهوق، وسل الله ربك الهداية. 18 شهر ذي القعدة 1443

الخاطرة 410

من مكر الاستدمار الفرنسي أن ولاية معسكر لم يكن لها وجود في التقسيم الإداري للولايات، فكان بعضها تابعا لمستغانم، وبعضها لوهران، إلى أن ظهر تقسيم جديد سنة 1393 (1974)، مع أنها عاصمة الدولة في عهد الأمير عبد القادر، وكانت قبله مقرا للحكام العثمانيين في الغرب، وظهر أثر هذا في تراجم بعض الأعلام كالشيخ مصطفى الرماصي، فإنه من رماصة ولاية مستغانم، وينقل الترجمة من عليه بيان ما جدّ فلا يُبيّن. وأول عهدي بهذه المدينة كان سنة 1387 (1968)، ثم كثرت زيارتي لها بعد ذلك التقسيم بحكم وظيفتي لأسباب إدارية ودعوية وغيرها. وأول من عرفته ممن سكنها زميلي الشيخ جلول سي فضيل بوهران، ثم عين بها مفتشا في الشؤون الدينية، والأخ برزوق بن ذهيبة الذي عين بها بعده، وعرفت الشيخ الجيلالي بلمهدي رحمه الله في وهران سنة 1388، ثم استقر إماما بها بأحد المساجد، ورئيسا للمجلس العلمي، كما عرفت بها الشيخ قدور المراحي شفاه الله، وممن عرفتهم ولم ألقهم الشيخ محمد بوقابورة رحمه الله، وقد كان يعاني التضييق من الجهات الإدارية ولم تشفع له المرجعية عندها. عملت مع هؤلاء وغيرهم وتعاونا على ما اتفقنا عليه، وتناصحنا فيما اختلفنا فيه، وجرت بيننا مساجلات بل مخاصمات، حتى قال عني بعض من توفوا رحمهم الله: إن فلانا رجل طيب لولا أنه مع (تلك الجهة)، وقال بعضهم: مع هؤلاء الأطفال! لم تمنعني صلتي بهؤلاء وغيرهم أن التزم ما أدين الله به، وأن أدعو إليه في المجالس واللقاءات وافتتاحات المساجد والولائم، وخلال هذا المسار كنت أقاوم نزوع النفس إلى الانعزال، فأحملها على خلاف رغبتها، ليقيني أن هذا المسلك هو النافع للدعوة وللبلد، وقد التقت هذه النزعة مع الإقصاء من النشاط الدعوي في المساجد الذي تمارسه الجهات المشرفة عليها، فأنت أمام خيارين: أن تتأبط أو تعتبر مخالفا للمرجعية التي يتلاعب بها والواقع شاهد على ذلك. ومع هذا أقول إن هذا الإقصاء لا يخدم غير الفرقة وتشتيت الجهود وضياع الكفاءات، وان الانتصار للمذاهب والآراء بقهر السلطان في هذا العصر؛ لا يفيد شيئا، ولا يصح بحال أن يقاس الحاضر على الماضي، بل إنه لا يأتي إلا بنتائج عكسية -لو كان مصطنعوه يعقلون- لأسباب سياسية ونفسية وإعلامية ليس هذا وقت بيانها، ورحم الله القائل: ما لهم عند التناظر حجة * أنى بها لـمقلد حيران؟؟ لا يفزعون إلى الدليل وإنـما * في العجز مفزعهم إلى السلطان وأذكر أن الشيخ قدور وهو اليوم مريض شفاه الله، وقد قارب المائة سنة؛ عين رئيسا للجنة الفتوى في بعثة الحج قبل عشرين عاما فلما سمع بي اجتهد في إسنادها إلي ولم ينفعني الامتناع، وهو لا يخفى عنه توجهي الذي كان ينكر علي، وكنا نتعاون على الإجابة عن أسئلة الحجاج بما نراه صوابا من مذهب مالك أو غيره، وأعاننا على ذلك أن المذهبية تضعف حدتها في الحج، كما في وقت الرمي وهدي من ينيب غيره لعجزه، وقد ذكرت شيئا منها في العجالة جرى لبعض الوزراء. ثم عرفت جيلا آخر من الشباب المشتغلين بالدعوة والتعليم عن كثب، فلما خبرتهم؛ ارتحت إلى ما هم عليه من رغبة في العلم والعمل والتعليم والنصح للمسلمين مع التثبت والصبر وفقه الواقع، منهم الشيخ أبو شعيب، والشيخ عبد القادر نابي، والشيخ حسين حيدرة، والشيخ سعداوي، ومن لا أذكر أسماءهم، وأخيرا عرفت الشيخ أبا بكر حسوني سدده الله، وكلامه عن عمل أهل المدينة الذي أثار زوبعة ضده كان سبب هذا الذي أكتبه. ومما علق بذهني أني حضرت ملتقى لإحدى الطرق الصوفية بها تكلم فيه أحدهم عن الحقيقة والشريعة، فذكر أن فلانا الصوفي تجاوز الشريعة إلى الحقيقة!!، فاستنكرت هذا في تعقيبي، فرد علي بذكر كلام بعض المتصوفة الغلاة: (خضنا بحرا وقفت الأنبياء بساحله)!!، فقلت: لأنه بحر قذر، والأنبياء لا يخوضون في القذارة!! فانطلقت الأصوات: هو، هو، هو، فكان ذلك آخر المجالس التي أحضرها بهذه الولاية إلى عشرين عاما بعدها. وقد عرفت هذه الولاية نشاطا دعويا وعلميا في السنوات الأخيرة عمدته أئمة المساجد والدعاة المتطوعون وشعب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد كثرت فيها النوادي وكتاتيب تعليم القرآن الكريم وتحفيظ المتون العلمية وشرحها، فجمع الله لها حسن الصورة والموقع، وبهاء المنظر، وما هو خير من ذلك من وسائل صلاح النفوس بالعقيدة الصحيحة والعلم النافع، ومن القرائن على هذا الخير الذي نالها أن انتقل إليها من معسكر أخونا الشيخ محمد قورين وفقه الله. فليتعاون الخيرون من الأئمة والدعاة والقائمين على هيآت الدولة والجمعيات على نفع الأمة بما تصلح به العقيدة ويستقيم به العمل، فهذا هو الذي ينفعهم عند ربهم، ويسرهم أن يروه في صحائفهم يوم يؤتونها، وليستفد من الكفاءات بعيدا عن الإقصاء الذي لا مبرر له غير ضيق العطن، والتعصب المذموم. بن حنفية العابدين 23 شهر ذي القعدة 1443

الخاطرة 411

مما اصطنعه اليهود والنصارى ومشركو العرب في الدعوة إلى دينهم الباطل، والإبقاء على ما كانوا عليه من المكانة والتقدير في أوساط الناس بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ زعمهم أنهم على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ففند الله تبارك وتعالى أكاذيب أهل الكتاب بالحجة التاريخية، فإن إبراهيم كان قبل نزول كتابيهم، لو بقيا على أصلهما، فكيف وقد بدلوهما، قال الله تعالى: "ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ". وزيف الله تعالى هذه الدعوى بما هم عليه من مناقضة ملة إبراهيم، فالعرب يعبدون الأصنام، وهو قد هدمها، والنصارى يعبدون المسيح، ويقولون إنه ابن الله، واليهود يكفرون به، ويقولون إنهم قتلوه، ويطعنون في أمه عليها السلام، ويقولون عزير ابن الله، والتوراة والإنجيل خاليان من شعيرة الحج التي هي من ملة إبراهيم، فكيف يجمع هؤلاء المختلفين المتناقضين دين إبراهيم؟. لكن اليهود والنصارى لم يكتفوا بزعمهم أنهم على هذه الملة، بل كانوا يدعون إلى دينهم، حتى حصر اليهود الهداية فيما عندهم، وزعم النصارى مثل زعمهم، كما قال تعالى: "وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين"، أي أن كلا منهم يقول ذلك عن دينه وحده، قال ابن جرير رحمه الله: "احتج الله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم أبلغ حجة وأوجزها وأجملها..". وقد أطلق العرب وصف الحنفاء على أنفسهم، جمع حنيف، وهو المائل عن الباطل إلى الحق، فلما كان في هذا الذي ادعوه شبهة في لغتهم؛ جاء وصف خليل الله بالحنيف مصحوبا بنفي الشرك عنه في غير موضع من القرآن كقوله تعالى: "ما كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين". وإمعانا في هذا البيان كثر نفي الشرك عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بحيث لم ينف عن نبي كما نفي عنه، مع أن ذلك مستحيل في حق الأنبياء جميعا. فقد نفي الشرك عن نفسه كما في مخاطبته قومه: "إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ". واقترن أمر ربه إياه ببناء بيته بنهيه عن الإشراك به: "وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا"، وهو تعريض بمشركي العرب الزاعمين أنهم أهل الحرم مع أنهم يعبدون الأوثان، ومنه دعاؤه ربه بقوله: "وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ". ومنه نفي الله عنه أن يكون من المشركين: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكين شاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين ثمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ". معسكر في 25 ذي القعدة 1443

الخاطرة 412

مما كلم به موسى عليه الصلاة والسلام ربه -وقد حمّله رسالته إلى أطغى أهل الأرض- قوله: "رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي واحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا". وقوله: "رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُون وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ". وقد استجاب الله دعاءه في الأمرين معا: أعطاه ما سأله، وأمنه مما خافه، وكلاهما لا بد منه في الدعوة، لكن أحدهما تكليف بوسائلها، وأعظمها -بعد العلم بالحق- اللجأ إلى الله تعالى بدعائه، أما الثاني فليس لأحد فيه ضمان بعد الأنبياء، بل إن بعضهم قتلوا من أجلها. قال ابن كثير رحمه الله عن تفسير قوله تعالى: "واحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي: "وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل بحيث يزول العي، ويحصل لهم فهم ما يريد منهم، وهو قدر الحاجة، ولو سأل الجميع لزال، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بقدر الحاجة، ولهذا بقيت بقية، قال الله تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال: "أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِين". قلت: هذا شأن الأنبياء فيما يسألون ربهم، لزهدهم في الدنيا، ولعلمهم بضعفهم عن تمام الشكر، فكيف بغيرهم؟ ومن دعائه عليه الصلاة والسلام: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا"، وقال: "من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها". ومن تجاوز من الأنبياء هذا فإنما أراد الوسيلة لخدمة الدعوة إلى ربه، ونصرة دينه، كما هو شأن سليمان عليه الصلاة والسلام، فقد سأل الملك بعد أن سلبه الله إياه اختبارا له: "ولَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ قال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ"، وقدم طلب المغفرة على طلب الملك. وعلى ما بقي في لسان موسى عليه الصلاة والسلام من لثغ، ومع أن الله قد شد عضده بأخيه هارون، وهو أفصح منه لسانا؛ فإنك لا تجد له عليه الصلاة والسلام ذكرا في محاورات موسى لفرعون وجنده، فاستجاب الله دعاءه فجبر كسره بحل عقدة لسانه، فما احتاج إلى كبير فصاحة، ولا إلى أخيه باستعمال فصاحته في تبليغ رسالة الله ومنافحته عنها. وأين العي من الفصاحة إذا كانت مطية للتزيد وسحرا للأسماع، وكذا البيان، الذي علمه الله الإنسان، فسخره للتلبيس، كما عليه كثيرون من القصاصين الذين هم فتنة العوام اليوم، وصاروا ممن يجلبون إلى البلدان لما يعلم جالبوهم من هذا التأثير في الجماهير، بما لا تستقيم به عقيدة، ولا يصلح به عمل. في حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق"، رواه أحمد والترمذي والحاكم، والعي -بكسر العين- هو الحصر، كأن الكلام حبس عن المتكلم ومنع منه، والداعي إلى ذلك هو التثبت في القول التزاما للحق، ومما قالوا: "أول العي الاختلاط، وأسوأ القول الإفراط"، والاختلاط هو الغضب، ويراد بالعي أيضا الجهل كما في قوله عليه الصلاة والسلام: "قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال"؟. غرة شهر ذي الحجة 1443

الخاطرة 413

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِين فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِين". اختلف المفسرون فيمن قال (أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ)، فقيل إنه إسرائيلي، وعليه جمهورهم، وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل قبطي، والأقباط كانوا أعداء بني إسرائيل في مصر على عهد فرعون. وهذا الحديث الذي دار بين موسى عليه الصلاة والسلام وبين الإسرائيلي أو القبطي؛ كان قبل الرسالة، لكن ما ستراه مما يؤخذ منه حق. * فمنه توقع موسى الخطر، بفشو الخبر، دل عليه قوله تعالى: "فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ"، أي ينتظر ما يكون، مع أن خبر قتل القبطي لم يتجاوز الاثنين، فهل صحيح ما قيل؟: كل سر جاوز الإثنين شاعا *** كل علم ليس في القرطاس ضاعا. * ومن أهم ما يؤخذ منه؛ أن تكرر الخصومة في الوسط المناوئ من المستضعف العاجز كما كان حال بني إسرائيل في مصر؛ ضلال، يعرض المظلوم والمدافع عنه والإصلاح المنشود للخطر، فلهذا أنكره موسى، وقال للفاعل: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِين)، ولأن خصومته كانت سببا في قتل القبطي، وقد علم ذلك، فلم يعود إليها؟. * ومنها أن الشخص قد يلام على صنعه، ولا يكون ذلك مانعا من نصرته، وهذا ما لم يعه الإسرائيلي. * ومنها انه استنتج من توبيخ موسى له على عودته إلى المخاصمة وتأهبه لرد الظلم عنه؛ أنه يريد قتله. وللمحيط دوره في صنع الأوهام، كيف وهو محيط ظلم وقتل؟ ومثله سوء الفعل، فإنه يلد الأوهام كما قال الله تعالى عن المنفقين: "أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُون"، وقال: "يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ"، وقد قيل: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ** وصدق ما يعتاده من توهم * ومنها إفشاؤه قتل موسى للقبطي، فقد نادى كأنه يستغيث منه، بعد أن كان يستغيث به، فعلم الناس الخبر. * ومنها وصفه موسى بالجبار في أرض مصر، حيث يعاني هو وقومه من جبروت فرعون وملئه. * ومنها نفيه عنه إرادة الإصلاح الذي هو أفضل في إنهاء المنازعات والخصومات، فهل أبقى هو لموسى مجالا للصلح بعد صراخه؟ * ومنها تجاوزه حكم الظاهر إلى اتهام موسى في قصده. . الخامس من شهر ذي الحجة 1443 ‏

الخاطرة 414

أما تستحي الهيآت والشركات التي تعاقد معها الناس على الاتصالات الهاتفية وغيرها من هذا الذي ارتكبته بإخلالها بالتزاماتها وأكلها أموال المشتركين فيها بالباطل فعطلت مصالحهم لتظهر متفوقة في تدفق المعلومات عند اللاعبين والمشاركين أصحاب اللهو الذي لا يختلف في تحريمه فيما يسمى ألعاب البحر الأبيض المتوسط، لقد تشبعت بما لم تعط فكانت كلابس ثوبي زور. فإن لم يكن هذا هو السبب فلتبين للمتعاملين ما وراء هذا العبث الذي استمر أزيد من عشرة أيام؟. إن أقل ما تطالب به أن تعوض المشتركين ما أخذته من أموالهم وأن تعتذر لهم. ليلة السابع من شهر ذي الحجة 1443‏

الخاطرة 415

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أحسن ما في خطبة عرفة هذا العام أنها قصيرة، فإن بعض الشر أهون من بعض، فقد حد قصرها من باطلها في الجزء الذي أفرده الخطيب للدفاع عن نفسه، فلم يحسن فيه والله، فقد لوى أعناق النصوص باستدلاله بها في غير ما هي له، وهذا شأن الذين في قلوبهم زيغ كما أخبر الله تعالى بذلك ورسوله عليه الصلاة والسلام عنهم، فدل على أنه ماض في منهجه البائر، وطريقه العاثر، ويعلم الله أني منيت نفسي ليلا بإمكان إعلان توبته في هذا اليوم الذي هو خير أيام العام، ومن هذا المنبر الذي قدر الله أن يرتقيه ليخطب في أهل عرفة، لكنه لم يفعل، ففاته خير كثير. لقد اشتملت خطبته على ثلاثة أقسام: أولها توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، وكون رسالات الله إلى خلقه التقت عليه (!!)، وهذا هو الذي لبس به الخطيب على الناس في موقفه من الديانة الخليلية التي يروج لها، والثاني دافع فيه عن نفسه، فنقض به ما في القسم الأول حيث ذكر آيات وأحاديث منها قوله تعالى: "وقولوا للناس حسنا"(!!)، وقوله " وأعرض عن الجاهلين"(!!)، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير الناس أنفعهم للناس"(!!)، وأن الإسلام إنما انتشر بهذه القيم(!!)، ودعا إلى التصدي للمواقف التي تسيء إليه، وكل هذا لا يغني عنه من الله شيئا، بل هو دليل على مضيه في أقواله وأفعاله المنافية للولاء والبراء التي اتخذها إزاء اليهود والنصارى والهندوس، وما دون هذا من الأحكام العملية التي خاض فيها بغير علم، أو تعمد فيها الخروج عن الشرع. يوم التاسع من ذي الحجة 1443

الخاطرة 416

- الحمد لله رب العالمين، وبه أستعين. يخشى قادة أمريكا من الوضع الذي نشأ عن المواجهة العسكرية وتداعياتها الاقتصادية والسياسية المحتدمة بين روسيا وبين الحلف الأطلسي والاتحاد الأروبي اللذين جعلا دولة أوكرانيا واجهة لهذا الصراع منذ خمسة أشهر ابتداء من 24/2/2022. لقد أنهى هذا الوضع قطبية أمريكا التي غلبت على قيادة العالم نحو أربعين سنة، وعزز دواعي تعددها، بل قد تعددت. وبهذا أتيحت فرصة نادرة للدول المستضعفة أو التي سعت في الاستضعاف؛ أن تتفلت من هيمنة القطب الواحد إلى بدائل قد تكون أقل سوءا، إن كان ولا بد من الاحتماء أو الاستقواء بإحدى القوى العظمى، بدل الاستقلال عنها كما هو الواجب الشرعي على دول المسلمين خاصة. أمام الدول التي عانت من هذه الهيمنة أو اختارتها؛ مسلكان لتصحيح مسارها: فإما أن تنتهج نهجا مستقلا، تحكم علاقتها فيه بالدول الكبرى المصالح المتبادلة، دون ابتزاز أو استغلال، فإن كلفها ذلك متاعب في اقتصادها أو في نظامها السياسي حسب الحالة؛ فإنه ضيق مؤقت يسهل تجاوزه، وفي الصباح تحمد السرى كما قيل، وقد انتهجته دول ضعيفة قليلة الموارد والسكان، وبعضها قريب الموقع من خصومها فما ضرها ذلك، وفي عالم اليوم أكثر من مثال على هذا النهج المستقل الذي ينبغي أن تكون الدول الإسلامية أولى به، ولنذكر دولة أفغانستان التي لم تعترف أي دولة بها، فما ضرها ذلك في الميزان الحق، وقد قيل: وساعات الحياة بعيش عز * أجلّ من السنين بعيش ذله فإن آثرت هذه الدول المحافظة على مصالحها كما تبدو لها غير آبهة بالكلفة الكبيرة التي تدفعها من دينها أو مالها أو منهما -وهو اختيار بالغ السوء- فلتختر التبعية لقطب عالمي أقل شرا. إن أعظم الضرر التنازل عن مقومات الأمة ممثلة في دينها الذي هو نظام للحياة شامل تحت ستار الحرية والتفتح وما ابتكر أخيرا من أكذوبة الديانة الإبراهيمية التي جمعت المتناقضات اعتمادا على يسر هذا الإسلام، وما فيه من التسامح، وما يقره من التعايش وغير ذلك مما هو حق وضع في غير موضعه. لقد برزت أقطاب عالمية سياسية عسكرية واقتصادية همها المال والاستثمار والنفوذ المادي؛ فالارتباط بها أقل ضررا من خسارة الدين والدنيا كما هو واقع كثير من دول المسلمين، فإذا استحضرنا أن الكفر ملة واحدة، وأن هذه الأقطاب التي قد تكون بديلة مما هو أسوأ منها، قد التهم بعضها دولا إسلامية برمتها كانت تضمها الخلافة الإسلامية، ومنها من يمارس إلى الآن أبشع أنواع الإجرام ضد الجاليات الإسلامية فيها، فليكن من شروط الدول التي تستبدل بأمريكا غيرها تحسين وضع إخوانهم المسلمين فيها، وما ذلك بعسير، فإن الدنيا مبنية على المعاوضات، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "فكوا العاني، وأجيبوا الداعي، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض"، والعاني هو الأسير. لكن الذي يؤسف له أن دول المسلمين لم تبادر إلى اهتبال هذه الفرصة لتتفلت من القبضة الأحادية في السياسة العالمية، بل اغتنمها خصمها (الصديق) ليرسخ نفوذه في مجال جديد مناسب للمرحلة، وهو إدماجها في تحالف عسكري للدفاع الجوي يضم كيان اليهود المغتصب لبلاد المسلمين في فلسطين والجولان، والثمن هو كلمة (حل الدولتين) التي رددها أربعة رؤساء أمريكيين متوالين، ولم تحل دون اعتراف أمريكا بالقدس عاصمة لدويلة اليهود، ونقل قنصليتها إليها. ومن العجب أن يختفي الكلام في برنامج رحلة جو بايدن رئيس أمريكا إلى بعض دول الشرق الأوسط عن قيم العدالة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لأنه قد تحقق لدولته ما تريد من هذه الأمور، وأمنت (الانحراف) عما أملته على بعض دول المسلمين، ليتطور هدفها إلى هذا التنسيق العسكري بين دول المنطقة لمواجهة الخطر الإيراني -وهو خطر لا شك فيه- لكن معالجته بهذا الأسلوب هو لصالح إيران نفسها، ولأمريكا التي ترغب في طول أمده، كي توظفه في استبقاء دول المنطقة تحت نفوذها وهيمنتها إلى أن يشاء الله: الموت أسهل عندي ** بين القنا والأسنّه والخيل تجري سراعا ** مقطعات الأعنّه من أن يكون لنذل ** عليّ فضل ومنّه 16 من ذي الحجة جوان 2022

الخاطرة 416

الحمد لله رب العالمين، وبه أستعين. يخشى قادة أمريكا من الوضع الذي نشأ عن المواجهة العسكرية وتداعياتها الاقتصادية والسياسية المحتدمة بين روسيا وبين الحلف الأطلسي والاتحاد الأروبي اللذين جعلا دولة أوكرانيا واجهة لهذا الصراع منذ خمسة أشهر ابتداء من الرابع والعشرين فبراير 2022. لقد أنهى هذا الوضع قطبية امريكا التي غلبت على قيادة العالم نحو أربعين سنة، وعزز دواعي تعددها، بل قد تعددت. وبهذا أتيحت فرصة نادرة للدول المستضعفة أو التي سعت في الاستضعاف؛ أن تتفلت من هيمنة القطب الواحد إلى بدائل قد تكون أقل سوءا، إن كان ولا بد من الاحتماء أو الاستقواء بإحدى القوى العظمى، بدل الاستقلال عنها كما هو الواجب الشرعي على دول المسلمين خاصة. أمام الدول التي عانت من هذه الهيمنة أو اختارتها؛ مسلكان لتصحيح مسارها: فإما أن تنتهج نهجا مستقلا، تحكم علاقتها فيه بالدول الكبرى المصالح المتبادلة، دون ابتزاز أو استغلال، فإن كلفها ذلك متاعب في اقتصادها أو في نظامها السياسي حسب الحالة؛ فإنه ضيق مؤقت يسهل تجاوزه، وفي الصباح تحمد السرى كما قيل، وقد انتهجته دول ضعيفة قليلة الموارد والسكان، وبعضها قريب الموقع من خصومها فما ضرها ذلك، وفي عالم اليوم أكثر من مثال على هذا النهج المستقل الذي ينبغي أن تكون الدول الإسلامية أولى به، ولنذكر دولة أفغانستان التي لم تعترف أي دولة بها، فما ضرها ذلك في الميزان الحق، وقد قيل: وساعات الحياة بعيش عز * أجل من السنين بعيش ذله فإن آثرت هذه الدول المحافظة على مصالحها كما تبدو لها غير آبهة بالكلفة الكبيرة التي تدفعها من دينها أو مالها أو منهما - وهو اختيار بالغ السوء- فلتختر التتبعية لقطب عالمي أقل شرا. إن أعظم الضرر التنازل عن مقومات الأمة ممثلة في دينها الذي هو نظام للحياة شامل تحت ستار الحرية والتفتح وما ابتكر أخيرا من اكذوبة الديانة الإبراهيمية التي جمعت المتناقضات اعتمادا على يسر هذا الإسلام، وما فيه من التسامح، وما يقره من التعايش وغير ذلك مما هو حق وضع في غير موضعه. لقد برزت أقطاب عالمية سياسية عسكرية واقتصادية همها المال والاستثمار والنفوذ المادي؛ فالارتباط بها أقل ضررا من خسارة الدين والدنيا كما هو واقع كثير من دول المسلمين، فإذا استحضرنا أن الكفر ملة واحدة، وأن هذه الأقطاب التي قد تكون بديلة مما هو أسوأ منها، قد التهم بعضها دولا إسلامية برمتها كانت تضمها الخلافة الإسلامية، ومنها من يمارس إلى الآن أبشع أنواع الإجرام ضد الجاليات الإسلامية فيها، فليكن من شروط الدول التي تستبدل بامريكا غيرها تحسين وضع إخوانهم المسلمين فيها، وما ذلك بعسير، فإن الدنيا مبنية على المعاوضات، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "فكوا العاني، وأجيبوا الداعي، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض"، والعاني هو الأسير. لكن الذي يؤسف له أن دول المسلمين لم تبادر إلى اهتبال هده الفرصة لتتفلت من القبضة الأحادية في السياسة العالمية، بل اغتنمها خصمها (الصديق) ليرسخ نفوذه في مجال جديد مناسب للمرحلة، وهو إدماجها في تحالف عسكري للدفاع الجوي يضم كيان اليهود المغتصب لبلاد المسلمين في فلسطين والجولان، والثمن هو كلمة (حل الدولتين) التي رددها أربعة رؤساء أمريكيين متوالين، ولم تحل دون اعتراف أمريكا بالقدس عاصمة لدويلة اليهود، ونقل قنصليتها إليها. ومن العجب أن يختفى الكلام في برنامج رحلة جو بايدن رئيس أمريكا إلى بعض دول الشرق الأوسط عن قيم العدالة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لأنه قد تحقق لدولته ما تريد من هذه الأمور، وأمنت (الانحراف) عما أملته على بعض دول المسلمين، ليتطور هدفها إلى هذا التنسيق العسكري بين دول المنطقة لمواجهة الخطر الإيراني -وهو خطر لا شك فيه- لكن معالجته بهذا الأسلوب هو لصالح إيران نفسها، ولأمريكا التي ترغب في طول أمده، كي توظفه في استبقاء دول المنطقة تحت نفوذها وهيمنتها إلى أن يشاء الله: الموت أسهل عندي ** بين القنا والأسنه والخيل تجري سراعا ** مقطعات الأعنه من أن يكون لنذل ** علي فضل ومنه

الخاطرة 417

(1) قول الله تعالى: "وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّاب". * نسب الرجل المؤمن: اختلف فيه: هل كان قبطيا أو إسرائيليا؟ * الإعراب: وبناء على هذا؛ يختلف ما يتعلق به الجار والمجرور في قوله تعالى (مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ). فعلى أنه قبطي؛ يكون متعلقا بمحذوف نعتا ثانيا لـ(رَجُلٌ)، ويعرب حالا من (رَجُلٌ)، لأنه نكرة خصت بالوصف، فالرجل على هذا من آل فرعون، وهو الظاهر. وعلى الثاني يكون متعلقا بالفعل (يَكْتُمُ)، أي يكتم إيمانه من فرعون وآله خوفا على نفسه، وهذا خلاف الأصل لوجوه: - أولها أن فيه تقديم المتعلق بالكسر، على المتعلق بالفتح، والتقديم يرتكب لإفادة القصر، كما في دعاء (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت..)، ولا قصر هنا. - ولأن الأصل أن يقال كتمه كذا، لا كتم منه. - ولأنه يستبعد أن يقول إسرائيلي هذا الكلام لفرعون. * ترجيح الطبري: قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله: "قد أصغى لكلامه، واستمع منه ما قاله، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه، وقال: "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ"، ولو كان إسرائيليا لكان حريا أن يعاجله بالعقوبة على قوله، لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل لاعتدادهم أعداء له، فكيف بقوله عن قتل موسى لو وجد إليه سبيلا"، انتهى بتصرف. * تحقيق: كتم القبطي إيمانه بموسى عليه الصلاة والسلام، لا إيمانه بإطلاق، فـ(إِيمَانَهُ) عموم مراد به الخصوص، وهذا واضح من كلامه، ولاسيما قوله (اتَّبِعُونِ)، وإن تدرج في الاحتجاج، فابتدأ بإنكار قتل موسى (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ)، وعضد موقفه بذكر معه من الآيات (وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ) وبأن الله تعالى لا يقر من كذب عليه (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّاب)، وتلطف فدعاهم إلى الحفاظ على ملكهم بعدم التعرض لعقاب الله: ياقوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا"، وذكرهم بما جرى لمن سبقهم من قوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم: "يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَاب"، وأعلن خوفه عليهم من عذاب الآخرة، وانتهى إلى مناقضة فرعون تماما فيما يدعو كل منهما إليه: ففرعون يقول: "وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ"، وهذا الرجل يقول: "يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ"، ولم يقل اتبعوا موسى. استشكال: حمل الإيمان الذي كتمه الرجل على الإيمان بموسى؛ أثار إشكالا عند بعض المفسرين لتعارضه مع ما قاله، فأبحث عما يجمع بينهما، قال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله: "أي يقبح بكم أن تقتلوا نفسا، لأنه يقول ربي الله، ولم يجبركم على أن تؤمنوا به، ولكنه قال لكم قولا فاقبلوه، أو ارفضوه، فهذا محمل قوله "أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ"، وهو الذي يمكن الجمع بينه وبين كون هذا الرجل يكتم إيمانه"، واعتبر ما بعده ترقيا في الحجاج، فأعلن تصديقه موسى لأنه جاء بالبينات، وهذا لا حاجة إليه. * مقارنة: نظير مؤمن آل فرعون هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لكنه فاقه فجاهر بإسلامه، وتولى الدفع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه كما روى البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه، فخنقه به خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: "أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ"، وقد أرادوا قتله، وصح أنهم ضربوه حتى غشي عليه، فقام أبو بكر فجعل ينادي: "ويلكم!! أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله"؟، فتركوه وأقبلوا على أبي بكر، رواه البزار وأبو يعلى عن أنس رضي الله عنه. * من علم القبطي التوحيد؟ قد يكون أخذه عن موسى سرا، أو عن بعض بني إسرائيل، أو أثره مما بقي من عهد يوسف عليه الصلاة والسلام، فقد قال لقومه موبخا: "وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّاب"، يتبع ليلة التاسع عشر من ذي الحجة 1443

الخاطرة 417

(2) * استطراد:- مسؤولية المقربين من الحكام القريب من الحاكم والمخالط له؛ أقدر على نصحه، وأرجى من غيره في قبوله، فمسؤولية هؤلاء إذا تركوا ذلك للحرص على المناصب والمصالح عظيمة، فكيف إذا كانوا مستشارين يجارون الحكام ويزينون لهم باطلهم؟، وإنما يتوقع النفع إذا جرى النصح عند الحاكم، إلا إذا تعلق الأمر بإنكار المنكر الشائع، ويستوي في هذا الأمر العادل والجائر ما كان مسلما. * الأمير العادل يذكر ويعان. ومع هذه المساواة في طريقة النصح؛ فقد ميز النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الأمير العادل والجائر، فخص الأول بالتذكير والإعانة، لأنه معتن بمعرفة الحق والتزامه، فقال: "إذا أراد الله بأمير خيرا؛ جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد بأمير غير ذلك؛ جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه"، فالأمير هنا هو العادل أو المقارب، بقرينة قوله (إن نسي) وقوله (وإن ذكر). * كلمة الحق عند السلطان الجائر أما الحاكم الجائر؛ فلكونه على خلاف الأول قال عنه: "أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، رواه الترمذي عن أبي سعيد رضي الله عنه، وقال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى أمير جائر فأمره ونهاه فقتله"، رواه الحاكم عن جابر رضي الله عنه. * من أوجه الفرق بينهما وفرق بينهما أيضا في علاقتهم الباطنة برعيتهم فقال: "ألا أخبركم بخيار أمرائكم وشرارهم: خيارهم الذين تحبونهم، ويحبونكم، وتدعون لهم، ويدعون لكم، وشرار أمرائكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنوهم، ويلعنونكم"، وهذا خبر عن الذي يقع، فلا يؤخذ منه اشتراع اللعن، فإن الأحكام لا تؤخذ من الأخبار إذا عارضها ما هو نص، والأمر هنا كذلك، فإن المسلم ليس باللعان، ولا بالطعان، أما الحب والبغض؛ فأمر باطن، وهو من الإيمان إذا وقع موقعه، ولم يتجاوز إلى المعالنة، والله أعلم. ليلة العشرين من شهر ذي الحجة 1443

الخاطرة 418

قال الله تعالى: "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ". ليس الغرض من قصص القرآن تفاصيل الأحداث، أو ترتيب ذكرها، ولا رصد المفاجآت والعقد فيها، أو الوقوف على الغرائب والنوادر، إنما هو الاعتبار وعيدا وتحذيرا، أو تأنيسا وتبشيرا، والوقوف على سنن الله التي لن تجد لها تبديلا ولا تحويلا. ولهذا يكثر فيها الفجوات، المعلومات من سياق أخر والمجهولات، فيسعى بعض المفسرين إلى ملئها بالإسرائيليات، وقد يلجأ القصاص إلى الخيالات والافتراضات. وقصة قارون التي انفردت بذكرها سورة القصص من هذا القبيل، فقد رد عجزها على صدرها بذكر نموذجين من نماذج العلو في الأرض والفساد، ممثلين بفرعون وقارون. إنك لا تعرف موقعا لقارون خلال تبليغ موسى عليه الصلاة والسلام رسالة ربه لفرعون، ولا تسمع له ركزا، ولا تجد لموسى في قصته ذكرا، إلا أنه من قومه، والمفسرون على أنه عمه أو ابن عمه، وقد نص على نسبه؛ لاستبشاع بغيه عليهم، وعطف بفاء التعقيب، كأن قرابته علة بغيه، وهي مدعاة إحسانه ورفقه، وظلم القريب أشد من ظلم البعيد كما قال: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة * على المرء من وقع الحسام المهند وقد أخبر الله تعالى أن قارون كان معنيا بالرسالة كفرعون وهامان، قال سبحانه: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِين إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّاب"، وقال: "وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ". والمقصود أن قارون لا ذكر له في محاورات موسى فرعون وملئه، فما الذي حجبه عن الظهور ولو مرة فيها؟، ألأنه كان ذيلا من أذياله، يخدمه في السر، فأخمد الله ذكره إلا عند بيان عاقبته؟. ومما يناسب هذا ما قيل إنه كان منافقا كالسامري الذي انتهز غيبة موسى لمناجاة ربه، فأضل قومه، فهو مثله لم يذكر إلا في الموقف الذي استوجب عقابه الطويل في الدنيا. ومما ذكره أهل التفسير أن فرعون قد ولى قارون على بني إسرائيل عريفا، فهل نفاقه هو الذي بوأه هذه المكانة عند فرعون، ليخدم به بعض أغراضه، فبقى أمره مكتما؟، بين الأمرين كما ترى تناسب واضح. وحيث إن موسى قد أرسل إلى قارون كما دل عليه كتاب الله؛ فلا شك أنه كان يعرف حاله، لكنه ظل مستورا إلى أن نجا مع الناجين يوم أغرق فرعون وجنده !!، فيا ربنا ما أعظم حلمك !!. ثم ظهر قارون لما استقرت قيادة موسى لقومه، وشرع في تدبير أمرهم، فلم ينل من المناصب شيئا، فأحس بتضعضع مكانته، فدب اليه داء الحسد مضافا إلى داء النفاق، ضغثا على إبالة، فاشتد بغيه عليهم باستكباره وتطاوله بثروته، واعتز بأتباعه، فوعظه صالحوهم أبلغ المواعظ، وأعظمها رفقا، فجاء جوابه مقتضبا في جملة واحدة كما هو عادة المستكبرين: "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي"، فكان دليلا على رسوخ اغتراره بكنوزه ومؤيديه، إذ اعتبر ما هو فيه دليلا على رضا الله عنه، أو أنه ثمرة كسبه، وحصيلة كده وحيلته، حتى قيل إنه كان يعرف الكيمياء (!!) فسخرها في تحويل المعادن (!!)، لكأنهم استكثروا كنوزه التي ناءت مفاتيحها بالعصبة أولي القوة !!. ثم ازداد غرورا فحشد الناس أو احتشدوا؛ ليخرج عليهم في زينته من الخدم والحشم والمراكب واللباس والرياش، فانخدع بها ضعفاء الإيمان، فتمنوا مكانته، وبادر أهل العلم الموقنون فحذروهم بأن ما عند الله خير وأبقى، وحضوهم على ما يلزم من المجاهدة للنفس. ولم يصرف الدهماء عن أمنياتهم؛ إلا رؤيتهم قارون يخسف به، فتعجبوا هم -لا علماؤهم- مرتين: من ظنهم أن ثراءه عنوان رضا ربه، ومن عاقبته التي هي عاقبة الكافرين الذين لا يفلحون، فكانوا هم -لا علماؤهم- من أعلن كفره "وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُون". ومما ذكر في سبب الخسف به؛ ما جاء عن حبر هذه الأمة أنه دبر لموسى مكيدة، فرشى بغيا كي تتهمه بالزنا بها على مسمع من الناس، فأحيا الله قلبها ففضحته بكشف مكره، فظهرت حقيقته بعد سنين من التخفي، لكن موسى لم يقتله كما لم يقتل السامري، كما كان عليه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مع المنافقين لحكمة معروفة، وشريعة موسى أقرب الشرائع إلى دين الإسلام قبل أن تحرف، فلهذا يقرن بينها وبين شريعتنا في القرآن. ذكر المفسرون أن عقاب قارون كان بتسخير الله الأرض لموسى، فأمرها فابتلعته، فضم هذا إلى معجزاته، لكن تعنت بني إسرائيل لم ينته بموته، ولا انتهت به معاناة موسى، فقد نقل القرطبي عن مقاتل أن بني إسرائيل قالوا بعد أن خسف بقارون: إنما فعل موسى ذلك ليرث كنوزه (!!)، فكان أن خسف بداره أيضا، ولا أدري ما الذي قالوه بعد، فإنه ليس لتعت هذا الجنس حد، فما أعظم صبر أولي العزم. يوم الثلاثين من ذي الحجة 1443

الخاطرة 419

(1) بسم الله الرحمن الرحيم ألم غُلِبَتِ الرُّوم فِي أَدْنَى الْاَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُون في بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحيم وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون". قوله (وَعْدَ اللَّهِ) مفرد مضاف فيعم، ومنه خبره سبحانه بأن الروم سيغلبون الفرس في بضع سنين. وقوله (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون)؛ بيان لما يستبعده من لا يؤمن بالله، فلا يعلم أن وعده حق، إذ كيف يصير المغلوب غالبا في سنوات قلائل؟ فإن الظاهر لا يساعد عليه، ففيه اعتياب الوقوف عند الحسيات والمجربات، دون فتح آفاق المعقولات الممكنات، فكيف بوعد رب البريات؟. وقوله (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فمع أسر الحس لهم؛ فليس عندهم من علمه إلا اليسير، وهو الذي يفيده التنكير. وقوله (وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون) لما كان وعد الله غيبا؛ ناسب ذكر غفلتهم عن غيب آخر هو الآخرة. والسياق يعيب على المشركين استبعاد انتصار الروم على الفرس، لكن فيه إشارة إلى إمكان انتصار المسلمين عليهم وقد حصل ذلك بأسرع مما كان يظن في غزوة بدر. فكل علم عورض به ما جاء به الكتاب والسنة اعتقادا أو حكما عمليا أو خبرا كونيا فهو باطل، أو لأنه وضع في غير موضعه، أو فهم أحد المتعارضين على غير وجهه. ومن معضلات هذا العصر افتتان كثير من المسلمين بما عليه دول الكفار من البراعة في علوم الحياة وكثير من شؤونها، وربما اعتقد بعضهم بسبب هذا أنهم على الحق، وينبئ عنه سلوك كثير منهم وإن لم يقولوه، كتقليدهم في أزيائهم وثيابهم والتحدث بلغتهم والهجرة إلى بلدانهم وتعريض بعضهم نفسه للموت ليصل إليها، ومنه هجرة الأدمغة وإن كانت لها أسباب أخرى. وقد سبق أن ذكرت شيئا عن هذا في أكثر من موضع لما فيه من خطر على كثير من شباب المسلمين ومن يدعون بالمثقفين. ثم وقفت للشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره المسمى (أضواء البيان) على كلام في المسألة بين فيه تلك الخطورة، وما عليه بعضهم من اعتبار هذه النهضة دليلا على أن أصحابها على الحق، وبين تفاهة علوم الدنيا بالمقارنة بعلوم الآخرة بما لا يصح أن يفهم منه أنه يزهد فيها، فقد ذكر وجوبها على المسلمين وجوبا كفائيا. واعتبر الشيخ أن الله ذكر هذا في كتابه قبل افتتان المسلمين بعلوم الكفار بأزمان كثيرة، وأقول: إن هذا الأمر كان قائما في عهد التنزيل وكان الفارق الحضاري الكبير بين المسلمين وبين دولتي الفرس والروم معلوما لهم، وكانت نقودهم من مسكوكات الدولتين إلى ما بعد سني الخلافة الثلاثين، وسك العملة يعتبر اليوم من رموز سيادة الدول، وقد لا يملك بعضها منها إلا الاسم، لكن الذي نتعرض له اليوم لا يقارن بما كان عليه السلف لمعرفتهم بدينهم وقوة إيمانهم. يتبع.. السادس من المحرم 1444

الخاطرة 419

(2) اقرأ ما سبق ...، ويدل على هذا كثرة أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن فارس والروم، وعن اليهود والنصارى في مناسبات مختلفة، وتحذيره المتواتر من تقليد المسلمين لهم ولغيرهم في السياسة والحكم، وفي أمور الدين، فلهذا ذكر ما يدل على الأول وهم الفرس والروم تارة، وما يدل على الثاني وهم اليهود والنصارى تارة أخرى، وذكر تفرقهم إلى ملل. قال المناوي رحمه الله: "حيث قيل فارس والروم؛ كان ثم قرينة تتعلق بالحكم بين الناس وسياسة الرعية، وحيث قيل: اليهود والنصارى؛ كان هناك قرينة تتعلق بأمر الديانات أصولها وفروعها". قال كاتبه: والتقليد حاصل اليوم في السياسة والحكم، وفي الدين أيضا، وأخطر ما ظهر في هذه السنوات الكلام على وحدة الأديان، كما في وثيقة عمان، ثم على الديانة الخليلية التي تجمع الأديان السماوية، وقائلوها كذابون، واجتماع هذه الملل المنحرفة المنسوخة مع المسلمين ينفي أن يكون المقصود هذه الأديان قبل تحريفها، وهو ما ذكره الله تعالى في قوله: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنون"، على أننا لو فرضنا أن هذا هو المقصود لما جاز اعتقاده، فإن خلافه من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة. ومن تراجم عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله في تاريخه: "المغلوب مولع أبدأ بتقليد الغالب: في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، وقد توقع استيلاء غير المسلمين على الأندلس اعتمادا على هذه السنة الكونية فقال: "...، كما في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة، فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم، والكثير من عقائدهم و أحوالهم، حتى في رسم التماثيل على الجدران والمصانع والبيوت، حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والأمر لله". ومن الأحاديث التي فيها هذا التحذير قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمها أبناء فارس والروم؛ سلط شرارها على خيارها"، رواه الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه، والمطيطاء هي التبختر، ومد اليدين في المشي، كذا في الصحاح، فهو من مط إذا مد. وقوله: "إن كدتم آنفا تفعلون فعل فارس والروم: يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا... الحديث، رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه. وقوله: "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشير أو ذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه"، قالوا: اليهود والنصارى؟، قال: فمن؟، رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه. لكن هذا لم يمنع من الانتفاع بخبراتهم وتجاربهم كما في قوله عن الغيل وهو قربان الرجل زوجته زمن الحمل والرضاع: "لو كان ذلك ضارا ضر فارس والروم"، رواه مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنه، وقال: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم، رواه مالك وأحمد وأصحاب السنن عن جذامة بنت وهب الأسدية رضي الله عنها، ففرق بين الاستفادة من التجارب الإنسانية ومنها الطب، وغيرها مما حذر منه، والفرس والروم كان اطباؤهم كثيرين ولم ينهوهم عن الغيل، ومع هذا أبقى على التحذير منه احتياطا في غير هذا الحديث من غير تحريم، لأن النادر لا تناط به الأحكام العامة ومنه التزوج بالأقارب... يتبع في السابع من المحرم 1444

الخاطرة 419

(3) تابع اقرأ ما قبله. وأثبت هنا ما كتبه الشيخ محمد الأمين رحمه الله ببعض تصرف مع حذف ما أورده من الإعراب وأسماء من نقل عنهم من العلماء، قال رحمه الله: اعلم أنه يجب على كل مسلم في هذا الزمان أن يتدبر آية (الروم) هذه تدبرا كثيرا، ويبين ما دلت عليه لكل من استطاع بيانه له من الناس!! وإيضاح ذلك أن من أعظم فتن آخر الزمان التي ابتلى الله بها ضعاف العقول من المسلمين؛ شدة إتقان الإفرنج لأعمال الحياة الدنيا، ومهارتهم فيها على كثرتها واختلاف أنواعها، مع عجز المسلمين عن ذلك، ظنوا أن من قدر على تلك الأعمال أنه على الحق، وهذا جهل فاحش، وغلط فادح، وفي هذه الآية الكريمة إيضاح لهذه الفتنة، وتخفيف لشأنها، أنزله الله في كتابه قبل وقوعها بأزمان كثيرة، فسبحان الحكيم الخبير ما أعلمه، وما أعظمه، وما أحسن تعليمه !!. فقد أوضح جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن (أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُون)، ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيوية دخولا أوليا، فقد نفى عنهم اسم العلم بمعناه الصحيح الكامل، لأنهم لا يعلمون شيئا عمن خلقهم، أبرزهم من العدم إلى الوجود، ورزقهم، وسوف يميتهم، ثم يحييهم، ثم يجازيهم على أعمالهم، ولم يعلموا شيئا عن مصيرهم الأخير الذي يقيمون فيه إقامة أبدية في عذاب فظيع دائم، ومن غفل عن جميع ذلك فليس معدودا من جنس من يعلم، ثم لما نفى عنهم جل وعلا اسم العلم بمعناه الصحيح الكامل؛ أثبت لهم نوعا من العلم في غاية الحقارة بالنسبة إلى غيره، وعاب ذلك النوع من العلم بعيبين عظيمين: أحدهما قلته وضيق مجاله، لأنه لا يجاوز (ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، والعلم المقصور على ظاهر الحياة الدنيا في غاية الحقارة وضيق المجال بالنسبة إلى العلم بخالق السموات والأرض، والعلم بأوامره ونواهيه، وبما يقرب عبده منه، وما يبعده عنه، وما يخلد في النعيم الأبدي والعذاب الأبدي من أعمال الخير والشر. والثاني هو دناءة هدف ذلك العلم، وعدم نبل غايته، لأنه لا يتجاوز الحياة الدنيا، وهي سريعة الانقطاع والزوال، ويكفيك من تحقير هذا العلم الدنيوي أن أجود أوجه الإعراب في قوله (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا) أنه بدل من قوله قبله (لَا يَعْلَمُون)، فهذا العلم كلا علم لحقارته، ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا. وقوله (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يفيد أن للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها، وباطنها حقيقته أنها مجاز إلى الآخرة، يتزود منها بالطاعة والأعمال الصالحة، وفي تنكير الظاهر دلالة على أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من ظواهرها، فدل على تقليل علمهم بهذا الظاهر مما يقربه من النفي، حتى يطابق المبدل منه. وقوله (وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون) مناد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة، ومقرها ومحلها، وأنها منهم تنبع، وإليهم ترجع" اه..

الخاطرة 419

(4) تابع، اقرأ ما قبله. قد يظن أن كلام الشيخ محمد الأمين الشنقيطي السابق يزهد في علوم الحياة النافعة، وقد نبهت إلى هذا في أول أجزاء هذه الخاطرة، ومقصوده المقارنة بين علوم الآخرة التي فرط فيها الكفار وعلوم الدنيا التي جعلوها اكبر همهم ومبلغ علمهم، أما المسلمون فإنه يجب عليهم وجوبا كفائيا الإحاطة بهذه العلوم، ولهذا بين ذلك في خاتمة كلامه فقال: "وأعلم أن المسلمين يجب عليهم تعلم هذه العلوم الدنيوية كما أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في سورة (مريم) في الكلام على قوله تعالى: "أطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا"، وهذه العلوم الدنيوية التي بينا حقارتها بالنسبة إلى ما غفل عنه أصحابها الكفار إذا تعلمها المسلمون وكان كل من تعليمها واستعمالها مطابقا لما أمر الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم؛ كانت من أشرف العلوم وأنفعها، لأنها يستعان بها على إعلاء كلمة الله ومرضاته جل وعلا، وإصلاح الدنيا والآخرة، فلا عيب فيها إذن، كما قال تعالى: "وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ"، فالعمل في إعداد المستطاع من القوة امتثالا لأمر الله تعالى، وسعيا في مرضاته، وإعلاء كلمته؛ ليس من جنس علم الكفار الغافلين عن الآخرة كما ترى، والآيات بمثل ذلك كثيرة، والعلم عند الله تعالى"، انتهى، والحمد لله رب العالمين. يوم الثامن من المحرم 1444

الخاطرة 420

انتهت حرب الخمس والخمسين ساعة كما سميت على غزة الليلة الماضية، كما انتهت حروب قبلها، وقاعدتها أنه كلما اجتمعت لكيان الصهاينة معلومات استخباراتية عن قادة الفصائل أو المسؤولين الميدانيين أو القدرات العسكرية، مع الدواعي الانتخابية؛ سارع إلى قصف غزة وما حولها، فقتل ودمر، وجاء الرد بإطلاق القذائف والصواريخ على القرى المجاورة، أو ما هو أبعد منها، ثم يشدد الإغلاق والحصار القائم أصلا إلى درجة الخنق، وتبادر دول الغرب الكافرة الظالمة إلى تأييد هذا العدوان بحجة دفاع هذا الغاصب عن النفس، وتسعى دول أخرى أبرزها مصر إلى التهدئة التي لا يمانع منها اليهود (!!)، ومن العجب أن ترتاح لها تلك الدول التي أيدت العدوان (!!)، ويعلن الصهاينة أنهم حققوا غرضهم من الحرب (!!)، ويتفق على شروط للتهدئة أهمها الرجوع بالحصار إلى ما كان عليه قبل نشوب الحرب (!!)، ويتكرر هذا الأمر كل عام أو ما دونه، ومن النادر أن تبادر الفصائل الفلسطينية في غزة إلى ابتداء الحرب كما حصل فيما قبل الحرب الأخيرة. لم أهتد إلى الوقوف على علة بعينها لهذه الحرب، وما ذا يراد من ورائها؟، ولم تؤيد تلك الدول ابتداءها، ثم ترتاح إلى إنتهائها؟، فيظهر أن العلة مركبة، وأن تركيبها سيزداد تعقيدا كلما مر الوقت: * كأن يكون المقصود الإبقاء على هذا الانقسام الفلسطيني القائم منذ سنوات حتى يظل حجة في استمرار هذا الوضع بدعوى محاربة الإرهاب، بل إحداث انقسام آخر يستفيد منه العدو داخل الفصائل في غزة كما روج له بعض المراقبين في هذه الحرب الأخيرة، وإن كان مستبعدا عندي. * تطوير جاهزية ما يسمى بالقبة الحديدية التي تعترض القذائف والصواريخ لتعمل بكفاءة أعظم إذا ما تعرض هذا الكيان لحرب لها ارتباط بالملف النووي الإيراني وهو أمر محتمل. * الاستمرار في إشعار مؤيدي هذا الكيان بالخطر المحدق به * حسابات انتخابية للحصول على أصوات الصهاينة المتعطشين للدماء وهي مما يتكرر. * الرعب والخوف من الموت الذي لا يحتمله اليهود الذين هم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا، فإذا تعرضت مدنهم للقصف وإن لم يقتل منهم أحد فإنهم لا يطيقون مجرد الخوف والبقاء في الملاجئ. * اقتصاد هذا الكيان لا يقدر على الصمود إذا أغلقت المطارات وتعطلت المواصلات التي تصلها الصواريخ حرصا على حياة أفراده. * الكشف عن القدرات الصاروخية للفصائل الفلسطينية ومدى تطورها استعدادا لحرب لا يكون لهم فيها خيار، وأحسب أنها ستحصل. * قياس ردود أفعال الدول المسلمة على هذا القتل والتدمير، ولاسيما بعد التطبيع الذي شمل دولا في المغرب والمشرق، وقد أخذت ردود الأفعال - وهي مجرد كلام - تتآكل وتقل. والجديد في هذه الحرب احتجاج الصهاينة على دعاء دعا به الشيخ صالح بن حميد وفقه الله في خطبة الجمعة بالمسجد الحرام حيث قال: اللهم عليك باليهود الظالمين فإنهم لا يعجزونك. وأنا أدعو الله تبارك وتعالى في هذا اليوم المبارك الذي نجى الله فيه موسى عليه الصلاة والسلام، وأغرق فيه فرعون وجنده؛ أن ينصر الإسلام والمسلمين على أعدائهم وأعداء الله ورسله، بل وأعداء موسى حيث كفروا برسالته، فلم يؤمنوا بخاتم رسله محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه. والوصية لإخواننا الفلسطينيين أن ينصروا دين الله فينصرهم الله كما وعد، ووعده لا يخلف، ولا يتم هذا على وجهه إلا باتباع كتابه وسنة نبيه والتزام ما عليه أهل السنة والجماعة والابتعاد عن كل ما أحدثه المحدثون، والحمد لله رب العالمين. يوم العاشر من شهر المحرم 1444

الخاطرة 420

والتعليق عليها انتهت حرب الخمس والخمسين ساعة كما سميت على غزة الليلة الماضية، كما انتهت حروب قبلها، وقاعدتها أنه كلما اجتمعت لكيان الصهاينة معلومات استخباراتية عن قادة الفصائل أو المسؤولين الميدانيين أو القدرات العسكرية، مع الدواعي الانتخابية؛ سارع إلى قصف غزة وما حولها، فقتل ودمر، وجاء الرد بإطلاق القذائف والصواريخ على القرى المجاورة، أو ما هو أبعد منها، ثم يشدد الإغلاق والحصار القائم أصلا إلى درجة الخنق، وتبادر دول الغرب الكافرة الظالمة إلى تأييد هذا العدوان بحجة دفاع هذا الغاصب عن النفس، وتسعى دول أخرى أبرزها مصر إلى التهدئة التي لا يمانع منها اليهود(!!)، ومن العجب أن ترتاح لها تلك الدول التي أيدت العدوان (!!)، ويعلن الصهاينة أنهم حققوا غرضهم من الحرب (!!)، ويتفق على شروط للتهدئة اهمها الرجوع بالحصار إلى ما كان عليه قبل نشوب الحرب (!!)، ويتكرر هذا الأمر كل عام أو ما دونه، ومن النادر أن تبادر الفصائل الفلسطينية في غزة إلى ابتداء الحرب كما حصل فيما قبل الحرب الأخيرة. لم أهتد إلى الوقوف على علة بعينها لهذه الحرب، وما ذا يراد من ورائها؟ ولم تؤيد تلك الدول ابتداءها، ثم ترتاح إلى انتهائها؟ فيظهر أن العلة مركبة، وأن تركيبها سيزداد تعقيدا كلما مر الوقت: * كأن يكون المقصود الإبقاء على هذا الانقسام الفلسطيني القائم منذ سنوات حتى يظل حجة في استمرار هذا الوضع بدعوى محاربة الإرهاب، بل إحداث انقسام آخر يستفيد منه العدو داخل الفصائل في غزة كما روج له بعض المراقبين في هذه الحرب الأخيرة، وإن كان مستبعدا عندي. * تطوير جاهزية ما يسمى بالقبة الحديدية التي تعترض القذائف والصواريخ لتعمل بكفاءة أعظم إذا ما تعرض هذا الكيان لحرب لها ارتباط بالملف النووي الإيراني وهو أمر محتمل. * الاستمرار في إشعار مؤيدي هذ الكيان بالخطر المحدق به. * حسابات انتخابية للحصول على أصوات الصهاينة المتعطشين للدماء وهي مما يتكرر. * الرعب والخوف من الموت الذي لا يحتمله اليهود الذين هم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا، فإذا تعرضت مدنهم للقصف وإن لم يقتل منهم أحد فإنهم لا يطيقون مجرد الخوف والبقاء في الملاجئ. * اقتصاد هذا الكيان لا يقدر على الصمود إذا أغلقت المطارات وتعطلت المواصلات التي تصلها الصواريخ حرصا على حياة افراده. * الكشف عن القدرات الصاروخية للفصائل الفلسطينية ومدى تطورها استعدادا لحرب لا يكون لهم فيها خيار، وأحسب أنها ستحصل. * قياس ردود أفعال الدول المسلمة على هذا القتل والتدمير، ولاسيما بعد التطبيع الذي شمل دولا في المغرب والمشرق، وقد أخذت ردود الأفعال -وهي مجرد كلام- تتآكل وتقل. والجديد في هذه الحرب احتجاج الصهاينة على دعاء دعا به الشيخ صالح بن حميد وفقه الله في خطبة الجمعة بالمسجد الحرام حيث قال: "اللهم عليك باليهود الظالمين فإنهم لا يعجزونك". وأنا أدعو الله تبارك وتعالى في هذا اليوم المبارك الذي نجى الله فيه موسى عليه الصلاة والسلام، وأغرق فيه فرعون وجنده؛ أن ينصر الإسلام والمسلمين على اعدائهم وأعداء الله ورسله، بل وأعداء موسى حيث كفروا برسالته، فلم يؤمنوا بخاتم رسله محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه. والوصية لإخواننا الفلسطينيين أن ينصروا دين الله فينصرهم الله كما وعد، ووعده لا يخلف، ولا يتم هذا على وجهه إلا باتباع كتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، والتزام ما عليه أهل السنة والجماعة، والابتعاد عن كل ما أحدثه المحدثون، والحمد لله رب العالمين. يوم العاشر من شهر المحرم 1444 كتبت هذه الخاطرة قبل أربعة عشر شهرا عن الحرب التي سميت حرب خمس وخمسين ساعة، لكن شتان بين ما حصل يومئذ، وما يجري اليوم، تغيرت أمور كثيرة، وتطورت الإمكانات العسكرية عند المقاومة أضعافا كثيرة، وانتقل رد الفعل عندها إلى ابتداء الفعل، وإلى الاستقرار في المستوطنات، والنزول بالمظلات، وقتل عساكر الاحتلال وأسرهم بالمئات، مع ما عليه القوم من حصار وضيق، وقد حصل ما توقعته من اشتعال حرب لا خيار فيها لهذا الكيان المصطنع، ومن سار على الدرب وصل. ليلة الرابع والعشرين من ربيع (1) 1445= الموافق

الخاطرة 421

انتهت الحرب في غزة، ثم أوقدت نارها بعد يوم واحد في الضفة الغربية بقتل أعضاء في الحركة التي وقعت الاتفاق مع الصهاينة، لأن الضفة لا صواريخ فيها ولا قذائف، فلا ضير أن تستمر فيها الحرب، وأعضاء الحركات الذين هم في الضفة ليسوا هم الذين في غزة (!!)، فلكل منطقة طريقة في المعاملة، إنها ثمرة الانقسام المرة الذي يستفيد منه العدو ومناصروه كما أشرت إليه في المنشور الذي قبل هذا. غير أن من الانقسام ما فرض على إخواننا الفلسطينيين، ومنه ما ليس كذلك، فليتداركوا ما قد يخفف عنهم هذا الذي هم فيه باتحادهم، قسم هو عرب ثمانية وأربعين، وآخر في غزة، وثالث في الضفة، ورابع في الشتات، وخامس في مدينة القدس، وسادس وزيادة يجري إنشاؤه بالمستوطنات التي قطعت أوصال هذه الأرض المباركة، بل إن المسجد الأقصى يجري تقطيعه أيضا، فهل علمتم شعبا جرى له مثل هذا؟ وأين الغرب العنصري مقارنة بتجنده الذي لا نظير له للدفاع عن اوكرانيا؟ أما الفلسطينيون فيدعم محتل أرضهم ويسلحه ويرتاح لعدوانه فلعنة الله على الظالمين. قدوة الصهاينة في طغيانهم وعلوهم في الأرض هو فرعون الذي جعل من أهل مصر شيعا مصدر قوته، وقد تمكنوا بمعية أمريكا بعد تقسيم أهل فلسطين، من تقسيم صف العرب والمسلمين: "إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين"، لكن المؤكد أن مصيرهم إلى تباب مثل مصيره إن شاء الله، وكما قطعهم الله في الأرض أمما عقابا لهم؛ فسيقطعهم مرة ثالثة كما وعد في قوله: "وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا". فاللهم إنك قلت وقولك الحق لنبيك عليه صلواتك وسلامك عن الناكثين للعهود: "إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُون الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُون"، وأمرته- ومثله من يأتي من بعده من حكام أمته - بما يواجه به ذلك: "فإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ". وقد أصابنا من العجز والتخاذل والهوان ما لا يخفى عنك، ولا يرفعه غيرك، فقيض لنا من يقيم أمرك، وينصر دينك، وينتصر للمسلمين بما يناسب الحال، فإن هؤلاء الظلمة لا يعجزونك: "ولَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ". ليلة الثاني عشر من شهر المحرم 1444

الخاطرة 422

(1) علم الشرع ثلاثة: وحي ومكتسب وموهوب، فالأول للأنبياء والثاني للمكلفين والثالث للمتقين منهم، وهو لا يخرج عن المكتسب. قال الله تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم"، وقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، وقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم"، وقال: "فوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا". وهذه الآيات مما اعتمد عليه بعض المتصوفة في زعمهم تحصيل العلم اللدني بسلوك طريق الخلوة والرياضة والأوراد، فيحصل لهم الذوق والحدس والرؤى وغير ذلك من رسومهم التي خرجوا بها عن حقيقتها. وليس الأمر كما زعموا، فإن الله تعالى قال: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُم"، وقال: "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا"، وفي الحديث المرفوع: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه"، والتعلم تفعل يفيد الممارسة والتطلب كما قال ق: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، فلا بد في العلم بالشرع -غير الوحي- من الاكتساب. أما قوله تعالى (وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)؛ فمعطوف على قوله (وَاتَّقُوا اللَّهَ)، والعطف يقتضي المغايرة، أو هي جملة حالية، فهو وعد الله بعد أمره، فمن أطاع أمره؛ وفى له بوعده. فإن قيل: قد جاء مجزوما معطوفا على جواب الأمر في قوله تعالى (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ). فالجواب؛ أن تقوى الله هي خوفه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ولا تكون من غير تعلم، فمتى اكتسب العلم فأعقبه العمل؛ أورث ذلك علما يتجدد بحسبها إن شاء الله، فلهذا جاء بصيغة المضارع المفيد للتجدد والاستمرار (وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ). وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء"، قال ابن تيمية رحمه الله (20/42): "ومن معه نور وبرهان وضياء؛ كيف لا يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها، ولاسيما الأحاديث النبوية، فإنه يعرف ذلك معرفة تامة، لأنه قاصد العمل بها.."، انتهى، فالموهوب فهم عن الله ورسوله لا يخرج عن فهم الاكتساب، وقد قيل لعلي بن أبي طالب: هل عندكم شيء إلا ما في كتاب الله؟، فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن.. الحديث". وقد اختلف في المراد بالفرقان في قوله تعالى (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا)، فقيل هو النجاة، وقيل هو النصر، وقيل المخرج من الضيق، نظيره قوله تعالى: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرجا"، ويؤيده السياق، فإنه في غزوة بدر، وما من الله تعالى فيها من النصر مع قلة العدد، وضعف العدة، وقد سمي يوم الفرقان في قوله تعالى (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ). ولو قيل الفرقان ما يفرق به بين الحق والباطل؛ فإنه لا يختلف عما سبق، فإن التفريق في كل موضع بحسبه، فيكون بالعلم الذي يهبه الله من اتقاه، وبالعمل الذي يرسخ العلم ويثبته، وبالنصر والنجاة. فلا بد للتقوى من العلم المكسوب، وقد يعقبها علم موهوب، وإلا فهو وحي الشيطان، ومما جاء مرفوعا والوضع ظاهر على متنه: "من زهد في الدنيا علمه الله تعالى بلا تعلم، وهداه الله بلا هداية، وجعله بصيرا وكشف عنه العمى"، قال الألباني: وظني أنه من وضع بعض الصوفية الذين يظنون أن لطلب العلم طريقا غير طريق التلقي والطلب له من أهله..، وهو طريق الخلوة والتقوى فقط بزعمهم، وربما استدل بعضهم بمثل قوله تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ". وروي أيضا مرفوعا: "من عمل بما يعلم؛ ورثه الله علم ما لم يعلم"، رواه أبو نعيم، وقال الألباني موضوع، قلت: "ورواه أبو الشيخ عن ابن عباس بلفظ: "من عمل بما علم؛ ورثه الله علم ما لم يعلم"، وهو في تفسير المنار. أما قول الله تعالى: "وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا"؛ فهو الوحي، والخضر نبي عند جمهور أهل العلم، ولو استند فيما خالف فيه موسى عليهما الصلاة والسلام إلى نبي آخر كما قاله بعضهم؛ لما كان لما خصه الله به في قوله (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) خصوصية. يتبع.

الخاطرة 422

(2) تابع اقرأ ما قبله. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى (10/472): "قد يقال القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بإرادته؛ فهو ترجيح شرعي...، فمن غلب على قلبه إرادة ما يحبه الله وبغض ما يكرهه الله؛ إذا لم يدر في الأمر المعين هل هو محبوب لله أو مكروه، ورأى قلبه يحبه أو يكرهه؛ كان هذا ترجيحا عنده، كما لو أخبره من صدقه أغلب من كذبه، فإن الترجيح بهذا عند انسداد وجوه الترجيح؛ ترجيح بدليل شرعي، ففي الجملة متى حصل ما يظن معه أن أحد الأمرين أحب إلى الله ورسوله؛ كان هذا ترجيحا بدليل شرعي، والذين أنكروا كون الإلهام طريقا على الإطلاق؛ أخطأوا، كما أخطأ الذين جعلوه طريقا شرعيا على الإطلاق...". تأمل قوله ب(إرادته)، فلعله يريد الاحتراز من حال الصرع والغيبة التي يصاب بها بعضهم، ورحم الله الإمام ابن تيمية، فما أقل القلوب المعمورة بالتقوى المبنية على العلم؟، ولو سمي هذا العلم استحسانا لكان له وجه قوي، بل لو قيل فيه ما هو معروف عنهم في الاستحسان من أنه ما ينقدح في نفس المرء ولا يحسن التعبير عنه؛ لكان حقا، لأنه إذا عبر عنه كان استدلالا، فيخرج عما الكلام فيه وهو ترجيح القلب المعمور بالتقوى، والله أعلم. يوم الخامس عشر من شهر المحرم 1444

الخاطرة 423

مسؤولية كل مسلم عن الإسلام قال الله تعالى: "ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون"، وقال: "كنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ"، وقال: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "بلغوا عني ولو آية"، وقال: "نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه"، وقال: "من كتم علما عن أهله ألجم يوم القيامة لجاما من نار"، وقال: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس، ومنها "وما ذا عمل فيما علم"؟، وفي حديث آخر "وعن علمه ما فعل فيه"؟. قال ابن دقيق العيد رحمه الله في شرح الأربعين: "كل مسلم تعلم مسألة فهو من أهل العلم بها، فيجب عليه تعليمها لغيره، وإلا كان آثما إن لم يقم بها غيره"، وقال ابن العربي رحمه الله في أحكام القرآن: "كل مسلم عالم، بل كل مسلم حاكم ووال". 16 من شهر المحرم 1444

الخاطرة 424

كان المصحف في عصر الصحابة عليهم الرضوان مجردا من كل ما ليس بقرآن، فكان بهذا صالحا لاحتواء جميع القراءات إلا أحرفا يسيرة لا يحتملها الرسم الواحد ضمتها نسخ أخرى من عهد عثمان رضي الله عنه، حتى اعتبر العلماء موافقة القراءة لرسمه أحد الشروط الثلاثة في صحتها، كما قال: فكل ما وافق وجها نحوي ** وكان للرسم احتمالا يحوي وصح إسناده هو القرآن ** فهذه الثلاثة الأركان واحتج بعضهم بهذا التجريد وهو احتجاج قوي على أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من أول كل سورة أو هي آية فاصلة بين السور لكون كل ما في المصحف قرآنا متواترا، وتحقق بهذا أن من أراد حفظه لزمه أخذه من الشيخ كما أخذه نبينا عليه الصلاة والسلام من جبريل عليه السلام. ثم ادخل على المصحف بالتدريج أمور كثيرة بعضها مست الحاجة إليه وبعضها ما كان ينبغي إدخاله عليه، وقد استنكر بعض السلف ذلك منذ القرن الثاني. أدخل على المصحف النقط والضبط بالشكل وبيان رؤوس الأجزاء وما تحتها من التجزئة، وجاءت الطبعات حسب القراءات، ثم الروايات داخلها، ثم أدخلت بعض الطرق داخل الرواية، بل أدخل على المصحف بعض الآراء التي لا سند لها، ثم علامات الوقف بأقسامه، وذكرت مواضع السجدات مع الإشارة إلى الخلاف المذهبي، ثم أدخل فيه ما أمكن من أحكام التجويد، ثم دخلته الألوان في أسماء الله تبارك وتعالى، ثم لونت كل مجموعة من الصفحات بلون، فوجد المثليون التغطية التي نفذوا منها إلى نشر رموزهم فيه منذ سنوات، وهي الألوان التي عرفوا بها لعنهم الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فالدمار عليكم"، وهذا منه عليه الصلاة والسلام ليس دعاء على أمته، وإنما هو خبر عما يقترن بهذا الفعل الذي يبدو هينا، فنسأل الله السلامة. كتبت هذا بعد سماعي ما سرني، وهو الحملة التي تقوم بها المصالح المختصة لمحاربة هذه الرموز التي تخفي وراءها فطرا منتكسة قنن لها الغرب الكافر ما تريد من الشر، وسارع المفسدون إلى الترويج لها في بلاد الإسلام، ويمموا بها أعز ما عند المسلمين، وهو المصحف الشريف، فهذه الحملة مما يسر به كل غيور على دينه وصلاح مجتمعه، والحمد لله رب العالمين. ليلة 18 من شهر المحرم 1444

الخاطرة 425

(1) للشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي كلام مهم عن المراكب الفضائية وما كان يقال عن نزول ركابها على القمر في وقته، بناه كدأبه على الفهم المتبصر العميق لنصوص الكتاب الكريم، وأخذ من جملة النصوص أنه لا يمكن للشياطين بنوعيهم ولوج أطباق السماوات، وقد رأيت أن ألخص كلامه ليعم النفع به، وقد اشتد السجال منذ مدة حول نزول الإنسان على القمر وكروية الأرض وغير ذلك. فبعد تفسيره قوله تعالى: "ولَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ" من سورة الحجر، وذكر ما ماثله في سور الفرقان والشعراء والصافات والطور والملك والجن والبروج؛ قال: "يؤخذ من هذه الآيات التي ذكرنا أن كل ما يتشدق به أصحاب الأقمار الصناعية من أنهم سيصلون إلى السماء، ويبنون على القمر؛ كله كذب وشقشقة لا طائل تحتها، ومن اليقين الذي لا شك فيه؛ أنهم سيقفون عند حدهم، ويرجعون خاسئين أذلاء عاجزين "ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ". قلت: مما قاله أحد أشياخي سنة 1966 من قصيدة نونية له في اختتام السنة الدراسية بالمعهد الإسلامي في مدينة بلعباس، يوم كان الكلام على هذا الأمر جديدا، قبل ثلاث سنوات مما روج له من نزول الإنسان على القمر: وسوف يظفر بالآفاق يسكنها * من جد بالعلم في تجديد أوطان ثم شرع الشيخ يستدل لما قاله فأحصيت له مسالك ثلاثة: * أولها اعتبار الكفار من جملة الشياطين الممنوعين من الوصول إلى السماء، والشيطان يراد به كل عات من الجن والإنس والدواب كما في قوله تعالى: "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا"، وفي الحديث (الكلب الأسود شيطان)، وذكر من كلام العرب ما يدل عليه، وما تقرر عند العلماء أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيح؛ تعين حملها على الجميع. ثم قال: ولا شك أن أصحاب الأقمار الصناعية يدخلون في اسم الشياطين دخولا أوليا لعتوهم وتمردهم، وإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن الله صرح بحفظ السماء من كل شيطان كائنا من كان في عدة آيات، ثم ذكرها، وقد سبقت الإشارة إلى مواضعها في السور. قلت: قد يقال إن تلك الآيات إنما وردت في حفظ السماء من الشياطين لأنها تسترق السمع، ولا يكون هذا إلا من شياطين الجن، فكيف تدخل شياطين الإنس وعلة المنع غير موجودة فيهم؟ وقد أجاب الشيخ عن ذلك بدخولهم لغة كما سبق، وأن حفظ السماء معناه حراستها. قلت: هذا لا يكفي، إذ مفهومه أن غير الشياطين ليسوا ممنوعين من الوصول إلى طباق السموات، فالظاهر أن المنع يشمل كل من ليس من أهل السماء، وقد دل عليه ما هو أخص مما ذكره الشيخ من نصوص الكتاب وهو ما في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الإسراء، وفيه (ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء: من هذا؟، فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟، قال معي محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟، قال: نعم، قالوا: فمرحبا به وأهلا"، وقد جاء أنه كان يستفتح في كل سماء، فإذا كان جبريل يستفتح ليؤذن له في الدخول، فكيف بلكع ابن لكع؟. يوضحه أن السبيل إلى ولوج أقطار السماوات أحد أمور ثلاثة: * الأول هو الإذن الخاص كعروج نبينا محمد صلى اله عليه وآله وسلم، ولهذا كان إحدى آيات نبوته العظام. * والثاني كون المخلوق من أهل السماوات وهم الملائكة. * والثالث -لو لم يكن ممنوعا- هو علوم الدنيا، وهي لا ينالها المؤمن بإيمانه، ولا يمنعها الكافر بكفرانه، فميزان الحصول عليها غير ميزان الصلاح والفساد، والطاعة والمعصية، كما أخبر الله عن ذلك بقوله: "كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا"... يتبع. يوم العشرين من المحرم 1444

الخاطرة 425

(2) * والمسلك الثاني الذي سلكه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في الاستدلال على منع النزول على القمر خصوصا واختراق السبع الطباق عموما؛ هو أن القمر واقع في أولى الطباق، وهي السماء الدنيا، وقد دل الدليل على منع الشياطين من بلوغها، قال الله تعالى: "أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجا"، فالقمر فيها وهي أول الطباق، وأطلق الكل بقوله (فِيهِنَّ) وأراد البعض، ودل على ذلك أيضا قول الله تعالى: "تبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا"، فهذه هي السماء الدنيا. قلت: لفظ السماء فيه إجمال يبينه سياقه، ومرده إلى أقسام: * الأول: ما علاك كقوله تعالى: "فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ"، وقوله: "وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ". * والثاني: ما هو داخل الطباق السبع، وهو الممنوع الوصول إليه كما سبق بيانه. * والثالث: ما هو خارج الطباق السبع، وهو المراد بقول الله تعالى: "أأمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ"، وقول الجارية "في السماء" مجيبة عن سؤال رسول الله ق لها: "أين الله"؟ فإن الله بائن من خلقه مستو على عرشه. * والرابع: الشامل لما سبق عدا الثالث، ومنه قوله تعالى: "قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، حيث أريد قول خلقه، وإلا عم الثلاثة. والمسلك الثالث رد الاستدلال بآيات من القرآن الكريم على إمكان النفوذ من أقطار السموات، ووصف الشيخ المستدلين بأنهم لا علم لهم بالقرآن، وأنهم يتلاعبون به بتفسيره بغير معناه، لمحاولة توفيقه مع آراء كفرة الإفرنج، وأن ذلك لا نفع فيه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، مختتما بحثه بدعوة المسلمين إلى بذل وسعهم لتعلم هذه العلوم الدنيوية مع تمسكهم بدينهم: فمن ذلك استدلال بعضهم على إمكان اجتماع أهل الأرض بأهل السماوات بقوله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِير"، فإن المراد جمعهم يوم القيامة كما دلت عليه آيات كثيرة منها قوله تعالى: "يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ". ومنه استدلالهم على إمكان النفوذ من أقطار السموات بقوله تعالى: "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَان"، زاعمين أن السلطان هو العلم الذي توصل إليه الناس من الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية وغير ذلك، وقد رد هذا الاستدلال بأوجه أربعة: * أن معناها إعلام الله خلقه أنهم لا محيص لهم ولا مفر من قضائه ومشيئته فيهم. * والثاني أن الجن أعطاهم الله القدرة على الطيران والنفوذ في أقطار السموات من غير حاجة إلى قمر صناعي ومع ذلك منعوا حين بعث النبي ق كما قال تعالى: "وأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا". * والثالث أن العلم المذكور أهون على الله من أن يطلق عليه اسم السلطان. * والرابع أننا لو سلمنا ذلك جدلا فإن الله أتبعه بقوله: "يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِران". ومنه قوله تعالى: "قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، لما فيه من الإشارة إلى اتصال أهل السموات بأهل لأرض، وإنما هذا إخبار الله تعالى أنه يعلم كل ما يقوله أهل السماء والأرض. ومنه قوله تعالى: "لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبق"، زاعمين أن الطبق هي السماء، فيكون المعنى لتركبن أيها الناس طبقا أي سماء بعد سماء، حتى تصعدوا فوق السموات، والصواب أن معنى الطبق هو الحال المنتقل إليها من موت ونحوه وهو القيامة، بدليل قوله تعالى بعده: "فمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ". ومما ذكره دليلا على ذلك؛ الأمر بالارتقاء في قوله تعالى: "أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَاب"، فإنه تحد للخلق أن يصعدوا إلى السماء، وأن قوله تعالى: "جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ"؛ إشارة إلى هذا، باعتبار ما فيه من إبهام الجند المدلول عليه ب (ما)، وإن كان العلماء قد فسروا الجند بمن كذبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهزموا في بدر أو فتح مكة، هذا ملخص ما ذكره رحمه الله، فارجع إلى تفاصيله في أضواء البيان، والله المستعان. يوم الثالث والعشرين من شهر المحرم 1444

الخاطرة 426

لو قال الدكتور أحمد الريسوني رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في جوابه عن سؤال قضية الصحراء الغربية: إن جهودنا أفرادا وجماعات ودولا ينبغي أن تتظافر على دعم وحدة أمتنا التي جمعتها العقيدة والشريعة، كي نحد من الانقسام والتجرئة التي نحن عليها بسبب النزعات العرقية والجهوية والقومية، ودسائس الدول الاستعمارية؛ لكان جوابه حقا يرضي عنه الله ورسوله وصالح المؤمنين، ولأرضى -بما فيه من إجمال- من أراد أن يرضيه من الحكام بكلامه، ولحمد له علماء الأمة ودعاتها هذا القول، ولا يصح أن تغطي الوطنيات الحديثة على هذا الأصل الأصيل، وإن كان بعيد المنال اليوم كما سأذكره. ولو أنه دعا إلى تعاون دول المغرب الإسلامي في إطار الاتحاد الذي أنشأته، وبقيت أهدافه حبرا على ورق؛ لإيجاد حل لهذه القضية التي مر عليها خمسون سنة، مبتعدين عن المزايدات السياسية، والتعنت في المواقف، مراعين مبدأ استشارة السكان، الذي اتفق عليه، وتعطل تنفيذه لأسباب يطول ذكرها؛ لكان قد وفى بغرض كبير من الأغراض التي تهدف إليها الهيئة التي يرأسها. إن هذا المقصد الشرعي العظيم الذي لا يجوز أن يختلف المسلمون فيه من حيث المبدأ؛ محتاج إلى تفصيل بالنظر إلى أوضاع دول العالم اليوم، فوحدة أمتنا هو حلمنا الذي لا يزال منه دفن فينا، وهو الوطن الإسلامي غير المكبل بهذه الحدود المصطنعة، لكنه ضاع أو كاد بما عرف بالتقسيم الموروث عن الاستعمار وغيره مما طرأ. لم يعد الضم القسري للأرض ومن عليها إلا طريقا إلى الفتن وسفك الدماء، فكيف إذا ألبس ثوب الجهاد ودعا إليه بهذا الصراحة من يرأس هيئة يقال إنها تمثل علماء المسلمين؟. إن أمثلة مفاسد الضم القسري للأرض في عالم اليوم كثيرة، وحسبك مثال الصين، فمع أنها من القوى العظمى لم تقدم على ضم جزيرة تايوان بالقوة، مع أن ألد أعدائها وهي أمريكا تعترف في الظاهر بأنها منها، وضمها من اليسر عليها بموضع، لو أرادت المغامرة، والتفت إلى ما جرى ويجري في أوكرانيا، وجنوب تركيا، وغرب إيران، وإقليم كشمير، وجنوب تايلاندة، ومنطقة الباسك، وإيرلاندا الشمالية، وغيرها. فلنقنع بالمحافظة على رقعنا داخل الحدود الموجودة، بدل هذا التوقان إلى الرقع التي حسم سكانها أمرها، ومر عليها عقود من (الحيازة)، فإن مخالفة ذلك سبيل الفتن والقفز في المجهول، ودفع المفاسد مقدم، ولا تنهض بيعة الأسلاف في موريتانيا أو الصحراء الغربية شافعا لنرجع بحدود الدول إلى ما قبل الاستعمار كما هو رأي الدكتور الريسوني الذي قلد فيه سلفه علال الفاسي رئيس حزب الاستقلال، فاللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات. لقد تجاوز الدكتور الريسوني حدود الشرع الذي هو متخصص في مقاصده، وحدود التعقل حين أعلن أنه هو وسائر علماء المغرب ودعاته وسكانه مستعدون للزحف نحو الصحراء الغربية وتندوف والإقامة فيهما يجاهدون بأموالهم وأنفسهم متى أمرهم بذلك الحاكم، وأنهم لا يحتاجون في هذا إلى الصهاينة الذين حصلوا على موطئ قدم في هذا البلد الإسلامي العريق، وهو الذي يرأس لجنة القدس، ولم يحتاجون إلى اليهود إذن وقد كفوهم المؤونة حسب ما تعهد به الدكتور؟ إن هذا الذي تورط فيه لا يقع فيه عوام المسلمين ولا أحسب أن حكام بلده يقولونه أو يسرون بسماعه، وقد تبين من توضيحه الذي ازداد به موقفه وضوحا أن قوله ليس عثرة تجمل إقالته منها. ومن الغريب أن يصدر بيان توضيحي عن أمانة ذلك الاتحاد ليقره على ما قال تحت غطاء الرأي الشخصي الذي لا يمثل إلا وجهة نظر قائله (!!)، وأن هذا البيان من أمانة الاتحاد صدر بعد مشاورة رئيسه (!!)، كأنه تطبيق لمبدإ (يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه) (!!)، هي طرق ملتوية ينتهجها السياسيون للخروج من المآزق التي يقعون فيها، وليست من أساليب علماء الأمة الناصحين الذين يرجعون إلى الحق ليقينهم أن الرجوع إليه فريضة، وهو من خشية الله، وإنما يخشى الله من عباده العلماء. ليلة الثاني والعشرين من شهر المحرم 1444

الخاطرة 427

(1) الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وإخوانه، وبعد: فإن العلة أهم أركان القياس الأصولي، لأنها الجامعة بين الأصل المعلوم حكمه، والفرع المراد معرفة حكمه. وهي إما منصوصة وإما مستنبطة، وقد اصطلح أهل الأصول على تسمية طرق معرفتها بمسالك العلة، ومن أهمها مسلك (السبر والتقسيم)، وهو أن ينظر فيما يحتمل أن يوصف به الأصل، فيحصره يقينا أو ظنا بطرق الحصر التي ذكروها، ثم يميز ما يصح أن يناط به الحكم مما ليس كذلك، ليعمل الأول في القياس، ويلغي الثاني لكونه وصفا طرديا، أي غير مناسب لنوط الحكم به، أو لغير ذلك من الموانع. وقد قال صاحب المراقي في تعريف هذا المسلك: والسير والتقسيم قسم رابع * أن يحصر الأوصاف فيه جامع ويبطل الذي لها لا يصلح * فما بقي تعيينه متضح فأهل الأصول إنما يعملون هذا النظام العقلي في استنباط الأحكام بواسطة الإلحاق، أما أهل الجدل فقد سموه التقسيم والترديد، وأعملوه في الرد على المخالف، بأن يحرر موضع النزاع، وتحصر أوصاف المحل، وهو الأمر المختلف فيه، ثم ينظر في الأوصاف، فإما أن يتوصل إلى ابطالها جملة، فينهض الاستدلال على رد الحكم، أو يبطل منها ما لا يخالف الخصم في بطلانه، ويبقى غيره، فيتعين أنه هو الصواب. وقد جاءت أمثلة عدة لهذا المسلك في كتاب الله تبارك وتعالى في سياق المحاجة والجدل، فهي رد على من زعم أنه ليس فيه أصول المحاجة والجدل العقليين اللذين لا خبط فيهما ولا سفسطة. فمن ذلك قوله سبحانه منكرا على المشركين تحريم بعض الأنعام من الذكور أو الإناث: "قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ"، فعلة التحريم إن كانت الذكورة؛ فيلزمهم أن يحرموا كل ذكر، وإن كانت الأنوثة؛ فيلزمهم أن يحرموا كل أنثى، وإن كانت العلة تعم النوعين، وهو ما حملته الأرحام؛ فيلزم أن يحرموا الذكور والإناث معا، أما إن كان تحريمهم من غير علة؛ فهل جاءهم بذلك خبر من الله، المستيقن أنهم لم يأتهم شيء من ذلك، وهم لا يدعونه، وهو المقصود بقوله "أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا". فقد أبطل عليهم بهذا المسلم المصطلح على تسميته ب(السبر والتقسيم) ما زعموه من تحريم بعض الذكور وبعض الإناث بمجرد التحكم، فلم يبق إلا أنهم يفترون على الله الكذب، فلهذا قال: "فمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين". ومنه قوله تعالى: "أفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا"، وهو رد على استهزاء العاص بن وائل حين طالبه خباب بن الأرت برد الدين الذي له عليه، فزعم أنه يؤتى مالا وولدا في الآخرة، وأنه سيقضيه دينه متى بعث، وقد يكون مستهزئا فعومل هزؤه باعتباره جدا، وحصرت الاحتمالات التي من وراء زعمه، فإما أن يكون له عند الله عهد، أو أنه اطلع الغيب، و كل واحد منهما باطل، فظهر كذبه، وقد دل على تكذيبه ردعه ب(كَلَّا) في قوله: "كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا". ومنه قوله: "أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون"، فإن الاحتمالات ثلاثة، فإما أن يكونوا قد خلقوا ولا خالق لهم، وإما أنهم هم الخالقون لأنفسهم، وإما أن الله هو خالقهم، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث. وأهل الأصول إنما وظفوا هذا المبدأ في خصوص القياس، وقد يكون منهم من إذا جادل استعمله. وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله عن السبر والتقسيم في أضواء البيان حيث جود الكلام عليه وأفاض بما لا مزيد عليه: "وأعلم أن كلا من المنطقيين والأصوليين والجدليين يستعملون هذا الدليل في غرض ليس هو غرض الآخر من استعماله، إلا أن استعماله عند الجدليين أعم من استعماله عند المنطقيين، والأصوليين". وقال عن استعماله في الجدل: إنه أعم نفعا وأكثر فائدة، وأنه دليل عظيم، وتاريخي، يعني بذلك هذه القصة التي سأذكرها في الجزء الثاني، وقد أوردها الخطيب البغدادي في تاريخه، وحصلت وقت فتنة القول بخلق القرآن التي أوذي فيها إمام أهل السنة وهو أحمد بن حنبل رحمه الله وغيره، وقد كان ابن أبي دؤاد من موقدي نار تلك الفتنة، فكان هذا الدليل سببا في إبطال القول بخلق القرآن، وتوبة الخليفة وهو الواثق بالله من القول به، وإكراه العلماء على اعتقاده... يتبع. الثاني من شهر صفر 1444

الخاطرة 428

(1) عقد النكاح مرتين؟!! جرت العادة أن تسجل عقود الزواج في البلديات، أو عند الموثقين، ثم يدعى الناس إلى الوليمة ليجري الإيجاب والقبول بين ولي المرأة أو وكيله، وبين الزوج أو وكيله. كانت هذه العادة قليلة قبل عقود، لكنها اليوم كادت تعم، بعد أن منعت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف موظفيها من الإشراف على ما يسمى ب(الفاتحة) قبل توثيق العقد، لاجتناب ما قد ينشأ عن عدم كتابته من النزاع وضياع حقوق المرأة، فصرنا إلى عقد مكتوب، هو الذي تترتب عليه أثاره عند الدولة، ويعتد به في القضاء، وعقد آخر بعده يسمونه عقدا عرفيا، ولما في هذا الأمر من المخالفة وهي العقد مرتين كما أرى؛ رأيت أن أذكر جملة أمور لها صلة بهذا الأمر: 1 - منها أن أركان عقد النكاح عند المالكية خمسة هي ما أشار إليه خليل بن إسحاق رحمه الله بقوله: "وركنه ولي وصداق ومحل وصيغة"، والمقصود بالمحل ما تقوم به حقيقة النكاح، وهما الزوجان الخاليان من الموانع، ولا يشترط ذكر الصداق في صحة العقد، لإن نكاح التفويض صحيح كما دل عليه قول الله تعالى: "لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً"، فإن اتفق المتعاقدان على إسقاطه كان العقد باطلا، ولا يلزم الإشهاد قي مذهب مالك على العقد إذا أعلن، لكن يلزم قبل الدخول، وهو رواية عند أحمد رحمهما الله. واختلف في الصيغة هل هي داخلة في ماهية العقد، فتكون ركنا كما هو ظاهر كلام خليل وابن الحاجب وغيرهما، أم لا تدخل في ماهيته، فتكون دليلا على الماهية، وقد بين صاحب المراقي معنى كل من الركن والشرط والمقصود من الصيغة في العقود عموما ومنها عقد النكاح فقال: والركن جزء الذات والشرط خرج * وصيغة دليلها في المنتهج وقد جرى كثير من أهل العلم على إطلاق كل من الشرط والركن أحدهما على الآخر مجازا لعلاقة المشابهة، وهي توقف وجود الماهية أو صحتها على هذا أو هذا. وقد ذهب ابن عبد السلام رحمه الله إلى أن الصيغة دليل الماهية وليست هي، لأن الدليل غير المدلول، وتفسيره أن الصيغة دليل على حصول العقد، والعقد هو المدلول عليه بها، فلا تكون جزءا من ماهيته، والذي قاله رحمه الله متجه قوي، ولأن الصيغة أيضا دليل التراضي على مضمون العقد، فتكون وسيلة يصح أن يقوم غيرها مقامها كما في حال البكم والصمم وجهل المتعاقدين كل منهما لغة الآخر. وفي هذا العصر -وهو عصر الكتاب- غلب التوقيع على العقود من غير إيجاب ولا قبول، ومثله كل الالتزامات التي تدونها الإدارات والشركات، وفي الغالب تكون من غير اتفاق مسبق بينها وبين المتعاملين، فيكون التوقيع عليها ملزما لمن وقع عليها. وقد قلت في الشرح المسمى بالعجالة عن الصيغة: "وهي الإيجاب والقبول من الطرفين، وهي دليل الركن الذي هو التراضي، ويغني عنها الآن التوقيع على ما يعده الموثق أو غيره من أعوان الدولة"، انتهى، وهذا لا ينفي التمسك بالإيجاب والقبول في عقد النكاح لما فيهما من الابتعاد عن الاشتباه وما يكون فيهما من ذكر الله. ولا بأس أن أثبت هنا تعليق الشيخ أبي سعيد بن أحمد سدده الله على كلامي في العجالة، وهو الذي قرأ الكتاب قبل طبعه الطبعة الأولى منذ خمس عشرة سنة؛ قال: "إن العلماء الذين اشترطوا في الإيجاب والقبول اللفظ الصريح من قادر (وأما الأخرس فبالإشارة المفهمة) إنما انطلقوا من قاعدة (الأصل حرمة الفروج)، فلزم الاحتياط، وقد ذكر (...) ابن حنفية هذه القاعدة هنا في ص 97). ما أثبت هذا إلا للتنويه بما عليه الشيخ أبو سعيد من الأناة والرفق وذكر ما يراه حقا في هدوء وسكينة، كما ترى في تعليقه، فإن العلم بدون هذا لا ينتفع به الناس، فجزاه الله تعالى خيرا، وفي أصحابنا وغيرهم كثير ممن هم على هذا النهج القويم في الدعوة، فليثبتوا عليه، وليحرصوا على الحق، وليصبروا على لأواء الطريق، وللمنشور بقية. ليلة الثامن من شهر صفر 1444

الخاطرة 428

(2) تابع، اقرأ ما قبله 2 - وإذا تقرر ما سبق من حكم الإيجاب والقبول في عقد النكاح؛ فإنه لا يجوز أن يجريا مجددا فيما يسمى ب(الفاتحة) متى كان العقد الموثق قد سبق مستوفاة أركانه، إلا إذا زوجت المرأة بدون وليها غير العاضل، لأن قانون الأسرة يمكنها من ذلك وهو مما يؤسف له. 3 - ولا يسكت على إعادة العقد، وحضور أئمة المساجد والدعاة من غير بيان تثبيت لهذه العادة غير المشروعة، وإخلال بمبدإ النصح للمسلم. 4 - وأقترح على أولي الأمر إنهاء هذه الازدواجية بأن يخول المشرفون على العقود توثيقها في مطبوعة تحول إلى ضابط الحالة المدنية للتسجيل وإثبات توقيعات الزوجين والولي والشهود في السجل الخاص كما يجري في بعض البلدان، وأحسب أن نظام مؤسسة المسجد الذي مضى على صدوره أزيد من ثلاثين سنة فيه ما يساعد على هذا. 5 - وأيسر من هذا أن يجري الإيجاب والقبول بين المتعاقدين قبل الإمضاء على السجل، لنرتاح من الشبهة التي قد يتذرع بها من يتمسك بإعادة العقد!! 6 - وعقد النكاح يتم بين ولي المرأة أو وكيله والزوج أو وكيله، فما اعتاده الناس من حضور أمام مسجد أو غيره للإشراف على العقد ليس مطلوبا شرعا، ولما كان كثير من الناس يظنون أنه لا بد منه؛ لزم أن يبين لهم ذلك، والترك أحيانا من طرق البيان. 7 - فإن اغتنمت فرصة الوليمة لإعلان الزواج الذي تقدم توثيقه فلا مانع، فإن إفشاءه مطلوب، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح"، رواه أحمد وأصحاب السنن إلا أبا داود عن محمد بن حاطب وحسنه الترمذي، والله أعلم. 8 - ومنها أن تسمية هذا العقد ب(الفاتحة) لا يصح أن يفهم منه أن قراءتها مشروعة، فضلا أن يفهم أنها لازمة. 9 - ومن العادات القبيحة أن لا يجيب ولي المرأة وكيل الزوج حين التخاطب إلا بعد المرة الثالثة، ويعتبر الحاضرون ذلك من تكريم المرأة والتحفظ في تزويجها. 10- ومنها تعليق التزويج على مشيئة الله تعالى، بأن يقول ولي المرأة في الجواب: أعطيك إذا أعطاك الله، فإن العقود لا تصح مع التردد، ومشيئة الله محجوبة عنا، وإنما نعرفها إذا تمت أعمالنا، وقد يقال إنها لمجرد التبرك، والقرائن تدل على استبعاد هذا الاحتمال، والله أعلم. 11- والجادة أن يصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالألفاظ المأثورة أو يكتفى بالصلاة والسلام عليه وعلى آله، أما ما اخترعه الناس من الكلام كقولهم اللهم صل على سيدنا محمد الذي تنفرج به الكرب وتنحل به العقد ويستسقى بوجهه الغمام، فإن أقل ما فيه الإطراء الذي نهانا عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه والحمد لله رب العالمين. يوم التاسع من صفر 1444

الخاطرة 429

(1) سبب عدم تكلم الصحابة في العقائد. قال الشيخ محمد عبده رحمه الله في كتابه (رسالة التوحيد) مبينا السبب الذي جعل الصحابة ومن أدركهم من التابعين لا يشتغلون بالكلام في العقائد حسب ظنه: "ولم يكن للناس من الفراغ ما يخلون فيه مع عقولهم ليبتلوها بالبحث في مباني عقائدهم، وما كان من اختلاف قليل رد إليهما، وقضي فيه الأمر بحكمهما". قلت: في قوله هذا أمران هما عدم تفرغهم للتكلم في مباني العقائد، والثاني قلة اختلافهم فيها. 1- أما الأول فليس كما قال رحمه الله، بل هو توفيق الله تعالى لهؤلاء الأخيار، بما علم في قلوبهم من خير، حيث آمنوا بالغيب كله، ولم يخوضوا فيه بعقولهم، ولا تأولوا شيئا منه، ولا سألوا عنه لوضوحه، وقد سألوا عن دق الأمور وجلها، مما هم في حاجة إليه من عبادة ربهم، ومعاملات خلقه، فكيف لا يسألون عن صفات معبودهم وخالقهم؟. أخرج الهروي عن الشافعي قال: سألت مالكا عن الكلام في التوحيد فقال مالك: "محال أن يظن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه علم أمته الاستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فما عصم به الدم حقيقة التوحيد". [ذم الكلام (ق - 210)] فالتعليل الصواب لتركهم الكلام في العقائد؛ هو أنهم لم يروا الخوض فيها بعقولهم سائغا، يدل عليه اختلافهم الكثير في الأحكام العملية، وأقوالهم في فهم كلام ربهم، وكلام نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وقياس ما لم يعلم من الأحكام على ما علم، ودواوين آثارهم طافحة بذلك، وهل يعقل أنهم يتلون كتاب ربهم، ويتدبرون معانيه، وأعظمها صفاته، ثم لا يفهمونها ولا يسألون عنها؟ وإذا لم ينطبق عليهم قول الله تعالى: "إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وجلت قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا"؛ فعلى من ينطبق؟ وما هذا الذي يزداد به إيمانهم أكثر من العلم بربهم؟ فهل من تلاهم أعلم به منهم؟ وقد كان فيهم رسول الله الذي هو أعلم الخلق به وأتقاهم له. حماهم الله فلم يغبنوا في فراغهم -إن كان لهم فراغ- كما غبن كثير من الخلف فيه، فاشتغلوا بما لم يؤذن لهم، ثم لم يحصلوا على غير الندامة كما صرح به نظارهم، بعد طول ممارسة، وكبير عناء، وجدال عقيم، صيروا بها العقائد مصطلحات ورسوما لا تزكي باطنا، ولا أثر لها يصلح ظاهرا، فبئست خلوة العقل التي تخضع طريق معرفة الله له، وقد كرم الله به بني آدم، فصيروه حاكما على وحيه، فما قبله قبلوه، وما رده ردوه أو أولوه، ثم إنهم لم يتفقوا على ما ظنوه أحكاما عقلية يقينية. 2 - وأما قوله: "وما كان فيه من اختلاف قليل رد إليهما"؛ فهذا حق، غير أنه لا فرق في لزوم الرد إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين قليل الخلاف وكثيره، فكيف إذا حصل بتجاوز الناس ما حد لهم؟ وأعرضوا عما هو عصمة لهم من الضلال، وأعظم التجاوز أن يردوا كل ما لا تبلغه عقولهم، ويستعلوا بأفكارهم على ذكر ربهم. وقد عم ربنا في إيجاب الرد عند التنازع إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْاَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا". بل جعل حكمه في الخلاف بين الناس مناط رسالاته كلها إليهم: "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم". فكيف يأمرهم بالرد إلى ما لا ينهي الاختلاف بينهم لو صدقت العزائم، وصحت النوايا، واطرح التقليد، وحب الغلب والظهور، لقد جعلوا كلام ربهم بتأويلهم سببا في اختلاف جديد عميق، فرقهم شيعا في أعظم واجب عليهم وأوله، وهو معرفته سبحانه، وإن تعجب فعجب أن يقيموا معرفة الله التي لا بد منها لكل أحد على المنطق والكلام والفلسفة التي صيروها حكما غير منازع في فهم صفاته عز وجل، عليها يعتمدون، وعنها يناضلون، فمن لم يصطنع مصطلحاتهم ورسومهم فهو جاهل أو حشوي أو مجسم، بل قال بعضهم إنه كافر، وقد قال الله تبارك وتعالى: "أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون". يتبع.. في العاشر من صفر 1444

الخاطرة 429

(2): خصائص عقيدة المسلمين هذه بعض خصائص عقيدة المسلمين التي جمعتهم على عهد الصحابة ومن تلاهم من القرون المفضلة، ثم اختلفوا وتفرقوا لتخلي كثير منهم عنها، أذكر ما حضرني باختصار، وكل فقرة منها محتاجة إلى بسط وتفصيل. * المعتمد فيها الوحي وهو الكتاب والسنة وما أجمع عليه المسلمون. * ولا مجال فيها للآراء والأقيسة، فإن ما بني عليهما لا يصدق على فاعله وصف الإيمان بالغيب تاما، قال الله تعالى عن كتابه: "هُدًى لِّلْمُتَّقِين الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ". * ونصوصها مستقلة الدلالة على ما سيقت له، فلا يتوقف فهمها في الغالب على غيرها كما هو شأن الأحكام العملية التي قد لا يؤخذ حكمها إلا من دليلين، وقد يصل إلى أكثر من ذلك. * والمطلوب هو إمرار مدلولات نصوصها على ظاهر لفظها إلا ما قام الدليل على تأويله، وبهذا يجتنب التعطيل والتأويل والتكييف، إذ الأصل هو الظاهر، ومعنى الكلام معروف، وتكييف الغيب ممنوع، لأنه من قياس الغيب على الشهادة ولا يصح. * والأصل عدم احتمال نصوصها أكثر من معنى، فإن الاحتمالات شأن العمليات، لانبنائها على العلل والمناسبات، قال ابن القيم رحمه الله: "ليس في آيات الصفات مجمل يحتاج إلى بيان من خارج، بل بيانها فيها، وإن جاءت السنة بزيادة البيان والتفصيل". * والجادة ترك الخوض فيها بالآراء وتوليد الكلام دون الاهتداء بمصادرها، ومن خالف ممن هم على الاهتداء بهذا؛ فللرد على من خرجوا عن هذا النهج القويم. * ولهذا قل الاختلاف فيها بين المتجردين لاتباع الحق من مصدره، فلا يكاد يذكر، يشهد له حال الصحابة والتابعين. * وقد عظم اختلاف الناس فيها وتفرقهم بمقدار اعتمادهم على العقل، وهم فيه مختلفون أيضا. * وليس في العقائد ما هو غير واجب، فيتعين اعتقاد ما قام عليه الدليل. * والمطلوب فيها اليقين، وهو ليس الذي يعتمده المناطقة. * ويختلف الكلام فيها مع المسلم عن غيره من الملحدين وعبدة الأوثان. * وتتميز بالثبات والاستقرار بخلاف عقائد المتكلمين والفلاسفة فهي متذبذبة متحولة. * والكلام على صفات مولانا فرع الكلام على ذاته، فمن أثبت ذاتا لمولانا لا يدري كنهها؛ لزمه إثبات الصفات التي أثبتها لنفسه من غير أن يكيفها. * وقاعدة تنزيه الباري سبحانه هي النفي المجمل والإثبات المفصل، وأدلة ذلك كثيرة، وجماعها قول الله تعالى: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصير". * والمطلوب لوقاية النفس من الزيغان، ومن إهدار طاقة الفكر في غير طائل؛ التفكير في مخلوقات الله وآلائه، لا في ذاته، دل عليه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذاته". * وأول واجب على المكلف فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، كما دل عليه حديث معاذ رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى اله عليه وآله وسلم إلى اليمن، وقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلا الله.. الحديث. * ومعرفة الله تعالى مقطورة عليها النفس، وجاءت رسالات الله للعودة بها إلى أصلها، وبمقدار ارتكاسها يعسر إصلاحها، قال الله تعالى: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ". * وبهذه العقيدة تجتمع الأمة على أعظم ما في دينها، وهو معرفة الله تعالى، والحمد لله رب العالمين... يتبع. قرية حجاج ولاية مستغانم ليلة الخامس عشر من شهر صفر 1444

الخاطرة 429

(3) تابع، اقرأ ما قبله يختلف متقدمو الأشعرية عن متأخريهم في أمور عدة أولاها بالاهتمام ما اعتمدوه في إثبات وجود الباري عز وجل، وهو المسمى دليل الحدوث، أعني الوجود بعد العدم، متأثرين بالفلاسفة وأهل الكلام، معرضين عن أدلة الكتاب والسنة لأن دلالاتها ظنية!!. فالموجودات جواهر وأعراض، أي أجسام وصفات، والجواهر لا تخلو من الأعراض، بل هي لازمة لها، ولما كانت الأعراض متغيرة، كانت الجواهر متغيرة، وكل متغير حادث، والحادث لا بد له من محدث (خالق)، وهو الله عز وجل. لكنهم لم يقفوا عند إلزام هذا الأمر العسير عامة الناس، بل حكموا ما فهموه من معنى الجوهر ومن معنى العرض في عالم الشهادة، على ما هو غائب عنهم، وجعلوه في مقدمة كلامهم على العقائد، وهو محط النظر في المخلوقات، الذي هو أول الواجبات، وهو الطريق الوحيد عندهم إلى معرفة الله، الخالي إيمان صاحبه من الترديد، غير مفرقين بين المقر بالرسالة وغيره، والمقصود أن دليل الحدوث يرجع إليه كثير مما عليه المتأخرون من الانحراف وتأويل نصوص الصفات. ومتقدمو الأشعرية كانوا يعظمون نصوص الوحيين، وعلى رأسهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، فقد قال في رسالته إلى أهل الثغر مقررا الاحتجاج بالكتاب والسنة على العقائد، وأبرزها صفات مولانا سبحانه، رادا على من اعتمد تلك المقدمات الكلامية من المعتزلة -وهم القدرية- وغيرهم ممن ذكرهم في قوله: "...صارت أخباره صلى الله عليه وآله وسلم أدلة على سائر ما دعانا إليه من الأمور الغائبة عن حواسنا، وصفات فعله، وصار خبره عن ذلك سبيلا إلى إدراكه، وطريقا على العلم بحقيقته، وكان ما يستدل به من أخباره على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة، ومن اتبعها من القدرية، وأهل البدع المنحرفين عن الرسل". انتهى... يتبع. ليلة السادس عشر من شهر صفر 1444

الخاطرة 429

(4) تابع، اقرأ ما قبله لقد وقفت على كلام أبي الحسن الأشعري رحمه الله في الاعتماد على نصوص الكتاب والسنة، والتثريب على من استبدل بهما دليل الحدوث من القدرية والفلاسفة والمبتدعة إجمالا، ولك أن ترجع إلى كتابه (الإبانة عن أصول الديانة) لتقف على تطبيقه ذلك عمليا في إثبات كل ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من الصفات عموما، لا فرق بين العقلية السبعة التي قال بها المتأخرون والخبرية كالوجه واليدين التي أولوها، مع حرصه على ذكر عدم التكييف مع كل ما يذكره منها. وقد مهد لكلامه المفصل عن تلك الصفات بقوله: "قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها؛ التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته؛ قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، عند ظهور الضلال.. الخ. وفي مقابل هذا فلتقف على كلام بعض من جاء بعده ممن انتمى إليه في هذا الأمر، فقد قسموا مباحث العقيدة أقساما ثلاثة هي الإلهيات والنبوات والسمعيات، ولم يجيزوا الاعتماد على نصوص الوحي إلا في المبحث الأخير، وهذه مخالفة ظاهرة لما كان عليه الأشعري رحمه الله، وذكري هذا ليس للاحتجاج بكلامه، فإن أهل العلم يستأنس بكلامهم ولا يستدل به، ومن عرف الحق بالرجال تاه في مهامه الضلال، بل الغرض ذكر مخالفة المتأخرين له في هذا الأمر الجلل مع أنهم ينتسبون إليه وهو تركهم الاعتماد على الوحي في إثبات العقائد. قال أبو المعالي الجويني رحمه الله: "والظواهر التي هي عرضة التأويلات لا يسوغ الاستدلال بها في القطعيات"، وهو في (الشامل في أصول الاعتقاد). وقال سيف الدين الآدمي عليه رحمة الله في (المطالب العالية): "ولعل الخصم قد يتمسك هاهنا بظواهر من الكتاب والسنة وأقوال بعض الأئمة، وهي بأسرها ظنية، ولا يسوغ استعمالها في المسائل القطعية، فلهذا آثرنا الإعراض عنها، ولم نشغل الزمان بإيرادها"!! اهـ قلت: كلام الآمدي بذكر الإعراض عن الوحي وعدم شغل الوقت به شنيع، لكن تحسين الظن بالمسلم فضلا عن العالم يستبعد معه القصد إلى ظاهر هذا اللفظ القبيح في هذا المقام. وظاهر كلام فخر الدين الرازي رحمه الله تحريم الاعتماد على الكتاب والسنة في مبحث الإلهيات، فإن هذا هو المعروف اصطلاحا من نفي الجواز، وهو ممن يراعون، وقد يكون قصده عدم قبول الاستدلال، قال: "فهذا تقرير البحث عن قولنا: التمسك بالدلائل اللفظية في المطالب اليقينية لا يجوز"، ونسأل الله ربنا أن يغفر للمؤمنين والمؤمنات، يتبع. الثامن عشر من صفر 1444

الخاطرة 429

(5) تابع، اقرأ ما قبله ذكر الشيخ محمد بن إبراهيم البيجوري في شرحه على جوهرة التوحيد -وهي نظم إبراهيم اللقاني رحمهما الله- أن في أول الواجبات على المكلف اثني عشر قولا، ثم بينها، قلت: وبعضها يمكن إرجاعه إلى بعض باعتبار ما، فتقل الأقوال. منها أن أول واجب هو معرفة الله، وقيل هو النظر الموصل إلى المعرفة، وهما قولان لأبي الحسن الأشعري رحمه الله، وقيل هو الشك، وقيل النطق بالشهادتين، وقيل التقليد، وبعد أن استوفى البيجوري الأقوال ختم بقوله: "والصحيح أن أول واجب مقصدا؛ هو المعرفة، وأول واجب وسيلة قريبة؛ النظر، ووسيلة بعيدة؛ القصد إلى النظر". قلت: إن ثبت القولان السابقان عن أبي الحسن الأشعري؛ كان الأول هو ما قال عنه أبو جعفر السمناني: "القول بإيجاب النظر بقية بقيت في المذهب من أقوال المعتزلة"، وقول السمناني ذكره ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل، ومراد السمناني فيما يبدو لي؛ ليس حكم النظر، بل تعيينه طريقا إلى معرفة الله تعالى، فتنبه فإنه لا تلازم بين الأمرين. ومع هذا فالمعتمدون على دليل الحدوث في معرفة الباري؛ يقولون إن دليل الوجوب هو الشرع لما ورد فيه من الأمر بالنظر، وسبب اعتمادهم على الشرع في وجوب النظر بدل العقل الذي طغوا فيه؛ أنهم يمنعون التحسين والتقبيح العقليين. قلت: وهذا اضطراب في أول الواجبات، فكيف بما بني عليه من تفاصيل؟ ووجه الاضطراب كما قال الدكتور أحمد بن محمد النجار: (أن وجوب المعرفة إنما يؤخذ من الشرع، وهذا يستدعي أن تكون معرفة الله متوقفة على الشرع، مع أن الشرع عندهم متوقف على معرفة الله بالنظر)!! انتهى. قلت: ما كان أغنانا عن هذا الجدل، وتمضية الوقت الثمين فيما لا طائل تحته؛ لولا هذه الحملة الشعواء على عقيدة السلف، واتهام من اتبعها بالتجسيم، ولمزهم بالحشوية، وبأنها عقيدة اليهود، وغير ذلك من الأوصاف القبيحة، فلنرجئ الكلام على معنى النظر والمعرفة وحكمها الى الحصة القادمة. ليلة 21 من شهر صفر 1444

الخاطرة 429

(6) تابع، اقرأ ما قبله النظر في اللغة هو الإبصار، أي إدراك الشيء بحاسة البصر، وقال أبو البقاء رحمه الله في كلياته: "هو تقليب الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته، ولما كانت الرؤية من توابع النظر ولوازمه غالبا؛ أجري لفظ النظر على الرؤية على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب". وقال عن المقصود الذي جعلوه وسيلة لازمة إلى معرفة الله تعالى: "هو ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم"، ونسبه ميارة في شرحه الكبير إلى البيضاوي رحمهما الله. وقال ابن العربي المعافري رحمه الله: "هو الفكر المرتب في النفس على طريقة تفضي إلى العلم، يطلب من قام به علما في العمليات، أو غلبة ظن في المظنونات"، وقد علمت تفسير النظر بالترتيب الذي سلكه المتكلمون في دليل الحدوث فلا حاجة إلى ذكره. والمراد بالمعرفة عندهم هو الجزم المطابق عن دليل، وهو مناف للظن والشك والوهم، ويسمى الاعتقاد الصحيح، فإن كان مطابقا للحق من غير دليل -وهو ما عليه عامة المسلمين- فإنه لا يصح الاكتفاء به في العقائد، واعتبره السنوسي رحمه الله الحق الذي لا شك فيه، وأنه قد حكى غير واحد الإجماع عليه، قال: "وكأنه لم يعتد بخلاف الحشوية (!!) وبعض أهل الظاهر"ذك وستقف على كلام سيف الدين الآمدي وأبي منصور الماتريدي، وهو على النقيض من هذا تماما!! فتدبر هذا التضارب. ثم اختلفوا في الواجب الأول وهو المعرفة: هل هو عيني أم كفائي؟ هكذا قال بعضهم، ويظهر أن المعرفة نفسها واجبة على الأعيان، والخلاف في الطريق إليها الذي هو النظر، هل هو واجب عيني؛ فيلزم كل مكلف معرفته تفصيلا، أم كفائي فيكتفى بالإجمال؟ والدليل التفصيلي هو الذي يتمكن به من إزاحة الشبه، وإلزام المنكرين، وإرشاد المسترشدين، أما الإجمالي فهو الذي يرفع الناظر عن حضيض التقليد، ولا مخرج عنه لأحد من المكلفين، هذا ما نسب إلى التفتازاني رحمه الله في شرح المقاصد أو قريب منه، ولم يتيسر لي الرجوع إلى الكتاب. أما ما ذكره الدكتور أحمد بن محمد النجار في (التعليقات السنية) وهو أنه (ما يوجد في ذهن الإنسان ولا يعرف كيف يعبر عنه، ولا يتمكن معه من إزالة الشبه)، فهو أقرب إلى الفطرة التي فطر الله عليها الناس. وقد أبى فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى التفريق بين الدليل التفصيلي والإجمالي في كتابه (المحصول) فقال: "واعلم أن هذا الفرق إنما يتلخص إذا سلمنا لهم الفرق بين مباحث الجملة ومباحث التفصيل، وعندي أن هذا الفرق باطل".. الخ، ثم أطنب في بيان بطلانه. قلت: يلزم من نفي كفاية الدليل الإجمالي في معرفة الله؛ أن عامة المسلمين من أهل النار، وانظر ما قاله السنوسي رحمه الله في الكبرى فإن هذا هو مؤداه. ونقل البيجوري عن الآمدي رحمه الله ما يناقض هذا وهو (اتفاق الأصحاب على انتفاء كفر المقلد، وأنه لا يعرف القول بعدم صحة إيمانه؛ إلا لأبي هاشم الجبائي من المعتزلة!!)، ثم ذكر قول أبي منصور الماتريدي رحمه الله وهو: (أجمع أصحابنا على أن العوام مؤمنون، عارفون بربهم، وأنهم حشو الجنة، فإن فطرتهم جبلت على توحيد الصانع وقدمه، وحدوث ما سواه، وإن عجزوا عن التعبير عنه باصطلاح المتكلمين). لكن يلزم التنبيه إلى أن هذا الخلاف في صحة إيمان المقلد أطلقه بعض الأشعرية وهو يعني أنه غير مؤمن، وقيّده آخرون بأحكام الآخرة وفيما عند الله، فيكفي المقلد الإقرار في الدنيا!! فهذا اختلاف علماء الأشعرية فيما بينهم، ثم اختلاف فريق منهم مع الماتريدية الذين هم أقرب إليهم من غيرهم في أول واجب، وفي الوسيلة إليه، وفي الاعتداد بإيمان من لم يسلك طريق النظر -وهو دليل الحدوث- في معرفة ربه، فكيف يوثق بما رتب عليه وما تولد منه؟ وللمنشور بقية. ليلة الثالث والعشرين من شهر صفر 1444

الخاطرة 429

(7) تابع، اقرأ ما قبله إذا تنازلت فسلمت أن أول واجب هو النظر، ولا إخالك تفعل؛ فالتفت إلى ما ترتب عليه وهو وجود نتيجته، وقبل أن تبحث عن ذلك، فانظر في هذا الأمر الذي هو مرقاة إليه، وهو الربط بين الدليل وهو النظر، والنتيجة التي هي معرفة الله، فقد اختلف فيه الناس على أقوال أربعة، أكتفي بذكر اثنين منها: فقيل: إن الربط بينهما عادي كالربط بين النار والإحراق، وبين شرب الماء والإرواء، وهذا قول أبي الحسن الأشعري، وعليه المتأخرون من أتباعه، وعلى كون الربط عاديا؛ يمكن تخلفه (!!)، بأن لا يؤدي النظر إلى معرفة الله، لأن الحكم العادي عندهم اقتراني، ومعنى الاقتران أنه لا تأثير للسبب (النظر) في مسببه (المعرفة)، بل وقوعها بعده اتفاق، ولهذا قالوا إن اعتقاد عمل السبب بمعزل عن فعل الله كفر، أما اعتقاد أن الله خلق في السبب خاصية يؤثر بها؛ فقد اختلفوا فيه(!!). وقيل: إن الربط بين النظر ونتيجته وهي معرفة الله؛ عقلي، وعلى هذا فلا يمكن تخلفه عند انتفاء الآفات العامة كالموت(!!)، وهو قول أبي المعالي الجويني رحمه الله. والذي لا يخفى على البصير أن هذه النتيجة التي رتبوها على النظر متخلفة عن سببها إلا في النادر، لا فرق بين كون الربط عاديا أو عقليا أو مولدا، فكيف يقتصر على القول بإمكان التخلف؟ بل كيف يقال بعدم التخلف إلا لآفة كالموت؟ فكم الذين منعهم الموت من تحصيل معرفة الله بالنظر؟ فهل مات كل من لم يعرف الله بالنظر بعد بلوغه مباشرة بحيث لم يتمكن منه؟ لكأن القائل يعيش في عالم آخر متخيل!!. فاسأل عن عدد الذين عرفوا الله تعالى بهذه الواسطة على مر التاريخ من عوام الناس وعلمائهم، فإن عجزت فاعدل عن هذا إلى عصرك، فإنك تعرف بعض واقعه، أولا ترى علماء الطبيعة في الغرب وهم أعظم الناس إطلاعا على أسرار المخلوقات، حيها وجمادها، لا تكاد تعثر على من آمن منهم بوجود الله عن طريق النظر، فضلا عن أن يسلم؟. إن قصارى ما يمكن أن يصل إليه هؤلاء هو اعتقادهم وجود (قوة خفية) وراء هذا الذي لم يجدوا له علة وتفسيرا فيما يطلعون عليه من تكوين المخلوقات، ثم لا يدرون عن تلك القوة شيئا من صفاتها ولا تفاصيل أفعالها، فإن أقروا بوجود تلك القوة الغامضة عندهم، فإنهم يختلفون في تفسيرها، فيرى بعضهم أنها هي النور والظلمة، ويرى آخرون أنها الطبيعة نفسها، ويرى فريق أنها الأقانيم التي عند النصارى، إلى غير ذلك مما عليه الكفار، وللمنشور بقية. يوم الرابع والعشرين من شهر صفر 1444

الخاطرة 429

(8) تابع، اقرأ ما قبله قال ابن المظفر السمعاني رحمه الله يرد على المتكلمين طريقتهم التي سلكوها في إثبات وجود الباري سبحانه: "وكان مما أمر بتبليغه التوحيد، بل هو أصل ما أمر به، فلم يترك شيئا من أمور الدين أصوله وقواعده وشرائعه؛ إلا بلغه، ثم لم يدع إلى الاستدلال بما تمسكوا به من الجوهر والعرض، ولا يوجد عنه ولا عن أحد من أصحابه من ذلك حرف واحد فما فوقه، فعرف من ذلك أنهم ذهبوا خلاف مذهبهم، وسلكوا غير سبيلهم بطريق محدث مخترع، لم يكن عليه رسول ق ولا أصحابه رضي الله عنهم، ويلزم من سلوكه العود على السلف بالطعن والقدح، ونسبتهم إلى قلة المعرفة، واشتباه الطرق، فالحذر من الاشتغال بكلامهم، والاكتراث بمقالاتهم، فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم؛ إلا وتجد لخصومهم عليه كلاما يوازنه، أو يقاربه، فكل بكل مقابل، وبعض ببعض معارض، وحسبك ما يلزم من قبيح طريقتهم؛ أنّا إذا جرينا على ما قالوه، وألزمنا الناس بما ذكروه؛ لزم من ذلك تكفير العوام جميعا، لأنهم لا يعرفون إلا الاتباع المجرد، ولو عرض عليهم هذا الطريق ما فهمه أكثرهم، فضلا عن أن يصير منهم صاحب نظر، وإنما غاية توحيدهم؛ التزام ما وجدوا عليه أئمتهم في عقائد الدين، والعض عليها بالنواجذ، والمواظبة على وظائف العبادات، وملازمة الأذكار بقلوب سليمة طاهرة عن الشبه والشكوك، فتراهم لا يريدون عما اعتقدوه ولو قطعوا إربا إربا، فهنيئا لهم هذا اليقين، وطوبى لهم هذه السلامة، فإذا كفر هؤلاء وهم السواد الأعظم، وجمهور الأمة، فما هذا إلا طي لبساط الإسلام، وهدم منار الدين والله المستعان"، نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري. في السادس والعشرين من شهر صفر 1444

الخاطرة 429

(9) اقرأ ما قبله في كلام ابن المظفر رحمه الله الذي سبق؛ شيء يسترعي الانتباه، فقد انتقد طريقة المتكلمين في إثبات توحيد الله تعالى، والحق أنه انتقد مسلكهم في إثبات وجوده سبحانه، يدل عليه ذكره الجوهر والعرض وهو يبين ما دعا إليه النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام أمته: "ثم لم يدع إلى الاستدلال بما تمسكوا به من الجوهر والعرض". قال إبراهيم بن محمد البيجوري رحمه الله عن علم الكلام وهو علم العقائد عندهم: "ونسبته أنه أصل العلوم الدينية وما سواه فرع، وما أحسن قول القائل: أيها المغتدي لتطلب علما * كل علم عبد لعلم الكلام تطلب الفقه كي تصحح حكما * ثم أغفلت منزل الأحكام لعلك تعلم البيتين اللذين حل فيهما (علم الكلام) محل (علم الرسول)، فبئس البدل!! اعتاد كثير من الذين دونوا العقائد على هذه الطريقة؛ البدء بأقسام الحكم العقلي، جعلوه في مقدمة اهتمامهم، وهذا لا ضير فيه، لولا تحكمهم فيما أدخلوه في أقسامه الثلاثة -ولاسيما المستحيل- من مفردات النفي، فمسلكهم في إثبات وجود مولانا سبحانه منتقد من جهتين: إحداهما الطريقة التي سلكوها، والثاني كون وجوده تبارك وتعالى لا ينكره إلا من شذ، لأنه فطري، فما الحاجة إلى هذا التعني في تقرير دليل الحدوث مع المسلمين؟ فكيف إذا عرفنا أنه لا حاجة إليه مع المشركين؟. ثم قسموا حكم العقل إلى واجب ومستحيل وجائز، وبينوا انقسام الثلاثة إلى ضروري ونظري، وإلى ذاتي وعرضي، ليمهدوا لذكر ما يجب لله تعالى وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه عقلا، وهذا جيد، لكنهم غلوا في هذا الأمر حتى قالوا: إن من عرفه فاز بمعرفة الله تعالى(!!)، تجد ذلك فيما قاله صاحب شرح الصغرى رحمه الله: "وأعلم أن معرفة هذه الأقسام الثلاثة، وتحريرها، وتأنيس القلب بأمثلتها(!!) حتى لا يحتاج الفكر في استحضار معانيها إلى كلفة أصلا؛ مما هو ضروري على (هكذا) كل عاقل يريد أن يفوز (!!) بمعرفة الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام، بل قد قال إمام الحرمين وجماعة: إن معرفة هذه الأقسام الثلاثة هي نفس العقل(!!)، فمن لم يعرف معانيها فليس بعاقل.. (!!) انتهى. لتعلم أن اليقين المطلوب شرعا هو معناه في لغة العرب، وهو التصديق الجازم الذي لا شك فيه، وأن من المسلمين من لم يحز من الإيمان إلا قدرا تصح به اعماله، وهم من قال الله تعالى فيهم على أحد راجح التفسيرين: "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحيم". أما عند المنطقيين والمتكلمين؛ فاليقين هو الاعتقاد المطابق الذي لا يقبل الشك ولا الزوال، فيدخل فيه أمران: اعتقاد أن الشيء كذا، واعتقاد أنه لا يمكن أن يكون إلا كذا، هذا معنى ما في تفسير المنار، لكنهم اختلفوا كثيرا فيما يقررون من مفردات داخل هذا اليقين المدعى، فانتقضت عليهم الدعوى. أما الأمر الثاني؛ فإن الإقرار بمجرد وجود الله تعالى؛ ليس هو الذي بعثت به الرسل وأنزلت من أجله الكتب أصالة، فإن خلاصة رسالات الله إلى خلقه هي ما في قوله: "ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ"، وما من نبي إلا خاطب قومه بهذا الأمر: "ولقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ". ولذلك ما أغنى عن المشركين اعترافهم بوجود الله وأنه هو الخالق، فقد قال الله تعالى: "ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ"، ومنهج القرآن هو الاحتجاج بدليل الخلق والرزق وغيرهما مما يندرج في توحيد ربوبية مولانا عز وجل؛ على لزوم توحيده بعبادته وعموم طاعته، كما قال الله تعالى: "ياأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتّقون". وقد كان لهذا الاهتمام أثر على تفسير كلمة التوحيد في تقدير خبر (لا): أهو (موجود)، أم (معبود)، أم (معبود بحق)، وإن كان صاحب الصغرى رحمه الله بين معناها بيانا قويا صحيحا فقال: "فإن كان المراد بالكلي الذي هو الإله مطلق المعبود؛ لم يصح، لما يلزم عليه من الكذب، لكثرة المعبودات الباطلة، وإن كان المراد المعبود بحق صح"، ورأيت مثل هذا لغيره، لكنك تصدم إذا قرأت خمس عشرة صفحة من القطع الكبير الدقيق الكلمات، المتراص السطور في شرح ميارة رحمه الله لكلمة التوحيد بشطريها؛ فلا يبلغ مجموع ما كتبه عن لفظ العبادة -لا معناها- إلا أسطرا في سياق (تقني) هو خبر (لا)، وهي أفضل ما قاله نبينا ومن قبله من إخوانه عليهم جميعا صلوات الله وسلامه. وللمنشور بقية.. ليلة

الخاطرة 429

(10) اقرأ ما قبله سبق الحديث عن النظر الذي اعتبره المتكلمون أول واجب على المكلف، لأنه وسيلته التي لا بد له منها إلى معرفة ربه، وذكرت أن هؤلاء لا يعتمدون على الكتاب والسنة في إثبات العقائد لظنية دلالتهما، إلا أنهم خالفوا قاعدتهم فاعتبروا النظر واجبا بالشرع لا بالعقل، فرارا من القول بالتحسين والتقبيح العقليين، فأخلوا بشرطهم في أول خطوة، ثم اختلفوا في تارك هذا الواجب المظنون(!!)، فتأرجح اختلافهم بين طرفين: تكفير تارك النظر، ومناقض له، وهو أن القول بشرطيته؛ بقية من آثار الاعتزال، وكلام أبي الحسن الأشعري رحمه الله الذي سبق؛ يمنع ما ذهبوا إليه من طريق معرفة الله. فإذا غضضنا الطرف عن هذا الاضطراب؛ فإن ما استدلوا به على وجوب النظر فضلا عن الشرط؛ ليس في موضعه، فإن الذي حض عليه ربنا ليس المقصود منه إثبات وجوده، فإن المخاطبين به إن كانوا مؤمنين؛ فهو لزيادة إيمانهم وترسيخه، كما جاء في الدعوة إلى الاعتبار بسنن الله فيمن تقدمهم تسلية لهم، وإن كانوا مشركين؛ فلإقامة الحجة به على لزوم توحيده بعبادته وحده، وترك الإشراك به، فإنهم كانوا يقرون بأنه هو الخالق الرازق، فكان هذا الدليل الأكبر؛ لاجتثاث الشرك الأكبر، كما جاء أمرهم بالنظر في آثار من تقدمهم للاعتبار بحصول ما جرى للمكذبين منهم، كي يقيسوا أنفسهم عليهم، وجاء الخطاب شاملا للفريقين، فينزل على كل فريق ما يليق به، ومن تتبع مواقع هذا الحرف بمختلف صيغه الواردة في القرآن الكريم وتدبر سياقاته، ومنها (انظر) و(انظروا) و(ينظرون) وغير ذلك؛ علم هذا الذي قلته. وهذه أمثله منه، قال تعالى: "قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُون"، وقال: "أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون"، وقال: "أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون"، وقال: "فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ"، وقال: "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين"، وقال: "أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَت". قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: "وقد استدل من اشترط النظر بالآيات والأحاديث الواردة في ذلك، ولا حجة فيها، لأن من لم يشترط النظر؛ لم ينكر أصل النظر، وإنما أنكر توقف الإيمان على وجود النظر بالطرق الكلامية، إذ لا يلزم من الترغيب في النظر؛ جعله شرطا"، انتهى جل ربنا أن يعلق معرفة عباده له على هذا الدليل الذي لا يقدر على صياغته وترتيبه إلا النادر منهم، ثم إن النادر هو من ينكر وجود الله، وما أكثر من لا يوحده، مع إقراره بوجوده!! هل تصدق أن يكلنا ربنا في معرفته إلى هذا الدليل، وهو تباركت أسماؤه؛ قد يسر لنا تمام التيسير ما تقوم به حياتنا الدنيا الفانية، فضمن أرزاقنا، وجعلنا شركاء فيما لا بد لنا منه في دنيانا، استوى في ذلك الناطق والأعجم، والعالم والجاهل، والبر والفاجر، فهل حقا تركنا إلى عقولنا لنرتب لهذا الأمر الجلل رسوما، ونصطلح على تعريفات نحكمها في كلامه سبحانه وكلام رسوله الذي لا ينطق عن الهوى؟ إن من آثار رحمته التي وسعت كل شيء أن جعل معرفته في متناولنا أكثر من أي شيء آخر بفطرته التي فطرنا عليها وبغير ذلك مما سيذكر إن شاء الله. ليلة السادس من شهر ربيع الأول 1444

الخاطرة 429

(11) اقرأ ما قبله احتج بعض من اشترط النظر في معرفة الباري عز وجل بقول الله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: "فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلين"، الآيات، فقد اعتبروه ناظرا لا مناظرا، ومن البديهي أنهم لا يقولون إن ذلك جرى له بعد الرسالة كما توهمه بعض أهل العلم، فإنه من المستحيل على رسل الله عليهم الصلاة والسلام، قال: "حقيقة قولهم؛ أن إبراهيم لم يكن يعرف أن الله موجود، فأراد أن يثبت وجود الله تعالى بالنظر، بمعنى أنه جاء يدعو قومه وهو لا يعرف المرسل الذي أرسله، وهذا تصوره يغني عن رده، وهو يدل على سخافة عقول أهل الكلام"!! والظاهر أنهم يرون أن هذا جرى له في الصغر، أو قبل الرسالة، ولعلهم اعتمدوا على قصة قال عنها الرازي رحمه الله إن أكثر المفسرين ذكروها، وهي عن محمد بن إسحاق في غير ما تفسير، والظاهر أنها من الإسرائيليات التي تلقاها بعض الرواة عن أهل الكتاب. وقد رد الرازي أن يكون ذلك جرى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد البلوغ وقبل الرسالة بوجوه بعضها من السياق نفسه، لكنه انتهى إلى تقرير لزوم النظر في معرفة الله فقال: "تدل هذه الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر في أحوال مخلوقاته، إذ لو أمكن تحصيله بطريق آخر؛ لما عدل إبراهيم عليه السلام إلى هذا الطريق والله أعلم". وقال ابن كثير رحمه الله: "وقد اختلف المفسرون في هذا المقام: هل هو مقام نظر أم مناظرة؟ فروى ابن جرير عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلا بقوله تعالى: "لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين"، والحق أن إبراهيم في هذا المقام كان مناظرا لقومه، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام...". قلت: رواية ابن جرير الطبري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما في سندها أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو صدوق كثير الغلط كما في التقريب، وشيخه وهو علي بن أبي طلحة؛ لم ير ابن عباس، السند بالإضافة إلى ما سبق منقطع، والكلام على رواية الطبري فحسب. وحمل ما صدر عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام - لو صحت القصة - على وقت الصبا لا يستقيم الاستدلال به على لزوم النظر طريقا إلى معرفة الله من غير تفصيل كما هو واضح، ثم إن هذا الحمل يأباه السياق في مواضع عدة منها قوله تعلى: "فلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ"، فأن الفاء في قوله (فلَمَّا جَنَّ) للتفريع على ما قبلها وهو ما خص الله به إبراهيم من إراءته ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين، وهو في هذا الاحتجاج يخاطب قومه كما قال الله تعالى: "فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُون"، والظاهر أنه يخاطبهم باعتباره رسول الله إليهم، وقال الله تعالى عن الحجة التي أقامها عليهم بتلك المناظرة: "وتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ". وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتابه (أضواء البيان): " هَٰذَا رَبِّي" في المواضع الثلاثة؛ محتمل لأنه كان يظن ذلك كما روي عن ابن عباس وغيره"، قلت: لا ينبغي أن يفهم من قوله: (كان يظن ذلك)؛ أن ذلك بعد الرسالة، ثم قال: "ومحتمل لأنه جازم بعدم ربوبية غير الله، ومراده (هذا ربي في زعمكم الباطل)، أو أنه حذف أداة استفهام الإنكار، والقرآن يبين بطلان الأول وصحة الثاني"، انتهى، ثم فصل رحمه الله وجه ذلك البطلان وتلك الصحة، وللمنشور بقية. يوم الثامن عشر من شهر ربيع الأول 1444

الخاطرة 429

(12) فرق الذين دونوا العقائد وفق منهج المتكلمين في حديثهم على التوحيد بين أمرين: الأول هو العلم الذي يقتدر به على إثبات العقائد الدينية المكتسب من أدلتها اليقينية، والثاني التوحيد الذي هو إفراد الله سبحانه بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتا وصفات وأفعالا. ولم يحظ الثاني بالعناية التي أولوها للأول، مع أنه هو الذي خلق الله الجن والإنس له، فهو حقه عليهم، المنوطة به نجاتهم، الفارق بين مؤمنهم وكافرهم، ولذلك يضيق بعض من مارس منهجهم ذرعا بذكر توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ويلمزون القائلين به بالابتداع، فليجاروا بأن يقال لهم: لو ترك هذا التقسيم نظريا؛ أفتخالفون في لزوم القول بتوحيد الله في ربوبيته وإلوهيته وصفاته؟ المستيقن أنهم لا يخالفون. يكفي أن يقرر علم أصول الدين بالاعتماد على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا الفاعل قد أصاب الحق، لأنه إنما يبين العقائد للمسلمين، ويكون ما قرره برهانا على لزوم التوحيد بالمعنى الثاني، فيجتنب المزالق التي وقع فيها أهل الكلام بما تواضعوا عليه من المصطلحات، وما ذكروه من الألفاظ المشتبهات، ولاسيما فيما نفوه عن المولى عز وجل من الصفات، الثابتة بالأدلة المتواترات. ومن أبرز ما يدل على ما سبق اضطرابهم في تفسير (لا إله إلا الله)، وذهاب بعضهم إلى معنى يجعل دلالتها على إفراد الله بالعبادة (دلالة لزوم)، ودلالتها على ما يجب له وما يستحيل وما يجوز في حقه (دلالة مطابقة)، مع أن ما دلت عليه من إفراد الله بالعبادة؛ هو المقصود الأول من إرسال جميع الرسل، وممن ذهبوا إلى ذلك السنوسي رحمه الله في شرح الصغرى، وقد جرى على ما فيها عبد الواحد بن عاشر في نظمه (المرشد المعين على الضروري من علوم الدين)، وتلميذه ميارة في شرحه الكبير على نظم شيخه رحمهما الله. قال الشيخ عبد الواحد بن عاشر بعد ذكره ما يجب لله وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه وكذلك الرسل عليهم الصلاة والسلام ذاكرا كلمة التوحيد لاندراج تلك الأقسام الثلاثة فيها: وقول لا إله إلا الله ** محمد أرسله الإله يجمع كل هذه المعاني ** كانت لذا علامة الإيمان وهي أفضل وجوه الذكر ** فاشغل بها العمر تقفز بالذخر وتضمن هذه الكلمة تلك الأقسام حق، إلا أنهم جعلوا دلالتها على استحقاق الله تعالى العبادة تبعا لدلالتها على استغناء الله تعالى عن كل ما سواه، وافتقار كل ما عداه إليه. اما تفسير لا إله إلا الله عندهم فهو: "وبيان اندراج ذلك تحتها أن المختار في تفسير (الإله) أنه المستغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، فإذا وضعت هذا التفسير موضع المفسر وهو (الإله) صار معنى لا إله إلا الله (لا مستغني عن كل ما سواه، ومفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله)، ثم شرع يبين اندراج الصفات العشرين تحت كلمة التوحيد، فاستغرق ذلك منه الصفحتين، وليس فيهما ذكر للعبادة. وقد قرر السنوسي رحمه الله في شرح الصغرى أن دلالة (لا إله إلا الله) على اندراج ما سبق -يعني الأقسام الثلاثة- أظهر من دلالتها على استحقاق الله العبادة وأقرب، وهو أيضا أصل له، وإن كان قد قال بعد ذلك: لكن البرهان القطعي دل على استحالة التعدد فيه، وأن معناه خاص بمولانا جل وعز فقط. والذي يغني عن هذا التخبط والتطويل؛ أن مرد كلمة (الإله) إلى الفعل أله، ومن معانيه؛ أله إلى الشيء يأله إذا لجأ إليه، والله سبحانه هو خير من يفزع ويلجأ إليه في كل حال، فالإله فعال بمعنى مفعول، فمعناها -وهي كلمة التوحيد- لا معبود بحق إلا الله، ولا يستقيم أن يقال لا إله موجود، أو لا إله معبود، فإن هذا يكذبه الواقع، وهو مناف تمام المنافاة لما يراد بها شرعا. قال في لسان العرب: "الإله (هو) الله عز وجل، وكل ما اتخذ معبودا؛ إله عند متخذه، والجمع آلهة، والآلهة الأصنام، سموا بذلك لاعتقادهم أن العبادة تحق لها، وأسماؤهم تتبع اعتقاداتهم، لا ما عليه الشيء في نفسه". وقال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله"في تفسير قوله تعالى: "وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيم"، قال: "الإله في كلام العرب هو المعبود، ولذلك تعددت الآلهة عندهم، وأطلق لفظ الإله على كل صنم عبدوه، وهو إطلاق ناشئ عن الضلال في حقيقة الإله، لأن عبادة من لا يغني عن نفسه ولا عن عابديه شيئا عبث وغلط، فوصف الإله هنا بالواحد؛ لأنه في نفس الأمر هو المعبود بحق، فليس إطلاق الإله على المعبود بحق؛ نقلا في لغة الاسلام، ولكنه تحقيق للحق". 24 ربيع الأول 1444

الخاطرة 429

(13) قسم الأشاعرة المتأخرون صفات الباري عز وجل أقساما باعتبارات متعددة، تجد ذلك في عقائد السنوسي، وحاشية البيجوري على جوهرة التوحيد، وشرح ميارة الكبير على نظم ابن عاشر رحمهم الله، فلننظر اليوم واحدا من هذه الأقسام: الأول: قسموها من حيث دليل إثباتها ثلاثة أقسام: ا - ما لا يصح أن يثبت إلا بالدليل العقلي، وهو كل ما تتوقف عليه دلالة المعجزة، كوجود الله تعالى وقدرته وإرادته وعلمه وحياته وقدمه وبقائه، فهذا عندهم لا يستدل عليه بدليل النقل، ووجه امتناع الاستدلال عليه به؛ أن النقل متوقف على إثبات صدق الرسل، وصدق الرسل متوقف على دلالة المعجزة، فيلزم منه الدور، والمقصود من توقف المعجزة على تلك الصفات؛ أنها لا يعطيها إلا من اتصف بها. ب - ما يصح أن يستدل عليه بدليل النقل، وهو ما لا تتوقف على إثباته دلالة المعجزة، كالسمع والبصر والكلام والبعث وأحوال الآخرة إجمالا وتفصيلا. ج - ما اختلف فيه، لترددهم في كونه من القسم الأول أو الثاني، كصفة الوحدانية، فهل يكفي في إثباتها الدليل السمعي بناء على عدم توقف دلالة المعجزة عليها في علم الناظر، وإن توقف عليها في نفس الأمر، لاستحالة وجود الفعل مع وجود الشريك أم لا يكفي؟ فهذا وجه التردد عندهم. ويؤخذ على هذا التقسيم أمور: ا - أن من دونت لهم هذه العقائد مسلمون، فهم لا يحتاجون إلى إثبات الرسالة بالمعجزة، وهم مع ذلك يثبتون هذه الصفات لله تفصيلا أو إجمالا حسب علمهم ومقدورهم، فما الحاجة إلى القول بأنها لا تثبت إلا بالعقل؟، وهي مذكورة في الكتاب والسنة سهلة المتناول، فلم أوثرت هذه المتاهات، التي يقال إنها عقليات، على تلك الآيات البينات؟، ولو كان الكلام موجها إلى الملحدين لكان له وجه مع أنه معارض كما سترى. ب - أن معجزة هذا الدين الباقية هي القرآن، وقد تحدى الله بها الكفار كما لا يخفى على عوام المسلمين، وذلك في السور المكية والمدنية، فلا حاجة إذا إلى ربط دليل إثبات صفات الباري سبحانه بالمعجزة. ج - أننا إذا جاريناهم فيما رتبوه من اختلاف دليل الإثبات حسب كل قسم؛ فإنه لا يلزم من إثبات تلك الصفات بالنقل دور لانفكاك الجهة، فإن توقف الصفات على المعجزة توقف علم، وتوقف المعجزة على الصفات توقف وجود، وإذا انفكت الجهة فلا دور، وهذه مخالفة بعضهم لبعض، فلم يختلفون وهو يقولون إن دليل العقل يقيني؟. د - وتبعا لما سبق من مجاراتهم؛ يقال: إنه لا يعقل أن يكون إثبات المعجزة غير متوقف على إثبات صفات السمع والبصر والكلام لله تعالى، فكيف يكون الإله المؤيد لرسله بالمعجزات أصم أبكم أعمى؟، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، بل إن لازم مذهبهم أن العقل لا يحيل سلب الكلام النفسي عن الباري عز وجل، لأن كلام الله تعالى عندهم نفسي فحسب!!! ه- ثم يقال: ما هذا العقل الذي يجوز أن يكون الإله لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم إلا أن يكون فيه جاهلية؟ وبعض صفات الجاهلية قد تجامع الإسلام كما لا يخفى، وقد خاطب إبراهيم عليه الصلاة والسلام أباه بقوله: "يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا"، وقال الله تعالى عمن عبدوا العجل من قوم موسى عليه الصلاة والسلام معجبا من صنعهم: "واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمين". فمن العجيب أن يمنعوا إثبات صفة الكلام بالعقل مع أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى، وهو أعظم معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتحدي به موجه إلى من ينكرون رسالة الإسلام، فما وجه جعل بعض الصفات مما تتوقف عليه المعجزة، وبعضها مما لا تتوقف عليه، وتوزيعها تبعا لذلك على النقل والعقل؟، فهل لذلك علاقة بقولهم إن كلام الله تعالى نفسي؟، الأمر في حاجة إلى تدقيق، لعل الفرصة تتاح لبيانه، ومن استغلق عليه بعض ما في المنشور؛ فليعلم أن هذا مما ليس منه بد، فليمح ثقل ما فيه من عبارات المتكلمين بهذا الحديث: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة". يوم 29 ربيع الأول 1444

الخاطرة 429

(14) اقرأ ما قبله ثانيا: وقسموا صفات الله تعالى باعتبار السلب والإثبات أقساما خمسة هي: 1- ما يراد به الذات نفسها، وهي صفة الوجود، ولم يتفقوا على إثباتها، لأن في عدها صفة على مذهب الأشعري تسامحا كما قال السنوسي رحمهما الله، فإن الوجود عنده الذات عينها، واعتبرها بعضهم قدرا زائدا عليها، ومنهم الرازي، وفرق بعضهم بين الحوادث، فهي فيها زائدة على الذات، أما الخالق سبحانه فلا زيادة عليها، وهو مذهب الفلاسفة. 2 - الصفات التي يرجع إثباتها إلى نفي مستحيل على الله تعالى، وتسمى الصفات السلبية، وهي خمس: القدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية. 3 - صفات المعاني، والمقصود منها الصفات الوجودية القائمة بذات مولانا سبحانه، وهي سبعة: القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وهي التي نفاها المعتزلة، لكنهم أقروا اتصاف الله تعالى بأحكامها المعنوية التي في القسم الرابع، واختلف الأشعرية في تكفيرهم بناء على الاختلاف في لازم القول: هل يعتبر قولا أولا ؟. 4 - الصفات المعنوية، وهي صفات الذات اللازمة لصفات المعاني، أعني كونه تعالى قادرا مريدا عالما حيا سميعا بصيرا متكلما، وهذه لم يثبتها أبو الحسن الأشعري رحمه الله، ووجهه أنها لازمة لصفات المعاني فتكفي عنها، ثم إنها أحوال وقد اختلفوا في إثبات الأحوال، والأشعري لا يثبتها، وإلا فإنه رحمه الله أجل من أن لا يثبت اتصاف الله تعالى بما ذكر وهو وارد في القرآن. وهذه الصفات العشرون؛ لا خلاف في إثباتها فيما أعلم، إلا أن اعتماد الألفاظ التي ورد بها الوحي مقدم على غيرها مما فيه اشتباه مثل القدم والبقاء، كما أنه لا إشكال في كون أضدادها مستحيلة على المولى سبحانه، ومع هذا فالخلاف في أمور: الأول: هو ما جعل لازما لبعض هذه الصفات كالوحدانية ومخالفة الحوادث فأدى إلى تأويل ما دل الكتاب والسنة على إثباته تحت التنزيه كاليد والوجه وغيرهما مع أن ابا الحسن الأشعري رحمه الله أثبتها في كتابه الإبانة. والثاني: المبالغة في النفي، ومنه ما لفظه مجمل كما سيتضح لك في حصة قادمة إن شاء الله. والثالث: أنهم اختلفوا في إثبات صفة الإدراك التي عنوا بها إدراك المشمومات والمذوفات والملموسات واللذائذ والآلام على أقوال ثلاثة: ا- فأثبتها بعضهم زيادة على السبع المتقدمة، وهي عندهم متعلقة بكل موجود، من غير اتصال بالأجسام، ولا تكييف باللذات والآلام(!) ب- وقيل إنها راجعة في حقه سبحانه إلى العلم، وهذا هو الحق، فإنه لا يصح إثبات الصفات من غير دليل. ج - وقيل يتوقف فيها فلا تثبت ولا تنفى، ورجحه ميارة رحمه الله. والظاهر أن صفة الإدراك اختراع، وقد يكون الباعث على القول بها أن الذوق والشم واللمس كمال في المخلوق، فالخالق بذلك أولى، ثم اصطلحوا على ما يدخل تحتها ظنا منهم أن باقي الصفات لا تتناول ما جعلوا الإدراك دالا عليه، وهذا يغني عنه دخولها في العلم كما سبق. والملاحظ على القول بهذه الصفة ما يلي: * أن الإدراك معناه اللحاق بالشيء وبلوغه، قال صاحب مقايس اللغة: "أصل واحد هو لحوق الشيء بالشيء ووصوله إليه". * وأنه لا يدل على شيء من تلك الأمور الثلاثة بمادته، وإن كانت صالحة لدخولها في عمومه. * وأنهم اصطلحوا على إعطائه هذا المعنى مع أن جميع صفات الله تعالى ألفاظها دالة على معانيها بالمطابقة في لغة العرب. * وقد نفوا الكيف عن هذه الصفة التي ابتكروها، وهم ينكرون على غيرهم التفويض في الكيف في صفات ثابتة بالوحي. 5 - زاد بعضهم صفات الأفعال، يقصدون بها تعلق صفتي القدرة والإرادة بالممكنات تعلقا تنجيزيا، كالخلق والرزق والإماتة والاحياء وغير ذلك، وسيأتي الكلام عليه في الحصة الآتية إن شاء الله. 6 - صفات جامعة للصفات كلها كالألوهية والربوبية والكبرياء والعظمة ونحوها، وهذه اختلفوا في إثباتها، ولا ضير في القول بها، لكن قولهم بها يناقض انتقادهم تقسيم التوحيد الأقسام الثلاثة المعروفة، واتهام من قال بها بالابتداع، والله أعلم. حرر في السابع من شهر ربيع الثاني 1444

الخاطرة 429

(15) اقرأ ما قبله ثالثا: وقسموا الصفات باعتبار التعلق وعدمه أربعة أقسام، ومعنى التعلق اقتضاء الصفة شيئا زائدا على قيامها بذات ربنا عز وجل، فالقدرة مثلا تقتضي شيئا يوجد أو يعدم وما إلى ذلك من الممكنات، والعلم يقتضي ما يعلم، وكذلك البصر والسمع. * الأول ما لا تعلق له بشيء، وهي صفات الوجود والقدم والبقاء والحياة ومخالفة الحوادث والغنى والوحدة، فمنها ما هو معنى، وهو الحياة، أما الباقي فإما مختلف في إثباته وهو صفة الوجود لأن إثبات الذات مغن عنها كما سبق، أو هو لسلب ما يستحيل على ربنا عز وجل كالبقاء والقدم. * والثاني ما له تعلق بالواجبات والممكنات والمستحيلات وهو العلم والكلام. * والثالث ما يتعلق بالموجودات فقط، وهو السمع والبصر. * والرابع ما يتعلق بالممكنات فحسب، وهو القدرة والإرادة. وقد عرفوا القدرة بأنها صفة يتأتى بها إيجاد الممكن وإعدامه على وفق الإرادة، وعرفوا الإرادة بأنها صفة يتأتى بها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه. والغرض من ذكر هذا التقسيم؛ بيان اختلافهم في تعلق كل من القدرة والإرادة، ونقض بعض أصولهم، فقال بعضهم إن للقدرة تعلقين قديمين: صلوحيا وتنجيزيا، وقال آخرون إن لها تعلقين صلوحيا قديما، وتنجيزيا حادثا، ويعنون بالتنجيزي الإيجاد بها والإعدام بالفعل، ترى ذلك في شرح البيجوري رحمه الله على جوهرة التوحيد، ومما يستغرب أن ينتهي في هذا الشرح بتعلقات القدرة إلى سبعة أقسام (!!). أما الإرادة فقالوا إن لها تعلقا صلوحيا قديما، وأضاف بعضهم تعلقا تنجيزيا حادثا، فما أبعد حديث المتكلمين أن ينتفع به في العقائد غير تكثير الكلام وتشقيقه!! وتأمل قولهم بالتعلق التنجيزي الحادث، فإن فيه غموضا، وكشفه أن يقال: إن التعلق الحادث "إما أن يكون وجودا أو عدما، فإن كان عدما؛ فلم يتجدد شيء، فإن العدم لا شيء، وإن كان وجودا بطل قولهم، لأنه إن كان كذلك؛ فإما أن يكون قائما بذات الله، أو قائما بذات غيره، والثاني يستلزم أن يكون المخلوق هو الذي يقدر ويريد.."، (انظر التعليقات السنية للشيخ الدكتور أحمد بن محمد النجار). قلت: ويكمل ما سبق؛ أنه إذا قيل عن التنجيز إنه يتعلق بذات الله؛ فإنه يلزم منه حلول الحوادث فيها، فيظهر تناقضهم، ويبطل اعتمادهم عليه في رد الصفات الاختيارية الثابتة بالنصوص المتواترة، ومنها ما هو قديم النوع حديث الآحاد ككلامه وإرادته، والمقام لا يسع التوسع، وللسلسلة بقية. ليلة الحادي عشر من شهر ربيع الثاني 1444

الخاطرة 429

(16) مما عرف به أهل الكلام في العقائد المبالغة في النفي تنزيها لله تعالى عن مماثلة مخلوقاته، وهو حق دل عليه العقل والنقل والإجماع، وقال تعالى: "ربُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا"، أي شبيها ومثيلا، وقال سبحانه: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"، وهي في نفي التمثيل، لكنها أيضا أصل في النفي المجمل، والإثبات المفصل، وهي رد على الممثلة بأولها، وعلى المعطلة بآخرها، والتعطيل دركات، يدخل فيه من أثبت بعض الصفات ونفى بعضها أو أولها، لأنه متحكم، إذ الكلام على الصفات؛ فرع الكلام على الذات، أو لأن إثبات هذه؛ فرع إثبات تلك، وكما أننا نثبتها ولا نعرف كنهها؛ فمثلها الصفات. وقد غلب على عقائد المتكلمين سرد صفات السلوب، يجمعون فيما ينفونه بين الحق والباطل: * فمن منفياتهم ما لا خلاف فيه، وهو نفي مماثلة الخالق للمخلوق، بقيد أن لا يرد وصفه به في الكتاب أو السنة، فإن الله سبحانه وهو من نفى مماثلة خلقه له؛ هو من ذكر تلك الصفة التي يزعم أن في إثباتها مماثلة، وحمل الكلام على المجاز في أمور الغيب غير سديد، فإن المجاز يصح نفيه، فتقول زيد أسد، وزيد ليس أسدا، وأنت صادق فيهما، فهل تجرؤ أن تقول إن الله لم يستو على عرشه؟، أو تقول لا يجيء يوم القيامة؟، والأمر فيما يتقاصر عنه علم الانسان، وقد قال الله تعالى في شأن الكفار: "بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ"، وفي الدين حقائق شرعية تقدم على اللغوية والعرفية، فلم تقوم هذه الحرب حول تفويض المعنى في الصفات ويوسم مثبتوها بالمجسمة كذبا؟ والمسألة في حاجة إلى تجلية. * ومنها ما لفظه مجمل لأنه لم يرد نفيه ولا إثباته في الشرع، فيستفصل عن مقصود نافيه، والإثبات مع تفويض الكيف لا تمثيل فيه، واعتبر بما يجهله الناس من تكييف الأشياء ثم لا يختلفون في إثباتها، والانتفاع بآثارها، وفي التطبيقات العلمية المعاصرة ما يجلي هذا، فيها ما يجهل الناس كنهه، وكيفية انتقاله، ووجه قياسه، وطريقة وزنه، ولا أحد ينكر وجوده كالكهرباء والأصوات والصور وقياس ما هو عرض أو كالعرض من الحرارة والبرودة والرطوبة وضغط الدم والضغط الجوي وغيرها، فهذا في عالم الشهادة فكيف بعالم الغيب؟ وقد قال الله تعالى: "سنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد". وقال الله تعالى في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، واقرءوا إن شئتم "فلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"، رواه البخاري رحمه الله عن أبي هربرة رضي الله عنه، وقد ذكر كثير من نعيم الجنة بالأسماء التي يعرف مسمياتها الناس، مع أن ابن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء"، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله، فإذا كان هذا فيما وصف لنا من خلق الله، فكيف بما ذكر لنا من صفات الله ؟. * ومن منفياتهم ما يصير المنفي عنه معدوما كنفي النقيضين، فإن بعضهم لا يجد حرجا أن يقول إن ربنا ليس داخل العالم ولا خارجه، ويزعم أن ارتفاع النقيضين إنما يستحيل على من يجوز أن يتصف بهما، ويقولون إن الأحوال ليست موجودة ولا معدومة وإنما هي بين بين !! فهل رأيت أعجب من هذا ؟. وكثيرا ما يدخلون هذه المنقيات التي فيها الحق والباطل تحت ضد كل من صفات الوحدانية (وهو التعدد)، ومخالفة الحوادت، (وهو مماثلتها)، والغنى المطلق، (وهو الافتقار)، ويبررون المبالغة في النفي بأن العقائد لا يترك بيانها للمفاهيم لخطورة أمرها، وهذا حق، لكن طريقة إقامته ليست التي اعتمدوها، والواقع شاهد، فأين أثر طريقتهم من أثر طريقة السلف؟. وهذا مثال لأضداد الوحدانية: يقولون إنه يدخل في كونه غير واحد خمسة أقسام: الأول كون ذاته مركبة من أجزاء، والثاني أن يكون لها نظير يماثلها، ويدخل هذان القسمان في عدم وحدانية الذات، والثالث تعدد صفة من صفاته تعالى مع قيامها بذاتها العليا، والرابعة تعددها مع قيامها بذات أخرى، ويدخل هذان القسمان في عدم وحدانية الصفات، والخامس أن يكون معه في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال وهو عدم وحدانية الأفعال". ومنهج القران وكذا ما جاء في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وصف ربه في الأخبار وفي الأدعية والأذكار وغيرها؛ هو التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي، ووجهه أن ما كان من النفي محضا لا مدح فيه، إذ المراد منه إثبات كمال ضده، وتأمل كثرة أسماء ربك وصفاته في كتابه الكريم، وأحص واحدا منها وهو اسمه العزيز بالألف واللام وبدونهما؛ فستجد عدده سبعة وثمانين. يتبع.. 19 ربيع الاخر 1444

الخاطرة 429

(17) اقرأ ما قبله قال بعضهم معترضا على قاعدة النفي المجمل والإثبات المفصل في صفات الباري عز وجل: كيف ينكر النفي وهو موجود في كتاب الله؟، وجوابه أن أحدا لم ينكره، لكنه يختلف عن منهج المتكلمة من أكثر من وجه، إذ ما هو مقدار ما في كتاب الله من النفي الى فيه من الإثبات؟، وحسبك من ذلك أسماؤه سبحانه، وقد تقدم أن اسمه العزيز قد ذكر سبعة وثمانين مرة، والثاني أن المقصود من النفي في القرآن؛ هو إثبات الضد، فيقوى في النفس توحيد الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، بخلاف نفي المتكلمة، والثالث أن مما نفوه؛ ما فيه إجمال، فكانوا معطلة لبعض صفاته بما فهموه من الألفاظ، كاستوائه على عرشه، وعلوه على خلقه، ومحبته وغضبه وضحكه، وغير ذلك. وتأمل طريقة القرآن في النفي في قوله تعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ"، فإنه لبيان كمال قدرته، وقوله: "وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا"، فهذا لبيان كمال قيوميته، وقوله: "لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ"، وفيه بيان كمال حياته، وقوله: "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ"، وفيه بيان كمال غناه عن خلقه، فإنه الصمد الذي تفتقر الخلائق كلها إليه، وقوله: "لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى"، وهو بيان لكمال علمه، ومثله قوله: "وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا"، كما يعلم من الصحيح في سبب نزوله، ومثله قوله: "وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ"، مضافا إلى هذا أن بعض ما تقدم رد على الذين جعلوا لله الولد، أو قالوا إنه تعب بعد خلق السموات والأرض. أما نفي المتكلمين فكثير منه بل أكثره نفي محض، لا يعرفك بربك، ولا يشعرك بعظمته وجلاله وسلطانه، فتخضع له وتذل، فتسلم وجهك إليه، قال السنوسي رحمه الله في الصغرى الله ليس "جرما، أي تأخذ ذاته العلية قدرا من الفراغ، أو يكون عرضا يقوم بالجرم، أو يكون في جهة للجرم، أو له هو جهة، أو يتقيد بزمان، أو مكان، أو تتصف ذاته العلية بالحوادث، أو يتصف بالصغر، أو بالكبر، أو يتصف بالأغراض في الأفعال، أو الأحكام". واقرأ ما هو أكثر (تفصيلا) من هذا إن صبرت عليه!! وهو ما ذكره ابن أبي العز رحمه الله في شرح الطحاوية أعني قولهم عن ربنا تباركت أسماؤه: "ليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون، ولا رائحة، ولا طعم، ولا مجسة، ولا بذي حرارة، ولا برودة، ولا رطوبة، ولا يبوسة، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا اجتماع، ولا افتراق، ولا يتحرك، ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض، وأجزاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين، ولا شمال، وأمام، وخلف، وفوق، وتحت، ولا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا يجوز عليه المماسة، ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة، ولا ذهاب في الجهات، وليس بمحدود، ولا والد، ولا مولود، ولا تحيط به الأقدار، ولا تحجبه الأستار، إلى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري عن المعتزلة"، انتهى فما الذي أفادك هذا النفي في معرفة ربك؟ فاحمد الله على سلامة عقلك، وتمسك بعقيدة سلفك، فال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مختتما ما ذكره من العقائد في لاميته: هذا اعتقاد الشافعي ومالك ** وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل فإن اتبعت سبيلهم فموفق ** وإن ابتدعت فما عليك معول معسكر في العشرين من شهر ربيع الثاني 1444

الخاطرة 430

قال الله تعالى: "ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ"، دأب المشركون على إنكار البعث، فصار لهم كالسجية، حتى إذا بعثهم الله؛ غلب عليهم ما كانوا قد تخلقوا به، فجمعوا إلى إفكهم في الدنيا؛ نظيره في الآخرة. قال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله: "وفيه أدب عظيم للمسلمين أن يتحاموا الرذائل والكبائر في الحياة الدنيا خشية أن تصير لهم خلقا، فيحشروا عليها !!. ثم قال الله تعالى: "وقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُون"، وهذا رد أهل العلم والإيمان على أهل الباطل، مع أن سوقه كاسدة، وليس ثمة من يروج عليه، ولا هم مكلفون به، فكما أقاموا الحجة على الظالمين في الدنيا ودأبوا على ذلك؛ صاروا كالمطبوعين على ذكر الحق، فلم يحل بينهم وبينه هول يوم القيامة، فما أعظم فضلهم على الناس بعد فضل الله، والله ذو الفضل العظيم. ليلة التاسع من ربيع الأول 1444

الخاطرة 431

قال محمد بن أحمد بن محمد بن جزي رحمه الله (ت:741) في تفسيره المسمى (التسهيل لعموم التنزيل): اعلم أن معاني القرآن سبعة: وهي علم الربوبية، والنبوة، والمعاد، والأحكام، والوعد، والوعيد، والقصص، ثم قال في ختام تفسيره لسورة الفاتحة وهو خير ما قاله فيها: "هذه السورة جمعت معاني القرآن كله، فكأنها نسخة مختصرة منه، فتأملها بعد تحصيل الباب الثالث من المقدمة الأولى؛ تعلم ذلك: فالإلهيات حاصلة من قوله: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ"، والدار الآخرة في قوله: "مَالِكِ يَوْمِ الدِّين"، والعبادات كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: "إياكَ نَعْبُدُ"، والشريعة كلها في قوله: "الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم"، والأنبياء وغيرهم في قوله: "الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ"، وذكر طوائف الكفار في قوله: "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالين". يوم 23 من شهر ربيع الثاني 1444

الخاطرة 432

قال ابن جزي رحمه الله: والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكره على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه، على النعم الواصلة إلى جميعهم"، انتهى. قلت: هل منا من يستحضر أن الله أنعم على جميع الخلق فيشكره على ذلك، كما قال: "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ". وجاء في هذا المعنى الدعاء الذي هو من أذكار الصباح والمساء: "اللهم ما أصبح بي من نعمة، أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فمن قالها حين يمسي؛ فقد أدى شكر يومه، ومن قالها حين يصبح؛ فقد أدى شكر ليلته"، فانظر كيف جعل شكر كل من الليل واليوم منوطا بهذا الدعاء، ووجه الشكر عن الخلق؛ حفظ النعم، فإن الشكر يزيدها كما قال: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد"، ولأن النعم متبادلة بين الخلق فتصل من العاصي إلى الطائع، ومن البر إلى الفاجر، ومن الفقير إلى الغني وعكسه كما قيل: الناس للناس من بدو وحاضرة * بعض لبعض وإن لم يشعروا خدموا لكن المؤمن مع شكر الله على ما يعطيه خلقه من النعم؛ يشهدهم كلهم على وحدانيته، وعلى رسالة نبيه فيقول: "اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك له، وأن محمدا عبدك ورسولك"، فمن كان من الصالحين فإنه شاهد لله بوحدانيته بخلقه، وشاهد باعتقاده وعمله، ومن كان غير ذلك فهو شاهد بما هو عليه من الصنع والتدبير وبما فطر عليه من الحق. فكم من الأجر ينالك بهذا الشكر وسكان عالمك ثمانية ملايير؟، وكم من الأجر تحصل عليه وأنت تقول في كل يوم وليلة مرات في تشهدك للصلاة: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" فينال دعاؤك كل عبد صالح من الأحياء والأموات، وإخوانك المسلمون ربع سكان الارض؟، وانظر كم مسلما تبخسه حقه بتركك هذا الدعاء له اذا لم تصل؟!!، وقال عليه الصلاة والسلام: "من قال اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة". ولك في الملائكة الأطهار قدوة، فقد جعل الله تعالى من أبرز وظائفهم أن يستغفروا لأهل الأرض كما قال الله عنهم: "وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ" قيل معنى استغفارهم ان لا يعاجل الخلق بالعقوبة، وقريب منه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أدمى قومه وجهه: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، وقيل الاستغفار في سورة الشورى عام مراد به الخاص فيكون للمؤمنين وحدهم. وقد جعل الله تعالى من وظائف حملة العرش دعاءهم للمؤمنين فاقرأ دعاءهم المفتتح بهذا التمجيد العظيم لله سبحانه: "الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيم ربنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظيم"، والحمد لله رب العالمين. ليلة 25 ربيع الثاني 1444

الخاطرة 433

لست من كرة القدم في شيء، ولا في غيرها من أنواع اللعب العابث، فإن متعاطيها والمتفرج يشتركان أو ينفرد أحدهما ببعض هذه المعاصي، وهي القمار، والإجارة المحظورة، والتعري، وتضييع الصلاة، وكثيرا ما تصحبها البذاءة والشتم، وإقرار الباطل، وغير ذلك، ومن النادر أن تنطبق عليها الإباحة، وقد أولاها كثير من الناس من الاهتمام ما لم يولوه لبعض مصالح دينهم ودنياهم، أو لا ترى بعضهم كالسكارى وهم يتفرجون عليها؟. وما جوزه الشرع من اللهو لا ينفك عن مقاصده في جلب المصالح ودرء المفاسد، فالمسلمون وهم يلعبون ويلهون؛ يتأهبون ويستعدون، حتى يصير كل فرد منهم مدرجا في ديوان قوة الاحتياط التي تعتمد عليها الدول عند الاقتضاء في إسناد جيوشها النظامبة، ولهذا لم يجوز من السبق إلا ما فيه مصلحة للأمة، فلهونا نحن المسلمين ليس تخديرا للعقل، بل تصحبه اليقظة التامة والتأهب، ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل"، فجمع فيما استثناه من الممنوع؛ بين المراكب والأسلحة، وهما عدة القتال يومئذ ولا يزالان، وأخبر أن الله تعالى يدخل الجنة ثلاثة بالسهم الواحد مع اختلاف وظائفهم في إعداده، ولم يحضرني لفظ الحديث، وقال: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا" ويلتقي هذا مع ما حكم به على اللهو وهو البطلان -بمعنى عدم الجدوى والنفع- إلا ما استثناه، وهو تأديب الفرس والرمي وملاعبة الزوجة!! مع هذا الذي ذكرته وما لم أذكره فإن ما رافق هذه الألعاب في إمارة قطر مما لم يسبق له مثيل يحمد في تاريخها، وهو وإن كان لا يغير حكم الله فيها؛ فإنه يتراوح بين أعمال خالصة الصلاح، وأخرى هي تخفيف من الشر، والمقاصد يعلمها الله، ولعل من الناس من يقول إن فيه صفعة للغرب المادي السادر في الغي والضلال، بما يكفكف تعاليه وهيمنته الثقافية والإعلامية، وإقامة معاملته على أساس التعالي والاستكبار، ذكرته على لسان غيري لعدم ارتضائه، فإن الله لم يجعل الباطل وسيلة إلى الحق. وأبرز ما يذكر فيشكر توفير قاعات الصلاة في جميع الملاعب، والعناية بالأذان الذي هو شعار الإسلام، وبرنامج التعريف به، وتدريب مئات الدعاة باللغات المختلفة لهذا الغرض، والملصقات واللافتات الحاملة لنصوص الوحيين التي تذكر الناس ما تناسوه من قيم هذا الدين ومبادئه وأخلاق أتباعه، والحد من شرب الخمور، ومن التدخين، وفرض اللباس (المحتشم)، ومنع ألوان المثليين، وقد قيل إن مئات الناس أسلموا قبل انطلاق المقابلات، ولله في خلقه شؤون. مكة في 30 ربيع الثاني 1444

الخاطرة 434

هبة الثواب هي ما يعطيه المرء غيره قاصدا المكافأة عليه، ويدل على ذلك العرف والقرائن، ومنها إهداء الفقير للغني، وهذا القصد وإن كان مرغوبا عنه؛ فقد جوزه أهل العلم، وتكلم عليه المالكية في باب الهبة، ورأوا لزوم المكافأة من غير تحديدها إلا إذا اشترط الواهب وقبل الموهوب له، وأدخلوا هذه الهبة في تعريفهم البيع بمعناه الأعم، فقالوا: "هو عقد معاوضة على غير منافع.."، بخلاف معناه الأخص، فيشترط فيه تعيين العوضين معا، قال خليل بن إسحاق المالكي: "وجاز شرط الثواب، ولزم بتعيينه، وصدق واهب فيه". وهذا الأمر معمول به في بعض جهات الوطن على نطاق واسع في مناسبات الأفراح وغيرها كالأعراس والجنائز، وتحرص عليه النساء بالخصوص، ويسميها بعضهن سلفا، حتى إن الواحدة منهن إذا لم تتفق لها مناسبة اصطنعتها فتدعو من وهبت لهن لتسترجع ما أعطت أو بعضه. والأصل في هذه الهبة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوه له"، لكن ليس في الحديث القصد إلى المكافأة، بله الاستكثار منها، فإنه من مساوئ الأخلاق، والظاهر أن الأمر فيه للاستحباب، ومع أهمية الدعاء قدمت عليه المكافأة لما لها من أثر في نشر المحبة والترابط بين المتهاديين كما قال عليه الصلاة والسلام: "تهادوا تحابوا"، وكان عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات يقبل الهدية ويكافئ عليها. ومما يدل على قبح الاستكثار أن أعرابيا أهدى له بكرة فعوضه منها ست بكرات فسخطه!!، فبلغه ذلك فقال: "لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي"، رواه أحمد والنسائي والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال بعض شراح الجامع الصغير: "إن هؤلاء البطون عرفوا بمكارم الأخلاق وسخاء التفوس وعلو الهمة، وقطع النظر عن الأعواض، فإن المستكثر رذل الأخلاق سيء الطباع"، انتهى، وقد قيل: إن الهدايا تجارات اللئام وما ** يبغي الكرام لما يهدون من ثمن ومن أدلة هبة الثواب عند جمهور المفسرين قول الله تعالى: "ومَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ"، أي لتزيدوا في أموال الناس بما تعطونهم، وفيه الترغيب عنها بقوله: " فلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ"، لأنها قد تكون لأجل الزلفى والتملق، وقد كثر هذا في هذا العصر، وقال العلماء إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستثنى من قصد طلب المكافأة، وذكروا قول الله تعالى: "وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِر" دليلا عليه، واعتبر بعض المفسرين الآية في الربا المحرم، فتكون من التدرج الذي سلكه الشرع في التحريم، لكن توجيه الكلام على هذا القول فيه بعض التكلف وإن كان السياق يناسب التفسيرين وهو أقوى في تفسيرها بالربا المحرم لأنه جاء بعد التصدق على أولي القربى والمساكين وابن السبيل، وبعده قوله سبحانه: "وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُون"، وقد ذكرت الصدقة إلى جانب الربا في سور ثلاثة هي الروم والبقرة وآل عمران. والمقصود أن سنة المكافأة هذه تكاد تكون مهجورة إلا في النادر، وإن كان الدعاء كافيا كما قال عليه الصلاة والسلام: "من قال لأخيه جزاك الله خيرا؛ فقد أبلغ في الثناء". كتبت هذا ذكرى للقاء الذي التأم في منزل أخينا فارس السطايفي ليلة أول جمادى الأولى 1444، وقد اعتاد جمع إخوانه وإكرامهم، فجزاه الله خيرا، ولما كان من جملة ما ذكر في المجلس هبة الثواب هذه وضاق المقام عن بيانها؛ كتبت هذا، وقد اتفق أن أهديت له كتابي المسمى (لا دليل على المنع من بيع الذهب والفصة بالعملات إلى أجل)، وموضوعه في الربا والخاطرة كلام عنه، والحمد لله رب العالمين. مكة في الرابع من شهر جمادى الأولى 1444

الخاطرة 435

من الترتيبات التي أحدثت في المسجد الحرام وقت وباء كورونا واستمرت بعد ذهابه؛ تخصيص الطواف في الصحن المحيط بالكعبة للحجاج والمعتمرين، ولهذا خصصت لهم أبواب لا يدخل منها غيرهم، ويعرف الرجال بلبس ثوبي الإحرام وقد عمل بنظام التسجيل القبلي، ثم ألغي منذ أكثر من ستة أشهر، أما المتطوعون فيطوفون في الطابق الأول، وفيه مشقة لطول الشوط، وقد كثر السؤال عن حكم لبس ثوبي الإحرام للتمكن من الطواف في الصحن !!. فمن لبس ثوبي الإحرام من غير إحرام فهذا يكذب. ومن خرج إلى الحل ليعتمر فالخلاف في العمرة المكية معروف. ومن أحرم من منزله فهو قول لبعض العلماء والحق خلافه. أما النساء فالله يعلم حالهن، وإن لم يعلمه المنظمون. مكة في الرابع من جمادى الأولى 1444

الخاطرة 436

الجاري العمل به عند الصيارفة في الممكلة السعودية أن صرف عملة بأخرى كالأورو الأوربي بالدينار الجزائري مثلا يمر بمرحلتين هما صرف الدينار بالريال السعودي، ثم صرف الريال بالدينار، فالصراف يقوم بعمليتين: أولاهما شراء العملة منك بالريال، ثم يبيع لك العملة التي تريدها به، وأنت لا تقبض في العملية الأولى الريال، بل يقضبه هو نيابة عنك، بل أنت لا تعلم بالعمليتين إلا بعد أن يسلم لك وثيقتين: في إحداهما بيعك، وفي الثانية شراؤك، وواضح أن التقابض لم يحصل في العملية الأولى، فهل يسوغ ذلك لأنه وكيل عنك في القبض ضمنا، باعتبار أن ما تريده لا يتم إلا بذلك، لكني لا أعرف هل يعم ذلك جميع العملات أو هو خاص ببعضها؟، ونظيره في غير الصرف عملية الشي بعد الشراء فيما يعرف عندنا (اشر واشو) !!. وقد حضرت أمس واقعة صرف الأورو بالدينار الجزائري، فاضطرب الصراف في الأمر حتى استغرقت العملية نحو 20 دقيقة اضطر فيها إلى مراجعة ادارته، مما يدل على انها لم يسبق لها نظير عندهم، وهي استبدال الدينار بالعملة الصعبة (الباء تدخل على المتروك). وقد ذكرني هذا بشيء حصل لي قبل عقود حيث تذاكر الجالسون تدني قيمة الدينار، فقال أحدهم: إذا ارتفعت قيمته ارتفعنا!!، فقلت: سيرتفع الدينار بعد أن نرتفع نحن. مكة في التاسع من جمادى الأولى 1444

الخاطرة 437

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: "العجلة التقدم بالشيء قبل وقته، وهي مذمومة، والسرعة عمل الشيء في أول وقته، وهي محمودة"، انتهى، وهذا أغلبي. وقد طبع الإنسان على العجلة فجاء التعبير هكذا في قوله تعالى: "خلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ"، وهو نظير قوله سبحانه: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ"، وقال تعالى: "ويَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا". وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه مرفوعا: "لما صور الله تعالى آدم في الجنة؛ تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو؟، فلما رآه أجوف؛ عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك". وقد عاتب الله تعالى كليمه موسى عليه الصلاة والسلام على العجلة بقوله: "وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ"، فسارع إلى بسط عذره، وهو أن تقدمه عليهم يسير (قالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي)، وأنه تعجل طالبا مرضاته (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ). ونهى نبيه عليه الصلاة والسلام وعلى آله عن العجلة في تلقي ما يوحى إليه، مع أن دافعه خشية تفلته: "لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه"، وقال أيضا: َلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلما". ومن هذا الحرف قول الله تعالى: "فاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ"، أي لا تستعجل لهم العقاب فإن له أجلا يعلمه الله، ومن وقف على قوله (وَلَا تَسْتَعْجِل) فقد تكلف، وخالف الظاهر في تعلق الجار والمجرور وهو (لَّهُمْ)، فعلى وقفه يكون خبرا مقدما عن المبتدأ وهو (بَلَاغٌ)، ومع هذا فهو يخدم نزعة صوفية تصب في خانة الإرجاء، ولعله سبب اختيار الهبطي ومن قبله. فلا عذر للإنسان فيما يترتب على العجلة، وإلا لعذر في كل ما تدعوه إليه غرائزه وميوله فتفوته فضيلة مجاهدة نوازعه كما قال الله تعالى: "والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ"، وقد قيل من ترك العجلة قل خطؤه، وقيل: قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزلل وقد قاومت نزوع نفسي إلى الكتابة أسبوعا كاملا عما رأيته من أن أبواب الطابق الأرضي في المسجد الحرام لا تفتح إلا مع الأذان، فيحظى المستأخرون بما لم ينله المستقدمون!! وقد يكون مدعاة للتأخر عن التبكير إلى المسجد، فلم يستسغ عقلي القاصر هذا الأمر، وزاد قلقي يوم الجمعة، كيف لا وقد رتب فيها أجر لا نظير له على أمور أحدها الدنو من الإمام في قوله عليه الصلاة والسلام وعلى آله: "من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع وأنصت، ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة يخطوها من بيته إلى المسجد؛ عمل سنة: أجر صيامها وقيامها"، رواه أبو داود عن أوس بن أوس رضي الله عنه. وبعد لأي ارتحت إلى ما عللت به هذا التصرف، وهو أن الصعود إلى الطوابق الفوقية والسطح يكون بطيئا لأنه بالسلالم، وهو محتاج إلى المراقبة، فينبغي أن يوسع وقته، ولئن فوت هذا التنظيم على الفرد مصلحته -وقد لا تفوته- فإنه أوفق بتجنب الازدحام الذي هو مصلحة الجماعة، وقد يفضي إلى مخاطر، وإذا كانت أفعال العقلاء تصان عن العبث؛ فكيف بالخبراء وأهل العلم والفضل؟ ومن حقوق المؤمن على أخيه حسن الظن به، فاجتنبوا العجلة في التعليق والنقد وتتبع السقطات ورصد الهنات، فإن من كثر كلامه كثر خطأه. [الصواب: خطؤه] يوم الخامس عشر من شهر جمادى الثانية 1444

الخاطرة 438

لو كان لي من الأمر شيء لقلت إن على العلماء والدعاة الذين لهم صيت وشهرة في دول المسلمين ولو في تلك التي تسكت على حرية العمل الدعوي الخالص -وما أقلها- أن يحدوا من نشاطهم لصالح الاستمرار والنفع المتدرج، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام وعلى آله: "اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قل". لقد صارت شهرة العالم مصدر قلق بعد أن تطور معنى المعارضة ليتجاوز المنافس السياسي إلى الداعي (المزعج)، وإن اختلفت درجات الإزعاج، ولم يشفع لأهل العلم والدعاة شدة تحفظهم ونأيهم عن الخوض في السياسة اقتناعا شرعيا، أو استحسانا عقليا، والشرع كله مصالح. كنت أرى هذا قبل ثلاثة عقود، وأعتبره مما ينبغي أن تكيف الدعوة على وفقه، ثم رأيت الداعي إلى التذكير به اليوم قد تجدد، حيث لم يأخذ بعض أهل العلم -كلأهم الله- بما تقتضيه التحولات الذي طرأت على محيطهم، وأحسب أن القاعدة مطردة في الدول بل وفي العالم متى بلغ النشاط الدعوي حدا ما. لقد التقى على أهل العلم استحرار الموت بهم، إلى العمل على تواريهم بطرق شتى، إلى تشويه سمعتهم، والغرض هو الحد من تأثر الحياة العامة بهم، واستقطابهم الجماهير، وإن لم يكن هذا قصدهم، كي يحصر ذلك في جهة واحدة. ليس هذا بالأمر الغريب، فإن الإسلام دين ودنيا، وطبيعته منافية للحياد، ولهذا فالدعوة إلى الله إذا لم يتقبلها العمل السياسي فيتمثلها فيما يأتي ويذر؛ كانت مناقضة له في معظم الأحيان، فيعظم التعارض بين العلم والعمل، والاعتقاد والممارسة، فلا يصفو التعايش بينهما، ولا سكوت كل منهما على الآخر، ولله عاقبة الأمور. يوم التاسع عشر من جمادى الأولى 1444

الخاطرة 439

الاستسقاء إما أن يكون بالدعاء فحسب، وتحته صورتان، أو مع الصلاة وهو الأكمل، فهذه ثلاثة: 1- الاستسقاء بالدعاء وحده، ومن أدلته حديث عمير مولى آبي اللحم أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستسقي عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء قائما يدعو يستسقي رافعا يديه قبل وجهه، لا يجاوز بهما رأسه"، رواه أحمد وأبو داود، فهذا استسقاء غير مصحوب بالصلاة. ومن ادلته حديث البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب.. الحديث، وهو محتمل، والراجح أنه من غير صلاة. 2 - الاستسقاء في المناسبات الشرعية، ومن ذلك خطبة الجمعة، وفيه حديث البخاري عن أنس رضي الله عنه في قصة الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم يخطب، فقال يا رسول الله: "هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا"، فرفع يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا..."، الحديث. ومن هذا النوع الدعاء في الصلوات وأدبارها، قال الشافعي رحمه الله: "ويستسقي الإمام بغير صلاة مثل أن يستسقي بصلاة، وبعد خطبته وصلاته.."، وقال ابن حزم رحمه الله: "إن قحط الناس أو اشتد المطر حتى يؤذي الناس فليدع المسلمون في أدبار صلواتهم وسجودهم، وعلى كل حال، ويدعو الإمام في خطبة الجمعة". 3 - الاستسقاء مع الصلاة وهو أكمل الأنواع، وهو المقصود عند الفقهاء يبوبون له في المصنفات الفقهية، وعليه جمهور العلماء غير الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله، فقد رأى الاكتفاء بالدعاء اعتمادا على حديث عبد الله بن زيد وهو في الموطإ وصحيح البخاري حيث لم يرد فيه ذكر الصلاة، ولا حجة في ذلك، قال الترمذي: "خالف السنة". وفي وقت صلاة الاستسقاء روايتان عن الإمام مالك رحمه الله: * إحداهما: أن وقتها كصلاة العيد، وهي المشهورة، قال في المدونة: "إنما تكون في ضحوة النهار، لا في غير ذلك الحين، وذلك سنتها". * والثانية: هي رواية أشهب عن مالك في العتبية قال: "ولا بأس بالاستسقاء بعد المغرب والصبح، وقد فعل عندنا، وما هو بالأمر القديم"، ويؤخذ من الفقرة الأخيرة تأخر هذه الرواية عن التي قبلها. وقد كنت أحمل هذه الرواية على الدعاء دون الصلاة، لما فيها من المخالفة لمشهور المذهب، ثم وقفت على حمل ابن رشد لها على ذلك، ثم تبين لي أن هذا الحمل لا يصح، بل المقصود الصلاة ولا بد، لأن التنصيص فيها على الجواز بعد المغرب والصبح يأبى ذلك، فإن الدعاء لا توقيت فيه. ولمالك رحمه الله قول مشابه في وقت صلاة الكسوف، لكن الذي يصلح أن يكون موضع تخريج لذوات الأسباب عليه؛ إنما هو الرواية الثانية في وقت الاستسقاء، لأن وقت الكسوف ليس اختياريا، بل هو مربوط بسببه نصا، والعلم عند الله. يوم التاسع عشر من شهر جمادى الأولى 1444

الخاطرة 440

"اللهم أقسم لنا من خشيتك؛ ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك؛ ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين؛ ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا"، رواه الترمذي والحاكم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "قلما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم من مجلس؛ حتى يدعو بهذه الدعوات لأصحابه". * هو دعاء جامع للدين كله: طاعة الله بفعل أوامره، وترك نواهيه، واليقين بما أخبر به. * وفيه تقديم الكف عن المعاصي على فعل الطاعات. * وأن خشية الله هي الباعث الأكبر على اجتناب المعاصي * وأن بلوغ الجنة هو الباعث الأقوى على فعل الطاعات. ولطلق بن حبيب رحمه الله كلام في تفسير التقوى على وفق هذا الحديث وهو قوله: "التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله، على نور من الله، والتقوى أن تترك معصية الله، مخافة عذاب الله، على نور من الله"، وشمل قوله على (نور من الله)؛ العلم بحكم الله، وابتغاء وجهه بالترك والفعل. * وفيه أن اليقين يهون مصائب الدنيا فلا قنوط ولا يأس * وان مشاعر الإنسان من الألم والحزن والبكاء تجامع اليقين * وفيه تقديم الدعاء بسلامة الدين على العافية في الجسد * وعلى هذا؛ حديث (ما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية) * وفيه السؤال بتهوين مصائب الدنيا، وخطورة مصيبة الدين، بخلاف ما عليه اكثر الناس: ومن البلية أن ترى لك صاحبا * في صورة الرجل السميع المبصر فطن بكل مصيبة في ماله * وإذا أصيب بدينه لم يشعر فالناجي من ترك المحظور، وفعل المأمور، وصبر على المقدور، والكل متوقف على مشيئة الله وعونه، فلهذا يسأله المؤمن ربه، وإن كان مكلفا به. فاللهم إني أسألك ما أعلم أنه قد جفت به الأقلام، وطويت عليه الصحف، قد أحاط في الأزل به علمك، وجرت به مشيئك، لا علم لي بما مضى من قضائك، ولا بما يأتي من قدرك، غير أني أيقنت أنك قدرت السؤال، وأمضيت القسمة والنوال، فأنا أعبدك بسؤالك، واطمع به في نوالك. ليلة الثالث من جمادى الثانية 1444

الخاطرة 441

ذكر الله تعالى عدد أشهر السنة، وهي القمرية، وذكر النسيء، وهو تغيير بعض أشهر الحج عن مواقعها الزمنية لما فيه من اجتناب القتال في هذه الاشهر في الاسم، والنسيء حاصل اليوم باعتماد الحساب الشمسي، ولو لم يقصده العادون، فإن تعلق بالعبادات كالزكاة ونحوها مما هو مؤقت بالشهر والعام؛ كان باطلا، قال تعالى: "إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ". ومن موافقات أهل الخير للحق؛ أن السياق القرآني الذي ذكر فيه عدد أشهر العام، وشنع فيه على ممارسي النسيء؛ أشير فيه إلى أخطر مراحل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة صحبة أبي بكر رضي الله عنه، وقد اعتمد المسلمون الهجرة بداية لحساب التاريخ على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فما أجدر هذا أن يضم إلى موافقاته للحق المنزل، وياليت المسلمين اقتصروا في علاقتهم بهذه السنة الشمسية الميلادية -إن كان ولا بد- على الجانب الإداري، على أني لا أرى حاجة إليه، أما أن يتبادلوا فيها التهاني، وأن يعتبروها من المناسبات السارة، وانها عام جديد؛ فهذا من قلب الحقائق المحرم، ومن تقليد الكفار وهو مثله، قال تعالى: "إلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكيم". التاسع من جمادى (2) 1444

الخاطرة 442

(1) [المسح على الجوربين] الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وإخوانه، أما بعد: فقد أبطل غير واحد من المشتغلين بالفقه صلاة من يمسح على الجوارب في القنوات الفضائية، وعلى صفحاتهم، وفي كلماتهم ودروسهم، ولم تتسع صدورهم للخلاف المعتبر فيه، مع اتساعها لما لا يعتبر فيه الاختلاف من العقائد، فالقاعدة التي تكاد تطرد عند كثير من هؤلاء؛ أنه كلما ظهر أمر من جهة أو افراد يفجرون في خصومتهم؛ رفعوا عقيرتهم، وسارعوا إلى سد الباب بدعوى من الدعاوى المتعددة، ومنها الإجماع على الحكم المختلف فيه، قال الإمام أحمد رحمه الله: "من ادعى الإجماع فقد كذب". لم أكتب هذه الأسطر لأتوسع في الكلام على هذا الأمر بما هو معهود من الاستدلال، واستقصاء المذاهب، والرد على المخالف، فإن فيما قاله أهل العلم وكتبوه قديما وحديثا غنية لمن وقاه الله التعصب لغير للحق، فأكتفي بالقليل الذي يريح من أخذ بهذه الرخصة لما رأيته من الحاجة إلى ذلك. فقد أرسل إلي صاحبنا الشيخ أبو يوسف جمال عماني رسالة نقل فيها عن بعض من ألف في الفقه المالكي أن المسح على الجوارب رواية ثانية عن مالك رحمه الله، فكان تعليقي أن هذه الرواية قد لا تدل إلا على جواز المسح على غير الخف وهو الجورب المجلد، وهو ما أشار إليه خليل رحمه الله بقوله حيث عطف هذا على ذاك: "رخص لرجل وامرأة.. مسح جورب جلد ظاهره وباطنه وخف ولو على خف"، وهم يقصدون بباطن الجورب أسفله لا داخله، وذكرت أن المسألة مفتقرة إلى التدقيق في أمور منها المقصود بالجورب في اللغة، وبيان حجية حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. وقد كلمني في هذا الأمر أيضا أخي الشيخ محمد مغيث بعد انتشار صوتية للشيخ المولود السريري وفقه الله التي أبطل فيها صلاة من يمسح على الجوارب كما نقل لي ولم أسمعها. فالغرض إذن بيان معنى الجورب ليصح ترتيب الحكم عليه، أما دليل الحكم ومن قال بهذا المسح من الصحابة وأئمة المذاهب فقد أوردته مقتضبا، وإنما اهتممت به لسببين: أولهما: أني كنت أمسح مدة، ثم عدلت لشبهة في مسماه عندي، لكني ما أبطلت صلاة أحد ممن أخالطهم من أهلي وغيرهم كما فعل (المبطلون)، بل كان بعضهم إذا رآني أخلع الجوارب يستفهمني فلا أصرح له بالدافع إلى خلاف ما كنت عليه، وهذا دأبي أن لا أبتدئ أحدا بالإنكار في أمر عملي أرى أن للخلاف فيه وجها معتبرا، إلا أن يكون مجلس علم أو أسأل فلا مناص من البيان. ولا بأس أن أذكر استطرادا أن السدل في الصلاة وهو مشهور مذهب مالك (كما يقولون)، ومع وهي دليل هذا القول، وما علل به من العلل المختلة؛ فإني لم أنكره على أحد إلا مرة رفعت صوتي قائلا لشخص بعد انصرافه من صلاته: "اقبض اقبض، هي سنة نبيك"، كان الرجل لا يرتاح لي، لكنه لا يبدي مكنونه، فقلت له: لا تؤاخذني برفع صوتي فقد غلبت، فقال لي: لن أترك القبض بعد اليوم، وتغير حاله معي. والسبب الثاني؛ أنه إذا عرف المقصود من الجورب في اللغة رتب عليه الحكم، فما أضافه إليه أهل العلم من القيود؛ فهي آراء يدخلها الصواب والخطأ، والمقرر عند العلماء أن الاسم إذا ورد في الكتاب أو في السنة وعرف مسماه في اللغة؛ فإن الحكم يعلق على ذلك الاسم من غير أن يزاد عليه شيء... يتبع. يوم السابع عشر من جمادى (2) 1444

الخاطرة 442

(2) الجورب كلمة فارسية يراد بها ما يغطي الرِجل مخيطا على قدره، وفي لغة العرب؛ هي لفافة الرِجل يُشد بعضها ببعض، يرادفها المِسماة (بكسر الميم) والغلالة، والثلاثة غير منعلة ولا مجلدة، هذا ما يؤخذ من كتب اللغة، كما ستراه في هذه النقول: ففي القاموس المحيط: (الجورب لفافة الرِجل جمع(ه) جواربة، وجوارب). وفي لسان العرب: (والجورب لفافة الرِجل معرب، وهو بالفارسية كورب، والجمع الجواربة، زادوا الهاء لمكان العجمة). قلت: ومن الشائع عند العرب أن مقتنِص الظباء في غيرانها يلبس الجوارب، لئلا تنفر إن هو لبس ما يحدث خشخشة من النعال والخفاف، فدل على أن الجورب غير منعل. وفي لسان العرب أيضا: (والاستماه أن يتجورب لصيد الظباء وذلك في الحر..، واسم الجورب المِسماة، وهو ما يلبسه الصياد ليقيه حر الرمضاء إذا أراد أن يتربص الظباء نصف النهار)، فتأمل علة لبس الجورب، وهي وقاية لابسِه الحر، وتفهم ما قيد لبسه به وهو (إذا أراد أن يتربص الظباء)، فإنه وقت محدود، ومشيه قليل. وفي (كتاب الجيم): "الجورب الغلالة"، و(الغلالة شعار يلبس تحت الثوب)، كما في كتاب (المحكم والمحيط الأعظم). قلت: الثوب في كلامه هو الدثار، فالغلالة ثوب رقيق يلبس تحته، وقال عليه الصلاة والسلام: "الأنصار شعار، والناس دثار"، فالشعار هو ما يلي الجلد. وفي (المعجم العربي لأسماء الملابس) - باختصار - (الجورب كجعفر؛ كلمة فارسية معربة، وأصلها في الفارسية كوربا، ومعناها قبر الرجل، هو في العربية يعني لفافة الرجل، أو هو غشاءان للقدم من صوف يتخذ للدفء والجمع جواربة). ومما يؤخذ منه عدم التنعل؛ قول ابن بطوطة في رحلته يصف المطاف ولباس أرجل أكثر الطائفين بالكعبة: ".. والمطاف مفروش بالحجارة السود، وتصير بحر الشمس كأنها الصفائح المحماة..، وأكثر الطائفين في ذلك الوقت يلبسون الجوارب، وكان أبو العباس بن مرزوق يطوف حافي القدمين...". قلت: وهذا يدل أيضا على أن الجوارب غير منعلة، لأنهم لبسوها بدل النعال والخفاف مراعين قداسة الموضع، وإلا فلا فائدة في النص على لبسها دون غيرها، وإن كان ما التزموه ليس بلازم، فإن الصلاة في النعال مشروعة بل مسنونة، وقد طاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ناقته، فمن العجب؛ أن يقول بعض الشيوخ في جنوب بلادنا إن الصلاة في النعال سوء أدب (!!) ملحظ تاريخي: من نظر في الشعر الجاهلي لا يعثر على كلمة جورب إلا نادرا، بخلاف الخف فإنه يكثر استعماله، ثم اختلف الأمر بعد فتح بلاد فارس التي كانت ذات حضارة وتمدن، فعرف سكانها من النعيم والترف ما لم يعرفه العرب، فاتخذت فيها الجوارب مخيطة على قدر الرجل للدفء والتجمل، أما العرب فعرفوا الخفاف لشظف عيشهم واستعملوا اللفائف والغلالات والسماه والتساخين. وبعد: فانه قد حصل بهذا الذي نقلته عن دواوين اللغة الظن الغالب بأن الجورب الذي علق عليه حكم المسح؛ غير منعل ولا مجلد، وعليه؛ فما زاده العلماء على مسماه من القيود هو اجتهاد منهم، وهو قسمان: أولهما: ما لا خلاف فيه، وهو كون الجورب ساترا لمحل الفرض، والمستند فيه الخف الذي اتفقوا على المسح عليه وهو يستر محل الفرض بدلالة اللغة. والثاني: هو محل اختلاف، وتحته نوعان: النوع الأول: اشتراط كون الجورب يمشى فيه، فإن كان المراد كالمشي الحاصل بالخف والنعل (المشي المطلق)؛ فهذا قدر زائد على مسماه كما سبق بيانه، فالحق عدم اشتراطه، وإن كان ما دونه من (مطلق المشي) وهو القليل في المنزل ونحوه فهو حق، وقد علمت وجهه. النوع الثاني: وهو كون ما تستر به الرجل لفافة أو مخيطا، وثخينا أو رقيقا، ويشف أولا يشف، وكونه غير مخرق، وما يضر من التخرق وما لا يضر، ونحو ذلك، فهذا موضع نظر، والمنشور لم يقصد به تحقيق هذه الأمور، وإن كان المرجح أن مناط الحكم هو ستر محل الفرض فحسب، ويتجه أن يقال إنه إذا كان شفافا حصل التنافي بينه وبين الستر، والله أعلم... يتبع. 22 من جمادى الثانية 1444

الخاطرة 442

(3) بعد بيان المراد من الجوارب في لغة العرب؛ أذكر باقتضاب دليل المسح عليها، فقد اتفق أهل السنة على وجوب غسل الرجلين في الوضوء إذا كانتا مكشوفتين لقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ". ومرد الوجوب إلى قراءة نصب (َأَرْجُلَكُمْ) عطفا على المنصوب وهو مغسول بالإجماع، ولم يخالف في ذلك إلا الشيعة الرافضة الذين يرون أن الرجلين تمسحان ولو كانتا مكشوفتين، ولأبي جعفر ابن جرير الطبري رحمه الله كلام قلق في تفسيره، فهم منه بعضهم أنه يقول بالمسح، ولا أحسبه كذلك، ويرد هذا القول؛ الوعيد الذي في قوله عليه الصلاة والسلام: "ويل للأعقاب من النار"، فهذا في ترك شيء من الأرجل من غير غسل، فكيف بالمسح ومبناه على التخفيف؟. أما إن كانت الرجلان مغطاتين بالخف؛ فقد ثبت الترخيص في المسح عليهما بما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ رواه عنه عدد كثير من أصحابه، حتى ضم إلى العقائد لعظم شأنه، وللرد على إنكار من أنكره وهم الروافض، ويدل على هذا أيضا قراءة (َأَرْجُلَكُمْ) بالجر، فتكون الآية دالة على الغسل والمسح معا باعتبار القراءتين، فتحمل قراءة النصب على حال انكشاف الرجل، وقراءة الخفض على حال استتارها بدلالة السنة. أما المسح على غير الخفين مما يغطي الرجل؛ فدليله العام؛ حديث ثوبان الذي رواه أحمد وأبو داود عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية أصابهم البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين"، ويدخل فيها كل ما تستدفأ به الرِجل من الخفاف واللفائف والغلالات والجوارب. أما الدليل الخاص بالمسح على الجوارب؛ فحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين"، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي في الكبرى والصغرى وابن أبي شيبة، وصححه الترمذي وابن حبان. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توضأ ومسح على الجوربين، رواه ابن ماجة. وقد تمسك من ضعف حديث المغيرة بشذوذ متنه، وأرجعوا ذلك إلى أبي قيس الأودي، وهو عبد الرحمن بن ثروان، وهزيل بن شرحبيل، فذكروا أن مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الحديث عن المغيرة وفيه المسح على الخف؛ لا تحتمل، وقال أبو داود: "كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسح على الخفين"، والمذكوران ثقتان، وقد روى لهما البخاري، وهزيل ثقة، وأبو قيس صدوق ربما خالف كما في التقريب، على أن ما تفردا به ليس مخالفةُ معارضة يُرد بها الحديث، بل أمر زائد على ما رواه غيرهم، وقد تكون واقعة أخرى غير التي روى فيها المغيرة المسح على الخف في السفر، وهو كثير في الحديث، والشذوذ عند أهل الحديث؛ أن يروي الثقة ما يخالف من هو أوثق منه، لا أن يروي ما لم يرو غيره، وللإمام الشافعي رحمه الله قول معناه: "ليس الحديث الشاذ أن يروي الثقة ما لم يرو الثقات، وإنما أن يروي ما يخالف الثقات"، ويقوي حديث المغيرة هذا ما سبق من المسح على التساخين، وما أثر عن كثير من الصحابة من مسحهم على الجوربين، واستحسانهم له، وتسويتهم إياه بالمسح على الخفين كما سيأتي ذلك إن شاء الله... يتبع. 24 جمادى (2) 1444

الخاطرة 442

(4) عرفت معنى الجورب في اللغة، ودليل المسح عليه عاما وخاصا، فاقرأ في هذا الجزء أسماء الصحابة ومن تلاهم من التابعين وغيرهم ممن مسحوا عليها؛ لتعلم أن القول بإبطال صلاة من مسح عليها بإطلاق مجازفة لا تبصر فيها، وقد يكون الحامل عليها التعصب المذهبي، أو التوجس مما لم يعتده الناس كما تراه في إنكار الاستياك قبل الصلاة وغير ذلك. تجد أسماء هؤلاء في دواوين المسلمين مسندة كما في مصنفي عبد الرزاق الصنعاني، وابن أبي شيبة، والأوسط لابن المنذر، وسنن البيهقي، وسمى عددا منهم ابو داود السجستاني في سننه، وابن حزم في محلاه، وذكر بعضهم ابن قدامة في المغني، وابن القيم في تهذيب سنن أبي داود، وقال ابن حزم بعد أن سمى منهم أحد عشر: "لا يعرف لهم ممن يجيز المسح على الخف من الصحابة مخالف"، وأحمد بن حنبل وهو من رواة حديث المغيرة وإن كان قد ضعفه؛ فلم ير بدا من القول بما فيه لثبوت المسح عن الصحابة، وقال إسحاق: "مضت السنة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعدهم من التابعين في المسح على الجوربين لا اختلاف بينهم في ذلك"، وقوله هذا في الأوسط لابن المنذر، وليس معناه أنهم اتفقوا على صفة الجورب ككونه مجلدا أو منعلا أو بخلاف ذلك، بل هذا إثبات للمسح في الجملة. وقال النووي رحمه الله في شرح المهذب: "وحكى أصحابنا عن عمر وعلي جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقا، وحكوه عن أبي يوسف ومحمد بن إسحاق وداود...، واحتج من أباحه وإن كان رقيقا بحديث المغيرة...". وليعلم أن من الذين ستذكر أسماؤهم من الصحابة ومن دونهم من سوى بين المسح على الخف والمسح على الجورب بقوله، ومنهم من قال لا بأس بالمسح عليه، وجاء عن بعضهم اشتراط ثخانته، أو كونه مع النعل، وقد علمت قبل مسمى الجورب في اللغة، وأن ما زاد عليه اجتهاد، لأن المطلق يبقى على إطلاقه؛ حتى يرد ما يقيده كالعام يتمسك بعمومه؛ حتى يأتي ما يخصصه. وقد جاء المسح على الجوارب عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وأبي مسعود الأنصاري، وسعد بن أبي وقاص، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وبلال بن رباح، وأبي أمامة، وسهل بن سعد، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن أبي أوفى، وعمرو بن حريث، وعقبة بن عامر، وابن عباس رضي الله عنهم، فهم سبعة عشر، وليست الأسانيد إلى جميعهم صحيحة. وممن دونهم سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، والحسن بن حي، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والأعمش، وخلاس بن عمرو، ونافع مولى ابن عمر، وسفيان الثوري، وابن المبارك، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنفية، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وداود بن علي رحمهم الله. وقال الترمذي رحمه الله: "وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، قالوا يمسح على الجوربين، وإن لم تكن نعلين، إذا كانا ثخينين"، انتهى، ونقل عن أبي حنيفة أنه رجع عما كان عليه إلى القول بجواز المسح على الجوربين الثخينين موافقا لصاحبيه. قال الشيخ محمد جمال الدين القاسمي في كتابه (المسح على الجوربين والنعلين): "فبعد ثبوت المسح على الجوربين عن الصحابة رضي الله عنهم؛ أفلا يجوز لنا أن نقول فيمن رغب عنه ما قاله إبراهيم هذا في مسحهم على الخفين: (فمن ترك ذلك رغبة عنه فإنما هو من الشيطان)، رواه ابن أبي شيبة عنه في المصنف بإسناد صحيح... يتبع. يوم 27 جمادى (2) 1444

الخاطرة 442

(5) خلاصة ما سبق من الكلام في المسح على الجورب؛ أنه في لغة العرب غير منعل اعتمادا على ما فسره به أئمتها، واستعمال الناطقين بها، فتكون الزيادة عليه من التجليد والتنعيل والمشي المطلق فيه كما هو في النعل والخف؛ اجتهادا ممن قالوه، والمجتهد يصيب ويخطئ. ويلحق بالجورب في الحكم كل ما شد على الرجل فغطى محل الفرض، والشفاف لا تصدق عليه هذه التغطية. وحكم المسح الرخصة، لكن لا ينبغي أن تترك رغبة عنها، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه. وقد دل على هذا الحكم الدليل العام والخاص. والاختلاف في الدليل الخاص؛ وهو حديث المغيرة رضي الله عنه؛ لا يمنع من المسح، لما علمت من تواتره عن الصحابة، وإن جرى الخلاف في اشتراط ما زاد على مسماه، والعلم عند الله. ومما يحسن ذكره أن بعض المشرفين على المساجد من الأئمة والجمعيات يمنعون دخولها بالجوارب، فيقال: إن الجورب يسرع إليه الدفر والنتن، ومسحه يقوي ذلك كما لا يخفى، فينبغي للماسح أن يتفقده ويبدله، ولا يدخل به المسجد وهو كذلك، لما فيه من الأذى للمصلين، وقد صح نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم آكل الثوم عن دخول المسجد لما فيه من إذاية الملائكة والمؤمنين، وبيوت الله ينبغي أن تصان عن كل ما فيه قذارة ورائحة كريهه، فإننا مأمورون بتطهيرها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد كان نتن الجورب معروفا عند العرب حتى ضربوا به المثل، فقالوا هو (أنتن من ريح الجورب)، وورد ذلك في أشعارهم كقول بعضهم: أثني علي بما علمت فإنني * مثن عليك بمثل ريح الجورب !! وقول الآخر: ومؤولق أنضجت كية رأسه * فتركته ذفرا كريح الجورب!! والؤولق هو المجنون، والذفر بمفتوحتين شدة الرائحة مطلقا، وهو هنا وصف معناه الكريه الرائحة. لكن هذا إذا حصل تساهل بعض الناس فيه؛ فلا يصح أن يعالج قسرا بمنعهم من دخول المساجد بالجوارب كما هو الحال في بعضها عندنا، فإن بعض أهل العلم يرى بطلان الطهارة بالخلع، إلا إذا عجل المرء بغسل الرجلين، والحق أنه من المسكوت عنه، فهو عفو، والمقصود أن يتم ذلك بالتعليم والتوجيه والإرشاد، وكتابة ذلك في مداخل المساجد متى احتيج إليه، فهذا هو المناسب المفيد، وإلا للزم تعيمم هذا المنع على غير الجوارب مما تنزه عنه المساجد، ويؤذي المصلين كالتدخين، وصور الأحياء التي على الملابس، والسراويلات الضيقة التي تنكشف بها العورة، وتبطل صلاة لابسيها ويتأذى بها المصلون، وغير ذلك، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه آمين، والحمد لله رب العالمين. ليلة التاسع والعشرين جمادى (2) 1444

الخاطرة 443

(1) [شهر رجب وفضائله] الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه وإخوانه، أما بعد: فإنك إذا قلت لعالم أو طالب علم إن هذا الحديث لم يصح؛ لم يفهم منه أن الحُكم الذي تضمّنه مردود ولا بد، أما إن قلت له إن شهر رجب لم يصح فيه حديث، أو لم يصح في صومه حديث؛ فقد يتنبه أو لا يتفطن إلى أنك إنما نفيت الدليل الخاص بالشهر، ولم تنف أن يدخل رجب في عموم الأشهر الحرم التي لا يخفى فضلها كما قال الله تعالى: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ"، وحيث جاء في شهري المحرم وذي الحجة نصوص خاصة؛ فإنها لا تُخرج شهري ذي القَعدة وذي الحَجة من ذلك العموم. والمقصود أن نفي الدليل الخاص؛ لا يدل على انتفاء الدليل العام، فإنه لو قيل لم يثبت في مناقب الصحابي الفلاني حديث؛ فإن هذا لا ينفي فضله على غير الصحابة من المسلمين، فإن كان من المهاجرين أو من الأنصار؛ دخل في عمومهم، وكان له فضل زائد على مطلق الصحبة، وهكذا إذا كان من أهل البيعة تحت الشجرة، أو من الخلفاء الراشدين ولم يُخص بمنقبة وهذا افتراض. وإذا كان هذا شأن غير العوام فكيف بهم؟ إنهم لا يكادون يفهمون من قولك لم يصح في الأمر الفلاني حديث؛ إلا رد الحكم الذي تضمنه، أو نفى فضله، ولهذا لزم الاحتياط في إطلاق الأقوال عند من لا يعرفون مراد العلماء بكلامهم، فضلا عن اصطلاحاتهم، وقد كثر هذا في عصرنا حيث يوضع العلم عند غير أهله بالوسائل الحديثة، وقد قال علي رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون، أترضون أن يكذب الله ورسوله؟"، علقه البخاري رحمه الله بصيغة الجزم، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"، رواه مسلم رحمه الله في صحيحه. وقد حصل هذا لبعض الناس ممن كان على صلة بكتب التخريج لمحدث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، فإن كثيرا منهم متى عثر على حديث عليه عمل الناس وقد ضعفه هو أو غيره؛ أنكر عملهم. إن تنبيه أهل العلم كالحافظ ابن حجر وغيره رحمهم الله على أن شهر رجب لم يصح فيه حديث بخصوصه؛ ليس المقصود منه المنع من الصيام فيه أو كراهته بإطلاق، كما قد يفهم ذلك كثير ممن يقرأون أو يسمعون ما ينشر ويذاع في هذه الأيام، بل قد يفهم بعضهم أن عليه أن يترك ما اعتاده من الصيام أو الأعمال الأخرى في هذا الشهر، وهو ليس مقصود أهل العلم من نفيهم صحة الحديث قطعا. والمقصود أن الحق ينبغي أن يبين بالطريقة التي لا يفهم منها غير المراد، فإن الأشهر الحرم -ورجب أولها- لها فضل على غيرها، وعدم صحة حديث في رجب لا ينفي هذا الفضل، والعمل يفضل بالزمان متى كان مشروعا. أما إن قيل قد أُثرت كراهة بعض السلف صيام هذا الشهر؛ فالجواب؛ أن ذلك محمول على صيامه كله كما ذهب إليه أحمد بن حنبل رحمه الله، أو لتعظيمه بما ليس مشروعا، أو لما خشوه من التشبه بأهل الجاهلية الذين كانوا ينحرون فيه ما سمي العتيرة أو الرجبية التي اختلف أهل العلم في مشروعيتها ونسخها. وقد أخرج ابن أبي شيبة أن عمر رضي الله عنه كان يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان، ويقول: "كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية"، وإياك أن تظن أن عمر لا يعلم ما لهذه الأشهر من الحرمة، وقد حمل أحمد بن حنبل رحمه الله أثر عمر على صومه كله، فالمحذور أن يفعل فيه ما ليس بمشروع مما ابتدعه الناس كصلاة الرغائب، أو يخص بعبادة دون غيره، أو ينسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يقله عنه، ومثل ذلك يقال فيما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا رأى الناس وما يعدّونه لرجب كره ذلك"، تأمل قول الراوي (وما يعدونه لرجب). استحضر أن الشيء الواحد قد يجتمع فيه المشروعية وعدمها باختلاف القصد، وقد أشار إلى هذا المعنى ابن بطال بقوله في شرحه على صحيح البخاري رحمهما الله: "فإن قيل: فما وجه كراهية ابن عمر صومه (يعني عاشوراء)؟ قيل نظير كراهية من كره صوم رجب إذ كان شهرا تعظمه الجاهلية، فكره أن يعظم في الإسلام ما كان يعظم في الجاهلية من غير تحريم صومه على من صامه، ولا مؤيسه من الثواب الذي وعد الله صائمه على لسان رسوله إذا صامه مبتغيا بصومه ثواب الله، لا مريدا به إحياء سنة أهل الشرك، وكذلك صوم رجب". وروى عبد الرزاق في المصنف عن عطاء قال: "كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدا"، تأمل علة نهي ابن عباس عن صومه، أما في النوادر والزيادات فقد بين العلة بقوله: "وقد كره ابن عباس صوم رجب كله خيفة أن يرى جاهل أنه مفترض!" يتبع.. يوم الثاني من شهر رجب 1444

الخاطرة 443

(2) اقرأ ما قبله روى النسائي والبيهقي في شعب الإيمان عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم شعبان، قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم"، قال الشوكاني رحمه الله: "ظاهر قوله صلى الله عليه وآله وسلم إن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان؛ أنه يستحب صوم رجب، لأن الظاهر أن المراد أنهم يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم، كما يعظمون رمضان ورجبا، ويحتمل أنهم يغفلون عن تعظيم شعبان بصومه، كما يعظمون رجبا بنحر النحائر فيه، فإنه كان يعظم بذلك عند الجاهلية، وينحرون فيه العتيرة كما ثبت في الحديث، والظاهر الأول"، انتهى بتصرف فيما قبل الاستدلال. قلت: قد لا يحتاج إلى هذا الذي غاص عليه رحمه الله من الاستنباط الخفي، ومقصوده بيان اهتمام الناس برجب في عهد التنزيل بالصيام، وغفلتهم عن الصيام في شعبان، لأن الأول من الأشهر الحرم، بيد أن مشروعية الصوم؛ ليست متوقفة على الدليل الخاص، وهو ما بينه هو نفسه بعد أن ساق أحاديث ضعيفة في المسألة ثم قال: "ولا يخفاك إذا لم تنتهض للدلالة على استحباب صومها؛ انتهضت العمومات، ولم يرد ما يدل على الكراهة حتى يكون مخصصا لها"، انتهى. قلت: قد ذهب الشافعية إلى استحباب صوم رجب كما في (المجموع شرح المهذب) للنووي رحمه الله، ومثلهم المالكية كما في الرسالة لابن أبي زيد ومختصر خليل رحمهما الله، قال في منح الجليل: قال الحافظ ابن حجر لم يرد في صيام رجب كله أو بعضه حديث صحيح يصلح للحجة، فلو قال المصنف: (والمحرم وشعبان) لوافق المنصوص!!"، قلت: هذا تعقب فيه شيء، وقد علمت وجهه في الجزء الأول من المنشور. وقال ابن عاشر: صيام شهر رمضان وجبا * في رجب شعبان صوم ندبا فأما الحنابلة فيكرهون صوم رجب كله كما في المغني لابن قدامة رحمه الله، وفيه قال أحمد رحمه الله: "وإن صامه رجل أفطر فيه يوما أو أياما بقدر ما لا يصومه كله"، وقد حمل الإمام أحمد ما كان يصنعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمن يصومون رجب على ذلك، ويتأيد بأثر ابن عباس المتقدم، فكن منه على ذكر. وقد روى أبو داود عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها؛ أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم...الحديث، وفيه أنه قال له: "صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك"، ومجيبة مجهولة، فالحديث ضعيف، لكن الأمر بصوم الأشهر الحرم مع عدم إتمامها؛ موافق لهديه، فإنه لم يتم شهرا بالصيام غير رمضان، وقد اختلف في إتمامه شعبان. ومن المناسب أن أشير إلى أن فريقا من أهل العلم يرون أن العتيرة التي كان أهل الجاهلية ينحرونها في رجب قد أقرها الشرع بعد تغير قصد ذابحها منها عما كان يفعله أهل الجاهلية، لما جاء من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "على أهل كل بيت أن يذبحوا شاة في كل رجب، وفي كل أضحى شاة"، رواه الطبراني عن مخنف بن سليم، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "العتيرة حق"، رواه أحمد والنسائي والحاكم عن ابن عمرو. وممن استحب العتيرة الشافعي رحمه الله كما في كتابه الأم، وقال مالك رحمه الله: "العتيرة شاة كانت تذبح في رجب يتبرعون بها كانت في الجاهلية، وقد كانت في الإسلام، لكن ليس الناس عليها"، يريد والله أعلم أن أهل المدينة لم يكونوا يفعلون هذا. فإذا شرع في الإسلام هذا الذي كان في الجاهلية بعد تغير القصد من فعله فما بال الصوم؟، وجمهور أهل العلم على أن ذبح العتيرة أو الرجبية منسوخ بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا فرع ولا عتيرة"، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن، والظاهر الأول لأن الجمع مقدم على النسخ بحمل النفي على الوجوب، ولعلك أدركت وجه ذكري لهذا الأمر هنا، والله أعلم. يوم الثالث من شهر رجب 1444.

الخاطرة 444

(1) ما غبن معظم المسلمين في شيء غبنهم في ذكر الله تعالى لسهولته وإمكان فعله في كل الأحوال، مع ما فيه من عظيم الأجر وصلاح الحال، والاشتغال به عن القيل والقال، وهو جالب لثناء الله عليهم ورحمته ودعاء ملائكته، ولذلك جاء الأمر بالإكثار منه دون حد، وهو في بعض الحالات أوكد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "العبادة في الهرج كهجرة إلي"، رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة رحمهم الله عن معقل بن يسار رضي الله عنه، وفي رواية "عبادة في الهرج والفتنة كهجرة إلي". ومن سياقات الأمر بالإكثار من الذكر: * التوقي من قالات السوء والأراجيف وآثارها وما أكثرها في هذا الزمان: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيما تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيما". * ومنها حصول الثبات في مواطن الفشل والخوف والاضطراب: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ". * ومنها الاشتغال به عن الفخر بمآثر النفس والأسلاف: "فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا". * ومنها اصطحابه في مخالطة أعمال الحياة: "فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون". * وحسبك تعظيما لشأنه أن الله تعالى منع زكريا عليه الصلاة والسلام تكليم الناس ولم يمنعه ذكره كما قال: "قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار". يوم الثامن من شهر رجب 1444

الخاطرة 444

(2) روى الطبري وابن أبي حاتم رحمهم الله تعالى عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: "اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا"، يقول لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر، فإنه تعالى لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه، إلا مغلوبا على عقله، فقال: "َاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ"، بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، في الغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقال: سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فإذا فعلتم ذلك؛ صلى عليكم وملائكته، قال الله تعالى: "هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ". ليلة التاسع من شهر رجب 1444

الخاطرة 444

(3) قول الله تعالى: "قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًاوَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار"؛ ليس فيه ما سأل زكرياء عليه الصلاة والسلام الآية علامة عليه: فقيل هو لتردده فيما أخبره به الملك، خشي أن يكون من الشيطان، وقيل سأل آية على وقت حمل امرأته منه. لهذا اختلف في عدم تكليمه الناس، فقيل إن الله منعه الكلام ثلاثة أيام عقوبة له على سؤاله الآية (!!)، وعليه أكثر المفسرين كما حكاه القرطبي، وهو في بعض الأناجيل، وهذا فيه نظر، بل هو غير جائز على الأنبياء ليقينهم بما هو وحي مما ليس كذلك، كيف وقد سأل ربه ذرية طيبة بعد رؤيته ما أوتيته مريم عليها السلام من الكرامة؟، فالعجب ممن راج عليهم هذا الذي يظهر أنه من الإسرائيليات، ورحم الله ابن كثير فقد أعرض عنه، وإن ذهب إليه بعض من يعول عليهم في تفسيره. وقيل إنه طلب آية على وقت حصول ما بشر به: أقريب هو أم بعيد؟، لأن المبشر به قد يمتد أمد حصوله، والإنسان مولع بحب العاجل، وهذا لا حرج في نسبته إلى أنبياء الله. وخير منه أنه من باب الاطمئنان كسؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام ربه: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي". والغرض من ذكر هذا هو قول زيد بن أسلم رحمه الله "إن زكريا عليه السلام لما حملت زوجه بيحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحدا، وهو مع ذلك يقرأ التوراة، ويذكر الله تعالى، فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقه"، وهو الذي اقتصر عليه ابن جرير رحمه الله، وإن كان ممن اعتبروا منع الكلام عقوبة قال: "قال الله يا زكرياء آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا ۗ" بغير خرس، ولا عاهة، ولا مرض، فإنك لا تمنع ذكره، ولا يحال بينك وبين تسبيحه"، فما أجدرنا أن نسكت عن معظم ما نتكلم به متى كان مباحا وهو أكثر كلامنا في أحسن الأحوال. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وأبعد الناس من الله القلب القاسي"، رواه الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وذكره الإمام مالك رحمه الله في الموطإ بلاغا عن عيسى عليه الصلاة والسلام، لكن ضعفه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وصحح إسناده الشيخ شاكر رحمهما الله تعالى. ومن الطريف ما قاله الشيخ الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير معللا منع زكرياء عليه الصلاة والسلام من الكلام بغير ذكره سبحانه بعد تشكيكه فيما ذهب إليه الجمهور: "إن الله صرف ما له من القوة في أعصاب الكلام المتصلة بالدماغ؛ إلى أعصاب التناسل بحكمة عجيبة، يقرب منها ما يذكر من سقوط بعض الإحساس لمن يأكل البلاذر لقوة الفكر، أو أمره بالامتناع من الكلام مع الناس؛ إعانة على انصراف القوة من المنطق إلى التناسل !!!. ليلة

الخاطرة 445

(1) عن عبد الله بن شقيق رضي الله عنه قال: "سألت عائشة رضي الله عنها: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة في ركعة؟، قالت: المفصل، قلت: فكان يصلي قاعدا؟، قالت: "حين حطمه الناس"، رواه مسلم وأبو داود. تريد بقولها: "حين حطمه الناس" أنه كبر فيهم يرعى مصالحهم، ويحمل أثقالهم، فصار محطوما بسبب ذلك، وقد حصل هذا له قبل الرسالة ثم ازدادت أعباؤه بعدها، يدل على ذلك ما قالته خديجة رضي الله عنها له بعد نزول الوحي عليه. والحديث يذكر بقول العرب (سيد القوم أشقاهم)، وهو المقصود بقول العامة عندنا (خادم القوم سيدهم)، وقال الجاحظ في كتابه (الحيوان): "وليس في الأرض عمل أكد (أتعب) لأهله من سياسة العوام"، وفي عيون الأخبار لابن قتيبة: قال رجل من العرب: "نحن لا نسود إلا من يوطئنا رحله، ويفرشنا عرضه، ويملكنا ماله"، وقال حارثة بن بدر معتبرا تفرده بالسؤدد ش…

الخاطرة 445

(2) تابع قال أبو محمد عبد الحق بن عطية رحمه الله في تفسيره لقول الله تعالى عن يحيى عليه الصلاة والسلام "فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِين: "كل من فسر من هؤلاء العلماء المذكورين السؤدد بالحلم؛ فقد أحرز أكثر معنى السؤدد، ومن جرد تفسيره بالعلم والتقى ونحوه؛ فلم يفسر بحسب كلام العرب، وقد تحصل العلم ليحيى عليه السلام؛ بقوله عز وجل: "مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ"، وتحصل التقى؛ بباقي الآية، وخصه الله بذكر السؤدد الذي هو الاحتمال في رضا الناس، على أشرف الوجوه، دون أن يوقع في باطل، هذا لفظ يعم السؤدد، وتفصيله أن يقال: بذل الندى، وهذا هو الكرم، وكف الأذى، وهنا هي العفة بالفرج واليد واللسان، واحتمال العظائم، وهنا هو الحلم وغيره، من تحمل الغرامات، وجبر الكسير، والإفضال على المسترفد، والإنقاذ من الهلكات... ثم قال: "وقد يوجد من يبرز في هذه؛ فيسمى سيدا، وإن قصر في كثير من الواجبات، أعني واجبات الندب، والمكافحة في الحق، وقلة المبالاة باللائمة، وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "ما رأيت أحدا أسود من معاوية بن أبي سفيان"، قيل له: "وأبو بكر وعمر؟"، قال: "هما خير من معاوية، ومعاوية أسود منهما". ثم قال: "فهذه إشارة إلى أن معاوية برز في هذه الخصال ما لم يواقع محذورا، وأن أبا بكر وعمر كانا من الاستضلاع بالواجبات، وتتبع ذلك من أنفسهما، وإقامة الحقائق على الناس، وحمل الناس على الجادة، وقلة المبالاة برضاهم، والوزن بقسطاس الشريعة تحريرا ينخرم كثير من هذه الخصال التي هي السؤدد، ويشغل الزمن عنها، والتقى والعلم والأخذ بالأشد أوكد، وأعلى من السؤدد، أما إنه يحسن بالتقي العالم، أن يأخذ من السؤدد بكل ما لا يخل بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى عليه السلام، وليس هذا الذي يحسن بواجب ولا بد، كما ليس التتبع والتحرير في الشدة بواجب ولا بد، وهما طرفا خير، حفتهما الشريعة، فمن صائر إلى هذا، ومن صائر إلى هذا..". ليلة 16 من شهر رجب 1444

الخاطرة 446

بسم الله الرحمن الرحيم كلمة (كل) لها ثلاث حالات: أن لا يصحبها نفي، والتاليتان أن يصحبها، فيتقدم عليها أو يتأخر. فإن جاء النفي بعدها فهي نص في العموم، بل هي أوكد ألفاظه كما نقله الشوكاني في إرشاد الفحول وأقره عن القاضي عبد الوهاب رحمهما الله، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجيبا ذا اليدين رضي الله عنه: "كل ذلك لم يقع"، أراد نفي الأمرين معا، وهما القصر والنسيان، وقد جاء مفسرا في بعض الروايات بهما، ويسمى هذا عند أهل الفن عموم السلب. أما إن سبقها النفي كقولك: "لم يحضر كل الطلاب"؛ فإنها لا تفيد العموم، إذ المراد نفي حضور الجميع، فيكون المقصود غياب بعضهم، فهي هنا لسلب العموم. والحالة الثالثة أن لا يصحبها نفي، فهي مثل الأولى، وأبرز أمثلتها قول النبي صل الله عليه وآله وسلم: "وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"؛ في خطبة الحاجة، التي كان يكررها ويقررها. وقد رد دلالتها على العموم بعض من ذهب إلى تقسيم البدع إلى الأقسام الخمسة المعروفة محتجا بقول الله تعالى: "تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا". والجواب أن المانع من دلالتها عليه هنا هو قيد (بِأَمْرِ رَبِّهَا)، أي بإذنه، فدمرت كل شيء أذن لها في تدميره. وزعموا أيضا أن للحديث معارضا هو قوله عليه الصلاة والسلام: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.. الحديث. ولا حجة فيه، فإنه ليس على عمومه بإجماع المسلمين: لا فيمن يسن كما دل عليه لفظ (من)، ولا فيما يسن كما دل عليه لفظ (سنة)، بخلاف سابقه الذي ظنوه معارضا، فإنه محل اختلاف، فإن احتيج إلى الترجيح فيقال: * إن العموم المحفوظ أو المختلف فيه؛ يقدم على العموم الذي اتفق على أن المراد به الخصوص. * والعموم غير الوارد على سبب؛ يقدم على الوارد على سبب. * والعموم الذي دأب الشارع على تكريره وتقريره ولم يلحق به استثناء يقدم على ما ليس كذلك. * والعموم الدال على الحظر يقدم على الدال على غيره. * والعموم الدال على ما الأصل فيه المنع يقدم على ما خالفه. يوم 17 من شهر رجب 1444

الخاطرة 446

كل سور القرآن الكريم المفتتحة بالحمد؛ مكية، هو تذكير من الله تعالى لخلقه كلهم بالثناء عليه وشكر نعمه، فإن الحمد له وحده في الدنيا والآخرة، وهو لفظ لا نظير له في الثناء عليه، ألم تر أنه لم يفسر في الحديث القدسي إلا بنفسه، وهو قوله سبحانه: "حمدني عبدي"، وفي الحديث الذي رواه ابن جرير عن ابن عمرو رضي الله عنهما موقوفا: "الحمد كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد حتى يقولها"، ومن حمده حقا؛ أطاعه والتزم هديه. ولهذا أوجب الله تعالى قراءة سورة الحمد في كل صلاة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يفتتح خطبه إلا بالحمد. لا يليق أن يغفل عن الحمد مخلوق، ومن غفل عنه هنا لم يسعه إلا الانضمام إلى زمر الحامدين هناك بعد فوات الأوان. وتأمل قول الله تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير" حيث اقتصر على استحقاقه الحمد بملكه، لسماواته وأرضه، ثم أخبر عن الآخرة بعموم حمده، ومنه قوله سبحانه: "وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين". وفي الحديث: "أفضل عباد الله تعالى يوم القيامة الحمادون"، وهذا لأنهم يحمدونه على كل حال، وفي الحديث الذي رواه أحمد رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما: "...إن نفس المؤمن تخرج من بين جنبيه وهو يحمد الله تعالى"، وقد رأينا إخواننا يحمدون الله ويثنون عليه وهم يخرجون من تحت الأنقاض في الحالة التي رآهم الناس عليها في هذا الزلزال الذي أصاب بعض بلدان المسلمين، وبعض نساء المسلمين يحرصن على الستر في أعظم الأوقات حرجا، فاللهم ارحم موتى المسلمين، واشف مرضاهم، ويسر لمن نكبوا الخروج مما هم فيه، والحمد لله رب العالمين. ليلة 19 من شهر رجب 1444

الخاطرة 448

كرم الله بني آدم بالعقل وجعله مناط التكليف، غير أن ذكر العلماء له ضمن شروطه؛ ليس إلا لنفي التكليف عن المعتوهين والمجانين والصبيان ممن رفع الله عنهم القلم، بخلاف غيرهم فإن منهم من يقال عنهم عقلاء؛ وهم لا يعقلون كما تراه في غير موضع من كتاب الله. لا يرفع هؤلاء عن ذلك الحضيض؛ أن يبرزوا في شيء من علوم الدنيا مما يحتاج الخلق إليه بلا شك، لأن عليهم أن يعلموا أنها بدون دين لا تساوي بعرة كما جاء عن بعض السلف، وفي الحديث: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة؛ ما سقى كافرا منها شربة ماء"، وقد شبهها بما ستراه في الخاتمة. إنه لا يستخف بشيء من الحق؛ إلا من شمله وصف من لا يعقل، وقد علل كتاب الله تعالى هذا بانتفاء العقل فقال: "ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُون". ومع أن علم الشرع نور؛ فإن من فتح الله عليه فيه؛ في حاجة ماسة إلى إعمال العقل ليوازن بين المصالح والمفاسد عند التزاحم، وليحسن إدارة علاقته بمن حوله، فكيف بمن لم يعرف من الشرع إلا ما يعرفه الدهماء والغوغاء، فهذا إن كان عاقلا أمسك عن الخوض فيما لا يعلم، وإلا التحق بهذا الفريق من بني إسرائيل الذين قال الله تعالى فيهم: "وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّون". مع أن في هذه الأمة من هو مثلهم كما فال ربنا عز وجل: "لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ"، ولا يخرج المرء عن هذا أن يلم ولو بالكثير من علوم الدنيا، وما هو بكثير، بل ما هو إلا بعض ظاهرها، وكثيرا ما يغتر به المتعالمون. لقد بدا للناس أن الدكتور محمد الفايد هداه الله ورده إلى الحق؛ نفعهم كثيرا بما قدمه لهم من توجيهات وإرشادات في نظام غذائهم، بتحذيرهم مما يضعف مناعة أجسامهم، ويحفظ عليهم سلامتها، فجزاه الله خيرا، وليته استمر على هذا، ولم يدرج خارج عشه فيأتي بالعجائب، على أن ما تخصص فيه من هذه الخدمة؛ قد ضرب الله للدنيا مثلا بما يؤول إليه، مهما بالغ الناس في تنويعه وتحسينه وتمليحه، فقال عليه الصلاة والسلام وعلى آله: "إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه، فانظر إلى ما يصير"!! أخشى أن (علم) هذا الرجل الذي افتتن الناس به زمنا ما، ثم شرع في استثمار شهرته عندهم ليضللهم؛ قد صار إلى هذا المثل الذي ضرب للدنيا!! ولله عاقبة الأمور. يوم

الخاطرة 449

قال الله تعالى: "وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ". هذا مما أنعم الله به على سبإ في اليمن، وهو تيسير أسفارهم بين بلدهم وبين أرض الشام المباركة، بكثرة القرى بينهما، فلا يحتاجون إلى حمل الزاد، لكأنها وزعت بأبعاد مقدرة بما لا يشق على المسافرين، كلما رغبوا في المقيل قالوا، أو في المبيت باتوا، أو في الراحة استراحوا، جمع الله لهم بين الراحة والأمن، فكانوا كالسائرين داخل الحواضر، فلهذا قال سبحانه: "سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِين". لكنهم انقسموا في طريقة كفر هذه النعمة فريقين: فريق ملها وسئمها، لجهله مزايا العافية، فرغب في الرجوع إلى ما كان عليه الأسلاف من مشاق السفر، فأشبهوا قوم موسى عليه الصلاة والسلام: ضجروا من المن والسلوى فقالوا: لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ"، قال القرطبي: لما بطروا وطغوا وسئموا الراحة ولم يصبروا على العافية؛ تمنوا طول الأسفار والكدح في المعيشة". انتهى. والضجر من النعم وإن كان مستغربا فأمثلته اليوم لا تخفى فيمن يغامرون في الأسفار ويعرضون أنفسهم للتلف بتسلق الجبال وبالملاكمة وتمزيق الثياب وغيرها مما يرجع إلى فساد الذوق. أما الفريق الثاني فعلى النقيض من هذا: استقل هذه النعمة فشكا يريد المزيد، فالتقى الفريقان على كفر النعم، وعلى ظلم أنفسهم بالسجود للشمس، فقالوا بالحال أو بالمقال: "رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَاْ وَظَلَمُوا أَنفُسَهُم" وقد قرئ قوله تعالى (بَاعِدْ) بنحو ست قراءات ترجع إلى المعنيين السابقين، دل على الأول قراءة الجمهور بكسر العين وسكون الدال بصيغة الأمر من المباعدة، ومثلها في المعنى (بعد) بفتح الباء وتشديد العين مكسورة، وهي لابن كثير وأبي عمرو وغيرهما رحمهم الله. أما المعنى الثاني؛ فدلت عليه قراءة يعقوب (ربُّنا) بضم الباء مبتدأ، و(باعَد) بصيغة الماضي خبره، فهؤلاء بطروا النعمة باستصغارها، وأولئك باستثقالها. وقد رد بعض المفسرين القراءة التي على معنى استصغار النعمة، ومنهم الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله، وهذا كثير في تفسيره حيث يذكر أولوية هذه القراءة على تلك، واختار أبو حاتم القراءة التي على معنى الضجر والملل، وجمع النحاس بينهما بأن الله عجل الاستجابة لهم بمباعدته بين أسفارهم فشكوا. ولا وجه لترجيح قراءة على أخرى فضلا عن ردها، متى صح النقل، والمتجه أنهم كانوا فريقين كما سبق، ويدل عليه ذكر عقابهم بعد بيان كفرهم النعم وظلمهم: "فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ"، أي صيرناهم وما كانوا فيه من الجنات والتمدن ويسر الأسفار اخبارا يتناقلها الناس، ليعتبر بها من شاء، "وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ"، أي قطعناهم في البلدان حتى ضرب المثل بهم فقيل: تفرقوا أيدي سبإ. وفي الذي أنعم الله به على هؤلاء ثم سلبوه بكفرهم؛ آيات عظيمة على قدرة الله وتدبيره شؤون خلقه: يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويبسط ويقدر، والعاقل هو من إذا أعطيَ شكر، وإذا ابتليَ صبر، وهو الذي ينتفع بمثل هذه الآيات: "إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور". اسطنبول بتركيا ليلة 11 من شهر شعبان 1444

الخاطرة 450

أبو حنيفة النعمان رحمه الله أحد الأئمة الكبار، ومذهبه أقدم المذاهب الأربعة المتبوعة، وأكثرها انتشارا في العالم، وهو السائد في تركيا وفي عاصمتها إسطنبول، يصنف ضمن مدرسة الرأي المقابلة لمدرسة الحديث، وهو أوسع المذاهب إعمالا للقياس، لكن بعض علماء الأثر يرجحون مذهبه في مسائل عدة وقوفا منهم مع ظاهر الدليل كزكاة الحلي، وعدم شرطية الطهارة في الطواف، وعدد من تصح بهم الجمعة، وحكم سجود التلاوة، ومما آل الأمر فيه إلى مذهبه؛ حكم إحياء الأرض الموات، وما صار إليه واقع المسلمين في عدالة الشهود، وكون الدية على أهل الديوان، وغيرها. إن المعرفة المجردة للأشياء؛ تختلف عن مشاهدتها، فليس الخبر كالمعاينة، ربما اعتاد المرء شيئا فنسى أن كثيرا من الناس على خلافه فيما يسوغ فيه الخلاف فضلا عن غيره، شعرت بهذا خلال إقامتي في إسطنبول، وصلاتي في بعض مساجدها مدة أسبوع، ومن أبرزها مسجد محمد الفاتح وشاه زادة وغيرهما. ولما كانت الصلاة أعظم ركن بعد الشهادتين؛ فحري بالمسلم أن يحرص على أدائها على الوجه الذي كان يصليها عليه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يبتعد عن كل ما يخل بصحتها وبكمالها حسب المستطاع، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وحديثي عن هذا الأمر لا يعني بخس القائمين على البلد في شتى رتبهم وتنوع مسؤولياتهم ما حققوه إذا ما قورن بما كان عليه الوضع منذ الردة التي وقعت إثر إلغاء الخلافة على يد كمال أتاتورك قبل أكثر من قرن. لقد أثقلت صلاة الجماعة برسوم ومخالفات ما أنزل الله بها من سلطان، يلتزمها جميع المصلين في انضباط منقطع النظير(!!)، وما أحوج أمتنا إلى الانضباط متى كان في الحق!! * يبتدئ الأذان بالتثويب المبتدع وقد يختتم به. * الأذان مربع التكبير، والإقامة مثناة، وهذا مذهب الحنفية. * الفاصل بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر يزيد على أربعين دقيقة، ومذهبهم الإسفار بها، والخلاف معتبر، وإن كان الأرجح هو المبادرة بها بعد تحقق دخول الوقت، وقد صار بعضهم إلى هذا المذهب للخلاف الشائع في تقويم الفلكيين منذ عقود. * يوجه المؤذن الناس إلى الدعاء جهرا عقب الأذان برفع الصوت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يعطي إشارة الشروع في الراتبة، فلا يقف أحد لها قبل إذنه إلا من (شذ)!!. * إذا لم يكن الإمام حاضرا في المسجد وقت الإقامة فإن المأمومين لا يقومون حتى يروه، وهذا حق لحديث "لا تقوموا حتى تروني". * يقطع الإمام الإقامة بعد الشهادتين ليذكر بتسوية الصفوف، ثم تكمل الإقامة، ولا أعرف لهذا العمل وجها، مع أني لم أر أحدا يهتم بتسويتها، ولا بسد الفرج، وأحسب أن الباعث على هذا القطع هو التزام المذهب في المسألة الآتية: * يكبر الإمام مباشرة بعد انتهاء الإقامة وهو مذهبهم، بل إن بعضهم قال: يكبر عند "قد قامت الصلاة"، والفصل بين الإقامة والصلاة من المكروهات عندهم اعتمادا على مدلول "قد قامت الصلاة"، وليس بذاك؛ لثبوت السنة الفعلية على خلافه. * تأمين المأمومين سر، وهو المشهور عند المالكية. * يكتفى في الرفع من الركوع بالاعتدال والاطمئنان وهو مذهب المالكية أيضا وقد ثبت الثناء على الله تعالى في هذا المقام فلا معدل عنه. * لما كان التسليم من الصلاة غير لازم عندهم فقد رتبوا عليه أمورا: منها رفع المؤذن صوته بقوله اللهم أنت السلام.. الخ مباشرة بعد سلام الإمام، ومنها مساوقة كثير من المأمومين الإمام في التسليم. * تصلى الراتبة البعدية مباشرة بعد التسليم من الصلاة، مع ورود النهي عن هذا الوصل في صحيح مسلم، ثم يؤتى بالتسبيح والتحميد والتكبير عقب الراتبة، ويتولى المؤذن الإعلان عن بدء كل من الثلاثة، وهذا خلاف الحديث (تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين). * يصلي الإمام الراتبة البعدية في المحراب مباشرة بعد التسليم مع أن هذا مكروه عندهم كما في الجوهرة النيرة في مختصر القدوري، ومثله في بدائع الصنائع، وهو فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقوله في حديث أبي هريرة مرفوعا: "أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة"، يعني السبحة (النافلة). * تقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات قبل الصلاة إيذانا بقربها كما تقرأ الآيتان الأخيرتان من سورة البقرة بعدها، وتتبع القراءة بدعاء المؤذن مفتتحا بقوله (الفاتحة) وينبه الناس إلى الدعاء مرارا قبل الصلاة وبعدها بهذه الكلمة. * ربما كررت الاستعاذة للقراءة ثلاث مرات. * يقرأ الحزاب أو المتطوع جزءا من القرآن بين أذان الصبح والإقامة ويتابعه الحاضرون في المصاحف، وبعد الانتهاء يؤذن للحاضرين براتبة الصبح القبلية. * يؤخر سجود التلاوة -وهو واجب عندهم- إلى ما بعد الانتهاء من قراءة الجزء، وقد يكون المؤجل سجدتين كالجزء التاسع عشر في سورتي الفرقان والنمل. 16 من شهر شعبان 1444

الخاطرة 451

يقع حي محمد (الثاني) الفاتح في قلب مدينة إسطنبول، هو نواتها، وأشهر أحيائها القديمة، وبه مساجدها العتيقة الجامعة، وتنتشر فيه المصليات التي ما تزال وافية بحاجة صلاة الجماعة، فلم تبن في الحي مساجد جديدة، وفيه مدارس مستعملة ومعطلة. تشترك المساجد في النمط المعماري، وتتميز بالسعة، وكثرة القباب، وشكل المآذن، والوقف التابع لها، والساحات التي في مداخلها، أو حولها، والمياه المحبسة، والأبعاد الفاصلة بينها، كل ذلك يوحي أن بناءها كان مدروسا مخططا لا اعتباط فيه. ويذكرك نوع الخط الذي في حيطانها، وكتابة أسماء الخلفاء الراشدين على جدرها، بما تركه العثمانيون في المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من آثار إبان حكمهم. وقد جرت العادة بدفن بعض السلاطين وغيرهم فيها، لكني لم أر قبرا في موضع الصلاة فيما دخلته منها. وتجنب الدفن في المساجد وفي محيطها هو الصواب، وقد نتج عن مخالفته مفاسد عقدية عظيمة لا تخفى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المرض الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وقال: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك". ويرجح أن اسطنبول عرفت بناء المساجد قبل أن يفتحها العثمانيون بزمان طويل، فقد حاصرها مسلمة بن عبد الملك بن مروان، ولم يتمكن من فتحها، فصالح أهلها على بناء مسجد بها !!، وهذا الخبر في البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله، وهو دليل على وجود بعض المسلمين فيها في ذلك الوقت، وإلا فما الحاجة إلى بناء المسجد ؟. وقد سبقت محاولة الفتح هذه التي جرت في خلافة الأمويين؛ محاولة أخرى في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، إذ قاد ابنه يزيد حملة جهادية سنة اثنتين وخمسين، شارك فيها أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فتوفي هناك. وقد روى البخاري عن أم حرام بنت ملحان قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا، قلت: يا رسول الله: "أنا فيهم"؟ قال: "أنت فيهم"، ثم قال: "أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم"، قلت: "أنا فيهم يا رسول الله؟، قال: لا"، فيضاف هؤلاء الأخيار إلى المشهود لهم بالجنة بأسمائهم كالعشرة، وبلال بن رباح، أو بوصفهم كمن بايع تحت الشجرة، وأهل بدر رضي الله عنهم وغيرهم. يوم

الخاطرة 452

هذه بعض الجوامع التي زرتها في حي الفاتح وغيره: فمنها مسجد محمد الثاني الملقب بالفاتح الذي فتحت القسطنطينية في عهده، اكتمل بناؤه سنة 1463م، ثم أعيد سنة1771م بعد زلزال ضرب المدينة سنة 1766م. وقد أقيم على أنقاض كنيسة في ربوة تصلها من جهة الشمال بالطريق الرئيس مسالك واسعة ذات أدراج من حجارة نال منها البلى، تتصل بعرصة فسيحة، يصلى فيها على الجنائز، وقد رأيت باقات الزهور توضع على بعض النعوش، مكتوبا عليها أسماء المتوفين (!!)، كما تقام فيها موائد الإفطار في شهر رمضان، وفي جدار المسجد الشمالي حنفيات لعلها من بئر تابع له، أو من قناة قديمة توصل الماء إليه. وقد صنع العثمانيون قنوات لجلب الماء من العيون التي في محيط المدينة إلى المساجد وغيرها، لكنك قلما ترى من يشرب منها، وقد تعمدت الشرب عل الله ينفع المحبسين. ومن مساجد منطقة الفاتح مسجد شاه زادة الذي بني في عهد سليمان القانوني عاشر سلاطين بني عثمان، وأطولهم عدد سنين في الحكم، وصف بالقانوني لإقامته العدل في رعيته، وكتابته نظاما بذلك يلتزم، وقد انتهي من بنائه سنة 1548م. ويتبع هذا الجامع حديقة واسعة تقابلها بلدية إسطنبول المركزية التي تولى إدارتها الرئيس الحالي رجب طيب أردوقان قبل انتخابه قائدا للبلاد، ثم افتكتها المعارضة من حزبه، وقد رغبت في الدخول إلى مبنى البلدية لأخذ صورة عن كيفية سير أعمالها، ثم عدلت لاستثقالي إجراءات الدخول. ومنها جامع آيا صوفيا، أصله كنيسة، ثم اشتراه محمد الفاتح، وصيره مسجدا، ثم منع الطاغية كمال أتاتورك إقامة الشعائر الدينية فيه سنة 1931، ثم جعله النظام العلماني القهري متحفا سنة 1953، ثم صدر حكم قضائي في عهد الرئيس الحالي بإرجاعه إلى أصله الوقفي سنة 1444ه (2020م) ففرح قوم بعودته إلى الإسلام على ما فيه مما ينتقد، وتذمر آخرون، لكأنهم يودون أن يظل كما كان، وما أكثر ما نتجاهل أو نجهل أن اقتناع المرء بحكم من أحكام الشرع لا ينهي الخلاف فيه ولا يلغيه. ومنها الجامع الذي بناه السلطان أحمد الأول سنة (1616)، وهو مشهور بالجامع الأزرق للون البلاط الذي يكسو جدرانه الداخلية، وله مآذن ستة، وهو قريب من جامع أيا صوفيا. ومنها مسجد أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه في حي السلطان أيوب القريب من سور القسطنطينية، وقد أطلق الأتراك اسمه على هذا الحي تقديرا له، وهو الذي سكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم معه مسكنه قبل أن يبني مسجده وبيوته، وقبره قرب المسجد، ويقال إنه أول مسجد بناه العثمانيون سنة (1458م) بعد الفتح. ولما توفي أبو أيوب ودفن هناك سنة إحدى وخمسين؛ أمر يزيد -وهو قائد الجيش- بإخفاء القبر خشية أن ينبشه الروم، فمرت الخيل عليه، لكنهم مع ذلك عرفوه، فكانوا إذا أمحلوا كشفوا عنه واستسقوا فمطروا، وحصل مثله حين ظهر قبر دانيال عليه السلام بتستر في خلافة عمر رضي الله عنه، قيل إنهم كانوا إذا أجدبوا كشفوا عنه فمطروا، فكتب أبو موسى فيه إلى عمر رضي الله عنهما يستنبئه، فأمره أن يحفر قبورا كثيرة ثم يدفنه ليلا في واحد منها كي لا يفتتن الناس به. والمسلمون إنما يستسقون بما شرع الله لهم من الصلاة ودعاء الأحياء، ويقدمون للاستسقاء أهل الخير والصلاح كما فعل عمر بن الخطاب إذ قدم العباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل إن يزيد بن معاوية؛ توعد الروم إن هم تعرضوا لقبره أن يعطل كنائسهم بالشام !!. ليلة الثامن والعشرين من شعبان 1444

الخاطرة 453

الميثاق هو العهد المؤكد، ورأسه مواثقة الله عباده، هي أصل كل المواثيق، وقد التزمه المؤمن بإيمانه، فتذكيره به وتثبيته في نفسه؛ من الأهمية بموضع، وأعظم القرائن عليه؛ تعظيم ما حواه: "ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ". بمقدار تعظيم المرء للشرع يعظم انتفاعه به، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وجاء هذا القيد لمغفرة الذنوب في قيامه، وفي قيام ليلة القدر. فأكبر عون للعبد على النهوض بما كلفه الله به بعد توفيقه؛ إيقانه بجدوى ما يفعله ويقوله، ويكفيه أن يعلم أن الله شرعه، فينبعث نشطا مهتما، فمن حاز هذا؛ سهل عليه كل تكليف، فلا مشقة إلا بغياب الرغبة، ولو وجدت؛ لشرعت الرخصة، ولهذا كان من القواعد المرعية أن المشقة تجلب التيسير. واستعمل العلماء من أهل الفقه والأصول لفظ التكليف لأنه إلزام بما لا تتقاضاه الطباع، فتكون فيه كلفة لمعظم الناس، قال صاحب المراقي: وهو إلزام الذي يشق * أو طلب فاه بكل خلق فمن افتقد الرغبة في البداية؛ فليعالجها بالمران والإلحاح؛ فسينالها، ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر، قال الله تعالى عن المنافقين: "وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلا"، وقال: "وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُون". وقد ذكر الله عباده بما أخذه عليهم من العهد والميثاق في أوائل سورة البقرة والحديث عن بني إسرائيل مرات، فمدح الموفين، ووعدهم بالوفاء، وذم الناقضين، وأوعدهم بالخسار، وهذا ينبئ عن أهمية تذكير المرء بعقد الإيمان وترسيخه، وقد نوديت هذه الأمة في كتاب الله بهذا الوصف الذي فاقت فيه الأمم فصار لقبها لها (يا أيها الذين آمنوا) في تسعة وثمانين موضعا، أما اليهود فقد ذكروا بالميثاق مقرونا بنكث أكثرهم له، فاقرأ هذه السباقات: قال الله تعالى: "وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ". وقال: "وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُون". وقال: "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لعلكم تتقون ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ". ثم قال تعالى: "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُون". ثم قال: "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُون ثم أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ". ثم قال: "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قالوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا". لقد جمعت هذه السياقات بين ثلاث مقامات: مقام الإقبال باهتمام، ومقام الذكر والحفظ، ومقام التطبيق والعمل. فقوله "خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ"؛ أي بجد ونشاط وهمة، فإذا استقرت هذه المرتبة النفسية؛ تشوف المرء إلى معرفة ما كلف به، فسعى في تحصيله، فلهذا قال: (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ)، أي تذكروه واحفظوه، ثم يأتي بعده العمل، وهو المقصود بقوله: (وَاسْمَعُوا)، أي سماع قبول وانقياد، وما أسوأ حال من قالوا، ولو بلسان الحال: "سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا". وقد روعي هذا الترتيب، فقدم الأمر بالاهتمام والاستعداد؛ على ذكر تفصيل ما كلف به هذا العنصر المتمرد، مفتتحا بنهيهم عن عبادة ما سوى الله، بدل أمرهم بعبادته، لأنهم كانوا يعبدونه ويشركون به، والمقصود أن حفظ الأحكام والقيام بها؛ تال للإقبال عليها برغبة واهتمام. الرابع من شهر رمضان 1444

الخاطرة 454

قال بعض العلماء: "إذا انكشف الغطاء للناس يوم القيامة عن ثواب أعمال البشر؛ لم يروا عملا أفضل من ذكر الله تعالى، فيتحسر أقوام فيقولون: ما كان شيء أيسر علينا من الذكر"، ذكره ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيب. وأفضلية الذكر آتية من سهولته، والتمكن من الإتيان به دون التقيد بوضع، ولا بحال، ولا بوقت، فيعظم الأجر عليه، وتمام انتفاع المرء به أن يتأنى فيه ويتدبر، فيجمع إلى النطق به التفكر فيه، قال الله تعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب". وقال النبي ق: "سبق المفردون"، فقالوا: "وما المفردون يا رسول الله"؟، قال: "المستهترون في ذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، يأتون يوم القيامة خفافا"، رواه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الحاكم وصححه بلفظ (سبق المفردون، قالوا يا رسول الله ومن المفردون؟ قال: الذين يهترون في ذكر الله عز وجل)، وفي مسند أحمد وصحيح مسلم رحمهما الله (سبق المفردون، قالوا يا رسول الله وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات)، ومعنى (يهترون بذكر الله) أنهم مولعون به، وقيل كبروا في ذكر الله ومات أقرانهم، وكثيرا ما يكون الكبر مظنة العجز عن بعض الواجبات كالحج أو القيام في الصلاة أو عن الحركة المطلوبة، فيعوض ذلك بالذكر. إن المداومة على ذكر الله أنفع العبادات لصلاح النفس وزكائها، وعمارة الوقت بصالحات الأعمال، وشغل اللسان وكف شر النفس عن الخلق. وقد فرقت ألفاظ الذكر على مختلف الأحوال والمواضع والأوقات، وجاءت بصيغ عديدة، مبسوطة ومختصرة، وما بين ذلك، فيأتي منها كل امرئ بحسب حاله، أو في الوقت الذي خصصت به. فانظر إلى التسبيح والتحميد جاء فيه قوله عليه الصلاة والسلام (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). ثم اختصرتا بما هو أخف على اللسان فجمعتا في (سبحان الله العظيم وبحمده)، فلا تفوتنك المائة منها وما زاد كلما أصبحت وأمسيت، فإن من فعل؛ لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ذلك وزاد عليه. ومن الصيغ المبسوطة في التسبيح أن تقول: "سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته"، وقد قال عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأم المؤمنين جويرية: "قد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت لوزنتهن". واختير لك أن تقول في ركوعك (سبحان ربي العظيم وبحمده)، وفي سجودك (سبحان ربي الأعلى) لمناسبة كل منهما موضعه، واقتصر في الركوع والسجود على التسبيح والتحميد دون التكبير، لأنه شرع في حركات الانتقال كلها عدا الرفع من الركوع. وشرعت لك هذه الصيغة في استفتاح صلاتك: الله أكبر، الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الحمد لله كثيرا، الحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا"، وشرع أيضا أن تقول: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، وأن تقول في ختام المجلس كفارته وهي: "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك"، ولك أن تقولها إذا انتهيت من تلاوة كتاب ربك، فقد وردت في ذلك، لا ما اعتاد كثير من القراء قوله وإن كان في نفسه حقا. واقتصر من ذلك كله في أدبار الصلوات المفروضات أن تقول: (سبحان الله والحمد لله والله أكبر)، ثم جمع هذا كله في أفضل الذكر بعد القرآن وهو من القرآن (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر). ويكفيك أن تقول: أستغفر الله فتكررها، ومن ذلك أن تقولها عقب سلامك من صلاتك، ولو قلت: (أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) لكان خيرا لك وأعظم لأجرك، وإذا لم تواظب على الاستغفار؛ فرتب على نفسك هذا اللفظ صباحا ومساء، وقد سمي سيد الاستغفار: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). في السابع من رمضان 1444

الخاطرة 455

بسم الله الرحمن الرحيم تعددت صور الاعتراض على نصوص الكتاب والسنة منذ أواخر الخلافة الراشدة، بدأ بالخوارج، تحت عناوين مختلفة: باسم مخالفة القرآن، أو الزيادة عليه، وبمخالفة العقل، والمصلحة، والقياس، والمقاصد، والقواعد، والذوق، والوجد، وكل ذلك باطل مردود في الجملة عند أهل العلم. أما المعارضة التي أقرها أهل العلم ووضعوا لها ضوابط التعامل في مبحث التعارض من كتب أصول الفقه؛ فهي ما كان بين نصوص الوحي نفسه، المتلو منه وغير المتلو، على أن التعارض المستقر؛ لا وجود له داخل نصوص الكتاب، ولا داخل نصوص السنة، ولا بين هذه وهذه، فإن التعارض ليس إلا في الظاهر، قال الشافعي رحمه الله: قد وضعت هذه الكتب، ولا بد أن يكون فيها الاختلاف، فإن الله قال: "أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا"، أما رد الحديث الصحيح فلا وجود له عند علمائنا إلا ما ذكروه في علامات الوضع، وهو تنظير قل أن يسلم تنزيله وتطبيقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ أن لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده..، ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها وتنسخها، أو بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم تفسرها، فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه..، إلى أن قال: "والمقصود أنهم كانوا متفقين على أن القرآن لا يعارضه إلا قرآن، لا رأي ومعقول وقياس ولا ذوق وإلهام ووجد ومكاشفة"(13/28). لو أن الشيخ المغامسي -هدانا الله وإياه؛ وقد أعلن عن أمنيته بإنشاء مذهب فقهي جديد- صنع كما صنع بعض علماء المسلمين -وإن لم يعلنوا كما أعلن- حيث ابتعدوا عن التعصب المذهبي معتمدين توحيد المتابعة التي تقتضيها شهادة أن محمدا رسول الله، فنظروا في أقوال أئمة الهدى، والروايات الواردة عنهم، ومدى ارتباطها بأدلتهم، فغربلوها، ووازنوا بينها، واجتهدوا في اعتماد أقربها إلى نصوص الوحي ومقاصد الشريعة دون الخروج عن إجماع المسلمين كما صنع ابن تيمية وابن القيم وابن رشد وابن العربي والشوكاني وابن باز وابن عثيمين والألباني رحمهم الله على تفاوت بينهم، لو تمنى هذا أو صنعه لحمد سعيه، ورجي نفعه، أما أن يكون منطلق مذهبه الذي بشر به الناس هو معارضة سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعقله ثم دعواه أن اتهامه عقله يبطل أنه مكلف؛ فهذا ضلال مبين، قد يكون الباعث عليه طلب استعادة بعض حظوظ الدنيا باسترجاع المكانة التي فقدت، ولو عقل لعلم أن فقدها خير من كسبها، نعوذ بالله من الحور بعد الكور. ليلة التاسع عشر من رمضان 1444

الخاطرة 456

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أمتي هذه أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، إنما عذابها في الدنيا؛ الفتن والزلازل والقتل والبلايا"، رواه أبو داود والطبراني والبيهقي والحاكم عن أبي موسى رضي الله عنه. والأمة المرحومة التي ليس عليها عذاب في الآخرة؛ هي أمة الاتباع، وهي أحد قسمي أمة الإجابة، المقابلة لأمة الدعوة، فتكون الأقسام ثلاثة: مسلمون متبعون، ومسلمون مفرطون، وغير المسلمين، وهم مطالبون باتباع هذا الدين، كما قال رب العالمين: "لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِين". ويدخل المسلمون جميعا في قول الله تعالى: "ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير"، والجامع لهم وراثة الكتاب والاصطفاء لأنهم موحدون، وإن كانوا في التزام شريعة الله متفاوتين: فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد متوسط، وسابق بالخيرات، والإشارة في قوله (ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير) إلى الوراثة والاصطفاء. وللعلماء أقوال في المراد بالظَالِمٌ لِّنَفْسِه:ِ قيل هو المنافق، وقيل هم أصحاب المشأمة، وقيل هو المفرط في شيء من الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله. ومما يرجح القول الأخير؛ ذكر المقابل بعده كما هو منهج القرآن، قال تعالى: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ". أما قرائن ترجيح هذا القول من تفاصيل كلام الله؛ فهو ما ذكره الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله قال: "مقابلة الأقسام الثلاثة الذين أورثوا الكتاب بذكر الكافرين؛ يزيدنا يقينا بأن تلك الأقسام أقسام المؤمنين، ومقابلة جزاء الكافرين بنار جهنم؛ يوضح أن الجنة دار للأقسام الثلاثة، على تفاوت في الزمان والمكان، وفي قوله: "وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا"؛ إيماء إلى أن نار عقاب المؤمنين خفيفة عن نار المشركين"، انتهى كلامه، وهو يقصد باختلاف الزمان دخول الجنة ابتداء أو بعد العذاب، وباختلاف المكان؛ تفاوت الدرجات في الجنان. وقوله تعالى: (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) معناه أن سبقهم إلى الخيرات بتيسير الله وتوفيقه، وذكر الإذن مع هذا القسم وحده؛ يدعو من يسر الله لهم مزيدا من صالحات الأعمال؛ إلى استحضار فضل الله عليهم بتوفيقهم، وتيسير العمل لهم، حتى لا يعجبوا بأنفسهم، والعلم عند الله. ليلة الثاني والعشرين من شهر رمضان 1444

الخاطرة 457

بسم الله الرحمن الرحيم ما يطرأ على أحوال الناس في معايشهم ومراكبهم وسائر ارتفاقاتهم من التغير أقسام: [الاول:] ما كان في تغييره مخالفة بفعل محرم أو ترك واجب فهذا حكمه معروف لا يحتاج إلى ذكر مثال. الثاني: ما كان الشرع متشوفا إلى تغييره كتحرير الرقاب، ولهذا كثر الله تعالى وسائله ما بين كفارة أو جبر أو تطوع، وقد زال الرق أو كاد. الثالث: ما كان الشرع مستشرفا إلى تحسينه، وإنما اعتمد فيه التقريب تيسيرا على الناس، ورفعا للحرج عنهم بالنظر إلى ما هم عليه من التسخير كتحديد القبلة والموازين والمكاييل ونحو ذلك، أو لكونه أجدى كأسلحة الحروب، ولهذا أمر بأن يعد من القوة ما يستطاع، فليس المقصود من إعطاء الفارس سهمين قصر الأمر على مركوب بعينه، ومن ذلك وسائل النقل فإن منة النعمة تعظم بتطورها، وقد قال سبحانه: "وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحيم". الرابع ما لم يكن الشرع متشوفا إلى تغييره ولا إلى عدم تغييره، وهو شأن مباحات المآكل والمشارب والملابس، ويدخل فيه ما حدده النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر، من طعام وشعير وتمر وبر وأقط، فإنه إنما ذكر ما كان قوتا للناس يومئذ، والشرع لا مقصد له فيما يتخذه الناس أقواتا ما دام داخل ما أباحه الله، ألم تر أن التمر والشعير ليسا من أقوات الناس في الكثير من البلدان اليوم، فإذا تغيرت عادتهم فلم يعد بعض ما ذكر في الحديث قوتا أو لم يبق شيء منها كذلك؛ فلا يصح أن يقال بسقوط هذه الزكاة لأن من جوز إخراجها مما لم يذكر في الحديث قد تجاوز الأصناف المذكورة، والمقصود أنه لا يصح الاعتراض على من تمسك بإخراجها طعاما بأنه قد تجاوز الحديث هو أيضا بقوله تخرج من الأرز أو من اللحم أو غيرهما مما يقتاته الناس فهذا الاعتراض ليس متجها وهو الغرض من هذا المنشور فليس قصدي الخوض فيما خاض فيه الناس، فإن كان شيء من التعقيب فليكن في هذا الأمر. ولا بأس أن أذكر لهذا نظيرا من زكاة الحرث وهو ما رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهما حين أرسلهما إلى اليمن: "لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر"، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن ماجة وإسناده واه زيادة الذرة، فمن قصر الوجوب في جميع البلدان على هذه الأربعة أو الخمسة؛ فإنه ما أعطى النظر حقه، لأن مآل قوله هو إبطال زكاة الحرث أصلا إن عدمت هذه الأصناف، وهو نظير ما لو قيل إن زكاة العين تقتصر على الذهب والفضة، وقد قال بذلك بعضهم في بدايات ظهور العملات الورقية والمعدنية، ثم انقرض هذا القول أو كاد. ولهذا فما نقل عن السلف من الزيادة على هذه الأصناف في زكاة الحرث ضيقا وسعة قد روعي فيه هذا الذي قلته. ومما يوضحه قول أبي عبيد رحمه الله في كتاب الأموال -وإن كان غرضه من هذا الكلام غير غرضي: "فذهبوا إلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما حكم على العرب في صدقاتها بما يعرف من أقواتها مما هو طعام لها في حاضرتها وباديتها، فلم تكن إلا هذه الأصناف الثلاثة". والله أعلم. معسكر في السابع والعشرين من شهر رمضان 1444

الخاطرة 458

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقات". رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم والبيهقي. يؤخذ من الحديث ومن غيره أمور أذكر بعضها: * زكاة الفطر واجبة. * اقترنت هي والأضحية بالعيدين؛ ليعم السرور المسلمين. * الحكمة من زكاة الفطر أمور: * جبر خلل الصوم بسبب اللغو والرفث. * نفع الفقير بسد حاجته يوم العيد. * تكافل لا مثيل له إذ يخرج المسلم ما زاد عن قوت يومه. * بل يخرج بعض الصاع إن قدر عليه. * من رحمة الله اشتراع ما يجبر به خلل العبادة. * تعدد علة الحكم. * وصف (طعمة) مناسب لما فرضت فيه، فغيره استثناء. * يدل على إخراجها من كل ما كان طعاما من الأقوات. * تخرج عن الأنفس وتعطى لها. * لا تقاس على زكاة المال. * يخرجها الغني والفقير، لحاجة كل إلى التطهير. * مصرفها المساكين لا غير. * مذهب مالك قصرها عليهم. * تخصيص عموم (الصدقات) في آية مصارف الزكاة الثمانية. * تعليق وجوبها على الفطر. * في تفسير الفطر قولان: غروب الشمس وطلوع الفجر. * الإذن في تقديمها يوما ويومين لتجمع أو مطلقا. * نهاية وقتها هو ما قبل صلاة العيد. * قد يكون في إخراجها قبل الصلاة طمأنة للمعطى فيها. * صيرورتها صدقة عامة إن أخرجت بعد الصلاة. * القول بامتداد وقتها يوم العيد كله مرجوح. * ترتبها في الذمة إن لم تخرج في الوقت المطلوب. قال ابن القيم رحمه الله عن مصرفها: "وكان من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم تخصيص المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من أصحابه.."، انتهى، والعلم عند الله. يوم الثامن والعشرين من شهر رمضان 1444

الخاطرة 459

(1) مما عرف عن غالب المشتغلين بالفروع الفقهية بعد أجيال من تلاميذ أهل العلم الكبار؛ أن لهم نوعين من الشيوخ: من يأخذون عنهم علم الشرع والآلة، وشيخا واحدا هو على طريق من طرق المتصوفة، يربطهم به عهد الطاعة، فيما يأمرهم وينهاهم، وما يسنه من الأوراد والطقوس. وفي ذلك يقول عبد الواحد بن عاشر رحمه الله في كتاب التصوف من نظمه المسمى المرشد المعين على الضروري من علوم الدين: يصحب شيخا عارف المسالك ** يقيه في طريقه المهالك يذكره الله إذا رآه ** ويصل العبد إلى مولاه وقال أبو القاسم القشيري رحمه الله في طاعة المريد للشيخ: "فشرط المريد أن لا يتنفس نفسا إلا بإذن شيخه (!!)، ومن خالفه من نفس سرا أو جهرا فسيرى غيه (!!)..، ومخالفة الشيوخ فيما يسترونه منهم؛ أشد مما يكابدونه بالجهد وأكثر، لأن هذا يلتحق بالخيانة، فمن خالف لا يشم رائحة الصدق، فإن صدر منه شيء؛ فعليه بسرعة الاعتذار والإفصاح عما صدر منه من المخالفة والخيانة؛ ليهديه شيخه إلى ما فيه كفارة جرمه (!!)، ويلتزم في الغرامة ما يحكم به (!!)، فإن رجع المريد إلى شيخه بالصدق؛ وجب على شيخه جبران تقصيره بهمته"(!!)، انتهى ببعض اختصار. وقد نسب هذا القول إلى القشيري تلميذ الناظم الشيخ محمد بن أحمد ميارة رحمه الله، واعتبره من أبلغ ما قيل وأوجزه (!)، وأنا من نسبته إليه في ريب، فإنه مما يقضى منه العجب، فإن سوء هذه القالة؛ لا يخفى عن عوام المسلمين، فكيف بمن ينسبون إلى العلم؟ هي منزلة لم يكلفها المسلم في صلته برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أحب إليه من نفسه، وطاعته طاعة لله، والأمثلة على ذلك معروفة. ومن أسباب هذا التفريق بين نوعي الشيوخ؛ أن قيادة طرق التصوف آلت إلى أن يتوارثها الأبناء والأحفاد، عن الآباء والأجداد، وقد لا يكون لهم من المؤهلات سوى انتماء النسب، فلما كان لا بد من الجمع بين العلم والسلوك؛ لجأوا إلى الموجود كيفما كان، ولو وارثا بغير ميراث. ومما أدى إلى ازدواج المشيخة؛ ما آل إليه الفقه من اليبس في المصنفات المتأخرة، بعد تجريد الأحكام من معينها الثر، وهو نصوص الكتاب والسنة، ولها من السلطان على النفوس، وتنوير القلوب؛ ما لا يخفى، وإن كان أصحابها ما أرادوا إلا تقريب الأحكام، وتيسير حصول الناس عليها، لكن المؤكد أن الإمعان في الاشتغال بالفروع الفقهية وكثرة أقوال الناس واضطرابها بعيدا عن نصوص الكتاب والسنة يورث قساوة القلب. وحاجتنا إلى التزكية والتربية عظيمة، وكثيرا ما تكون أولى من زيادة العلم، والواقع شاهد، لكنها لا تسلم من الغوائل إلا بالاعتماد على الكتاب والسنة، وعلى تربية العالمين بهما، العاملين على وفقهما، فلهذا اشتدت الحاجة إلى هذا التعويض الذي يستجيب لأشواق الروح، ويملأ فراغ النفس المهول، ويهذبها ويطمئنها. وليعلم أن ارتباط المتفقهة بشيوخ الطرق؛ من أسباب افتتان كثير من المسلمين وحكامهم بهم، لما لعلم الشرع ولحامليه في النفوس من التعظيم والإجلال، ولحاجة الناس إليهم في شؤون دينهم ودنياهم، ولأن بعض المفرطين في دينهم يعتقدون أنهم يغنون عنهم بدعائهم وبركتهم، وكثيرا ما يتجاوزون ذلك إلى اعتقاد أنهم يشفعون لهم، فكانت لهم هذه الحظوة، فاعتمد عليهم في التقريب والإقصاء، والحرمان والعطاء، وفي تقلد المسؤوليات والأمر في ذلك جلي واضح. وقد قويت شوكة هؤلاء في بلادنا منذ عام 1978، ثم زادتها فتنة التسعينات قوة لأسباب ليس هذا موضع ذكرها، غير أن انتشار وسائل الإعلام وما يسمى بمواقع التواصل الاجتماعي؛ حد من نفوذهم على الجماهير، وإن ظل قويا في مراكز القرار ودواليب السلطة. وقد عينت في ولاية غيلزان سنة 1992، بعد أن أقمت في العاصمة سنتين هربا من الاعتقال العشوائي، فجاء الاعتراض على تعييني قبل الالتحاق، تلاه تعييني في ولاية تيهرت، فمكثت فيها نحو الشهر، وتكرر ما سبق، ولم يكن رجوعي إلى معسكر سوى فلتة، والجهة المعترضة هي صاحبة النفوذ الذي أتحدث عنه، وقد أتاني في تيهرت بعض الناس وعليه لباس من يشتغلون بتشحيم السيارات يسأل عن الملف المطلوب ليبعث نشاط زاوية جده (!!) وغرضه أن يحصل على مساعدة الدولة!.. يتبع. الثالث من شهر شوال 1444

الخاطرة 459

(2) ...، وقد كان لتراجع نفوذ الطرقية في الحياة العامة رغم الدعم الذي ذكرته من قبل؛ تأثير على تعيين القائمين على المساجد، إذ استحدثت وظائف ورتب فيها لا تخضع لمعايير التوظيف المقررة في الأصل، كي يستوعب أكبر عدد من التوجه الذي يسد الخلل الطارئ، ويدفع الخطر المتوهم، وحصل تعطيل التوظيف عن طريق المسابقات بين أصحاب الشهادات الجامعية لأنه طريق إلى توظيف من لا يرغب فيه، وشجعت الحركة من الولايات التي يتوفر فيها الاتجاه المطلوب؛ نحو الولايات التي لا يروق أمرها بعض الجهات. إن اغترار العوام وبعض من يتولون وظائف مرموقة بشيوخ هذه الطرق؛ يتحمل كثيرا من أوزاره المنسوبون للفقه وللدعوة، فإنهم يعرفون ضلالهم وبدعهم، ثم يخالطونهم ويداهنون حرصا على المكانة والشهرة، فيتبعهم من ذكر، فليتقوا الله، فإن الحياة الدنيا ظل عابر، ومتاع زائل. إن الباعث لي على كتابة هذا هو تأثر كثير من المشتغلين بالفقه في تقرير بعض أحكام الشرع بتعظيم مشايخ الطرق، ومن أمثلته قولهم باستحباب الوضوء لزيارة شيخ الطريقة، والطهارة أمر مرغوب، لكن الربط بين الأمرين ليس بصواب، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقيه في بعض طريق المدينة وهو جنب فانخنس منه، فذهب فاغتسل ثم جاء، فقال: أين كنت يا أبا هريرة ؟، قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله إن المسلم لا ينجس". ومنها قياس شيخ الطريقة على الوالد في جواز إفطار المتطوع بالصيام إن أمره ولا قضاء عليه، مع أنهم يقولون بوجوب الصوم بالشروع وتحريم الفطر، وهو واحد من سبعة نوافل تجب عندهم بالشروع ذكر الإمام مالك رحمه الله معظمها في الموطإ. قال خليل بن إسحاق رحمه الله: "وفي النفل بالعمد الحرام ولو بطلاق بت إلا لوجه كوالد وشيخ وإن لم يحلفا"، ومعناه أن من تعمد الفطر في صوم النفل؛ إذا لم ينس الصوم، ولم يفطر لأجل المرض أو الجوع الشديد أو العطش، ولا أكره عليه، ولا أفطر لمانع من حيض أو نفاس؛ فإنه قد ارتكب محرما، فيلزمه القضاء، ولو حلف عليه غيره بطلاق بات أي تحرم عليه امرأته به، إلا إذا أمره أبوه أو أمه بالفطر شفقة عليه، أو شيخه في الطريقة، وإن لم يحلفا، فليفطر ولا قضاء عليه. والغريب انهم قصروا الحكم على شيخ الطريقة دون شيخ علم الشرع ولا علم الآلة، وهو ما قرره الدردير رحمه الله قال: "وشيخ في الطريق أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه (!!)، وألحق به بعضهم شيخ العلم الشرعي"، وقال الدسوقي في حاشيته: "وكذا آلته كما قرره شيخنا"(!!)، وما أحسن المثل الشعبي وهو (أدخل يا مولى العمود، واخرج يا مولى القرمود)، يقصدون بالعمود الخيمة وبالقرمود البناء. وقال ابن ناجي رحمه الله في شرح الرسالة: "وظاهر المذهب أن شيخه الذي تعلم عليه العلم لا يتنزل منزلة الأب، وكان بعض من لقيته يفتي بأنه كالأب"!!، وما أدري عن أي مذهب يتحدث؟، لكن الشيخ محمد البناني رحمه الله قال في حاشيته على شرح الزرقاني: "والظاهر العلم الشرعي"، وهو من كلام البناني نفسه لا من تمام كلام ابن ناجي السابق كما ظنه علي للصعيدي في حاشيته على شرح الخرشي، ونقل هذا الأمر الشيخ أحمد زروق في شرحه على الرسالة عن خليل وأقره، ومثله الحطاب في مواهب الجليل، فهؤلاء سبعة من الشارحين والمحشين أطلقوا على تقديم شيخ الطريقة على شيخ العلم في لزوم طاعته في ترك الصيام الذي يرون أنه يلزم بالشروع وأن الفطر محرم عليه، لأنه عاهده على التزام طاعته. ونقل خليل في كتابه التوضيح قول ابن غلاب: "وحرمة شيخه كحرمة الوالدين لعقده على نفسه أن لا يخالفه، وأن لا يفعل شيئا إلا بأمره، فصارت طاعته فرضا لقوله جل وعلا: "واَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ"، (التوضيح 2/245) والآية هذه تنقض قوله على مذهب من يرى صيرورة النفل فرضا بالشروع فيه، لأن كل العهود مردها إلى عهد الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والعجب أن بعض من قال ذلك يرى أن المتنفل إذا أفطر متعمدا يعاقبه الحاكم كما يعاقب من أفطر في رمضان، وإن كان هذا القول غير معتمد في المذهب... يتبع. يوم الرابع من شوال 1444

الخاطرة 459

(3) لقد وقفت على هذا الارتباط بين كثير من المتفقهة وبين طرق الصوفية التي خرج معظمها عما كان عليه أوائلهم، وأخطر ما هم عليه اليوم دعاء المقبورين، والاستغاثة بهم، والطواف بقبورهم، وتقديم النذور لهم، والذبح عند ضرائحهم، وهي أعمال شركية، وعلمت سبب هذا الارتباط، وما أدى إليه من افتتان عوام المسلمين بهم، وما لهم من النفوذ عند الحكام، ومسؤولية الدعاة الذين يركنون إليهم، فيزينون للناس صنعهم. وإني أختم المنشور بهذا الذي كتبه الشيخ محمد بن أحمد المختار الجكني الشنقيطي في شرحه على مختصر خليل المسمى (مواهب الجليل من أدلة خليل (2/39)، فجزاه الله خيرا، قال معلقا على ما أطبق عليه غالب الشراح من تقديم شيخ الطريقة على شيخ العلم (وقد حذفت بعضه مما لا يخل بمقصوده): "وأي اعتبار شرعي لشيخ لا يعلم العلم؟ وما ميزته الشرعية حتى ينزله الشرع منزلة الوالد؟ ولا ينقضي عجبي بتخصيص هذا الشيخ بشيخ الطريقة الذي أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه، وأعجب من ذلك قول الدردير: "وألحق به بعضهم شيخ العلم الشرعي"، انظر رحمك الله ترويج هذا الباطل بجعله الأصل، ليلحق به شيخ العلم الشرعي، وهل كان شيخ الطريقة موجودا في القرون المشهود لها بالخير؟..، علما بأن كل ترهاتهم يزعمون أنها تتصل بالحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله، فهل كان إلا شيخ علم؟ ولعل ما قيده في التوضيح من كونه شيخه الذي أخذ على نفسه أن لا يخالفه؛ هفوة منه رحمه الله، أصابته بها غفلة الصالحين، كما أصابته بقوله في المختصر (وهل هو العباسي)، ذلك أنه عاش في عهد بلغت فيه طرق الصوفية أوجها، فظن أن لا حقوق لشيخ غير شيخها، وهو غير معصوم، كما ظن الحكم العباسي الذي عاش في أيامه هو لن ينقطع أبدأ..، والله يغفر لنا وله، ولا غرابة أن يتلقاها الدردير ومحشيه بالترويج، لأن الاثنين كل منهما شيخ تصوف، أخذها الثاني عن الأول، وهو أخذ الطريقة الخلوتية عن شيخه الحفني، والله أرجو التوفيق لما يرضاه من القول والعمل، وأن يغفر لنا ولهم جميعا وللمسلمين". يوم الخامس من شوال 1444

الخاطرة 460

من أبلغ ما قيل في وصف بداية الحرب، وما يسبقها من الفتن، وما تصير إليه بعد؛ قول امرئ القيس الذي في صحيح البخاري: قال ابن عيينة عن خلف بن حوشب: كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن: الحرب أول ما تكون فتية * تسعى بزينتها لكل جهول حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها * ولت عجوزا غير ذات خليل شركاء ينكر لونها وتغيرت * مكروهة للشم والتقبيل من كان يتوقع هذا الذي انتهت إليه ثورة الشعب السوداني كما تسمى، بعد أن مر عليها أكثر من خمس سنوات؛ غير من لا ينخدع بالمظاهر، ولا يغتر بما لم يشرعه الله ولا رسوله من الوسائل، ويستيقن أنها لا تفضي إلى خير مهما كان انخداع الناس بها ؟. لقد قادها العلمانيون المتسمون باسم الحرية والتغيير، ومالأهم من خانوا دينهم وأمتهم، فما كان تغييرهم إلا نحو الأسوإ في الدنيا والدين، خدعوا الدهماء بشعار حكم الشعب، فروعوه وجوعوه وسلبوه سكينته وراحته، باسم الحرية التي هي أكذوبة العصر الكبرى. لم يجن هذا البلد غير المزيد من الانقاسامات، وطول المفاوضات، وكثرة الاتفاقات، فلما أزفت ساعة الاتفاق، حصل الافتراق: تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون، انتهى كل ذلك إلى قيام الحرب بين طرفي المكون العسكري الذي قيل عنه إنه يحمي الوطن، ويصون وحدته، فصار أداة للتقتيل والتدمير والتخريب. كان شعب السودان رغم الضائقة المالية والحصار الاقتصادي؛ معتزا بدينه، شجى في حلق الغرب الكافر، محافظا على بعض أحكام الله في حياته العامة: بتعزير المخالفين للآداب الشرعية، ومنتقصي الصحابة، وإقامة الحد على الزاني البكر، والفصل بين الذكور والإناث في أكبر جامعاته، وتقدير أهل العلم، وإتاحة قدر كبير لحرية الدعوة إلى الله تعالى، وتضييق نطاق السياحة التي هي إحدى وسائل الفساد، وغير ذلك مما رأيناه رأي العين وعشناه، فانقلب هؤلاء على ذلك كله، لاهثين وراء رضا الكفار، الذين أخبر الله أنهم لا يرضون حتى تتبع ملتهم، في مقابل رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهم يعنون الإسلام، ثم تحقق للكيان الصهيوني الاعتراف به من دولة كانت على رأس المناوئين له. مع هذا كله فأملنا في الله كبير أن يعود السودان خيرا مما كان، وأن يقيض الله له من يقوده إلى بر الأمان، فاللهم اكشف عن اخواننا هذه الغمة، وفرج عنهم الكربة، وقاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون برسلك، وأنزل عليهم رجزك وعذابك. السادس من شهر شوال 1444

الخاطرة 461

المستغرب أن يقال عمن جنوا على أئمة المساجد إنهم مصابون بخلل عقلي، فيصير هذا التعليل متواطأ عليه، ولا يذكر غيره، وهو مستبعد بقرينة تكرر الإجرام، ما لم يعرف الجاني بهذا الخلل من قبل، ولو ثبت؛ فليس بمستنكر أن يكون وراء الجناة جهات تستغلهم لتحقيق أغراضها. وتعرض الأئمة بمختلف مشاربهم لهذه الاعتداءات يجعل التهمة غير مقصورة على توجه واحد، فقد تكون الجناية انتقاما من الدعوة، أو من طريقتها، أو من القائم بها لتفويته على الجاني مصلحته كما يراها، والأئمة يتولون ادارة بعض المنافع وإيصالها للناس عن طريق صندوق الزكاة وصدقة الفطر وجوائز المسابقات وقفة رمضان وغيرها. والكارهون لدعوة الحق أصناف تختلف طرق محاربتهم لها حسب غرض كل منهم وموقعه، والجامع المزعج أن يروها تمضي غير آبهة بكيدهم، مع أن القائمين عليها لا يتبوأون مركز قرار، ولا يتمتعون بسلطة، ولا يحدوهم طموح سياسي إلا في النادر. والدعوة الحقة بطبيعتها معارضة لكل باطل، وإن لم تصنف كذلك، ولا تتقيد بزمان ولا بحال، ولا حياد فيها، فمقاومتها للضلال بأشكاله، والفساد بأنواعه؛ مستمرة متجددة، فإن صحبها عمل نفعي، أو جهد ميداني، كما هو الواقع عند كثير من الأئمة؛ انكمش عمل المبطلين، أوزهق، فانبعث الأشقياء للقيام بهذه الأعمال الظاهرة التي تعلم، وهناك أغراض خفية لا تعلم وستعلم إن شاء الله. لو اقتصرت الدعوة على أدنى درجات تغيير المنكر بتنفير القلوب فتنكر الباطل، وهي أيسر طرق المناعة التي تحدثها المواعظ والخطب والدروس؛ لكان ذلك مزعجا باعثا لأفراد أو مجموعات على الشر، فمن أراد أن يعرف من يقف وراء هذا الاعتداءات؛ فليستحضر هذه الحقيقة، ولا يقبل أن يعامل هذا الأمر باعتباره من صنع المختلين عقليا، فإن هذا خلل في العقل. إذا حارب إمام المسجد في دروسه المخدرات فقد يكون وراء الاعتداء عليه من فوت عليه مصالحه، وأنا لا أشك أن نشر هذا الداء العضال في الكثير من البلدان ليس عمل أفراد. وإذا كان ناصحا للمسلمين حريصا على السنة -والمفروض أن هذا دأب الأئمة جميعا- فثمة من يزعجه نشاطه فينبري لإيذائه. وإذا تمسك بالطاعة في المعروف والبعد عن التهريج السياسي، فإن له خصوما وكثيرا ما نعتوه بإمام ccp وفشا ذلك في الناس. وقد يلتزم منهجا معينا في طريقة تفقيه الناس فلا يعدم خصوما له، وهكذا دواليك. إن قوة التهمة يشرع معها خلاف الأصل لكشف المستور، وقد استند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى القرائن في فتح خيبر على أن مال حيي بن أخطب لم ينفد لكثرته، وقرب العهد به، حتى قيل إنه أمر أن يمس بعضهم بعذاب فبين موضعه، وإني أقترح إنشاء هيئة لتنظر في الأمر من مختلف جوانبه لعلها تصل إلى تفسير حقيقي موضوعي لهذه الظاهرة الخطيرة. فرحم الله إخواننا الأئمة الذين تعرضوا لهذه الاعتداءات وغفر لهم ولسائر المسلمين، وعجل بشفاء من أصيب منهم، وأنا ذاكر هنا قليلا من كثير حصل لي، لعل فيه تسلية لمن تأذى، وما يزال حيا، وقد قيل إن الخطوب تذكر وتنسي، قال البحتري: أذكرتنيهم الخطوب التوالي ** ولقد تذكر الخطوب وتنسي آخر عهد لي بمحاولة (..) كان في شهر رمضان 1442 حيث ترصدني بعضهم أكثر من ثلاثة أيام في صورة سائل، وكان يحمل سكينا داخل متاع له، وقد فطره ثلاثة أيام متواليات أحد جيراني، فلما علم بحمله السكين اشتبه في حاله فكف عن تفطيره، ثم انكشف حاله لجار آخر فأبلغ عنه قبل أن يخبرني، فاقتيد إلى مقر الشرطة ومعه سكينه وجرى التحقيق، ثم أبلغت بانتفاء وجه الدعوى التي لم ابدأها أنا بعد انقضاء أمد الطعن بأزيد من شهرين!! وقبل عقدين اقتحم أحدهم علي منزلي في جوف الليل، وكسر الباب الداخلي فتسورت الجدار الذي بيني وبين الجار، وأبلغت الشرطة من منزله، وتم توثيق الاعتداء بالصور، ومما كان في حوزة الجاني روح الملح ليشوه وجهي وقد سكب بعضه عند الباب فأخطأني، ثم أوداع السجن لضبطه ملتبسا بعد أن فقدت الوثائق من الملف، ثم كان ما السكوت عنه أفضل. وخلال السنوات العشر التي بدايتها نهاية سنة 1991 ذكر أحد أفراد الجماعة المسلحة المعروفة برمز الجيا أو غيرها بعد تسليمه نفسه؛ أني نجوت من ثلاثة كمائن نصبت لي، قال هذا في درس الجمعة بمسجد الإصلاح بمعسكر أمام مئات المصلين. أما ما دون ذلك من الإهانات والتهديد الشفوي والمكتوب والتضييق والمقاطعة أثناء إلقاء الدروس؛ فكثير، وهو مستمر مع اختلاف الصور. وأذكر أن (مسؤولا) قال لي خلال العشرية تلك بعد مدة لم نلتق فيها: "ما زلت حيا"؟! فبادرته معرضا -والله يغفر لي- أنا حي حياتين: حياة بهيمية يشاركني فيها غيري وأخرى روحية ليست عند كل الناس"، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى * تزود لأخرى مثلها فكأن قد فأصبروا على لأواء الدعوة، وأخلصوا لله في أعمالكم، والله يحفظكم ويرعاكم واقرأوا وتدبروا قول الله تعالى: "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُون ثمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ". في العاشر من شوال 1444

الخاطرة 462

من المستحبات؛ أن تقرأ المعوذات، في أدبار الصلوات، وفي الصباح والمساء، وعند النوم، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ بها في الوتر في الثلاث المتصلات، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعقبة بن عامر رضي الله عنه: "ألا أعلمك خير سورتين قرئتا: (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس)، يا عقبة، اقرأ بهما كلما نمت وقمت، ما سأل سائل ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما"، والمقصود بخيرية قراءتهما خصوص التعوذ والتحصن، ومثل ذلك آية الكرسي، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة: "من قرأ بهما في ليلة كفتاه". والناس يتركون هذا وغيره من أدعية الصباح والمساء، ثم يعمدون إلى الرقاة، وكثيرا ما يشدون إليهم الرحال، ومن ذلك هذه القصة التي جرت لبعض إخواننا هذا اليوم وهو مسافر إلى مدينة مغنية، فرأى شابين يحملان وعاءي ماء وهما يسيران في عقبة كؤود بجبال أم كسي قرب بلعباس، فتوقف وأركبهما فأخبراه أنهما أتيا من الأغواط لشراء هذا الماء المرقي للاستشفاء، وأن كثيرا من الناس قد شفوا به، والعجب أنهما طالبان جامعيان، سيزداد عجبك إذا عرفت المسافة بين مدينة بلعباس والأغواط فابحث عنها! في = 07 ماي 2023

الخاطرة 463

حدثني الثقة أن شخصا سرق شاحنة قبل عشرين عاما من بعض إخواننا في العاصمة، ولم يعرف السارق وقتها، لكنه اتصل به منذ أيام ليعترف بالسرقة، ويخيره بين أن يعطيه إحدى شاحنتيه، أو قيمة المسروقة، فهنيئا للتائب توبته، ورد الحق إلى صاحبه، إذ لا بد في التوبة من ذلك، وقد قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء"، لا يفعل هذا إلا مؤمن يخشى الله، يرجو رحمته، ويخاف عذابه، وقد قال سبحانه: "إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ"، فليبادر كل ظالم إلى رد المظالم، قبل فوات الأوان: "وعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا"، أي شركا، وقيل شيئا من الظلم، ومن نجا من الخيبة الكبرى فأن له أن يأمن ما دونها؟. ليلة .

الخاطرة 464

كنت أقول في بداية السبعينات من القرن الميلادي الماضي إن إدارة البريد والمواصلات والشركة الوطنية للكهرباء والغاز هما اكثر إدارات بلادنا انتظاما وانضباطا، كنت معجبا بهما وأضرب بهما المثل يوم كان عملهما شاقا يدويا في غيبة النظم الآلية والوسائل الحديثة. وهذا الأمر وإن طرأ عليه ما يجعله اليوم مختلفا لأسباب كثيرة؛ فقد عشت يوم الأحد الماضي موقفا متفردا لعل فرع هذه الشركة بدائرة بني بورسعيد -بمدينة الزوية- تفرد به، فسررت به أيما سرور كما قال: إني لتطربني الخلال كريمة * طرب الغريب بأوبة وتلاق !! ويهزني ذكر المروءة والندى * بين الشمائل هزة المشتاق!! لقد تمنيت أن يعمم هذا الموقف الإنساني الراقي ما استطاعت الهيئة إليه سبيلا، رأيت أحد أعوانها يطوف ليبلغ المعنيين بأن أجل قطع التموين عنهم قد انقضى، فلم تكتف الإدارة بمرور المدة القانونية التي دونتها على فاتورة الاستهلاك، إنها مرونة في تنفيذ الإجراءات لا يقدم عليها إلا أصحاب الهمم الإنسانية العالية الذين لا يخفى عنهم أن العقوبات المالية قد تصادف محلها (القانوني) متى كان المدين مليئا، وأن من زبائنها من ينسى أو يعجز، وقد يسر الله وسائل لمعرفة أحوال الناس المالية، زيادة على ما في القطع ثم استئنافه من الكلف عليها، وعلى زبائنها، وكل عمل فيه جانبان: إنصاف وعدل، وإحسان وفضل، وقد قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، ومما ضاعف سروري أن مرافقي جزاه الله خيرا دفع تلك المستحقات في غيبة صاحب الدار الذي جاء يعوده فلم يجده!! فرجع بأجرين أجر العيادة، وقضاء دين المدين.

الخاطرة 465

مما ينبغي العناية به في فهم كلام الله تعالى؛ الجمع بين ما جاء فيه منفيا في موضع، مثبتا في آخر، في العلميات والعمليات على السواء، فإنه متعارض في الظاهر، وهو كثير في الكتاب، وفي السنة، وفيما بينهما. ومن أمثلته قوله تعالى: "فلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ"، في مقابل قوله: "فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جان"، وقوله عما يحتج به الكفار على تسويغ شركهم ومعاصيهم: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ"، في مقابل قوله: "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرونُ"، وقوله: "لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ"، ومقابله قوله: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين"، وقوله: "وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ"، مع الآيات والأحاديث التي تعارضها. والواجب الاعتقاد الجازم أن ليس في كلام ربنا تناف ألبتة، فقد قال: "أفَلَا يتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا". والمقصود قوله تعالى عن اتباع اليهود السحر وإعراضهم عن القرآن وهو مصدق لما معهم مع علمهم بذلك، قال تعالى: "وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ"، وقال: "ولَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُون". فهذا العلم الذي أثبته لهم؛ لا امتداد له في حياة حامله وسلوكه، وإن كان يستحضره في خطبه وتآليفه ومحاجته وجداله يتزين به، وينتقي ألفاظه، ويجيد رصفها، فهو علم قالي لا حالي، وهو النوع الذي تعوذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه، وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصف صاحبه: "عليم اللسان جاهل القلب والعمل". وفي مقابل هذا الإثبات؛ نفى عنهم العلم الذي يطبع سلوكهم، ويوجه إرادتهم، فقال عن ممارستهم السحر: "وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون"، وقال عن استبدالهم الفاني بالباقي: "ولَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ". قال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره: "العلم علمان: علم تفصيلي، متمكن من النفس، متسلط على إرادتها، يحركها إلى العمل، وعلم إجمالي خيالي، يلوح في الذهن مبهما، عندما يعرض ما يذكر به، ككتاب، وإلقاء سؤال، وهو يقبل التحريف والتأويل، وليس له منفذ إلى الإرادة ولا سبيل. في العشرين من شوال 1444

الخاطرة 466

متى صح النقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو جاء عن بعض أصحابه مما لا يقال بالرأي، وأمن أن يكون من الإسرائيليات؛ فالواجب تصديقه واعتقاده، من غير فرق بين أن يكون خبرا عن ماض، أو مستقبل، في الحياة، أو بعد الممات، أو في الدار الآخرة، أو عن خارق من الخوارق، أو حقيقة في الخلق، أو في المخلوقات، ومن الواجب التزام ما قد يصحب الأخبار من أحكام، والتسليم لما فيها من علل، ومن علاقة بينهما، وإن لم ندرك مناسبتها لها. هذه خلاصة ما عرفناه من تصرفات أهل العلم من المحدثين والفقهاء في كلامهم على هذه النصوص، واستنباطهم منها، وقد يختلفون في بعض معانيها أو في تأويلها. وقد ظهر في هذا العصر طائفة (المكذبة) التي جمعت أشتاتا من الفرق الضالة، فأحيت منهج اسلافها في رد ما لم يحيطوا به علما، واستبعاد ما لم يعتادوه، فشنت الغارات على هذه الأخبار التي هي في دواوين المسلمين، ولاسيما صحيح البخاري، فأنكرتها بالعقول والأذواق والحس والعادات، فينبغي الحذر منهم، والتصدي لإفكهم وتخرصاتهم. وقد لخص أبو سليمان الخطابي رحمه الله في كتابه (معالم السنن) منهج التعامل مع أحد أصناف الأخبار، وهي التي لا تدرك معانيها بالحس؛ فقال: "وذكره تسجير جهنم، وكون الشمس بين قرني شيطان، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تذكر على سبيل التعليل لتحريم شيء، أو لنهي عن شيء، أمور لا تدرك معانيها من طريق الحس والعيان، وإنما يجب علينا الإيمان بها، والتصديق بمخبوءاتها، والانتهاء إلى أحكامها التي علقت بها". يوم التاسع والعشرين من شوال ماي 2023

الخاطرة 467

تجميد عضوية النظام السوري في الجامعة العربية قبل سنوات؛ كان خطأ فادحا، وهو من أسباب ارتمائه في أحضان دولة الشيعة في إيران، واكتسابها موقعا متميزا فيه، بعد أن كانت علاقتها به تجري في الخفاء، ومن غير وجود عسكري ظاهر، ومن آثاره توطين القواعد العسكرية الروسية البرية والبحرية فيها لعقود قادمة، وبسببه صار معظم الدول العربية منحازا إلى أحد المعسكرين، بعيدا عن إمكانية الإسهام في إطفاء الحريق، وقد تكررت هذه المواقف غير المدروسة، وقد يكون منها حضور الرئيس الأوكراني بعض جلسات قمة الدول العربية. وبعد كل هذا العناء، وبعد أن أتت هذه الفتنة على الأخضر واليابس؛ عادت هذه (الجامعة) فرفعت ذلك التجميد، فما أشبه هذه التصرفات بلعب الأطفال الذين يتقاطعون ثم يتلاقون، ومع هذا نرجو أن يساعد هذا الموقف على التخفيف من آثار هذه الحرب الضروس على إخواننا في هذا الجزء من أرض الإسلام. ليلة غرة ذي القعدة ماي 2023

الخاطرة 468

(1) شاع في هذه الأشهر تفقد الولاة للمشاريع والمنجزات، ووقوفهم على تأخر إنجاز الأعمال، وغياب الموظفين، وبلوغ استحقاقات المواطنين محلها وغير ذلك، وهذا عمل نافع يتجاوز المراقبة بالتقارير المنمقة، والإحصائيات المزورة، ومقاومة التباطؤ الإداري بالخطب والرسائل، وتعطيل المصالح بالتعقيدات المصطنعة وكلها أدواء تراكمت ويعسر إزالتها بهذا الذي نراه. ان هذه المصالح المترتبة على الخريجات الميدانية؛ لا تحجب عنا ما يصحب هذا المرغوب من التوبيخ العلني، والتقريع للمقصرين، أو من يظن بهم ذلك، من المسؤولين والمقاولين، وما فيه من الإهانة والإذلال، فإنه مخالف للشرع، وللمقرر عند الناس، من حقوق الموظف وغيره، ورضا الناس عن هذا الأسلوب وتحبيذهم له؛ لا ينقله عن أصله المرفوض، فإن الصواب أن تطبق على المتهاونين العقوبات المقررة، عن طريق الهيآت التي أنشأها نظام الوظائف، وما في قوانين الصفقات والعقود، بعيدا عن أعمال الشهرة، وتطلب المحمدة، ببث ذلك بالصور والأصوات على الناس. إذا عقلت ما كتبت؛ فاقرأ هذا الحديث الذي سقته لك للاستدلال على ما قلته، وتجاوز ذلك إلى الاستفادة مما تضمنه من أحكام، وإن كان أصله في الرق الذي كاد ينقرض غير مأسوف عليه... يتبع. الثالث من ذي القعدة 1444

الخاطرة 468

(2) اقرأ ما قبله روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها؛ فليجلدها، ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها، ولا يثرب، ثم أن زنت الثالثة؛ فليبعها ولو بحبل من شعر". في الحديث إقامة المرء حد الزنا على أمته، وقد قيده فريق من العلماء بما إذا لم تكن متزوجة، وهو متجه قوي. ويؤخذ منه بالأولى أن جماعة المسلمين تقيم الحد في غيبة الحاكم كحالة السفر، أو بحضوره إذا عجز، وقد قال به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأولى إذا فوض الحاكم ذلك لهيئة لمانع ما!! وفيه تكرير إقامة الحد كلما حصل سببه، لا إن تكرر قبل إقامته. وفيه التخلص من الأمة بالبيع إذا لم تحل إقامة الحد بينها وبين فعلتها، وقد يكون الغرض من ببيعها أن يحصل لها عند مشتريها ما تتم به عفتها. وفيه أن ليس كل عيب يجب أن يكشفه البائع للمشتري، والظاهر اختصاصه بمحل الحكم، وهو الآدمي، فلا يلزم بيان مثل هذا في الزواج، وقد قال عمر رضي الله عنه لمن أخبره (بشيء) في امرأة أراد تزويجها: "إياك والخبر"!! وفيه أن الحد لا يزاد عليه شيء، ولو تكرر، وان لوما وتوبيخا، وهو المقصود بالتثريب، وهذا مع المملوك؛ فكيف بالحر؟، ومع من استوجب حدا، فأولى منه المستفتي والمستنصح، وقريبٌ من هذا نهيُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم عن لعن الشارب الذي أقيم عليه حد الشرب مرارا. وفيه دليل على أن التعزير الموكول للقاضي لا يكون بالتوبيخ والتقريع. ويؤخذ منه من باب أولى الخطأ الفادح الذي صار إليه بعض الولاة في المدة الأخيرة من توبيخ من تحت إمرتهم على ملإ من الناس، وتصوير الوقائع ونشرها، مع ما فيه من إهانة الموبخين، وتجريء العامة عليهم، ثم هو مخالف للقانون الذي يزعمون أنهم حماته. وفيه أن حد المملوك إذا زنى هو الجلد لا فرق بين محصن وغيره، للإطلاق الذي في الحديث، والمحصن هو المتزوج، ويلحق الذكر بالأنثى فيه بعدم الفارق. وقد بين الله الحد بقوله: "فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ" والمحصنات هن الحرائر، والنصف هو خمسون جلدة. وفيه عدم التسعير ارتفاعا أو نزولا إلا عند المضارة لأن الناس مسلطون على أموالهم، إذ لا فرق بين البيع بالثمن البخس وتجاوز الثمن المعتاد، ويدل عليه أيضا امتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التسعير عندما طلبه منه أصحابه، والحمد لله رب العالمين. الثالث من شهر ذي القعدة 1444

الخاطرة 469

أمرنا الله بالصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "إن اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تسليما"، وهي واجبة مرة في العمر عند فريق من أهل العلم، واجبة في الصلاة على الراجح من قولي العلماء، مطلوبة بعد حكاية الأذان، وكلما ذكر، فإن البخيل من ذكر عنده فلم يصل عليه، وفي الدعاء كما قال: "كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد"، وقال: "من ذكرت عنده فليصل علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا"، وقال: "من صلى علي حين يصبح عشرا وحين يسمي عشرا أدركته شفاعتي يوم القيامة"، وقال: "إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة فأكثروا الصلاة علي"، وقال: "أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة، فإنه ليس يصلي علي أحد يوم الجمعة إلا عرضت علي صلاته". أما ترتيب الصلاة عليه جماعة بعد الخطبة وقبل صلاة الجمعة، وهو الذي سمعنا أن الجهة الحاكمة في مصر أمرت به؛ فبدعة إضافية منكرة، مخالفة لهديه وأمره، وقد قال الله تعالى: "فلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبهُمْ فتنَةٌ أَوْ يُصِيبهُمْ عَذَابٌ أَلِيم". لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفصل بين الخطبة والصلاة، ولا بين الإقامة والصلاة، إلا نادرا للحاجة الطارئة، ولا فعل ذلك أصحابه، ولا من بعدهم، ولا عرف أن أحدا من أهل العلم قاله، ولا حجة فيما سبق من مطلوبية الإكثار من الصلاة عليه في ليلة الجمعة ويومها، إنها سنة سيئة يتحمل وزرها من سنها ووزر من عمل بها، وهي عمل مردود، لقوله: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"، وقوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، والحمد لله رب العالمين. ليلة الثامن من شهر ذي القعدة 1444

الخاطرة 470

من العبر المستقاة من نتائج الانتخابات التركية الرئاسية في جولتيها أن السياسة ولو كان فيها خير مقارنة بما سبقها فإن السكان لا يميلون إليها إذا لم يصحبها نفع مادي وتطور معيشي، ومن لم يقر بالتحسن الذي طرأ على تركيا في الميدان الذي يعنينا فهو مكابر، ونسبة المسلمين في تركيا تبلغ 98%، ومع ذلك ما عصمهم الإسلام التقليدي من تأييد المتشددين القوميين الموغلين في العلمانية، ومثل السياسة في هذا العصر الدعوة إلى الله، ينبغي أن تقوم على ساقين تعليم الحق، ونفع الخلق. إن هذا البلد لما تأثر بانخفاض قيمة الليرة الذي كان تدبيرا انتقاميا، وبآثار الزلزال الذي ضرب بعض المناطق، وملايين المهاجرين النازحين إليه جراء الحرب المدمرة في سوريا، كل هذا غير اتجاه الناس وهم مسلمون، فاقترب المرشحان الرئيسان من التعادل في الجولة الأولى، ولم ترجح كفة الرئيس رجب طيب أردوغان إلا بانضمام مرشح من تيار مخالف، لمصالح يرجوها، والنتيجة سارة على كل حال فالحمد لله. ليلة التاسع من ذي القعدة 1444

الخاطرة 471

قال الله تعالى: "الله تعالى: "إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيم". الأصل في أعمال الحج الوجوب لإحالة النبي صلى اله عليه وآله وسلم عليها بقوله (لتأخذوا عني مناسككم)، ويستثنى من هذا الأصل أمور: 1- ما بين عدم وجوبه كقوله (نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، ووقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة). 2- ما بين جواز ترك ترتيبه، فقد سئل عن تقديم بعض أعمال الحج على بعض فقال: "أفعل ولا حرج"، قال الراوي: "فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال أفعل ولا حرج"، فهل ذلك لمن فعل جاهلا أو ناسيا ثم سأل؟، أم أنه يجوز ابتداء؟، أم مع الحرج؟ والأول صواب، ورفع الحرج أصل. 3/ا - وبيان الثالث أن من أعمال الحج ما هو مقصود لذاته، كالطواف بالبيت، والوقوف بعرفة، والتلبية، ورمي الجمار، والمبيت بالمزدلفة، فهذا لا بد من فعله، مع اختلاف العلماء في بعضه: في مقدار ما يجزئ منه، وهل هو ركن يفوت الحج بتركه، أو واجب يجبر بالهدي. 3/ب - والثاني ما كان وسيلة إلى غيره كالمبيت بمنى ليلة التاسع، فإنه سنة عند الجمهور لا شيء في تركه، والمبيت ثلاث ليال بمنى اختلف فيه هل هو مقصود، أم شرع لأجل الرمي؟. 3/ج - ومن التابع السعي بين الصفا والمروة، فإنه تابع للطواف بالبيت. ولذلك كان اتصاله به من جملة الواجبات في الحج والعمرة في بعض المذاهب، ومن قرائن ذلك أن من أراد أن يسعي يسن له بعد ركعتي الطواف؛ أن يعود فيستلم الحجر الأسود ثم يسعى، وقد ترك الناس هذه السنة اليوم إلا قليلا منهم، ومن ذلك أن الساعي يقف ثمان وقفات على الصفا والمروة مستقبلا الكعبة يهلل ويكبر ويدعو كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولأن السعي تذكير بفعل هاجر عليها السلام، ومنطلقها إليه كان من البيت باحثة عن الماء لابنها إسماعيل عليه الصلاة والسلام، ويقوي ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يقطع الأبطح إلا شدا"، وقد روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى قوما يطوفون يئن الصفا والمروة فقال: "هذا ما أورثتكم أمكم أم إسماعيل". ومن القرائن على تبعيته أنه لا يتطوع به استقلالا، وهذا شأن مناسك الحج والعمرة عدا الطواف لذي هو أصلها، وقيل أفضلها، لكن قد يشتبه على الناس عدم مشروعية التطوع بالسعي مع أن الله تعالى قال: "وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيم"، فإنه عموم يدخل فيه السعي دخولا أوليا، والسياق يدل عليه، وهو يستعان به في تعيين المحتملات، وتخصيص العمومات، وتقييد المطلقات، لكنه هنا ليس كذلك، فلا السعي بين الصفا والمروة تطوع، ولا يشرع التطوع به استقلالا عن الطواف في حج أو عمرة. وفقد اختلف الناس في حكمه على ثلاثة مذاهب اندثر منها واحد وبقي اثنان: * قيل هو تطوع لا شيء على من تركه وهو قول أنس بن مالك رضي الله عنه وغيره، وعمدته قراءة ابن مسعود (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا)، وهي قراءة شاذة مخالفة لرسم المصحف. وقد فهم عروة بن الزبير من الآية عدم لزوم الطواف بين الصفا والمروة، فقالت له عائشة رضي الله عنها: "لو كانت كما تقول لكانت (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)، والمعنى المقصود من هذه الآية لا يتضح كما ينبغي إلا بمعرفة سبب نزولها، وهو تحرج المسلمين أن يسعوا بينهما لأنه كان منصوبا عليهما صنما إساف ونائلة، فرفع عنهم الجناح وهو الإثم بالآية. وقد ذكر ابن العربي أن رفع الجناح يدل على إباحة الفعل، أما مع زيادة (لا)؛ فيدل على إباحة الترك، وبهذا يتبين أن أخذ عروة عدم لزوم السعي من ظاهر الآية لا نكرة فيه، أما رد قوله فلأنه مخالف لما أطبقت عليه الأمة من أن السعي بين الصفا والمروة لا رخصة في تركه لأحد، ولهذا كان لا بد في فهم كثير من مواقع الوحيين من الرجوع إلى فهم السلف ومراعاة ما أجمع عليه المسلمون. وقد اختلف القائلون بوجوب السعي على مذهبين: أولهما أن من تركه يلزمه الإتيان به ولا بد، فإن عاد إلى بلده رجع إليه، ولا يكفيه الهدي، وهم جمهور العلماء، والقول الثاني أنه واجب يجبر تركه بالهدي وهو للحنفية، والله أعلم. في 18 من شهر ذي القعدة 1444

الخاطرة 472

قبل خمس سنوات أنشئت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة لاستحداث الخدمات المختلفة اللازمة وتطويرها في هذه المناطق ولاسيما للحجاج والمعتمرين. ومن الخدمات التي تقدمها للوافدين على المسجد الحرام من مختلف أرجاء المدينة؛ نقلهم مجانا في حافلات مكيفة ذهابا وإيابا، وهي مزودة بنظام إلكتروني يبين المواقف بأسمائها وأرقامها ومدة السير إليها بالكتابة والصوت، وهي خدمة جليلة جزى الله خيرا من سنها وحافظ عليها. ولا مانع أن يشار إلى بعض ما يشوب هذه الخدمة من خلل لا يخلو منه غالبا عمل إنساني لعل المشرفين عليها يعملون على تلافي ما يمكن تلافيه. فمن ذلك الزحام والتدافع الشديد الذي يجري في محطات الانطلاق في أدبار الصلوات ولاسيما بعد صلاتي الفجر والعشاء، ومنه اختلاط الرجال بالنساء اختلاطا لا يشك في تحريمه، وتدارك هذا سهل، ومنه أن هذه الخدمة لم تعد خاصة بمن يؤمون المسجد الحرام، ولهذا تتضاعف محطات التوقف، ويطول الوقت المستغرق في الذهاب والإياب، ويمكن التخفيف منه بعدم توقف الحافلات التي بلغت حدها من عدد الركاب، أو بغير ذلك من الإجراءات. يوم 19 من شهر ذي القعدة 1444

الخاطرة 473

القرين هو الصاحب الملازم، أما محصي أعمالك؛ فلا مناص من صحبته، فلا يدونن عليك إلا ما يسرك أن تراه في حسابك، فإن الأمر كما قال الله تعالى: "ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ"، والرقيب الذي يرقب الأعمال، والعتيد الحاضر المتهيء. أما الذي تختاره من القرناء فنافع وضار، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"، وقال بعضهم: عن المرء لا تسأل وراقب قرينه * فإن القرين بالمقارن مقتد إن خير ما تعمر به وقتك للوقاية من سوء القرين بعد أداء ما افترض الله عليك، واكتساب ما تكف به وجهك عن الناس؛ أن تذكر ربك وأعظم ذكره قراءة كتابه أو الاستماع إليه. وقد جمع الله تعالى بين تسليط قرين السوء على المرء وبين تعاميه عن كتابه: "ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ولن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ". وجمع ندم الظالم يوم القيامة على ما اتخذه من الخلان، الى شكاة الرسول هجران قومه هذا القرآن: "ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا وقالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا"، وجمع نهي الكفار بعضهم بعضا عن الاستماع له، إلى تهيئة قرناء يزينون لهم ما سبق ولحق من أعمالهم: "وقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِين وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ". وهاتفك اليوم أعظم قرناء السوء، وأكبر فتن العصر التي تطال الأفراد، فأنت لا تكابد في الاتصال به مشقة، ولا قيد في زمان صحبته، ولا يعرف غيرك ما يصنعه بك، أنت الذي تحركه ليغويك، وتستدعيه ليضلك. ليلة 26 من شهر ذي القعدة 1444

الخاطرة 474

أحمد الله حيث لم يتحقق بعض ما توقعته من زيارة بايدن إلى منطقة الخليج قبل عام، بل حصل بعض ما تمنيناه وهو اغتنام فرصة النزاع بين روسيا وحلف شمال الأطلسي لكسر الطوق الذي فرضته أمريكا ومن معها من دول الغرب على العالم، ومنه فرض دولارها في التبادل التجاري والمالي، فقد ظهرت الإرهاصات بسعي بلادنا والسعودية ومصر وغيرها في الانضمام إلى منظمة (بريكس) واتفاق بعضها مع الصين وروسيا على التبادل بعملاتها. الذي يرضينا هو أن تقوم دولة الإسلام في الأرض، لكن التحرر من هيمنة الدول الطاغية -باعتبار تفاوت خطورتها- هو من جملة الوسائل إلى تحقيق هذا المبتغى.

الخاطرة 475

قد قال المتنبي رحمه الله: لكل امرئ من دهره ما تعودا، وقد اعتاد أخونا الشيخ الدكتور ياسين إيتيم الحرص على استضافتي كلما علم أني في مكة، فصرت أتحاشى أن يصله خبري، فجزاه الله خيرا، وأكرمه كما اعتاد إكرام ضيوفه. وقد يسر الله تعالى أن التقيت في منزله عقيب صلاة الجمعة من يوم مجموعة من المشايخ وطلاب العلم، الذين ازداد بهم المجلس منهم الشيخ توفيق طاس، والشيخ عبد الحليم قابة، والشيخ محمد ايدير مشنان، وغيرهم. وقد كان المجلس حافلا بذكر الفوائد، والكلام في قضايا تهم الدعوة إلى الله، ومن أبرز ما ذكر العناية بعلماء البلد، وإنزالهم المنزلة اللائقة، والاهتمام بالتكوين العلمي المتخصص الذي تكتسب به الملكة، ويتأهل به الطلاب لمعرفة أحكام الله، مع الإلمام بما لا بد منه من معرفة محيطهم، وكذا مرجعية البلد الدينية وتوجيهها الوجهة السليمة التي تحقق المقصد الشرعي في ترابط الأمة، وتحقيق مصالحها، وسكينتها الاجتماعية، وجرى الكلام مطولا على العناية بأعمال علماء البلد المسجلة بأصواتهم، والطريقة التي تنتهج في تفريغها، وما يتعين أن يوفر لها من أسباب النجاح، بإيكالها إلى تلاميذهم الملازمين لهم، لأنهم أدرى بمقاصدهم، ومرامي عباراتهم، فتصدر على الوجه اللائق، وأبرز ما كان حاضرا في هذه المسألة تراث الشيخ المجاهد محمد الطاهر آيت علجت رحمه الله وغفر له. ومما له علاقة بتمويل خدمة هذه الأعمال؛ ترشيد النفقات التطوعية، لتوجه إلى المجالات المغفلة، ومن ذلك البحث في إمكانية إحياء العمل بشرط الواقف في الميدان الذي يتضمنه عقده، لما له من أثر على تنشيط الإقبال على الوقف، والله الموفق. مكة في 29 شهر ذي القعدة 1444- الموافق 18 جوان 2023

الخاطرة 476

- ترك المبيت بمنى ليلة التاسع قد يظن أن ترك المبيت بمنى ليلة التاسع من ذي الحجة أمر جديد، ألجأ إليه عدد الحجاج حيث يعسر صعودهم إلى عرفات في الوقت المطلوب، أو غير ذلك من الأسباب، والأمر ليس كما يظن، فقد ظهر مبيتهم في عرفة في نهايات القرن الرابع، أو بدايات الخامس، على الأقل، قال أبو بكر بن العربي رحمه الله كما في عارضة الأحوذي: "مررت بذات عرق فألفيت الحاج كله بائتا بعرفة ليلة عرفة، وليس على من فعل ذلك شيء، ولكنه ترك فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد خاب من تركه"، يريد ترك المبيت من غير عذر. وليعلم أن قصر الصلاة بمنى وعرفة ومزدلفة تابع للإقامة المشروعة وجوبا أو استحبابا فيها، والمبيت بعرفة ليلة التاسع ليس مطلوبا لا وجوبا ولا استحبابا، والله أعلم. يوم الخامس من ذي الحجة 1444

الخاطرة 477

- "وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ". هذا قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه متاركا لهم بعد أن أنجاه الله من النار، قاله واثقا من هداية ربه في هجرته فرارا بدينه، فهي أول هجرة لحفظ الدين، وعبادة رب العالمين، ومثله قوله: "إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ"، وقول موسى عليه الصلاة والسلام: "قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ". يخطر ببال من يفارق أهله خاطر التفرد والعزلة التي لا يشعر بها بين أظهرهم، فسأل ربه أن يهب له ولدا يؤنسه في الوحشة، ويعوضه في الغربة، فقال: "رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِين"، فكانت الاستجابة سريعة: "فبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ"، وإذا تأخر ظهور المطلوب؛ فإن العيش على أمل حصوله يقوم مقامه. ووصف الغلام بالحلم مناسب لما كان عليه من الصبر والاستسلام لله حين بلغه خبر ذبحه، فوض الأمر إلى والده كما قال تعالى: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين". ودل الوصف على أنه يعيش إلى أن يكون صالحا للاتصاف بالحلم، وأوانه قوله سبحانه: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ"، وهو الزمان الذي شارك فيه أباه أعماله، ووصف الله إسحاق في موضعين بالعلم: "وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ". والغلام الذبيح هو إسماعيل، والسياق دال عليه، فإن الله ذكر تبشير إبراهيم بإسحاق بعد تبشيره بالغلام الحليم، والعطف يقتضي المغايرة: "وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ "، ومنها أن إسحاق بشرت به زوجه في سورتي هود والحجر، قال تعالى: "وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب"، ومنها أن الله امتن على إبراهيم وزوجه بولادة يعقوب من إسحاق، فكيف يؤمر إبراهيم بذبح إسحاق، وقد بشر بمن سيولد له؟ فلو كان الذبيح هو إسحاق لبطلت حكمة الابتلاء. لكن لم يسم الذبيح باسمه كيلا يصرف الاهتمام عن الغرض من سوق القصة وهو الاحتجاج على بني إسرائيل بما كان عليه إبراهيم من التوحيد الذي يزعمون أنهم على ملته وهم على النقيض منها. وفيه عبرة لكل من يشغل الناس عما ينبغي أن تحشد جهودهم وطاقاتهم له بما هو دونه، مع أن الحق لا يفرط فيه، لكن من الحق أن يعطى كل شيء حقه ومنزلته. وقد قال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله عن هذا الأمر: "وقد أشارت هذه الآيات إلى قضية الذبيح ولم يسمه القران، لعله لئلا يثير خلافا بين المسلمين وأهل الكتاب في تعيينه، وكأن القصد تأليف أهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم في الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتصديق القرآن، ولم يكن ثمة مقصد مهم يتعلق بتعيين الذبيح، ولا في تخطئة أهل الكتاب في تعيينه، وأمارة ذلك أن القرآن سمى إسماعيل في مواضع من قصة الذبح، وسمى إسحاق في مواضع، ومنها بشارة أمه على لسان الملائكة الذين أرسلوا إلى قوم لوط، وذكر اسمي إسماعيل وإسحاق أنهما وهبا له على الكبر، ولم يسم أحدا في قصة الذبح قصدا للإبهام مع عدم الفوات في المقصود من الفضل، لأن المقصود هو التنويه بشأن إبراهيم فأي ولديه كان الذبيح كان في ابتلائه بذبحه وعزمه عليه وما ظهر في ذلك من المعجزة تنويه بشانهة"، انتهى ببعض اختصار. قلت لا إبهام فقد عينه القرآن كما عرفت بطريقة لا تثير الخصم ولا تشوش على المقصود من القصة، وليس حتما في بيانك الحق المجابهة والصدام كما عليه فئام من الناس. ثم الآية التي صدرت بها هذا المنشور هي بداية الحصة 522 من حصص (قبسات من القرآن الكريم)، شرعت في إلقائها قبل خمس عشرة سنة في إذاعة القرآن الكريم، وقد سعى في إحداثها وبثها فيها أحد ضباط الجيش الوطني الشعبي وهو الأخ موفق بوسدرة رحمه الله، وكان إسهام مشكور في دعم هذه القناة، كانت الحصة تسجل في إذاعة بلعباس وتذاع فيها وفي قناة القرآن، ثم انتقلت إلى إذاعة سعيدة. وقد توافق تسجيلها بمكة مع عيد الأضحى هذه السنة 1444، وللأضحية صلة بما فدى الله به إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وكثيرا ما حصلت هذه الموافقات لي في مدارسة الكتب، يعرفه من لازمها من إخواني. ومن أعظم ما تحسرت عليه تفريطي في صرف الجهد الى تدبر كلام ربي وتفهمه، ومنه تركي تحرير هذا الذي ألقيت كي يكون صالحا للنشر بالتفريغ، صرفني عنه اهتمامي بالقريب الذي يصلح أن يخاطب به العوام، وهم معظم من يستمع إلى الإذاعات المحلية، والعلم يضيع بالنزول إلى فهومهم والإسفاف باستعمال الألفاظ الدارجة، فيفوت ذكر الفوائد والنكت والأصول اللغوية والبلاغية والتربوية وأساليب الدعوة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. مكة في 11 من ذي الحجة 1444

الخاطرة 477

من أعمال الحج المرادة لغيرها؛ الذهاب إلى منى يوم التروية والمبيت بها، فإنها عند جمهور العلماء لا هدي في تركها، أما مبيت ثلاث ليال بها على اختلاف المتعجل والمتأخر؛ فإنه واجب يجبر تركه بهدي كما عند المالكية، ويأثم مع الهدي من تركها من غير عذر، والمطلوب هم المبيت الليل أو جله. ومما يقوي هذا ما رواه البيهقي في الكبرى والطحاوي والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى"، وهو في الصحيحة لمحدث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله. ويؤخذ منه كفاية المبيت بمنى بعض الليل، فإن المسافة بين البيت ومنى ما بين ست كيلومترات إلى سبع، وتقل بالسير في الأنفاق، ومدة السير نحو ساعتين، فالذهاب والإياب يستغرق ما يقرب من خمس ساعات، يضاف إليها احتمال طوافه صلى الله عليه وآله وسلم وصلاة ركعتين، والمجموع هو نصف ساعات الليل هذه الأيام، وقد يؤخذ من الحديث أن المبيت ليس مقصودا لذاته، ومن قدر فاقتدى؛ فقد اهتدى، والله أعلم. مكة في 11 من شهر ذي الحجة 1444

الخاطرة 478

من مقاصد الحج الكبرى التي يغفل عنها معظم الناس فلا تجد لها امتدادا في تلقيهم أحكام الله التعود على التسليم بالامتثال من غير خوض بالعقل فالدين لا يقوم إلا على التسليم لله، ومن أصدق من الله حكما لقوم يوقنون، وقال علي رضي الله عنه لو كان الدين يؤخذ بالعقل لمسح أسفل الخف وترك أعلاه. فلما كان التشوف إلى علل الأعمال غالبا على الإنسان، وبه تطمئن النفس إليها كان الحج خاتمة الأركان، ففرض سنة تسع من الهجرة، فكان تمام البنيان. هذا ما تلحظه في رملان الطواف والكشف عن المناكب وتقبيل الحجر الأسود واستلامه والإشارة إليه وفي الخبب في السعي والإسراع في واد محسر، ورمي الجمار والكينونة في مواضع معينة في أوقات محددة، بعرفة والمزدلفة ومنى والمحصب عند بعضهم، ومن ذلك الصلاة في مقام إبراهيم، وكثير منها يشبه الأعمال العادية. بعض هذه الأعمال معلل بشيء زال مقتضيه، وبعضها يذكر بتاريخ الصالحين، وحزب الله المفلحين، ممن أبقى الله ذكرهم في الٱخرين. والمقصود من هذه الصور أيضا ذكر الله وتعظيم شعائره كما قال ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. وقد جاء في هذا المعنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وٱله وسلم أنه قال إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله. منى في 13 من شهر ذي الحجة 1444

الخاطرة 478

[تمرد فاغنر المزعوم على بوتين] لا يصلح أمر الناس بحاكمين ظاهرين، فإذا لم يندفع الشر إلا بقتال من شق عصا الطاعة، وتسبب في تفريق الجماعة؛ ساغت مقاتلته، بل جاز قتله إن لم يجد القتال، وهذا صادق على خلافة المسلمين العامة، أما اليوم فهو صادق على دولهم، وصادق على ما دون ذلك كقيادات الجيوش، هذا هو ديننا الذي يسعد به من التزم أحكام الله، لا من انتقى منها ما يناسبه، فحكم بالإعدام على من خان قائده، وامتنع من إقامة هذا الحكم على من خان دينه. وفي هذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا بويع خليفتان فاقتلوا الآخر منهما"، رواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وإذا كان تعدد الحكام في البلد الواحد غير حاصل اليوم، فإن من ينازع الحاكم الظاهر في الخفاء موجود، كالذين يتلقون البيعة من أتباعهم سرا أو حكما. إن هذا التعدد من أسباب الاضطراب في تسيير الشأن العام، وظهور التناقض بين ما يقرره من يظن حاكما ويعلنه، وما يقام عمليا، وصراع الأجنحة على المصالح والنفوذ مما لا يخفى على البصير. ومن العجب أن بعض الحكام يشجعون ظهور هذه الازدواجية للمحافظة على مركزهم عند خيانة أصحابهم الظاهرين، لكن قد يصير ما أنشأوه هادما لما املوه، فيصطلون بنار هم الذين أوقدوها. وأبرز مثال على هذا ما يجرى في السودان من مليشيا قوات الدعم السريع التي أعطاها الشرعية النظام السابق لما احتاج إليها في حرب دارفور، ثم هي اليوم تحارب الجيش الذي هي جزء منه، وفي إيران شيء من هذا الذي قلته. أما شركة فاغنر فقد أنشأها حكام روسيا وروجوا لاستقلاليتها، والغرض من اعتبارها كذلك أن يتنصلوا من مسؤوليتهم عما يجري على يدها، وقد اضطلعت بدور كبير في تقوية نفوذهم ومناصرة من يريدون نصرته بعيدا عن الحرج والحصول على الثروات كما في ليبيا ومالي وسوريا ثم في أوكرانيا. والذي احتار الناس فيه اليوم هو انقلابها على الجيش الروسي في الظاهر، وزحفها نحو موسكو والسكوت عن احتلالها بعض المدن، ثم انتهى الأمر إلى إنهاء (التمرد) المزعوم بكلمة لرئيس الاتحاد الروسي، فالظاهر أنها خدعة عسكرية راح ضحيتها الولايات المتحدة الأمريكية. والقرائن على هذا الذي قلته متعددة، فليس من السهل أن يصدق ما كان قائد فاغنر يعلنه من أن الجيش الروسي منع عن شركته السلاح وهو يحارب القوات الأوكرانية التي تقاتل بالوكالة عن حلف شمال الأطلسي وبأسلحته، وأن الآلاف من جنوده ماتوا بسبب ذلك، وأن وزير الدفاع الروسي فاشل، وأن مجموعته هي التي حررت خرسون وباخموت، لم أكن أصدق شيئا من هذا، لكن المخابرات الأمريكية صدقته لغباوبتها، فأغرته بالمال لينقلب على دولته فتستريح من حكم بوتين، وقد قيل إنه أخذ منها في مقابل التمرد المصطنع ملايير الدولارات: "فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُون". مكة في الرابع عشر من ذي الحجة - 7- 2023 لله در الشيخ.. ما أزكنه وأحصفه. وأعجب من ذلك عندي مجاهرته بما ترجح له من رأي غير مبال بـ"إجماعات" السياسيين والمحللين. حفظه الله وزاده بصيرة. وقد –والله- ترجح عندي مثل الذي يقول الشيخ، ومن أقوى القرائن عندي أن المتمردين أووا إلى بيلاروسيا وهي أقرب إلى ولاية روسية منها إلى دولة مستقلة، ولكني لم أجرؤ على إظهار هذا الرأي لمن حولي، لأني خشيت أن يقال: تسيس بآخرة! وأن يقال: أفأنت أعلم من كل هؤلاء السياسيين والخبراء الذين لم ينتبهوا إلى هذه المؤامرة المزعومة؟!

الخاطرة 479

من الأحكام المتعلقة بالمحافظة على كتاب الله تعالى وصيانته عن الابتذال والإهانة والتدنيس؛ ما شرعه الله من عدم تمكين الكافر منه ببيع أو هبة أو غيرهما، ومنه النهي عن السفر به أو بجزء منه إلى أرض الكفار كما جاء فيما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو"، فإذا كان مجرد السفر به إلى أرضهم منهيا عنه وهو ذريعة فلأن يمنع تمكينهم منه بمعاوضة أو بغيرها من باب أولى. وأرض العدو هي أرض الكفار من غير فرق بين الحربيين وغيرهم بدلالة علة النهي وهي "مخافة أن يناله العدو"، أي يفعلون به ما ينافي قدسيته كمس غير الطاهر له ورميه وتدنيسه، وإهانته بإحراق أو بغيره، وفيه دليل على أن فعل شيء من ذلك بالمصحف ردة، والظاهر أن فعل الذمي ذلك نقض للعهد. ولم يفرق مالك رحمه الله في منع السفر بالمصحف بين أن يكون في جيش مأمون أو غيره، وخالفه أبو حنيفة رحمه الله فجوز السفر به في الجيش الكثير، وقد تعجب إذا علمت أن مالكا يمنع تعليم الكافر القرآن لهذه العلة، بل كره رقية أهل الكتاب، وأن يعاملهم المسلم بالدراهم والدنانير التي فيها اسم الله تعالى، ومذهب الحنفية جواز تعليم الحربي والذمي القرآن والفقه لما في ذلك من ترغيبهم في الإسلام، وقال الله تعالى: "وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُون". وقد تعذرت إقامة هذا الحكم اليوم للأسباب المعروفة، فإن كل من أراد الحصول على القرآن تمكن منه، فيتعين قيام دول المسلمين في وجه كل دولة تقر شيئا فيه إهانة للمصحف، ومما يؤسف له أن معظم الدول قابلت ما حصل في دولتي السويد والدانمارك بصمت مريب. الثامن من شهر المحرم 1445

الخاطرة 480

(1) [مقاصد سورة ص] بسم الله الرحمن الرحيم اشتملت سورة ص المكية على مقاصد أربعة رئيسة هي: * التنويه بالقرآن الكريم فهو ذو الذكر، ووصف المعرضين عنه بالعزة الزائفة، والدؤوب على الخصام والمشاقة، دفعهم ذلك إلى اختلاق أوصاف لرسولهم يعلمون أنهم فيها كاذبون، ولهذا سلاه ربه بذكر أمم كذبت رسلها فحق عليها عقابه، وهو ما سينال هؤلاء متى شاء الله. * وخلص السياق إلى المقصد الثاني بربطه بالأمر بالصبر على ما يسمع من قول المشركين، مع توجيهه إلى مطالعة اخبار إخوانه النبيين والمرسلين، فقص عليه بعضا منها، فإن ذكر سير الصالحين، من أعظم ما يخفف متاعب الدعاة والمصلحين. * والثالث: ذكر حسن مآب المتقين، وما أعد الله لهم من النعيم، في أعقاب حسن مآب المرسلين، فإنهم ورثتهم وأتباعهم، وقابله بذكر مآب الطاغين، وخصام التابعين منهم للمتبوعين يوم الدين. * ونهاية الأربعة قصة آدم عليه الصلاة والسلام وهي من أخبار الغيب الدالة على صدق الرسول، مع الاعتبار بما منع إبليس من السجود وهو الاستكبار، الذي عليه أولئك الأشرار. أما الخاتمة فرد للعجز على الصدر ببيان أن هذا القرآن ذكر للعالمين، فمن أقبل عليه كان ذكرا له ورفعة، ومن أعرض عنه كان حسرة عليه ونقمة، فالحمد لله رب العالمين. يوم الثاني والعشرين من المحرم 1445

الخاطرة 481

(2) قول الله تعالى: "ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ" فيه مسائل: الأولى: بداية السورة بحرف ص ۚ مراد بها التحدي بالقرآن المؤلف من أشباهه، وقد عجزوا عن الإتيان بسورة مثله، والقرينة هي ذكر القرآن عقب ذلك في السور المفتتحة بها، وعددها ثمانية وعشرون إلا اثنتين أو ثلاثا منها سورتا مريم والعنكبوت. فالقول بأنها من المتشابه الذي لا يعرف معناه؛ غير صواب، فليس في القرآن منه شيء، وإن كان فيه ما لا يدرك كيفه كصفات الباري عز وجل، وما يؤول إليه أمره، وقد حصر ابن حزم رحمه الله المتشابه في الحروف المقطعة، والأقسام كالنازعات والذاريات. والثانية قوله تعالى (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) هو قسم للتنويه بهذا الكتاب، وجوابه محذوف، تقديره أنه منزل من الله، وقيل غيره، و(ذِي الذِّكْرِ) أي صاحبه، ومن معانيه أنه مذكور معروف، يذكره الناس وغيرهم، ويذكرون به ويوعظون، ويذكر فيه ما يحتاجه الناس من أمور هذه الشريعة، ويرفع به ذكر صاحبه على قدر حظه من قراءته، وتدبره، والعمل به، فخير الناس من تعلمه وعلمه، وهو ذكر لمن نزل بلغتهم، فرفعوا بعد ضعة، ونبهوا بعد خمول، وائتلفوا بعد فرقة، كما قال الله تعالى: "لقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"، وقال: "وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُون"، فجمع الله تعالى بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين قومه في هذا الشرف، والمرء قد يجامع غيره في صورة النعمة، ثم يختلفان، يقابلها هذا بالكفران، والآخر بالشكران. وكل هذه المعاني ترجع إلى هذا الحرف بكسر الذال أو بضمها، مما يقابل النسيان والشرود والضعة والهبوط، وهو حاصل باللسان وبالجنان، ومشاهد في العيان، والمقصود أن وصف الذكر والتذكير ملازم له، فهو من أعظم مقاصد إنزاله. الثالثة (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاق)ٍ وهذا احتراس اكتسى صورة الإضراب عما قبله، يقصد به أن العيب فيهم حيث لم ينتفعوا بهذا الذكر، فأوضح ما حال بينهم وبين حصول معانيه لهم، وهو أمران: التعزز الكاذب، والتكبر المسيطر، المكتنفهم اكتناف الظرف مظروفه، وهو مدلول (في) المفيدة للظرفية المكانية مجازا. وثانيهما اتخاذهم الخصام واللجاج طريقا للاحتفاظ بذلك الترفع، ومثلهم في عواقب هذا العزة الزائفة التي تحول دون الرجوع إلى الحق؛ كل من شاركهم منزعهم، قال الله تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ"، وهو دليل على أن المعرفة لا تكفي في التزام الحق كما هو معيش مشاهد. وقد تخلل هذه السورة وصف القرآن بالذكر مرارا لربط أولها بأجزاء سياقاتها، ثم بختامها، ومثلها في هذا سورة (ق)، فمنه قول المشركين مستنكرين: "أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا"، وليس هذا إقرارا بأنه ذكر، ولو فرض كذلك فلم خص به دونهم!!؟، فلا معيار للحق عند هؤلاء، لا ضير أن يكون الشيء إذا قاله زيد حقا، ويقوله عمرو فيكون باطلا، فلما لم ينزل على من أرادوا كان سحرا وكذبا مختلقا، ولهذا أبطله الله بقوله: "بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي، أي أنهم لا يعترضون على اختصاصه بالرسالة دونهم لعلمهم بفضله وصدقه وأمانته، كما لم يعتمدوا على العلم في رد هذا القرآن، فما هو إلا الشك قد استحوذ عليهم، وأخذ بمجامع نفوسهم. ومنها قوله في ختام قصة داود عليه الصلاة والسلام: "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب"، وهو تعريض بأن من لم يتدبر ولم يتذكر به لا عقل له. ومنها قوله في ختام ذكر الأنبياء: "هَٰذَا ذِكْرٌ" أي هذا القرآن، أو هذا الذي قصصنا عليك من أخبار من سبقك من الأنبياء. ومنها ما ختمت به السورة عودا على بدء، ليتقرر وصف الذكر لهذا القرآن، فإن ما في السورة من التفاصيل لا يخرج عن هذا، فيظل ذكرا للعالمين، لمن شاء منهم أن يستقيم: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ"، أما ما كان عليه الحال يومئذ فهي مرحلة ستنقضي فيعلمون ما يبلغه من بعد الصيت، ورفيع المنزلة، وغلبة دين الإسلام الذي هو معجزته العظمى: "وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين". يوم التاسع والعشرين من شهر المحرم 1445

الخاطرة 481

(3) قال الله تعالى عن نبييه داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام: "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَاب إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاط إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب فغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ". "إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَاد فقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاق". الداعي إلى الله المخالط للناس يختلف عن المنقبض المنعزل، فالتمكين الفعلي للحق غير الدعوة إليه تنظيرا وكتابة وخطابة، من السهل أن تقول، ومن الشاق أن تخط لقولك امتدادا يتناول الواقع بالتعديل والإصلاح كيفما كان حجمه. ولهذا تظهر أخطاء الدعاة الممارسين للإصلاح أكثر من أخطاء المنعزلين، وهي إن شاء الله مغفورة لهم ما بذلوا الوسع في النصح لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم. ولهم أسوة في أنبياء الله وهم خير البشر، وأعظمهم طاعة لله، وأقواهم ذكاء وفطنة، ورجاحة عقل، فلما كابدوا الممارسة، وقاسوا المعاملة، أفضى بهم ذلك إلى اجتهاد تركهم الله له، فبدر منهم ما لا يرتضى، أو خلاف الأولى، فعاتبهم ربهم لعظيم منزلتهم، وفي تركهم من غير وحي حكم منها: * تأكيد صفة بشريتهم. * تأكيد عصمتهم في التبليغ. * مشروعية الاجتهاد فيما لا نص فيه. * تصحيح أخطاء العالم كيفما كان ممن هو أهل. * الحق واحد وإن عذر المجتهد المخطئ. * قد يكون قول المجتهد سالما مدللا ويكون غيره أفضل. * ما يؤخذ على العالم المبرز يختلف عما يؤخذ على من دونه. * إظهار افتقار الخلق إلى الوحي كيفما كانوا في العلم. بالشرع والصلاح والذكاء والفطنة.. وللحديث بقية. يوم الثاني من شهر صفر 1445

الخاطرة 481

(4) ليس فيما صحح الله لأنبيائه من المواقف، ولا فيما عاتبهم عليه من الاجتهادات عقيدة ولا عبادة، إذ لا مجال فيهما للاجتهاد، فالأولى توقيف، والثانية غيب، والغيب تحكمه الحقائق الشرعية أقوى مما تحكم الأحكام العملية، فلم يأخذها الناس عن الشارع مسلمين، ويخوضون في الثانية بعقولهم معطلين مؤولين مع هذه الأولوية معنى أو كيفا. أما غير العقيدة والعبادة فالمجال فيها فسيح للموازنة، والترجيح بين المصالح والمفاسد، وأوسعها سياسة الخلق، وعلاقاتهم التي تكثر فيها مناطق العفو، وتختلف فيها المقاصد وقد تتبعها الأحكام. ترى ما الذي عاتب الله عليه نبيه داود عليه الصلاة والسلام؟ أهو تطلبه مباحا كان سائغا في شريعة بني إسرائيل في طريقة التزوج؟ أم هو التوسع في تملك الثروة، فسأل بعض الناس النعجة التي لا يملك غيرها ليضمها إلى نعاجه الكثيرة، وعزه في الخطاب، أي ألح عليه في السؤل؟ ظلت سنين عددا لا أرتاح لما أقرأه في كتب التفسير عن قصة داود هذه، لكني لم أزحزح قيد أنملة عن الإيمان بكلام ربي واتهام نفسي بالقصور عن الفهم عنه سبحانه، وعن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، مع اعتقادي تنزيه أنبياء الله ورسله عن اتباع الهوى، أو الركون إلى الدنيا. هل يقبل أن يقال عن داود وهو الأواب ذو الصوت الشجي الذي إذا ردد الزبور أوبت معه الجبال والطير، وألين له الحديد، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى؛ هل يقبل أن ينسب إليه أنه خطب امرأة على خطبة أحد قادة جيشه لمجرد قضاء وطره؟، أو أنه سأله وألح عليه أن يفارقها ليتزوجها هو، وأنها هي المرادة بالنعجة؟ أو أن يسأل هذا الذي لا يملك إلا شاة واحدة ليضمها إلى شياهه الكثيرة بعيدا عن مقصد نبيل دعاه لذلك؟ أي ضير على نبي أعطاه الله ملكا فسعى في ازدياد ثروة ملكه المسخر للدعوة إلى الله؟ أو تزوج امرأة يكثر بها أبناؤه يجاهدون في سبيل الله لأن ذلك كان سائغا في شريعتهم؟ وقد سعى في ذلك ابنه سليمان عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال سليمان بن داود عليهما السلام: "لأطوفن الليلة على مائة امرأة، أو تسع وتسعين كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا اجمعون"، رواه البخاري ومسلم. مهما يكن، ففي الطريقة غير المباشرة التي نبه الله تعالى بها نبيه داود على ما صنع وهي تحاكم الخصم إليه من الرفق واللطف ما لا يخفى، وقد قضى بينهما على غير ما صنع هو في شأن الزواج أو تملك الشاة: "لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ". أما كاتب هذه الخاطرة فيعتبر اختلاف حكمه عن فعله تنبيها على المقاصد التي تؤثر في اختلاف الحكم على الفعل الواحد، أما أنها كانت نعجة كما هو حقيقة اللغة، أو امرأة كما هو مجازها؛ فليست هذه الخاطرة موضعا للخوض فيه، وقد علمت توجيه كل منهما، والنفس وإن كانت أميل إلى الأصل، فثمة قرائن ترجح المجاز، منها قوله (أَكْفِلْنِيهَا). والمهم أن داود تفطن لما كان سبب عتابه حسب الظاهر، فاستغفر وأناب كما قال الله عنه "وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب فغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ"، وذنوب الأنبياء كثيرا ما تختلف عن ذنوب غيرهم، وقد يكون العتاب باعتبار ظاهر الفعل الذي فيه بعض الأذى لمن سأله. واللافت أن يعقب على قصته وقصة ابنه سليمان دون غيرهما من الرسل المذكورين في السياق بقوله "وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ"، مع أن جميع الأنبياء لهم الزلفى وحسن المآب، أليس هذا احترازا من أن يظن بهما ما لا ينبغي، فإن ملكهما العريض خدما به دعوتهما إلى الله. ومن ذلك أن لا يجري السياق في ذكر ابنه سليمان بصيغة (اذكر عبدنا سليمان) كما جرى مع بقية الأنبياء، بل عدل عنها إلى قوله: "وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوابَّ"، فهل لذلك ارتباط بهذه المرأة التي قيل إنه خطبها فكانت منها هذه الهبة؟... يتبع معسكر في

الخاطرة 481

(5) قال الله عن نبيه سليمان عليه الصلاة والسلام: "إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَاد فقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاق"، وفيه ما يأتي: * (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ) أي أحضر الخيل قادة جيشه أو الذين يسوسونها، فعرضوها عليه ليتفقدها، وهذا معمول به اليوم، يستعرض حكام الدول نماذج من قواتهم العسكرية، وهو مرغوب إذا اعدت لنصرة الحق وحياطة أرضه. أما قوله تعالى: "وحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ"، فهي حالة سفر جمعوا له فيها أنواع الجنود وما تحتاجه من وسائل الاتصال (وهي الطير) ومن يقوم على تنظيمها وضبطها. * وقوله (بِالْعَشِيِّ) أي بعد العصر إلى الغروب، وهو وقت عودة السوائم من المراتع، ونص على (ِالْعَشِيِّ) ترشيحا لضمير (تَوَارَتْ) حيث لم يسبق له ذكر. * (الصَّافِنَاتُ الْجِيَاد) وصفت خيله بصفتين: جمالية لا تكون إلا فيها، فاستغنى بها عن ذكر موصوفها، والصافن من الخيل من يقف على قوائم ثلاثة، وعلى طرف الحافر من الرابعة، والثانية وهي (الْجِيَاد) قصد بها قوتها في الحرب، جمع جواد وهو الفرس النفيس، وفيه العناية بوسائل القتال وتفقدها، ويختلف ذلك بحسب كل عصر. * (فقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي)، هو تحزن وتأسف، لما سببه استعراض الخيل التي يحبها من نسيان الصلاة حتى خرج وقتها، فالاشتغال بهذا المطلوب قد فوت ما هو أوكد منه، وهو من التزاحم الذي يدخل فعل المكلف، بخلاف التعارض الذي يرجع إلى أدلة ما به كلف، وقد شرع الله صلاة القتال جماعة، بل شرع صلاة المسايفة، كيلا تفوت الصلاة الحي العاقل بحال. * (حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَاب) الضمير للشمس، أي اختفت وراء الأفق، وقيل الضمير للخيل فدل على كثرتها، والذين يعدون برامج الاحتفالات والاستعراضات والاجتماعات يتحملون أوزار شغل الناس عن الصلاة، إذا كان ما يشغلهم مشروعا، فكيف إذا كان محظورا؟ وقد كان خليفة بن جديد أخو الرئيس الشاذلي رحمهما الله يوقف الاجتماع لأجل الصلاة في زياراته للدوائر، والبداية من اجتماع عقد بمدينة تغنيف حضره أئمة مساجدها، فلما أذن لصلاة العصر تلطفت فساررته، وبينت له ما في غياب الأئمة عن المساجد من الحرج لهم ولنا جميعا، فأوقف الجلسة، فلما جاء وقت المغرب سألني: هل نرفع الجلسة أيضا؟، فقلت له مبتسما: وقت المغرب ضيق!! فأوقفها، (وهو مشهور مذهب مالك، وغير المشهور هو الراجح، وهو امتداده إلى مغيب الشفق، كما جاء من قوله في الموطإ)، وقال لي قائد القطاع العسكري: لقد تأخرنا بسبب خروجنا للصلاة إلى هذه الساعة، فقلت له: مسؤوليتكم في دعوة الناس إلى الصلاة أعظم من مسؤوليتي فاطمأن لكلامي، وصار ذلك أمرا مطردا في الاجتماعات، ثم صرنا نصلي في مقر الاجتماع، بعد أن استغل المدخنون وتاركو الصلاة ذهابنا إلى المسجد للجلوس في المقاهي!! * (رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاق)، قيل الضمير للشمس، وقيل للخيل وهو الصواب، أمرهم بارجاعها إليه لاستكمال الاستعراض، فجعل يمسح أعناقها وسوقها اهتماما بها، وقيل عرقبها وقتلها غضبا لما تسبب فيه الاشتغال بها، والظاهر الأول، والخلاصة هي: * مشروعية استعراض الحاكم وسائل القتال. * العناية بها واختيارها. * اغتفار بعض ما في الملك من أبهة إذا خدم به الحق. * منع الاشتغال بالمطلوب إذا فوت ما هو أعظم منه. * تحسر المرء على ما فاته من عمل الخير ولو لم يتعمده. * بيان المرء عذره فيما قد ينتقد عليه. * تخير وقت الأعمال كي لا تتزاحم فيترك بعضها. * وقف العمل لأجل الصلاة ثم العودة إليه. * وزر المنظمين والمبرمجين جراء تفويت الأعمال المؤقتة. * إذا تزاحمت حسنتان قدمت أوكدهما.

الخاطرة 481

(6) تابع..."وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ " قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: "وفي هذه الآية دليل على أن لازم القول يعتبر قولا، وأن لازم المذهب مذهب" اه المراد منه. قلت: وجمهور العلماء على أنه ليس مذهبا، سواء أنَفاه صاحبه أو لم ينفه، ولا يبعد أن يقال إنه يعتبر مذهبا لمن عرف اللازم ولم ينفه. ودليل اعتباره مذهبا في الآية قوله تعالى بعده: "ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا"، فإن المشار إليه هو كون الخلق باطلا، مع أن المشركين لم يصرحوا به، لكن نفيهم البعث يستلزمه. ووجه اللزوم أنهم قد عرف عنهم إنكار البعث، والله تعالى نفى الباطل عن خلق السماوات والأرض وما بينهما، ومن جملة خلقه الإنس والجن الذين أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، فأمرهم ونهاهم، وأخبر أنهم مجزيون بأعمالهم، فلو لم يكن البعث حاصلا للزم ما نفاه الله عن خلقه، فيستوى الصالح والطالح، والظالم والمظلوم، وتذهب أعمال الناس من غير ثواب ولا عقاب، قال تعالى: "أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجار". بل ربما فضل الفجار الأبرار، لأنهم يستجيبون لكل ما يشتهون، ويفعلون ما يهوون، وبخلافهم الآخرون، ثم ينتهي كل شيء بالموت، قال تعالى: "أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون". ومن الآيات التي اقترن فيها الخلق بالبعث لتقرير هذا التلازم قوله تعالى: "أفحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون"، وقوله: " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِين"، إلى قوله: "إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِين"، ومثله في سورة النبإ، فبعد ذكر ما أنعم به على عباده بخلقه الأرض وما فيها من المصالح والمنافع التي هي آيات، وكذا السموات، ثم قال: "إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا"، أي وقتا للمحاسبة والمجازاة، وقال تعالى: "أيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى". وفروع المالكية في باب الردة تدل على أنهم يعتبرون لازم القول قولا، ولازم الفعل فعلا، قال خليل بن إسحاق المالكي رحمه الله: "الردة كفر المسلم بصريح، أو لفظ يقتضيه، أوفعل يتضمنه"، وصرح الأخضري رحمه الله بردة من صلى بغير طهارة فقال: "ومن صلى بغير وضوء عامدا فهو كافر، والعياذ بالله"، واستحلال الصلاة بغير طهارة ردة، لكن لا يلزم أن يكون من صلى بدونها مستحلا، والله أعلم. معسكر في = الموافق ل 11سبتمبر 2023

الخاطرة 481

(7) تابع للشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله كلام نفيس في تعليل ارتكاس إبليس وكفره، بعد أن كان من الملائكة، أو بلغ في الطاعة ما أهله لأن يعيش معهم ويصاحبهم وهو الصحيح من القولين. وما قاله يدل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها"، وهذا لدسيسة كامنة حضر أوان بروزها كما قدره الله. قال في التحرير والتنوير من سورة (ص): "وقد بدت من إبليس نزعة كانت كامنة في جبلته، وهي نزعة الكبر والعصيان، ولم تكن تظهر منه قبل ذلك، لأن الملأ الذين كان معهم كانوا على أكمل حسن في الخلطة، فلم يكن منهم مثير لما سكن في نفسه من طبع الكبر والعصيان، فلما طرأ على ذلك الملإ مخلوق جديد، وأمر أهل الملإ الأعلى بتعظيمه؛ كان ذلك موريا زناد الكبر في نفس إبليس، فنشأ عنه الكفر بالله وعصيان أمره. وهذا ناموس خلقي جعله الله مبدأ لهذا العالم قبل تعميره، وهو أن تكون الحوادث والمضائق معيار الأخلاق والفضيلة، فلا يحكم على نفس بتزكية أو ضدها؛ إلا بعد تجربتها وملاحظة تصرفاتها عند حلول الحوادث. وقد مدح رجل عند عمر بن الخطاب بالخير، فقال عمر: "هل أريتموه الأبيض والأصفر؟" يعني الدراهم والدنانير، وقال الشاعر: لا تمدحن امرأ حتى تجربه ** ولا تذمنه من قبل تجريب إن الرجال صناديق مقفلة ** وما مفاتيحها غير التجاريب معسكر في =15 سبتمبر 2023

الخاطرة 482

الصلاة أقوال وأفعال وأعمال قلب، وقد دل قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ"؛ على منزلة أقوال الصلاة مع تفاوتها في الآكدية، ولم يتق إلا على وجوب اثنين منها تكبيرة الإحرام والسلام، وأقتصر على بعض ما يؤخذ من الآية، فمنها: * وجوب أذكار الصلاة من التكبير والقراءة والتسميع والتحميد. * وجوب تدبر المصلي وتفهم ما يقوله أو يسمعه. * وجوب تعلمه اللغة العربية إذ بدونها لا يمكنه تدبر ولا فهم. * وجوب نطقه بحركة لسانه إذ لا يسمى غير ذلك قولا. * وإذا فعل ما ذكر صدق عليه الحديث وهو أنه يناجي ربه. ويلتقي هذا مع قوله عليه الصلاة والسلام وعلى آله: "إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها"، رواه أبو داود عن عمار بن ياسر رضي الله عنه. فهل هذه النسب المحصورة فيما بين النصف والعشر؛ مبنية على مدى استيفاء الأركان والشروط والواجبات؟ أم على غيرها؟ فإذا علمنا أن الصلاة لا تصح بدون الأركان والشروط، أو تصح بترك الواجب ويأثم تاركه؛ تعين أن الذي بنيت عليه هذه النسب في المعظم غير ما ذكر، وهو ما يكون عليه المصلي من الخشوع والحضور الذي لا يعلمه إلا ربه، وإن كانت أعمال الظاهر قد ترشد إليه، وقد جاء في الحديث المرفوع الضعيف بل الموضوع: "لو خشع هذا لخشعت جوارحه"، والله أعلم. = 13 سبتمبر 2023 الشيخ بن حنفية العابدين

الخاطرة 483

[زخرفة المساجد] دعاني ما عليه معظم المساجد من تزيين جدرانها ولاسيما جهة القبلة إلى بيان حكم الشرع في الموضع الذي ينظر إليه المصلي، واتباع ما يدفع عنه الافتتان بما على الجدران مما يصرفه عن الخشوع في صلاته، فيصير الراجح من قبل مرجوحا، وربما بلغ الأمر مشروعية إغماض العينين الذي هو مكروه في الأصل. المصلي منهي عن النظر إلى السماء، لأن فيه نوع إعراض عن التوجه إلى المسجد الحرام، ودليله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟ فاشتد قوله في ذلك حتى قال: "لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لتُخطفنّ أبصارهم"، رواه البخاري، وهو نهي تنزيه عند الجمهور، والوعيد مشعر بخلافه، وروى ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: "لا ترفعوا أبصاركم إلى السماء أن تلتمع"، أي خشية أن تختلس بالعمى، أو بزوالها بالكلية، فهو بمعنى الذي قبله، والنهي فيه ليس على عمومه، بدليل فعله صلى الله عليه وآله وسلم المعارض له كما سيأتي، والأصل في أفعاله الاقتداء، ولهذا ترجم عليه ابن ماجة بقوله (باب الخشوع في الصلاة). وجاء في النظر إلى السماء خارج الصلاة وقت الدعاء حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قالت: "ما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أظلم، أو أجهل أو يجهل علي"، رواه أبو داود، وعلى هذا جمهور العلماء وفيه القول الشائع (السماء قبلة الدعاء). وروى أبو داود ايضا عن عبد الله بن سلام عن أبيه قال: كان رسول الله إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء"، وفي سنده محمد بن إسحاق وقد عنعن، وقد صرح بالسماع في رواية غير أبي داود، وعلى هذا يحمل قول الله تعالى: "قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا". وقد اختلف في موضع نظر المصلي، فقيل ينظر إلى جهة القبلة وهو مذهب المالكية، ووجهه أنه اجتمعت فيه أمور: أولها التوجه إلى حيث أمره الله بقوله: "فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ"، فإن نظره جهة القبلة أكمل في الامتثال، والثاني أنه محتاج إلى ذلك في الاقتداء بإمامه، والثالث أن الصحابة فعلوه، يدل عليه ما جاء أنهم كانوا يعرفون قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم باضطراب لحييه، وكانوا لا يهوون إلى السجود حتى يروه قد بلغ الأرض، والوجه الرابع أن من قام معتدلا اعتدالا تاما لا يتأتى له خفض بصره إلى موضع سجوده إلا بتكلف، والأصل خلافه، وهذا الوجه قاله ابن العربي، وقوى به مذهب مالك رحمهما الله. والقول الثاني أنه ينظر إلى موضع سجوده لأنه أعون له على الخشوع، وقيل إنه سبب نزول قوله تعالى: "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ"، وهو مذهب الشافعي رحمه الله. وقد فصل الحافظ في المسألة فقال في فتح الباري: "ويمكن أن يفرق بين الإمام والمأموم، فيستحب للإمام النظر إلى موضع السجود، وكذا للمأموم إلا حيث يحتاج إلى مراقبة إمامه، وأما المنفرد فحكمه حكم الإمام"، قلت: هذا أعدل الأقوال وأجمعها للأدلة، والله أعلم. لكن المناسب في معظم المساجد اليوم أن ينظر إلى موضع السجود لما هي عليه من الزخرفة والكتابة وتعليق اللوحات، لأن النظر جهتها يؤثر على المصلي ويشغله، يدل عليه ما صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى في خميصة له، فنظر في أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي"، رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: "أخاف أن تفتنني"!! أما نظر المصلي وقت التشهد فقد جاء في إحدى روايات حديث عبد الله بن الزبير الذي رواه أبو داود والنسائي قول ابن الزبير رضي الله عنه واصفا نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين التشهد: "لا يجاوز يصره إشارته". في مساجدنا الكثير مما يصرف المصلين عن الخشوع في صلاتهم، ومن العجب أن غالب هذا الصارف في جهة القبلة، فيتعين أن ينظر المصلي إلى حيث يسجد إن سلم الفراش ما يشغله أيضا!! والذي يعلق أو يكتب على جدران المساجد لا يخرج عن زخرفتها المنهي عنها لشغلها المصلين، مع ما فيها من إهدار المال، وقد عمت الزخرفة واعتيدت؛ حتى صار إنكارها مستهجنا، وقد قال عمر رضي الله عنه يوم جدد بناء مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس"، وهو في صحيح البخاري، فمن منا يستسيغ اليوم وصف هذه الأمور بالفتنة؟ وقد علمت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خشي الفتنة من لبس ثوب فيه أعلام فاستبدله!! وقال عليه الصلاة والسلام: "لا تقوم الناس حتى يتباهى الناس في المساجد"، وهذا يحتمل التباهي فيها، والتباهي بها، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "والله لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود". وهذا ذكر لبعض ما تراه في جهة القبلة فمن ذلك: اللوحات الإلكترونية التي تحمل التاريخ وأوقات الصلاة، وما يصدر عنها من التنبيه بالصوت على وقتي الأذان والإقامة، ولوحة المواقيت الشهرية، وأذكار أدبار الصلوات، والتاريخ الهجري، والفتاوى، والساعات الورقية التي فيها الأوقات، وجملة الله أكبر على جانبي المحراب، واسم الجلالة، واسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولوحة المفقودات، ولوحة التدريس، والآيات التي تكتب على قوس المحراب، وعلى الجدران، وهي كثيرة، وأسماء الله الحسنى، وقد رأيت في بعض المساجد سبحتين حباتهما قدر البيضة كأنهما للرد على منكري السبحة!! وآخر ما أذكره أني رأيت مسجدا شكله على صورة نصف كرة القدم!! الرابع من ربيع الأول 1445=

الخاطرة 484

من أحسن ما وقفت عليه من آثار الصحابة في تخوف الحاكم من أن يظلم رعيته، ومراعاته مصالح أفرادها، واختصاصه الفقراء بالرفد والعون، وتوجسه من أن يظنوا به السوء في بعض تصرفاته التي قد لا يقفون على مقاصدها، وحرصه على المال العام، وتوجيه المحتاجين إلى الاكتساب والإنتاج والعمل بدل العطايا والجرايات؛ هذا الأثر الذي رواه أبو عبيد وابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي عن أسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أستعمل مولى له يسمى هنيا على الحمى، فقال له: "يا هني (وقد جزأت هذا الأثر ليسهل فهمه، قال له: 1 - "اضمم جناحك عن المسلمين (!!) 2 - واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة. 3 - وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة (!!). 4 - وإياك ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان (!!)، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع. 5 - وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببينة يقول: يا أمير المؤمنين(!!). 6 - أفتاركهم أنا لا أبا لك؟!. 7 - فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق (!!). 8 - وأيم الله إنهم يرون أني ظلمتهم(!!). 9 - وإنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام. 10 - والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت على الناس في بلادهم". شرح الكلمات: * الحمى: موضع من الأرض يمنع الحاكم الناس من استعماله في الرعي وغيره فيخصه برعي نعم الصدقة وخيل الجهاد، وقد اتسعت في هذا العصر دواعي المنطق المحمية. * اضمم جناحك عن المسلمين: توق أموالهم ولا تمد يدك اليها. * وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة: اسمح لهما بالرعي في الحمى دون غيرهم. * الصريمة والغنيمة مصغر صرمة وغنم هي القطيع من الإبل والغنم والتصغير للتقليل. * وإياك ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان: أي لا تمكن ماشيتهما من الرعي في الحمى لاستغنائهما عنه. * يرجعان إلى نخل وزرع: أي أن لهما بديلا عن الماشية إذا هلكت. * يا أمير المؤمنين: أي ينادونني لأكفيهما حاجتهما لهلاك ماشيتهما. * فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق: أي أن إدخال نعم الفقراء إلى الحمى لا يكلف بيت المال عطاء خاصا يستنزف موارده. * لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله: يحمل عليه المقاتلين في السفر للجهاد. عين المانعة في الثالث عشر من ربيع الأول 1445=

الخاطرة 485

قول الله تعالى في سورة الزمر: "لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ" فيه أن الغرف جمع غرفة، وهي البيت المقام على مثله، وتسمى المشربة والعلية (بضم العين وكسر اللام المشددة). واختلف في المقصود من ذكر وصف (مَّبْنِيَّة) ٌلأن الغرف لا تكون إلا كذلك، فقيل هو وصف (كاشف) أريد به تأكيد المعنى، وقيل هو مقيد للغرف، وإذا كان كذلك أخرجها عن حقيقتها، والأصل في الوصف التقييد، فإن التأسيس مقدم على التأكيد، فالمقصود أنها وإن كان بعضها فوق بعض فإنها لا تعتمد على ما تحتها، والطائرات والمركبات الفضائية في هذا العصر غرف لا تستند إلى شيء، وهي مع ذلك متنقلة في السماء. أما قوله تعالى "مِّن فَوْقِهَا" فلا يدل على خلاف هذا، فإن (الفوق) يكون مماسا لما تحته وغير مماس، قال تعالى: "يخافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ"، وربنا فوق خلقه، بائن منهم، مستو على عرشه. قال الزمخشري: "فإن قلت: ما معنى قوله (مَّبْنِيَّة)ٌ؟، قلت - والله أعلم - إنها بنيت بناء المنازل وسويت تسويتها" انتهى. فإن قلت: هل من دليل غير هذا على ما سبق؟، فالجواب في قوله سبحانه (تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، فإن المقصود أن الأنهار تجري من تحت الغرف جميعها، لأن جريانها من جملة التنعم، ومن كان في الأعلى أعظم تنعما ممن تحته، فكيف يفوته جريان الأنهار ويختص به من تحته. وقد حام الزمخشري حول هذا الذي ذكرته فقال: (تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) كما تجري من تحت المنازل من غير تفاوت بين العلو والسفل"!! انتهى. ليت الزمخشري وقد سلم بمسمى الغرفة ولم يحمله على ما يعلم من كيفيتها وهي من المخلوقات؛ ليته سلم بعدم تكييف صفات الباري وهو الخالق الذي ليس كمثله شيء. ومما دل على هذا المعنى لغرف الجنة الذي جاء به الشرع حقيقة كانت غيبية؛ ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف كما تراءون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع في تفاضل أهل الدرجات، فقالوا يا رسول الله أولئك النبيون؟، قال: "بلى والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا الرسل". هذا مثال واحد عما ذكر عن الجنة مما يدرك الناس كيفيته مع علمهم بحقيقته اللغوية لكنه جاء على غير ما يكيفون من تلك الحقيقة، وأمثلته كثيرة في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على الجنة والنار وغيرهما، وقد جاءت التطبيقات العلمية الحديثة بما لم يعتده الناس في معاني الكلام مع أنهم يطلقون عليه ما علموه من كلام العرب وإن جهلوا كيفيته ومن أحدثها تحول الصوت إلى كتابة. والمقصود أن الأخبار الواردة في كتاب الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تضمنت حقائق لغوية غيبية جاء بها الشرع، فلزم أن تفهم على ظاهرها وان كنا لا نعلم كيفيتها، وإذا كان هذا مع المخلوقات فكيف بصفات الباري سبحانه الذاتية والفعلية؟، أليست أولى أن تعتبر حقائق شرعية غيبية لا يعرف الناس كيفها ؟. إن المختلفين في صفات الباري إثباتا من غير تكييف، كما هو الحق، أو تأويلا لأجل التنزيه الذي لا يختلف فيه الفريقان؛ متفقون على تقديم الحقائق الشرعية العملية مع مخالفتها للحقائق اللغوية والعرفية كلا أو بعضا، وهو ما أطبق عليه أهل أصول الفقه مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها، فلم لا يعملون هذا الذي اتفقوا عليه في ذلك الذي اختلفوا فيه؟، أليس الذي اختلفوا فيه أولى مما اتفقوا عليه لكونه غيبا والشرع لم يبينه كما بين الحقائق العملية التي شرعها؟. وقد قال الله تعالى: "فلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُن"، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، وعن ابن عباس م قال: "ليس مما في الدنيا في الجنة إلا الاسم". ليلة 21 من شهر ربيع الأول 1445=

الخاطرة 486

والموت لا يخفى على أحد * ممن نرى وكأنه يخفى !! ولا تزال تسمع هالكا حتى تكونه * المرء قد يرجو الحياة مؤملا والموت دونه!! وقال أبو العتاهية: الناس في غفلاتهم * وراح المنية تطحن تسمع بوفاة واحد من عموم الناس أو من أقاربك وأصدقائك فيركبك ألم، ويمثل أمامك ما أنت إليه صائر، كما صار إليه بعض من كانوا معك، وإن تراخت منيتك. قد يستمر ذكرك للمتوفى أياما وأسابيع، وقد يبلغ أشهرا فتترحم عليه وتستغفر له، وهذا أنفع له وأقرب إلى الإجابة من تأبينه، وإشهار التعزية فيه كما تراه، وأحسب أنه سيغلب على أعراف الناس، ولكل وجهة، لكن ما أسرع ما ينسى الأموات فيسلى الأباعد والأقارب، والنسيان طبع الإنسان، وكثير منهم لا يكادون يذكرون إلا بما يمر بالمرء أو يستحضر من أحداث لهم بها صلة، وقد روى أبو داود عن كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد ابن زرارة، فقلت له: "إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة"؟، قال: "إنه أول من جمع بنا في هزم النبيث من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات، قلت: كم كنتم يومئذ؟، قال: أربعون". ربما استثني الوالدان من النسيان عند بعض الناس، فقد صار من المرتب أن أترحم عليهما وأستغفر لهما في كل صلاة، بل في كل ركعة. والأعمال التي يذكر بها المرء تختلف ما بين نفع عام للخلق، فيكثر الذاكرون، وما هو دون ذلك فيقلون، وكل ميسر لما خلق له، وقد قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: "واجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ"، وقال عن أربعة من أنبيائه: "وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ". وثناء أهل الصلاح على الميت من الذين يعرفونه شاهد صدق له، وقد يثنون عليه حيا فيكون ذلك من عاجل البشرى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيمن أثني عليه خيرا "وجبت". وأخونا الشيخ عبد القادر زيتوني من الدعاة العاملين الذين ظهر نفعهم لأمتهم وحرصهم على تعليم القرآن الكريم والعناية بالشباب وتلمس متاعبهم ومشاكلهم، فرحمه الله وغفر له وأجزل له المثوبة. أخبرني بعض إخواني بمرضه قبل مدة حين دخل المستشفى المرة الأولى، فكلمته فسر بمكالمتي، فلما خرج استأنف نشاطه بإذاعة القرآن الكريم، بل قيل إنه لم ينقطع عن النشاط وهو في المستشفى، ثم طلب مني أن أشارك بمداخلة في موضوع اختاره فأجبت، وقد كان لي في تلك الإذاعة قبل خمس عشرة سنة مشاركة بكلمات مختصرة في التفسير، سعى في نشرها فيها الضابط السامي بالجيش الوطني الشعبي موفق بوسدرة رحمه الله، ثم حصل الانقطاع !!، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمِ". ليلة 21 ربيع الأول أكتوبر 2023

الخاطرة 487

قال ربنا عز وجل: "قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ". الذي أصاب الصهاينة المعتدين يوم أمس لم يسبق له مثيل بالنظر إلى إمكانات المقاتلين، والتوقعات، والحصار الممارس على إخواننا الفلسطنيين في قطاع غزة منذ سنين. أحسب أن قادتهم سيعيدون النظر في حساباتهم وإن تظاهروا بغير ذلك مدة ما لحفظ ماء وجوههم عند مواطنيهم، وأمام دول العالم. إن الحسابات المادية وحدها كثيرا ما غرت الناس، ومنهم قادة الصهاينة، لكنها كانت أيضا عامل تثبيط ومصدر انهزام عند المطبعين كما يشهد به الواقع، وقد قال ربنا سبحانه: "إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ". إن لعزائم الرجال وصدقهم دخلا كبيرا في تجاوز الفوارق المادية، فكيف إذا كان أفراد العدو ممن قال الله فيهم: "لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ". كان أعداء الله يخشون أن يباغتوا من تحت أرجلهم، فسدوا الأنفاق، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا على يد هؤلاء الرجال أولي البأس الشديد. من ذا الذي كان يتوقع هذا الإنزال الجوي بهذه الطريقة غير المسبوقة؟، ومن كان يحسب أن يتم إسقاط مروحياتهم بهذه السهولة؟، أو احتلال مستوطناتهم هذه المدة، واقتياد جنودهم أسرى بالعشرات؟؟! المتوقع أن يكون رد العدو قاسيا مدمرا، كيف وقد أعلن الحرب في إجراء غير معهود منذ زمن طويل؟ وقد لا يجد مخرجا لمأزقه غير الإقدام على احتلال غزة من جديد، وهو ما سيكلفه ما لا قبل له به في عدد قتلى جنوده، فتتمزق جبهته الداخلية. إن كل ما قد يفعله هذا العدو مسبوق معروف خلال تاريخ احتلاله الطويل المظلم، ومهادنته والكف عنه لم يثمرا غير مزيد من ابتلاع الأرض، ونشر المستوطنات، وتدنيس المقدسات: "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ". معسكر ليلة 24 ربيع (1) 1445=

الخاطرة 488

ليست هذه الخاطرة مما كتبته، بل هو لأحد الصهاينة المعروفين، وهو (ٱري شبيث) في مقال له بصحيفة هآرتز العبرية تحت عنوان (اسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة). لم أقف على المقال بنفسي، بل حوله إلي أحد الإخوة، فالعهدة عليه، وقد تصرفت فيه ببعض الحذف لطوله. ولست من السذاجة فأصدق كل ما فيه، أو يغمرني التفاؤل، فأنتظر حصول هذا الذي قاله غدا، وإن كان الكثير مما فيه هو اعتقادي، وأعمار الأمم ليست كأعمار الأفراد في الصعود والنزول، لكن قد قيل: فإن يك صدر هذا اليوم ولى * فإن غدا لناظره قريب ولا أدري ما الذي يقوله لو كتب عن هذا الذي حصل في غزوة (طوفان الأقصى) التي أبانت عن عجائب وغرائب في أبناء هذه الأمة المسلمة في التخطيط والمباغتة والابتكار والتكتم والتحدي: ويح الضعيف نداؤه * في مسمع الدنيا صمم!! قال: يبدو أننا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حل معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال، وقال: إذا كان الوضع كذلك، فإنه لا طعم للعيش في هذه البلاد، وليس هناك طعم للكتابة في "هآرتس"، ولا طعم لقراءة "هآرتس". القوة الوحيدة في العالم القادرة على إنقاذ "إسرائيل" من نفسها هم الإسرائيليون أنفسهم، وذلك بابتداع لغة سياسية جديدة، تعترف بالواقع، وبأن الفلسطينيين متجذرون في هذه الأرض. وأحث على البحث عن الطريق الثالث من أجل البقاء على قيد الحياة هنا وعدم الموت. وقال: الإسرائيليون منذ أن جاؤوا إلى فلسطين يدركون أنهم حصيلة كذبة ابتدعتها الحركة الصهيونية، استخدمت خلالها كل المكر في الشخصية اليهودية عبر التاريخ، وإن لعنة الكذب هي التي تلاحق الإسرائيليين، ويوماً بعد يوم تصفعهم على وجوههم بشكل سكين بيد مقدسي وخليلي ونابلسي، أو بحجر أو سائق حافلة من يافا وحيفا وعكا. لقد احتللنا أرضهم، وأطلقنا على شبابهم الغانيات وبنات الهوى والمخدرات، وقلنا ستمر بضع سنوات، وسينسون وطنهم وأرضهم، وإذا بجيلهم الشاب يفجر انتفاضة الـ 87... أدخلناهم السجون وقلنا سنربيهم في السجون، وبعد سنوات وبعد أن ظننا أنهم استوعبوا الدرس، إذا بهم يعودون إلينا بانتفاضة مسلحة عام 2000، أكلت الأخضر واليابس، فقلنا نهدم بيوتهم ونحاصرهم سنين طويلة، وإذا بهم يستخرجون من المستحيل صواريخ يضربوننا بها، رغم الحصار والدمار، فأخذنا نخطط لهم بالجدران والأسلاك الشائكة، وإذا بهم يأتوننا من تحت الأرض بالأنفاق، حتى أثخنوا فينا قتلاً في الحرب الماضية، حاربناهم بالعقول، فإذا بهم يستولون على القمر الصناعي الإسرائيلي (عاموس) ويدخلون الرعب إلى كل بيت في "إسرائيل"، عبر بث التهديد والوعيد، كما حدث حينما استطاع شبابهم الاستيلاء على القناة الثانية "الاسرائيلية". خلاصة القول: يبدو أننا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حل معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال. في 25ربيع (1) 1445 إعادة

الخاطرة 489

(2) تابع حمل الشاعر أبياته الآتية أمرين: أولهما: تحسره على انتمائه إلى قبيلته التي فرطت فيه، فتمنى أن لو كان من قبيلة أخرى هي (مازن) ليحمي رجالها ذماره، فلا تستبيح بنو اللقيطة إبله، فإن رجال مازن ينجدونه، وهم أولو بأس شديد، يقدمون على الحرب أفرادا وجماعات، لا يهابونها إذا حمي وطيسها، ولا يترددون في إغاثة المستغيث، على حين يتخاذل الضعفاء المستكينون، فاقرأ قوله: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي * بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصري معشر خشن * عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم * طاروا إليه زرافات ووحدانا لا يسألون أخاهم حين يندبهم * في النائبات على ما قال برهانا شرح الكلمات: معشر خشن: جماعة أقوياء. الحفيظة: الغضب. ذو اللوثة: الضعيف. زرافات: جماعات. وحدانا: منفردين. يندبهم: يناديهم. النائبات: المصائب. أما الأبيات الآتية فيذم فيها قومه بما يشبه المدح، فهم على كثرة عددهم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا ولو يسيرا، يؤثرون الصفح عن الجناة، ويقابلون الظلم بالمغفرة، والإساءة بالإحسان، كأن الله لم يخلق لخشيته إلا إياهم، ويتمنى أن يستبدل بهم من هم أهل نجدة ونصرة، قال: لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد * ليسوا من الشر في شيء وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة * ومن إساءة أهل السوء إحسانا كأن ربك لم يخلق لخشيته * سواهم من بني الإنسان إنسانا فليت لي بهم قوما إذا ركبوا * شنوا الإغارة فرسانا وركبانا شرح الكلمات: شنوا الإغارة: فرقوا الهجوم. فرسانا وركبانا: على الخيل والجمال. تعليق: نسأل الله تعالى أن ينصر إخواننا في غزة وسائر المسلمين على أعداء الله وأعدائهم، وأن يثبتهم، وأن يلهمهم الصبر على ما يلاقون من الجفاء والخذلان من حكام العرب والمسلمين، وأن لا يكون ذلك سببا لتوجه جديد، كما حصل من قبل لدول وجماعات. ليلة أكتوبر 2023

الخاطرة 489

(1) هذه أبيات قالها أحد العرب من (بلعنبر) يهجو فيها قبيلته التي خذلته، ويذمها بما يشبه المدح، ويتمنى أن لو كان من قبيلة (مازن) التي أغاثه فرسانها وأنجدوه، فردوا عليه ثلاثين بعيرا أخذت منه!! لكني أؤخر ذكر هذه الأبيات حتى أفرغ من هذا الذي ألجأني إليها، وهو هذه الآلام والأحزان التي تركبنا فلا نجد لها متنفسا إلا أن نستغفر ربنا ونذكره وندعوه بتعجيل الفرج لإخواننا في فلسطين. سكان غزة رغم ما عانوه طوال سبع عشرة سنة من الحروب المتكررة التي شنت عليهم، وهي حروب دفع بما فيها الأخيرة؛ لم نسمع منهم هجاء ولا ذما لإخوانهم العرب والمسلمين، ولا تمنوا أن ينتسبوا إلى غير منتسبهم، ولا فرطوا في إسلامهم، وما يزالون يؤملون في أمتهم خيرا، وهم يتولون حكما من أحكام الله تخلت عنه الأمة. لكننا نستغرب هذا الصمت المطبق عما يجري لهم وقد مضى على قطع الماء عنهم والكهرباء والغذاء والوقود وعلى الشروع في تدمير مساكنهم وسائر مرافقهم ومنها بعض المساجد والمستشفيات، فقتل منهم المئات وجرح الآلاف وشرد ما يزيد على المائة ألف في خلال خمسة أيام. إن هذا التفريط في نصرتهم وتجاهل آلامهم والتسوية بينهم وبين خصوم المسلمين في البيانات الرسمية والقرارات هو من الباطل الصراح، والخذلان المفضوح، ومآلاته في تغيير الانتماءات، وتحويل الولاءات، لا تخفى على البصير، على أن الذي كان يأخذه فريق من الناس على بعض قياداتهم في الولاءات التي ألجئوا إليها قد آل إليه أمر بعض دول المنطقة، وقد ذكرت ما أراه فيه في غير هذا الموضع. والقول بأنهم أعطوا أعداء الله وأعداءهم الفرصة لتدمير غزة أو تهجير سكانها فيه تجاوز كبير، وهو حجة داحضة يراد بها التملص من واجب النصرة، إلا عند من يعتبر الحصار المفروض عليهم منذ سبع عشرة سنة أمرا مشروعا. إن ما صنعه هؤلاء طيلة سبعين سنة بسكان فلسطين -وما يزالون- أمر مرتب مدروس، هم ماضون فيه، سالمهم أهل الأرض أو حاربوهم، أو لم يدبروا قتل ياسر عرفات بعد أن حاصروه لأنه لم يجارهم في تنفيذ بعض ما أرادوا والحال أنه شريكهم في اتفاقيات أوسلو؟ ثم لماذا لم تسلم منطقة الضفة الغربية من القتل والهدم والاعتقال وليس فيها ما في غزة من الذرائع على رأي من يقولون بسدها وقد قتل فيها اليوم أربعة عشر شخصا؟ ومما يدل على ما سبق أن ما حققوه من (مكاسب) باستيلائهم على الأرض، وزرع المستوطنات، وهدم المنازل، وإقامتهم جدار الفصل، واعتبارهم مدينة القدس عاصمة لهم، وضمهم هضبة الجولان، ومنعهم قاصدي المسجد الأقصى من الصلاة فيه لتمكين المتطرفين من دخوله؛ كل هذا وغيره لم يتحقق إلا بعد اتفاقيات أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية لتمرير عملية التهويد الشامل، وقد أعلنوا عن دولتهم الدينية الكاذبة في نهاية المطاف، وسيأتي ذكر تلك الأبيات في الجزء الثاني من الخاطرة إن شاء الله.. يتبع ليلة 28 ربيع (1) 1445=

الخاطرة 489

هذه الأبيات من ديوان الحماسة لأبي تمام، كنت شغوفا بها وبمثيلاتها لما حوته من مناقب الشجاعة والإقدام وإباء الضيم، وقد كانت من بين المواد التي نتدارسها في مجالس تكوين الأئمة في معسكر قبل عقود، فحركني الحنين إلى قراءتها ونشرها لما لها من مناسبة بحال الأمة اليوم، وقد قال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق"، رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأصله في صحيح مسلم. والحماسة هي الشدة في الأمر، يقال حمس الرجل في الشيء إذا اشتد فيه، فهو أحمس وحميس، وقد توسع العرب في هذا الحرف فسموا الشجاعة حماسة، لأن الشجاع يشتد على قرنه عند مواجهته، ولأن حال الحرب تطلب فيه الشدة وتحمد، أما غير الحرب فتختلف المعاملة بحسب الحال، وما عليه كثير منا يصدق عليه قول القائل: أسد علي وفي الحروب نعامة * ربداء تصفر من صفير الصافر وقول الآخر: وإذا خلا الجبان بأرض * طلب الطعن وحده والنزالا أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى الشجاعة بأضربها المتنوعة، وهي تواجه أعداءها بصنوفهم ومواقعهم، وفي مقدمتهم المغتصبون لأرض فلسطين، وإخواننا في هذا البلد العزيز حازوا من صفات البطولة والمغالبة والندية ما يشهد به الأصدقاء والأعداء، فليوفقهم الله إلى نصرة دينه، وليسدد رميهم، وليجبر كسرهم، وليهزم عدوهم. أما أبيات الحماسة فهي لأبي الغول الطهوي يشيد فيها بفوارس قومه ودفاعهم عن حمى (الوقبى) الذي ترتع فيه بهائمهم (!!)، فكيف بحمى الله ورسوله ومقدسات المسلمين وأوقافهم؟ فدت نفسي وما ملكت يميني * فوارس صدقوا فيهم ظنوني فوارس لا يملون المنايا * إذا دارت رحا الحرب الزبون ولا يجزون من حسن بسيء * ولا يجزون من غلظ بلين ولا تبلى بسالتهم وإن هم * صلوا بالحرب حينا بعد حين همو منعوا حمى الوبقى بضرب * يؤلف بين أشتات المنون فنكب عنهم درأ الأعادي * وداووا بالجنون من الجنون ولا يرعون أكناف الهوينى * إذا حلو ولا أرض الهدون معنى الأبيات 1 - أفدي هؤلاء الفوارس الشجعان بكل ما أملك، فقد تحقق فيهم ما كنت أتوقعه من الشجاعة والإقدام. 2 - هم أناس لا يسأمون من مقارعة عدوهم وخوض غمار محاربته في المعارك الطاحنة. 3 - من كريم خلالهم أنهم يضعون الأمور مواضعها، فلا يقابلون الحسنة بالسيئة، ولا الغلظة باللين، ولا السيف بالندى. 4 - لا تضعف لهم عزيمة، ولا تلين لهم قناة، مع صليهم نار الحروب بين الحين والحين. 5 - من مناقبهم أنهم حافظوا على حمى قومهم (الوقبى) بقتال ضار قضى على أعدائهم الذين تنادوا من كل صوب فاختصروا أسباب موتهم في واحد. 6 - جعل قتالهم حدا لتلكؤ أعدائهم ولجاجهم، فداووا الشر بمثله. 7 - إنهم لا يغشون المناطق السهلة التي أباحتها المسالمة والمهادنة بين القبائل، فالمحاربة في عزة أحب إليهم من المسالمة في ذلة. معسكر في 26 ربيع (1) أكتوبر 2023

الخاطرة 490

(1) [نصركم الله إخواننا في غزة] يا أهلنا في فلسطين عموما، وفي أرض غزة خصوصا، يجمعنا بكم عقد الإيمان، ورابطة الإسلام، وسكناكم في المسجد الأقصى وما حوله، وقد بارك الله فيه، وفي أرض الشام التي هي أرض المحشر، فنتألم لما يصيبكم، ونرثى لما ألم بكم، ونغضب لهذا السكوت الذي عليه غالب حكام وطننا ووطنكم وطن المسلمين، في مقابل تداعي زعماء الظلم في الغرب، وتقاطرهم على أرضكم المحتلة، يواسون (!!!) عدوكم الغاشم، ويشدون أزره، ويحضونه على مزيد من العدوان، ويمدونه بالسلاح الفتاك، بل يحشدون قواتهم الضاربة ليرهبوا كل من يرغب في التخفيف عنكم ... يتبع ليلة الثالث من ربيع (2)1445 = الموافق 17اكتوبر 2023

الخاطرة 490

(2) إخوتنا في غزة نتألم لكم لأنكم إخواننا، وكيف يرتاح من أخوه في مثل حالكم؟ وربنا عز وجل يقول: "إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ"، ويقول: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أولياء بعض"، ويقول: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِير"، ونبينا عليه وعلى آله الصلاة والسلام يقول: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة.."، ويقول: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".. يتبع . ليلة الثالث من ربيع (2) 1445= الموافق

الخاطرة 490

(3) يا إخوتنا في غزة! لو كان الذين في غزة غير مسلمين لكان هذا الذي يلاقونه جرائم في نظر الإسلام، الذي من الله به على الأنام، فإن حروبه لا تقتل فيها النساء، ولا الصبيان، ولا الشيوخ الكبار، ولا يقطع فيها مثمرات الأشجار، ولا يخرب فيها البنيان، ولا يقتل الحيوان، ولا يتعرض للرهبان، هذا هو الأصل، وغيره في بعض ما ذكر استثناء، وقد قال ربنا وسيدنا ومولانا: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"، بل إن من مقاصد جهاد الدعوة الذي فرضه الله على المسلمين حماية المستضعفين من الرجال والنساء والولدان كما قال الله تعالى: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان"، وقد خصهم الله بالذكر مع دخولهم في سبيل الله لإثارة الحمية الدينية واستجاشة العاطفة الإنسانية، فيا ويح من لا دين يوجهه، ولا حمية مشروعة تحركه، أما عدوكم والذين وراءه ممن يزعمون أنهم رعاة حقوق الإنسان، فإنهم لا يرقبون ذمة ولا ذماما إلا لصالح دولهم ومواطنيهم، فإن مسهم عشر معشار ما مسكم أرغوا وأزبدوا، وهددوا وتوعدوا، وصار ما دونوه وفرضوه على غيرهم بالقوة باطلا ملغى، فلعنة الله على الظالمين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.. يتبع ليلة الثالث من ربيع (2) 1445= الموافق

الخاطرة 490

(4) يا سكان غزة الأبطال، لا يفتن في عضدكم هذا الذي لاقيتموه، توكلوا على الله وثقوا به، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، أنتم أعلم بأعدائكم المباشرين، والمناصرين لهم والمؤيدين، ومصيرهم كلهم هو ما أخبر الله به في قوله: "لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ"، وقال: "مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَاد". إن هذه الدول الظالمة الطاغية التي تسند المجرمين في أرض فلسطين، لا نشك أنها ستنهار هي وهم جميعا، هذه هي سنن الله في الطغاة الظالمين، قال تعالى: "فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيد"، وقال: "وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا"، وقال عن عاد وثمود وفرعون: "الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاب إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ". سنة الله هذه لا تبديل لها ولا تحويل، نعتقدها ونجزم بوقوعها، لكن العلم بوقتها مما استأثر الله به، أما ما نحن به مكلفون؛ فهو أن الله جعل جهاد الصالحين من عباده سببا لدفع الفساد، والطغيان والاستبداد، وهو الذي تقومون به، بعد أن انقضى ما جرت به سنته قبل اشتراع الجهاد، من عقابه أعداءه بالصواعق والقوارع، قال سبحانه: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ"، وهذا تعقيب على قتال بني إسرائيل للظالمين بقيادة داود عليه الصلاة والسلام، أما اليوم فهم الطغاة المتجبرون، وأنتم المظلومون، تدافعون عن أرضكم وحرماتكم: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِير الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز". إن من أعظم الدول في هذا العصر نشرا للظلم والإعانة عليه هذه الدولة التي توسم بأنها عظمى، ثم محميتها في أرض فلسطين، وما لهما في أرجاء العالم من النفوذ والتأثير والتغلغل السياسي والمالي والاقتصادي، وقد صرح رئيسها اليوم وهو في زيارة لدولة العدوان أنها لو لم تكن موجودة لأوجدوها كي يعيش أهلها في أمان(!!!)، وهذا إقرار منه بأنها دولة أسست على الغصب، فهنيئا لكم أن كانت لكم هذه التضحيات التي كشفت الوجه القبيح البشع المختفي خلف الشعارات البراقة، والدعاوى الكاذبة، إنها مهمة عظيمة، أنجز بعضها بتضحياتكم الجسيمة، و كثير من تتجه إلى تحطيم هذا الطاغوت الذي فرض هيمنته على سكان العالم عقودا بوسائل مختلفة، وإن انكساره لآت بعون الله. تعجز الكلمات عن وصف ما أنتم فيه مما نسمعه ونراه من التقتيل والتشريد والتدمير والتجويع والتهجير، فبأي شيء نواسيكم؟، وأي العبارات تنبئ عما بداخلنا من الحرقة والألم لما تعانون وقد عز الناصر والمعين؟، وحال أمتكم على كثرة أعدادها ومواردها وقوتها حال هذا الشاعر الذي قال وهو يعني نفسه: لا خيل عندك تهديها ولا مال * فليسعد النطق إن لم يسعد الحال إن الموت وإن تعددت أسبابه فهو واحد، ولأن يموت المرء عزيزا كالذي أنتم فيه خير من أن يموت ذليلا، ومن لقي منكم ربه صابرا محتسبا قاصدا الدفاع عن أرض الإسلام فهو في سبيل الله، له من الكرامة عنده ما يتمنى لأجله أن لو أعيد إلى الدنيا فيستشهد مرة أخرى. لستم في حاجة إلى أن يقال لكم إن متاع الدنيا قليل وأنها ذاهبة كيفما كانت زينتها ومتاعها، وأن ما عند الله خير وأبقى، إذ ليس الخبر كالمعاينة، لقد عشتم منذ أكثر من سبعين سنة أوضاعا قاسية، نشأ فيها صغاركم، وعاش عليها كباركم، ولا يعرف لها نظير في هذا العصر امتدادا واشتدادا، إنكم تنوبون عن أمتكم في دفع الضريبة عن شرفها الرفيع الذي تهاونت في الدفاع عنه كما قال: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى * حتى براق على جوانبه الدم وقال الله تعالى: "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُون". يوم الثالث من شهر ربيع الثاني أكتوبر 2023

الخاطرة 491

[لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا] استمعت إلى غير واحد من أهل العلم ممن نحفظ لهم قدرهم ونعلم لهم منزلتهم يتحدث عما يجري في غزة، وبقطع النظر عما يطبع الكلام من اليبس الذي يعلن عن نفسه لأسباب قد تعلم وقد تجهل، فإن مما سمعته أنه يخشى أن يكون هذا الذي أقدم عليه القادة العسكريون في غزة هو من مكايد الروافض ليورطوهم ويقضوا على أهل السنة فيها، وأن الشواهد على ذلك قائمة في أكثر من بلد. ومع التسليم بأن الروافض أصحاب كيد ونفاق وكذب فإني لم أقتنع بهذا الكلام لعلمي أن أولئك القادة العسكريين والسياسيين أذكى من الروافض وأعظم حنكة، وأن من لم يكن بصيرا بواقع ما يريد أن يتكلم عنه فالخير له أن يمسك عليه لسانه. وقد قلت لغير واحد ممن تحدثت معه في هذا الذي يقال: ومن ورط الفلسطينيين في مقاتلة عدوهم منذ خمسة وسبعين عاما؟ وهل تركهم أعداؤهم في أرضهم ولم يعملوا على تقتيلهم وتهجيرهم وسجنهم وابتلاع أرضهم على مهل وإن لم يقاتلوهم قتالا كهذا الذي أقدموا عليه في يوم 22 من شهر ربيع الأول 1445 الموافق لـ . إنه ليؤلمني ألما شديدا أن يلبس بعض أهل العلم ثوب المشفق ليغطوا به خذلانهم لإخوانهم ولو بالكلمة الصريحة القوية في نصرتهم، والوقت لا مجال فيه للعتاب، وأن بعضهم إذا تكلم على الجهاد فهمت منه بالفحوى أن المسلمين على امتداد أكثر من اثني عشر قرنا لم يقوموا بالمشروع منه لأن قادتهم وجنودهم أو بعضهم لم ينصروا الله كما ينبغي بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فإن هذا هو معنى نصر الله الذي رتب نصره لعباده عليه، هذا ما تفهمه من كلامه وإن لم يصرح به. ولا يمتري من يعرف دينه في أن هذا الذي قاله حق، لكن متى كان الجهاد لا يؤيد إلا إذا استكمل هذه الشرائط التي لم تتحقق كاملة في عهد من العهود؟؟ يحق للعالم بل ولغيره أن ينبه الأمة إلى ضرورة التزامها أحكام الله لينصرها الله، لكن لا يصح أن يوظف هذا الحق في التهوين من شأن الجهاد أو التشكيك فيه فكيف إذا كان جهاد دفع كهذا الذي يجري في غزة؟ وقد بعث إلي أحد إخواني هذه الرسالة التي أجاب فيها بعض أهل العلم ممن هم الٱن في أرض المعركة على هذا الأمر وغيره مما يغطي به المثبطون مواقفهم، وقد بين فيها أسباب هذه الحرب التي أقدم عليها أهل غزة، وقد يكون فيها ما يتعقب، ولم أتصرف فيها إلا باستبدال كلمات محدودة للغرض الذي لا يخفى على البصير، كما حذفت اسم كاتبها سدده الله. ليلة السابع من ربيع (2) 1445 الموافق 20 أكتوبر 2023 قال مجيبا عن سؤال هو: لماذا اختار المجاهدون الهجوم على العدو رغم علمهم بردة فعله؟: "لست ممن يعتني بالردِّ على أيِّ لغطٍ يُثار في أيِّ قضيةٍ على وسائل التواصل؛ إجلالًا للمقام العلمي، وضنًّا بالوقت أن يذهب في غير فائدة أو فيما فائدته محدودة. وفي الأيام الماضية سألني بعض الإخوة عمن يقول: إنه لا حاجة لاستفزاز العدو لئلا يردَّ هذا الرد، واستثناءً مما ألتزمه في نفسي أجيب جوابًا سريعًا بما ينقدح في الخاطر؛ لأنَّ عنايتي غير متوفرة للجواب عن ذلك في مثل هذا الظرف فأقول: هذه أربعة أسباب فقط بين يديك: الأول: إن العدو آخذٌ في تدنيس المسجد وتهويده وبناء الهيكل بقفزات سريعة غير مسبوقة، فما كان يقطعه من الخطوات في سنتين أو ثلاث صار يقطعه اليوم في أسبوعين أو ثلاثة، مع ما يتضمنه ذلك من إهانةٍ للمقادسة وإذلالٍ لهم وتنكيل بهم واعتقال لفضلائهم. هذا فضلًا عن الحَجْرِ عن فئات كثيرة لم يعد بوسعها أن تصل إليه للصلاة فيه، وكان هناك في حدود 50 حلقة علمية في المسجد كلها مُنِعت من سنين. وفي الأيام التي سبقت العملية دنس المسجد قرابة خمسة آلاف مستوطن إن لم يكن أكثر، وهذا هو أكبر عدد يحصل خلال أيام قليلة ولم يحصل مثله من عشرين سنة، فجاءت هذه العملية للرد على هذا التدنيس المتزايد، ودلالة ذلك ظاهرةٌ في اسم المعركة. الثاني: إن العدو يمارس علينا عمليات موتٍ بطيء منذ خمس عشرة سنة، وعندنا جيلٌ شبابيٌّ كامل وُلِد داخل الأزمة، وجيل العشرينات والثلاثينات في أكثره معطلٌ في عامة جوانب حياته، وكثيرٌ منهم لا يستطيع أن يتم تعليمه، ولا أن يتزوج ولا أن يبني بيتًا ولا أن يجد وظيفة، وهذا كله ورَّث المجتمع كثيرًا من المشكلات الاجتماعية، فالبطالة تزيد والعنوسة تزيد، وقائمة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تطول وتطول، ومؤخرًا هاجر من البلد عشرات الآلاف إلى بلاد الغرب ليجدوا شيئًا من القوت الذي يقتاتون به، وهناك العشرات أو المئات ابتلعتهم الحيتان والأسماك في البحر، مع أن غاية ذهابهم الانتقال من أزمة إلى أزمة. الثالث: أن العدو يعذب سادتنا الأسرى، وكثيرٌ منهم يموت كل يوم مرات ومرات، ولك أن تتخيل أن بعضهم يعيش في متر ونصف من ثلاث عشرة سنة، وبعض الأسرى يتم إدخالهم إلى زنازين ملطخة جدرانها بالبراز، ويبقى الأسير في تنظيفها يومين أو ثلاثة في حالةٍ كئيبةٍ من الأذى وربما الانهيار النفسي. هذا مع تعرية الأسير من الملابس، وضربه، فإذا انتهى من التنظيف نُقِل إلى زنزانةٍ أخرى ليعيد نفس الدور في كثيرٍ من الأحيان، وقد بلغ الحال بالأسرى في المرحلة الأخيرة حدًّا لا يطاق، وبدؤوا يشعرون أن الأمة خذلتهم، وأنه لا أحد يشعر بشعورهم أو بمصابهم، بل لا يعلم بما يجري لهم! ومع تصاعد الخط الديني في الحكومة المحتلة ازداد الجحيم بالنسبة لهم، حتى وصل لحدٍّ لا يُطاق فعلًا، وبدأت الأصوات في الأشهر الماضية تتعالى بضرورة العمل على تحريرهم واستنقاذهم من هذا الهوان. أضف إلى ذلك ما تتعرض له الأسيرات من أفعال مهينة خادشة للدين والعفة والحياء مما لا أحب التطرق له هنا، فجاءت هذه العملية لتضع حدًّا لهذه المآسي التي لا تكاد تنتهي. الرابع: ما صرَّح به أهل الشأن أنهن استطاعوا الوصول إلى معلومات سرية تكشف عن استعداد العدو لشن هجمة شرسة ضد قطاع غزة، بحيث تكون قاصمة، فأرادت أن تُفوِّت عليهم الفرصة، وأن تحرمهم من مكتسبات المباغتة، بل أرادت أن تكون مكتسبات المباغتة بيدها هي لا بيد العدو، ومن ثم جاء هذا الهجوم الكاسح ليحقق عدة أغراض مجتمعة. وقد مررنا بتجربة شبيهة في حرب 2014؛ إذ استقر عند المقاومة أن العدو يريد أن يشن حربًا قاصمة على غزة، فبدأت تستفزه بعشرات الصـواريـخ خلال يومين من غير إعلان رسمي، حتى اضطر للدخول من غير أن يقدر على تحقق المكتسبات التي يتمكن من إنجازها عبر المباغتة من مثل قتل أكبر عدد من القادة، أو مئات الجنود أثناء دورات التدريب وما إلى ذلك. هذه أربعة أسباب كتبتها على عجل تحت أصوات الطائرات والصـواريخ، لأقول بعدها إن أهل الثغور أدرى بأحوالهم، وحق الذي لا يعلم أن يسأل قبل أن يستقر على رأي، وهذا مقتضى الحكمة، ولا يُمنع من هو خارج البلد من أن يفتي في أمر البلد؛ ولكن بعد أن يستكمل أدوات العلم بالواقع كما هو معلومٌ من شروط الفتوى. وإني لأكتب على ضيقٍ في الصدر؛ فإن وقت الأزمات وقت نصرة لا وقت نقدٍ وتقييم، وإن من تشبَّع برواية الأنظمة المستبدة التي تتبنى رواية الأعداء نفسها لن يقتنع، بل يكون متحفزًا للرد على كل من يقترب من قناعاته لئلا تُمس، ومن ثم فلا كبير نفع في مثل هذه المناقشات. ونحن من سنين وسنين وعينا ما أخبرتنا به النصوص النبوية من وجود الفئة الخاذلة، وأخبرتنا النصوص كذلك أن أهل الثغور لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم بإذن الله، وعندي يقين تامٌّ أن بعض الناس لا يهمه أن يبقى شعب بأكمله تحت الذل والهوان والطحن والفقر والأسر وتدنيس المسرى والتنكيل بالأسرى، فكأن هذه الحالة هي الحالة الطبيعية التي ينبغي التعايش معها، ولست أدري من هو هذا الباطل الذي يسمح لك بالقضاء عليه ثم هو صامتٌ يعاملك بذوقٍ ولطف؟!! أسأل الله جل جلاله أن ينصرنا على ما نحن عليه من ضعف، وأن يغنينا على ما نحن عليه من حاجة وفقر، وأن يُمَكِّنَ لنا على ما نحن عليه من عجز، وأن يعزنا على ما نحن فيه من ذلة، وألا يجعل لأحدٍ من المرجفين أو المخذلين علينا منة. والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. الأحد 30-3-1445 هـ، الموافق 15-10-2023 تاسع أيام معركة طـوفـان الأقصـى

الخاطرة 492

(دعاء قنوت النوازل) من دعاء أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قنوت النوازل قوله: "اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة نبيك، وأوزعهم أن يوفوا بالعهد الذي عاهدتهم عليه. اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون برسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق". رواه عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في السنن الكبرى عن عبيد بن عمير رضي الله عنه. وهو في مصنف عبد الرزاق عن أبي رافع رضي الله عنه نحوه، والمتن مجموع من روايتي عبيد وأبي رافع، قال عبد الرزاق: "ولو كنت إماما قلت هذا القول، ثم قلت: اللهم اهدنا فيمن هديت...". 11 شهر ربيع (2) أكتوبر 2023

الخاطرة 493

[الغرب وتهمة الإرهاب] من دول المسلمين من اتبعوا أهواء الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، فأطلقوا وصف الإرهاب على إخوانهم المسلمين المدافعين عن أرض الإسلام في فلسطين وفي غزة خصوصا، يبررون خذلانهم وتفريطهم في نصرتهم، وتركهم لعدوهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام: عرضه وماله ودمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"، رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومن الغريب أن ينصف المقاتلين في غزة غير المسلمين فتحتج كولومبيا على هذا العدوان الهمجي وتطرد سفير (محمية أمريكا)، وتدعو فديرالية روسيا (الإرهابيين) لزيارتها، معتبرة إياهم حركة تحرير، وهذا من الفتنة والفساد المترتبين على هذا الخلط في مبدإ المولاة الذي هو من حقوق توحيد الله، وقد قال عنه: "والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". لقد أوعد الله تعالى من اتبعوا أهواء الكفار أن ينتقم منهم، ثم لا ينجيهم هؤلاء الذين ركنوا إليهم ولا غيرهم، قال سبحانه مخاطبا نبيه صلى الله عليه وٱله وسلم: "ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير"، وقال سبحانه: "ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق"، وهو وعيد شديد، وتهديد أكيد للمسلمين، فإن النبي عليه الصلاة والسلام وعلى ٱله معصوم من اتباع هواه أو هوى غيره. وهذا الوعيد جاء في حال الضعف الذي كان عليه المسلمون في مكة فإن سورة الرعد مكية على الراجح، وجاء في المدينة المختلف حالها عما سبقه حين أقيمت دولة الإسلام. وهذا الوصف الذي اخترعه الغرب ليلصقه بمن شاء وتابعه عليه بعض المسلمين لا يضر من تمسك بالحق، فإن الإرهاب ليس مذموما بإطلاق، وقد قال الله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم"، وقال عليه الصلاة والسلام وعلى ٱله من جملة حديث: "نصرت بالرعب مسيرة شهر"، والدول العظمى تمتلك من القوة ما تردع به أعداءها فلا يقدمون على محاربتها مباشرة وقد يتم ذلك من وراء وراء، وتهدد من لا يسير سيرها. ومما يناسب المقام أن الكفار كانوا يطلقون على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى ٱله كلمة (مذمم)، فلما علم بذلك قال: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم: يشتمون (مذمما)، ويلعنون مذمما، وأنا محمد"، رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه. يوم 14 ربيع الثاني 1445

الخاطرة 494

مما استهواني من النظم الذي أتعشقه هذه الأبيات: إني هنا فلتسمعوا ** مني فرعبي لا يزول!! رعب أنا، أنا إن بدأ ** تُ الحرب أفعل لا أقول ورجالنا هم نخبة الــ ** ـقسام زلزال مهول!! وطريقنا حتى الوصو ** ل لقدسنا مسرى الرسول يوم 15 ربيع (2) 1445=

الخاطرة 495

[علماء السوء] قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كلامه على من يذاد يوم القيامة عن حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في كتابه (الاستذكار): "وكل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله ولم يأذن به؛ فهو من المطرودين عن الحوض والمبعدين، والله أعلم، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، وجميع أهل الزيغ والبدع، فهؤلاء كلهم مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، كلهم مبدل يظهر على يديه من تغيير سنن الإسلام أمر عظيم، فالناس على دين الملوك، ورحم الله ابن المبارك فإنه القائل: وهل بدّل الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها وهذه هي أبيات عبد الله بن المبارك كلها كما رواها ابن عبد البر في جامع بيان العلم: رأيت الذنوب تميت القلوب * ويورثك الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب * وخير لنفسك عصيانها وهل بدل الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها؟ وباعوا النفوس فلم يربحوا * ولم يغل في البيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة * يبين لذي العقل أنتانها ليلة 22 ربيع (2) 1445= الموافق

الخاطرة 496

[ولا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ] قال ربنا وسيدنا ومولانا وناصرنا: "ولا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ". قوله تعالى: "ولا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِل"ِ لبس الحق بالباطل خلطه به ومزجه، فيكون من اللبس بفتح اللام، أو هو تغطيته فيرجع إلى اللبس بضم اللام، والأول هو المراد لأنه قد نهي عن كتمان الحق، وهو داخل في التغطية. وقوله تعالى: "وَتَكْتُمُوا الْحَق"؛ معطوف على النهي قبله أي ولا تكتموا الحق، وقيل إن الواو للمعية أي لا تجمعوا بين الأمرين فيكون منكم لبس وكتمان، فتركبون كلا الشرين. وقوله تعالى: "وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ"، أي تفعلون ما سبق وأنتم عالمون بأنه باطل، وفيه تشنيع على من خالف الحق وهو عالم به، فمعصيته أغلظ من الجاهل. واللبس أخطر من الكتمان، فإن الجاهل يسهل تعليمه، وتعليم الملبوس عليه شاق، ورده عما اعتقد عسير، وإذا كان السبب الجهل؛ فالفاعل قائل على الله بغير علم، وهو أكبر المعاصي لأن الشرك فرد من أفراده، وإن كان للحرص على لعاعة الدنيا برضا المخلوق فهي تجارة بائرة، وصفقة خاسرة، ووعيد الفاعل مؤكد بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس"، رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها. ووعيد الكتمان لغير مقتض معروف في كتاب الله، وفيه قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من كتم علما عن أهله ألجم يوم القيامة لجاما من نار"، أما من خاف على نفسه فقد يكون بمحل العذر، فليسعه السكوت. تولى ذلك الزمان الذي وصف فيه إبراهيم النخعي رحمه الله من عاش معهم من أهل العلم -وهو عالم- فقال: "أدركت أقواما لو لم يجاوز أحدهم ظفرا لما جاوزته، كفى إزراء على قوم أن تخالف أفعالهم"، رواه الدارمي في باب الاقتداء بالعلماء . وهذا إنما قاله لما علم من عظم تحري أولئك العلماء للحق، والتزام ما يعلمون، فيما يقولون ويفعلون، أما الأصل فمعرفة الحق بسؤال من هو أهل، أو بالدليل من القادر على أخذ الحكم منه، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للحارث بن حوط: "يا حارث إنك ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله"، وهذا ليس على إطلاقه. فإن عوام المسلمين إنما يعرفون الحق بالرجوع إلى أهل العلم، فعليهم أن يتخيروا من يعتمدون عليه فيما لا يعلمون، ولا شك أنهم إنما يسألون عما يجهلون، ولا عذر لهم في جهل الضروري من دينهم، ولا يعفيهم من المسؤولية اتباعهم فيه غيرهم، فليتركوا الالتفات إلى قول من يخالفه كائنا من كان، ومن أعظم ضروري الدين موالاة المؤمن إخوته فيه، بمحبتهم ونجدتهم، ومناصرتهم بما يقدر عليه، والتبرؤ من الكفار كيفما كانوا، فكيف بمن يحاربون إخوانه في فلسطين، ويقتلونهم بهدم مساكنهم عليهم، وتهجيرهم، ومنع الماء والغذاء وضروريات الحياة عنهم؟ ولا فرق في هذا بين المباشرين، والمتعاونين والمؤيدين، فكلهم أعداء للمسلمين، فمن ثبطك أيها المؤمن عما تستطيعه لمساعدة إخوانك فإنه يلبس عليك دينك، بتوهين عقيدة الولاء والبراء في نفسك، فإياك إياك، ولو كان ما يتكئ عليه هؤلاء حقا لما كان هذا وقت ذكره، فضلا عن الاعتذار به، والفرق عند أهل العلم معتبر بين الابتداء وما بعده، والله الهادي. ومن شعر الخنساء رحمها الله: ترى الجليس يقول الحق تحسبه * رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا صدق مقالته واحذر عدواته * والبس عليه أمورا مثل ما لبسا ليلة الثالث والعشرين من ربيع (2) نوفمبر 2023

الخاطرة 497

[ربّنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا] من مشاهد الآخرة المروعة لمن خاف مقام ربه؛ تحاج أهل الباطل من التابعين المستضعفين، والمتبوعين المستكبرين، يعتذرون فلا يستعتبون، ويستغيثون فلا يغاثون، ويسألون مضاعفة العذاب لمن أضلوهم فيجابون، قال الله تعالى: "إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ". ومن السور التي فيها هذه المخاصمة البقرة والأعراف والأحزاب وسبأ والصافات وغافر وق، وهي في الضالين والمضلين من أهل الكفران، غير أنها تشمل أيضا من لم تسلبهم المعاصي وصف الإيمان، حيث صلوا النيران، فإن الضلال والإضلال دركات، ومرتكب الكبيرة -وقد تكون جرما في حق فرد أو أفراد- إذا لم يتب صائر إلى مشيئة الله، فكيف بمن أضل خلقا كثيرا؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته؛ إلا حرم الله عليه الجنة"، رواه البخاري ومسلم عن معقل بن يسار رضي الله عنه. ومن السياقات التي ذكرت تلك المحاجة قول الله تعالى في أعقاب ذكر طغيان فرعون وملإه "وإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّار قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ". قال الشيخ الطاهر بن عاشور في ختام تفسيره لها: "وفي هذه الآية عبرة لزعماء الأمم وقادتهم أن يحذروا الارتماء بأنفسهم في مهاوي الخسران، فيوقعوا المقتدين بهم في تلك المهاوي، فإن كان إقدامهم ومغامرتهم بأنفسهم وأممهم على علم بعواقب ذلك؛ كانوا أحرياء بالمذمة والخزي في الدنيا ومضاعفة العذاب في الآخرة، إذ ما كان لهم أن يغروا بأقوام وكلوا أمورهم بقادتهم عن حسن ظن فيهم، أن يخونوا أمانتهم فيهم كما قال تعالى: "وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ "، وإن كان قحمهم أنفسهم في مضايق الزعامة عن جهل بعواقب قصورهم وتقصيرهم؛ فإنهم مذمومون على عدم التوثق من كفاءتهم لتدبير الأمة، فيخبطوا بها خبط عشواء، حتى يزلوا بها فيهووا بها من شواهق بعيدة، فيصيروا رميما، ويلقوا في الآخرة جحيما". ليلة 26 ربيع (2) أكتوبر 2023

الخاطرة 498

[استخذاء الجامعة العربية] هذه أبيات من ديوان الحماسة للشاعر سعد بن ناشب المازني قالها بعد أن هدمت داره، متوعدا أعداءه، مباهيا بعزيمته، مفاخرا بأنه لا يتردد في الانتقام، مستهينا بما يصيبه لاسترداد كرامته، معتقدا أنه مؤهل لقيادة الحروب. وقد عرف العرب بالشجاعة وإباء الضيم، فكانوا لا يسألون أخاهم برهانا إذا استغاث بهم، ومن أقوالهم: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، وقد غلب على شجاعتهم أن تصرف في النهب والسلب والسبي، وإغارة بعضهم على بعض، فلما جاء الإسلام رفع الله به ذكرهم، وأعلى شأنهم، فجمعهم بعد تفرق، ووحدهم بعد تمزق، ووجه إقدامهم إلى معالي الأمور، فنصروا الحق بالحق، فقادوا وسادوا. ومن أقوالهم: الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة، ومما تداولوه أن من يقتل مدبرا أكثر ممن يقتل مقبلا. وقد خطب عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لما بلغه مقتل أخيه مصعب فقال: "إن يقتل فقد قتل أبوه وأخوه وعمه، إنا والله لا نموت حتفا، ولكن قعصا بأطراف الرماح، وموتا تحت ظلال السيوف، وإن يقتل مصعب فإن في ٱل الزبير منه خلفا". أما اليوم فالحال ما تراه في الجامعة العربية التي ما فتئت تتردى من سيء إلى أسوأ منذ نشأتها، فأين العهد الذي جمدت فيه عضوية مصر وهي دولة المقر ونقلت إلى تونس لاعترافها بمحمية أمريكا؟ وأين دول الصمود والتصدي، وأين نحن من قطع البترول عن المؤيدين لمحمية أمريكا عام 1973؟ فرحم الله من قال إن العرب بدون الإسلام صفر على شمال الأعداد: سأغسل عني العار بالسيف جالبا * علي قضاء الله ما كان جالبا !!! وأذهل عن داري وأجعل هدمها * لعرضي من باقي المذمة حاجبا ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت * يميني بإدراك الذي كنت طالبا فإن تهدموا بالغدر داري فإنها * تراث كريم لا يبالي العواقبا أخي غمرات لا يريد على الذي * يهم به من مفظع الأمر صاحبا إذا هم لم تردع عزيمة همه * ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا فيا لرزام رشحوا بي مقدما * إلى الموت خواضا إليه الكتائبا إذا هم ألقى بين عينيه عزمه * ونكب عن ذكر العواقب جانب ولم يستشر في رأيه غير نفسه * ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا معنى الأبيات 1 - سأمحو العار الذي لحقني بسيفي غير مبال بما يحصل لي. 2 - أصون بهدم داري عرضي من المذام. 3 - إذا نلت طلبتي هان علي ما أبذله مما أملكه من قديم وحديث. 4 - إذا هدمتم داري فإن لي ماضيا ماجدا لا تمحوه الأحداث. 5 - اعتدت الشدائد فلا أنتظر معينا عليها مهما كانت فظاعتها. 6 - إذا هممت بأمر فلا تثنى عزيمتي سيء فآتيه غير هائب. 7 - يدعو قومه (رزام) إلى تأميره عليهم لمعرفتهم بشجاعته وهجومه على كتائب خصومه. 8 - إذا هم بشيء جعله نصب عينيه ولم يفكر في عواقبه. 9 - ولم يستشر أحدا في أمره ولا يصاحبه إلا مقبض سيفه. ليلة = 13/11/2023

الخاطرة 499

بسم الله الرحمن الرحيم اجتهدوا ابذلوا وسعكم أيها المؤمنون أيها العلماء في نصرة إخوانكم في فلسطين بما تستطيعون في هذه الملحمة الجهادية التي لا نظير لها في تاريخ الحروب إعدادا واستعدادا ونجاعة، ولا يفوتنكم فضل المشاركة ولو بكلمة صدق، فإن كلمتكم مسموعة وطاعة الأمة لكم مطلوبة. وإياكم والتنازع الذي يحصل في الأحوال العادية بينكم، على أنه قليل متى صدق عليكم الوصف، وأطعتم الله والرسول، وعلاجه بين أيديكم حيث أخلصتم لله ونصحتم لعامة المسلمين، قال تعالى: "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا". أما التنازع وقت ملاقاة الأعداء فمحظور، وأنتم تعلمون قول ربنا سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ". وعاقبة التنازع مشار إليها في قول الله تعالى: "حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ". ليلة 4 من جمادى (1) نفمبر 2023

الخاطرة 500

قال الله تعالى عن اليهود: "ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ". في الٱية دليل على أنه لا وجود مستقلا لهذه الدويلة إلا بالاعتماد على دول الغرب التي أنشأتها ومن سار في ركبها ممن يدعمها سرا أو جهرا، فهذا هو المراد بـ(حَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ) اليوم، هو سبب لا وجود لها بدونه، فإلى متى يستمر الدعم؟ انظر إلى دعمهم لأوكرانيا كيف شغلوا عنه، هذا إذا استمرت قدرتهم عليه. أما وقت إقامة شريعة الإسلام فحبل الله ما قرر لأهل الذمة من الحقوق والواجبات، وحبل الناس العيش معهم بالمعاهدة والأمان وغير ذلك، وقد عاشوا وقتها في سلام، أما اليوم ف ا لصهاينة وأعوانهم في وضع شاذ بشذوذهم عن جميع دول العالم في تصرفاتهم قاتلهم الله وأخزاهم. لقد أتاح الله تعالى للمسلمين بما قدره من هذه الحرب فرصة لم يسبق لها نظير منذ أزيد من خمسة وسبعين سنة بظهور تفاهة جيش محمية أمريكا الذي قيل إنه لا يقهر على أيدي أهل غزة الأباة فضيعها حكام المسلمين مع قدرتهم على فعل الكثير، ولله عاقبة الأمور. ليلة 6 جمادى (1) 1445= 19نفمبر 2023

الخاطرة 501

الجندي الشجاع يقاتل من بعد، كما يقاتل من قرب حسب الحال، وعلى هذا المنوال جند المسلمين وغيرهم في القديم والحديث، مع الفارق بين من يقاتل في سبيل الله، ومن يقاتل في سبيل الطاغوت، قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم". وكذلك هم اليوم في فلسطين، وفي غزة بالخصوص، استرخصوا حياتهم في سبيل الله، فلا يتهيبون أن يقاتلوا من مسافة الصفر، وباعتلاء دبابات العدو، ووضع المتفجرات عليها، وإخراج جرذان الكفر من باطنها والإنجاز عليهم. وهكذا كان العرب في جاهليتهم، يقاتلون بالسيوف وبالرماح وبالسهام حسبما يتاح لهم، واستمروا على ذلك بعد أن أكرمهم الله بالإسلام أحقابا، وطوروا وسائل القتال، ثم ركن المسلمون إلى الدنيا فعلانا ما ترى من الهوان، ولعل هذه الحرب ومثلها ما جرى في أفغانستان تفتح أمامنا بابا أقفلناه بجبننا وخورنا وسوء تقديرنا لما معنا من المزايا المعنوية التي ليست لغيرنا، والسلاح حسب يد حامله. قال عمرو بن كلثوم في معلقته يفتخر بشجاعة قومه: نطاعن ما تراخى القوم عنا ** ونضرب بالسيوف إذا غشينا ونحن إذا عماد الحي خرت ** على الأحفاص نمنع من يلينا إن الجبناء الرعاديد في محمية الشيطان شجاعتهم في قتل الصبيان والنسوان، ولم يسلم منهم المرضى في المستشفيات، وغيرهم ممن لا دخل لهم في القتال من الأطباء والممرضين وأهل الإعلام، يقتلونهم بالطائرات والصواريخ والقذائف، ومع ذلك يفتخرون بجيشهم الجبان الذي يصدق عليه قول القائل: وإذا خلا الجبان بأرض ** طلب الضرب وحده والنزالا!! فإن قاتل هؤلاء الجبناء جنودنا البواسل فمن داخل آلياتهم، ومن وراء حصونهم لحرصهم على الحياة كما قال ربنا عز وجل ومن أصدق من الله حديثا؟: "لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُون"، وقال تعالى: "وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون". ليلة 7 من جمادى(1)1445=

الخاطرة 501

فقال بارك الله فيه: "شيخنا بوركتم ألا ترى أنك نقلت عن عمرو بن كلثوم قوله: على الاحفاص نمنع من يلينا"، فسبحان الله لم يكتفوا بحماية أنفسهم وأهاليهم بل ويحمون من يليهم، وخير من هذا قول نبينا ﷺ لما ظن المؤمنون أن جيش قريش المنتصر في أحد يريد المدينة فقال النبي ﷺ والذي نفسي بيده لإن أرادوها لأسيرن إليهم، ثم لأناجزنهم فيها. أما إخواننا في حماس فحموا أنفسهم وتركوا الشعب يعاني أسوأ أنواع الدمار". وقد علقت على ما كتبه بقولي: "جزاك الله خيرا على العناية، وندعو الله أن يجعل عاقبة ما يجري خيرا وهو على كل شيء قدير، والأمر الٱن يتعلق بالاستمرار لا بالابتداء، ومن دأب على قصف غلاف غزة منذ أزيد من 40 يوما وفيه يحشد العدو دباباته وعتاده ومن يقوم بقصف مدن العدو بما فيها تل أبيب كل يوم مع ما يلحقه به من تدمير لٱلياته ودباباته وقتل لجنوده وضباطه لا يصح أن يقال إنه فرط في أهله، بل قد فعل ما يقدر عليه، وظروف قتال أهل غزة لا تخفى عنكم، فالأولى أن يقال هذا للدول المجاورة التي يربطها بأهل غزة رباط الإيمان وهو كاف لينتصروا لإخوانهم، فليضموا إليه رباط العرق والدم إن كان لا يحركهم الأول، بل إن بعضهم يتمنى أن يهزم أهل غزة، وأخشى أن يكون فريق منهم قد أعان العدو نوع إعانة، والأخبار في ذلك تتناقل بكثرة فالله أعلم. أيها الأخ الكريم قد يقبل الاختلاف لو أن الحرب لما تنطلق فننظر فيما قد يترتب عليها أما وقد انطلقت فلنجتهد في تقديم العون بما نستطيع وقد فرق العلماء بين الابتداء والاستمرار، وقد قتلت فرنسا من الجزائريين 45 ألفا بالرصاص مباشرة في أحداث ماي 1945. وعمرو بن كلثوم قيل إنه يعني أن قومه يمنعون الأذى عمن هو قريب منهم ولو لم يكن من قبيلتهم، وقيل إنه يقصد نصرتهم لمن هو ولي لهم وقريب، والمجاورون لغزة ومن هم على قرب منها لم يمنعوا الظلم عن أهلها لا بالجوار ولا برابطة الإيمان. ليلة 8 من جمادى(1) 1445=

الخاطرة 502

علق أحد إخواننا على

الخاطرة 503

أطفالنا في فلسطين ربوا تربية أمنية بحيث لا يمكن لجواسيس العدو أن يستفيدوا منهم شيئا فأنصت إلى أجوبتهم التي أريد منها معرفة مدى ذكائهم قال ربنا عز وجل: "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا". ليلة 13 جمادى (1) 1445=

الخاطرة 504

(1) أطفال فلسطين وأخبار الشأن العام قال الله تعالى: "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا". * أ(أذَاعُوا بِه)، أذاع الخبر وأذاع به نشره وأفشاه، وما في الٱية أبلغ. * (مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ) فالأمن كظفر جيش المسلمين بعدوهم، والثاني كالخوف على جيشهم من الكفار، أو عموم الأخبار التي تتعلق بالمصالح العامة. * (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي لعلم ذلك الشأن من يستخرجه من أولي الأمر كل حسب اختصاصه لما له من الخبرة في ميدانه، والاستنباط الاستخراج، من النبط بالفتح وهو الماء أول ما يستخرج من البئر. هذه الٱية أصل عظيم فيما ينبغي أن يكون عليه المسلم من التحفظ في إذاعة الأخبار التي يؤثر إفشاؤها على مصالح الأمة، فليرجع بها إلى من يعرف حقيقتها، ليكشف ما فيها من لبس، أو يبطلها من أصلها. ويضاف إلى هذا لزوم التثبت في الأخبار عموما قبل أن يرتب عليها أي أثر، كما دل عليه قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ". وقد تجاوزت شريعتنا هذا إلى منزلة ثالثة وهي التحذير من التحدث بكل ما يسمعه المرء مع أن بعضه قد يكون صحيحا، وهو ما دل عليه قوله صلى الله عليه وٱله وسلم: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع"، وفي رواية "كفى بالمرء إثما..الخ وقد قيل إن ٱية سورة النساء نزلت في المنافقين الذين يتنطسون الأخبار لينشروها بقصد أن يلحقوا الضرر بالمسلمين، وقيل نزلت فيمن ضعاف الإيمان منهم. والميل إلى إذاعة الأخبار قدر مشترك بين الناس كما ترى، على اختلاف مقاصدهم: فماكر كائد، وباغ حاسد، ومريد للخير جاهل، وقد تيسر في هذا العصر من أسبابه ووسائله ما لم يسبق له نظير. والٱية وردت مورد الذم لمن ينشر الأخبار المتعلقة بالشأن العام لا فرق بين ما يكون سببا في جلب الخوف والقلق كأن يفشي خبرا عن هزيمة المسلمين أو عن حصول وباء أو ندرة شيء مهم في المعيشة فيتسبب في الاضطراب، أو يذيع انتصارهم فيستفيد الأعداء من ذلك بتراخي الناس في أداء ما عليهم. والمطلوب هو الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم في حياته، وإلى أولي الأمر وهم الحكام من أهل الحجا والمعرفة الذين يوجهون الأخبار ويعرفون المقصود منها فتجنب الأمة الفتن والقلاقل، ويفهم من هذا أنهم هم من يتولى إذاعتها إن كان ولا بد منه، ولهذا صار معتادا أن تعين الجهات الحاكمة ناطقا رسميا لها أو تسند ذلك إلى وكالة أنبائها ليحتنب الأثر السيء الذي يترتب على تناول الناس الأخبار والإرجاف بها. وليس في هذا الحظر حجر على عقل المسلم أو حريته، ولا إلزامه بالتقليد كما ظن بعضهم، لأن الأمر يتعلق بشأن الأمة العام فلا يجوز الافتيات عليها، على أن المطلوب من المسلم ترك ما لا يعنيه فإنه من حسن إسلامه... يتبع. 19 من جمادى(1) 1445=

الخاطرة 504

(2) وفي المراد بقول الله تعالى: "وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا" وجهان: أحدهما أن المقصود ما هداكم إليه من طاعة الله ورسوله والرجوع إلى أولي الأمر في الشأن العام لمعرفة الحق، فلولا ذلك لاتبعتم وساوس الشيطان إلا قليلا. وقد اختلف في الاستثناء فقيل هو توكيد كما في قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ"، وقد يكون المستثنى هم الذين لا يخوضون في نقل الأخبار، فهذا ما عليه جمهور المفسرين في معنى الٱية. والوجه الثاني انفرد به أبو مسلم الأصفهاني وأيده الرازي، وهو أن المراد ب(فضل الله ورحمته) النصر وقد ذكر في قول الله تعالى قبل هذا: "وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا"، فيكون المعنى لولا النصر المتتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين إلا القليل منكم، والمستثنون هم أصحاب البصائر النافذة، والنيات القوية، والعزائم المتمكنة، من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كون ما هم عليه حقا حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كون ما هم عليه حقا، ولا تواتر الانهزام يدل على كونه باطلا، بل مرد الأمرين إلى الدليل، قال الرازي: "وهذا أصح الوجوه وأقربها إلى التحقيق"، انتهى بتصرف لتوضيح المقصود. قلت: فيما ذهب إليه أبو مسلم إزراء بالصحابة بأن معظمهم ضعاف الإيمان إلا القليل منهم، مع أنهم صفوة الخلق بعد الأنبياء، وهم من خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم فكيف يعلقون ما هم عليه من الحق على حصول النصر، مع أن الله حجب وقته عن نبيهم الذي أمر بالصبر مع اليقين بأن الله ناصره في غير ما ٱية. لكن الذي ذكره أبو مسلم وإن لم يتجه تفسير الٱية به للوجه الي ذكرته، إلا أنه مستحكم في نفوس كثير من أفراد أمتنا اليوم، والهزائم النفسية التي يعاني منها كثير من المسلمين وإن أخفوها ترجع إلى الٱثار النفسية المترتبة على تفوق الكفار وانتصاراتهم، وإلى هذا يعزى حرصهم على تقليدهم والجريان على سلوكهم. كتبت هذا بعد أن استمعت إلى أطفال فلسطينيين أراد بعض الصحفيين أن يستدرجهم كي يتحدثوا عن أسرار المقاومة كمواقع القتال والتدريب والأنفاق وغيرها فامتنعوا من الكلام وأحالوا السائل على أولي الأمر، وهذا من فقه الجهاد والفقه عموما لا يرسخ إلا بالممارسة والتطبيق. 19 من جمادى(1)1445=

الخاطرة 505

- بطش اليهود ببني جنسهم أخبر الله عن أولئك الملعونين أنهم ارتكبوا مع بني جنسهم جرائم فظيعة حفاظا على ما رأوه مصلحة لهم، مع أنه أخذ الميثاق عليهم أن لا يفعلوها، فكيف لا يرتكبون أكثر منها مع غيرهم؟، ولاسيما العرب الذين يقولون عنهم: "لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ". لقد سفكوا دماءهم، وأخرجوهم من ديارهم، وأعانوا المعتدين عليهم، حتى إذا صاروا أسارى فادوهم!! قال الله تعالى: "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ". وقد أطلق أبو عبد الله القرطبي زفرة حرى شاكيا تفريط المسلمين في إخوانهم بالأندلس، وخذلانهم، بل استعانوا بالكفار عليهم، وكل هذا حصل للفلسطينيين في هذا العصر من بعض دول المسلمين، قال القرطبي: "ولقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن، فتظاهر بعضنا على بعض، يا ليت بالمسلمين، بل بالكافرين، حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين، يجري عليهم حكم المشركين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". ليلة ديسمبر 2023

الخاطرة 506

- (تأنيث) البشرية من مكر بعض علماء الغرب وغشهم ومن تواطؤ بعض خبراء الأدوية ومنتجيها أنهم يعلمون وينتجون أنواعا من حبوب منع الحمل تقوي صفات الأنثى في المواليد، ثم لا بنبهون على هذا الأمر فيما يكتبونه عن ٱثار الدواء ومضاعفاته كما جرت به العادة. ومما يقضى منه العجب أن لا يتفطن علماؤنا لهذا الأمر ليحذروا منه أمتهم. وقد يكون هذا الذي ذكرته مفسرا لما نراه من انتشار التخنث والمثلية ومحلات (تزيين) الشباب، ولعلهم قد استبطأوا نتيجة هذه الأمور فظهرت العمليات الجراحية التي تحول الجنس إلى غير جنسه، قال ربنا عز وجل: "وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا". ليلة 25 جمادى (1) 1445=

الخاطرة 507

(1) تقوى الله جامعة للدين كله ومع ذلك جاءت بهذا القدر في قوله تعالى: "ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتهِ"، فهل المقصود بحق التقوى الاستطاعة التي دل عليها قوله: "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، فتكون الثانية بيانا للأولى إن كان ولا بد؟، فلا نسخ في المسألة، ولعل القائلين بالنسخ فهموا من حق التقوى أنه ما يليق بجلال الله وعظمته، وهو غير ممكن، والصواب أن حق التقوى هو المستطاع فهو ممكن، ويعضده المعطوف وهو: "وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُون"، فالمطلوب المداومة على فعل الأوامر واجتناب النواهي فإذا حضر الموت كان المكلف على الطاعة، فآخر الآية بيان لأولها، ولهذا فسرها عبد الله بن مسعود بقوله: "حق التقوى أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر"، وقد رواه ابن أبي حاتم والحاكم موقوفا وسنده صحيح، فحق التقوى من الممكن النادر، فمن قصر فليستغفر الله وليتب وهم معظم الناس. ووجه التعبير به أن الشرع قد ديَّن المكلف في تقدير الاستطاعة في مسائل كثيرة أي فوض تقديرها إليه ولم يقم عليه رقيبا غيره سبحانه كما تراه في الانتقال من امر إلى اخر في خصال الكفارة، وفي الصلاة جالسا لمن عجز عن القيام، وفي التخلف عن صلاة الجماعة، وفي الفطر والتيمم بسبب المرض، وغير ذلك، وما يجري في النفوس من المقاصد والرغائب والدوافع أعظم، فالناس متفاوتون في أعمال أجسامهم وقلوبهم، وفي أريحياتهم وقدراتهم، وفي القدر الذي يرتكبونه من الرخص في مستثنى الحالات. ولا شك أن الذي يؤتى به يهادى بين رجلين الى صلاة الجماعة في المسجد غير مطالب بها، وقد فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي مات فيه، وقد استمر على القيام بعد تفطر قدميه، وكذلك الأعمى البعيد الدار الذي لا يجد قائدا، وعند المالكية والحنابلة أن العاجز عن القيام في الصلاة مستقلا لا ينتقل إلى الجلوس حتى يعجز عن الوقوف مستندا، ومثله الانتقال من الجلوس بغير استتاد إلى الاستناد، فهذا وجه الحد بحق التقوى الذي يتفاوت الناس في تقديره بحسب صلتهم بربهم، واجتهادهم في تطلب مرضاته، وحرصهم على براءة ذممهم، فيكون الأجر بحسب ذلك، وهذا والله منهج تربوي عظيم مؤسس على المجاهدة ومغالبة العوائق والموانع وترك مجاراتها الظاهر منها والخفي والاعتدال في اعتماد المعاذير، أولا ترى أن من الناس من يمرض فيمرض صبره وتنهار عزيمته، ومنهم من لا ينال المرض منه إلا ظاهره فيغالبه ويتجاوزه، وقد قال المتنبي رحمه الله: فإن أمرض فما مرض اصطباري ** وإن أحمم فما حم اعتزامي وإن أسلم فما أبقى ولكن ** سلمت من الحمام إلى الحمام اصطباري: صبري، أحمم: أصاب بالحمى، اعتزامي: عزيمتي، الحمام: الموت... يتبع. يوم الخامس من جمادى (2) 1445 = الموافق ل

الخاطرة 507

(2) ...، ومثل التقوى - وهي جماع الدين - التي قال الله عنها ربنا سبحانه: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاته وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) مطالب شرعية أخرى لم تحد بحد أبرزها ذكر الله الذي ما جاء شيء في كتابه مطلوبا الإكثار منه مثله، لأنه أعظم حارس للتقوى، من ذلك قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا". فما هو حد الذكر الكثير؟، قد يكون أدنى الكثرة ما هو مرتب في الصلوات وأدبارها، وما علق على أحوال المكلف وأوقاته، ونحو ذلك، مع أنه يكون باللسان وبالجنان، وكل طاعة لله فهي ذكر، وفي مقابل هذا وصف الله المنافقين بقلة ذكره فقال: "وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا". ويرد في لسان الشرع ذكر الجزاء على بعض الأعمال من غير حده بمقدار، ووجهه تفاوت الناس في منازل الطاعة تفاوتا عظيما فكان المناسب هو عدم حد الجزاء، كما في قول الله تعالى: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ"، فإنه لا يدل على تساوي الصابرين في الأجر لتفاوتهم فيه، والله عليم بأحوالهم وهو قد أحاط بكل شيء علما. ومنه قوله سبحانه: "مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً"، فالمنفقون وان حصلت لهم المضاعفة لأن القرض الحسن يجمعهم؛ فلا يلزم منه تساويهم في الأجر لتفاوتهم فيما يملكون، وفي الحاجة إلى ما ينفقون، وفي إخفاء الإنفاق وإظهاره، وما وراء ذلك من القصود. ومن هذا القبيل قول رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: "كل عمل ابن ٱدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، والجزاء يتفاوت حسب حال الصائم الذي منه ما لا يعلمه غيره سبحانه. 18 جمادى (2) 1445=

الخاطرة 508

: (استفادة المحق من معارضي الحق) قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: "كل إنسان يرى نفسه على الحق في الجملة، ولكن التمكن في المعرفة والثبات على الحق؛ لا يعرف في الغالب إلا إذا وجد للمحق خصم يعارضه في الحق، هنالك تتوجه قواه إلى تأييد حقه وتمكينه، ويحس بالحاجة إلى المناضلة دونه والثبات عليه، وكثيرا ما يظهر الباطل الحق بعد خفائه، فإن المعارضة في الحق تحمل صاحبه على تنقيحه وتحريره وتنقيته مما عساه يلتصق به، أو يجاوره من غواشي الباطل، وتجعل علمه به مفصلا، بعد أن كان مجملا، ومبرهنا عليه بعد أن كان مسلما، فهي مدرجة الكمال لأهل اليقين، ومزلة الريب للمقلدين، قال بعض الصوفية: جزى الله أعداءنا خيرا لولاهم لما وصلنا إلى شيء من مقامات القرب، وقال الشاعر: عداتي لهم فضل علي ومنة * فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها * وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا ليلة الثامن من جمادى(2) ديسمبر 2023

الخاطرة 509

قالت إحدى الأمريكيات غير المسلمات فيما يظهر: إن (محمية أمريكا) تستحق العقاب الذي في هذه الٱية (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ)، وهي لا تدري أن الٱية المذكورة جاءت في أعقاب ذكر حسد اليهود الناس فدخلوا في الوعيد دخولا أوليا (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ والحكمة وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا). ليلة 11 جمادى (2) 1445=

الخاطرة 510

قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: "صحة الفهم وحسن القصد من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أعظم ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، فقيامه عليهما، وبهما باين العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم، الذين حسنت أفعالهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم، الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة"، انتهى. وإنما كانت صحة الفهم عن الله تعالى ورسوله صلى الله وعليه وآله وسلم وحسن القصد بهذه المنزلة لأنه بالأول يعرف الحق، وهو متوقف على ما لا بد منه من العلم الذي يسبق النظر في الأدلة وغيرها، والثاني لا بد منه في التسديد وحصول الإخلاص ونيل الأجر، أما سوء القصد فيحجب الفهم أو يفسده. يوم 13 جمادى (2) ديسمبر 2033

الخاطرة 511

(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). أبانت وقائع جلسات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في دورة هيئتها العامة السادسة عن تقدير مندوبي الولايات وبقية الأعضاء -رعاهم الله- للأمانة التي حملوها، وتجلى لكل منصف أنهم على قدر كبير من الوعي، وقسط عظيم من الاتزان والتثبت، وقدرة فائقة على تجاوز الخلافات، والموازنة بين التمكين للٱراء الشخصية من جهة، وبين مصالح الأمة من جهة ثانية. وقد تمكنوا بتوفيق الله من إجراء الأعمال في كنف الانضباط، والنقد النافع البناء، ومرت عملية انتقال المسؤولية وفق النظام المقرر، وبوضوح قل أن يتوفر في اختيار من يقود. فلتواصل الجمعية سيرها لتحقيق المزيد مما أنشئت من أجله، وهو الدعوة إلى الله، والعناية بكتابه، والمحافظة على لغته، ورعاية مصلحة الجزائر الشرعية، ونفع الأمة بتربية نشئها على الفضيلة، والاهتمام بمصالح المسلمين، وتوثيق روابط الولاء والإخاء والنصرة بينهم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الجزائر في = 1 جانفي 2024

الخاطرة 512

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). * التحريض هو الحث على الشيء بكثرة تزيينه والتهوين مما قد يترتب عليه، ومنه الموت، فليكن طريقا إلى هذا الذي قاله الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ"، وفيه بيان أهمية التحريض على القتال والإعداد النفسي للمقاتل. * خبر أم أمر؟ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ.." هو خبر يراد به الأمر حيث ألزم الله المسلم المقاتل أن يثبت للعشرة من الكفار، وحرم عليه التولي والفرار، ودليل الوجوب ما نسخه الله به وهو قوله: "الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ"، فإن التخفيف لا يكون إلا عما هو أغلظ منه. الأصل قتال الجماعة في الٱية إشارة إلى أن القتال إنما تقوم به الجماعة لا الفرد هذا أصله، ولهذا جاءت المقابلة بين العشرين والمأتين، وبين المائة والألف في المنسوخ، وروعي أيضا في الناسخ، أو في حالتي القوة والضعف على رأي من أنكروا النسخ. * وجه العدول إلى الخبر وعدل عن الأمر إلى الخبر لما فيه من تبشير المؤمنين بمضمونه، وهو أنهم بتأثير الإيمان والفقه والصبر يغلب ذلك العدد منهم مقابله، ولأن خبر الله صدق فكان بذلك تقوية لما قد يستغرب منه. * تعليل الثبات وعلة الثبات والغلب قوله "بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ"، ومما يدخل في عدم فقه الكفار المرتبط بالقتال أنهم لا يربطون الغلب إلا بما يعدونه من العدة والأعداد، وإعجابهم بقوتهم وكثرتهم، وحرصهم على الحياة، وعدم إيمانهم بجزاء الٱخرة، وقتالهم في سبيل الطاغوت، وجهلهم أن للحق العاقبة، وكل هذا يتصف به جند محمية أمريكا الجبناء، وقال الله تعالى: " لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ". * المسلم أفقه من الكافر قال بعض أهل العلم: "دلت الٱية على أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين وأفقه بكل علم يتعلق بحياة البشر وارتقاء الأمم" انتهى. قلت: هذا هو الذي ينبغي أن يفهم من قول ربنا سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)، فإن عناصر القوة المأمور بإعداد المستطاع منها قد صار في هذا العصر أمرا معقدا متعدد المناحي متنوع الصور، وقال تعالى: "كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في الدنيا والٱخرة"، وهو ما تخلى عنه المسلمون كلا أو بعضا. * صدق الخبر إن قيل: الواقع لا يصدق هذا الخبر، قيل بل صدقه في تاريخ المسلمين في بداية أمرهم في بدر ومؤتة واليرموك وغيرهما، وصدقه ما حصل في حربي أفغانستان ضد الحلف الأطلسي بقيادة أمريكا وقبله ضد الاتحاد السوفياتي المنهار. ومصداقه أيضا هذا الذي يجري في غزة منذ مائة يوم، وباعتبار ظروف القتال والحصار وضيق المساحة والفروق الهائلة في العدد والعدة وانعدام المدد للمجاهدين وتدفقه على المعتدين يعتبر استمرار هذا القتال مع ما يرافقه من التنظيم والسيطرة والإعلام ووحدة الكلمة أمرا خارقا بل هو من الٱيات، وقبل هذا فالخبر مشروط بتوفر الصبر والفقه، قال سبحانه: "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" فاللهم انصر الإسلام والمسلمين. ليلة 5 من شهر رجب جانفي 2024

الخاطرة 513

(1) بسم الله الرحمن الرحيم قد يفهم بعض الناس أن من نصر إخوانه في فلسطين بما قدر عليه ولاسيما من معتمدهم الشرع؛ هو غافل عما لا يعزب عن الناظر البصير في هذه الحرب من الأمور التي سبقتها أو رافقتها وما قد يكون من ٱثارها. ومن ذلك هذا الذي اتكأ عليه بعض من اعترض على هذه الحرب، وهو ما كان متوقعا حصوله بحكم العادة، أعني جرائم هذا العدو التي تجاوزت كل الحدود، لأن وراءها هذه العقيدة الدموية التي عليها كثير من أفراده، وهي أن من قتل غير اليهودي فمرده إلى الفردوس، أما من قتل يهوديا فكأنما قتل الناس جميعا، فاعترض بهذا الذي حصل لإخواننا في غزة على مشروعية هذه الحرب، والله أعلم بقصده. والحق أنه لا يقبل من المسلم أن يعتمد على هذا لتبرير قعوده عن تأييد إخوانه، والتقاعس عن نصرتهم التي هي من لوازم ولائهم، ولأن أهل البلد أدرى بحالهم، وما ذا يقول من يعترض لو لم يحصل طوفان الأقصى واطلع العدو على تلك الاستعدادات التي احتار الخبراء العسكريون فيها بمختلف جوانبها العسكرية والإعلامية والتنظيمية التي تعجز الدول عن تدبيرها وتمضيتها والحفاظ على سريتها؟، فهل يرى هؤلاء أنه لا يجوز لهم إعدادها؟، وهل يشكك في أن العدو لو اطلع على ذلك لا يتوانى في فعل أي شيء يراه مفضيا لبلوغ غرضه؟، بل قد بلغنا من بعض المطلعين الثقات المقيمين هناك أنه كان يستعد لنظير هذا قبل تلك الغزوة، وبناء على ذلك عاجله المجاهدون بهجومهم على مستوطناته ومواقع عساكره فيما يسمى بغلاف غزة يوم في ضربة استباقية غير معهودة بطرق تنفيذها في التاريخ. ثم متى كف هذا العدو عن قتل الفلسطينيين فرادى وجماعات وتهجيرهم وسجنهم وهدم منازلهم والاستيلاء على أراضيهم حتى يحتج بهذا التنصل من نصرتهم، ألم يرتكب مجازر معروفة في تاريخه الأسود دون أن يستفز كما في صبرا وشاتيلا ودير ياسين وغيرها، أما المجازر التي ارتكبها خلال هذه الأشهر الثلاثة فقد كانت في المستشفيات وفي المناطق التي ألجأ السكان إلى الهجرة إليها باعتبارها مواطن ٱمنة، وقد تجاوز عدد الذين سجنهم من الضفة الغربية وحدها وهو يحتلها بتنسيقه الأمني مع السلطة الفلسطينية خلال ثلاثة أشهر أربعة آلاف. إن الفرق بين ما يجري في غزة وما جرى في فلسطين منذ قيام محمية أمريكا قبل خمسة وسبعين عاما ليس إلا في المدة الزمنية التي استغرقت في القتل والتدمير والتنكيل والتهجير، دون أن ننسى الحصار المفروض على هذ القطاع منذ سبع عشرة سنة. وثم أيضا إنشاء قناة بن غوريون التي تقسم غزة شطرين وقد جرى الحديث عنها قبل عقود، وشق هذه القناة لا يتأتى دون احتلالها، وقد حالت تكاليف هذه القناة الباهظة دون تنفيذه، ثم انتعش الكلام عنه في محمية أمريكا من جديد. وهب أن شيئا مما ذكرته وما لم أذكره لم يحصل، أفلا يكون المطلوب هو التعامل مع الواقع استنادا إلى أن ما يراه هذا أو ذاك لا يثني من عزم على القتال عما شرع فيه، ولأن التنازع منهي عنه في هذه الحال كما قال الله تعالى: "وَلَا تَنَازَعُوا فتفشلُوا"، وحكم الاستمرار في مثل هذا يختلف عن حكم الابتداء؟؟... يتبع ليلة 10 رجب 1445= 21 جانفي 2024

الخاطرة 513

(2) تابع من الٱثار السلبية التي قد تترتب على مواقف الدول الإسلامية من هذه الحرب -ولاسيما العربية منها- افتتان جمهور المسلمين بعقائد أهل الزيغ والضلال. لقد اختلفت مواقف هذه الدول ما بين مؤيد للعدو علنا، ومن تولى كبر هذا فقد ارتد عن الإسلام، ومنها من سوى بين العدو وبين المسلمين، أو ناهض المجاهدين ظانا أن وصف الإرهاب الذي تستر به يغني عنه من الله شيئا، أو عند الناس، وهو الوصف الذي مارسته الدول التي ابتكرته كأقبح ما تكون الممارسة في العراق وأفغانستان وسوريا وغيرها، وفي مقدمتها طاغية العصر حامية الصهاينة شتت الله شملها ومزقها كل ممزق، والمطلوب من المسلم أن لا يجاري المصطلحات التي يخترعها الكفار كهذا الوصف الذي لم يتفق الناس على المراد منه. ومن عجب أن هؤلاء يخفون في أنفسهم ما لا يبدون للناس، وقد كشف العدو بعض ما يجري بينهم وبينه سرا في تصريحات قادته وغيرهم، ثم لم يصدر منهم رد ولا تكذيب، مع ما في تلك التصريحات من الإذلال والإهانة لهم. ومن هذه الدول من تذبذب فاختلف موقفه في البداية حيث حظر ذكر هذه الحرب عن خطباء المساجد، تجنبا للحرج، ومنع الدعاء لهم، ثم عدل عن موقفه بعد تحول الرأي العام الدولي وتصاعد استنكار الناس، وهذا نفاق وخبث. وثمة دول أخرى يحمد لها ما صنعت، وإن كانت أقدر على تقديم ما هو أعظم فلم تفعل، فدول المسلمين ليس فيها من قام بالمطلوب على الوجه المرتضى، مع أننا لا نجعل القتال من جملة الواجب، وإن كان متاحا كما سيتضح لك في بقية هذا المنشور لو لم يبالغ المسلمون في استضعاف أنفسهم وأحسنوا تدبير أمر الجهاد الذي فرضه الله عليهم. أقول غير متردد إن سكان غزة لو كانوا غير مسلمين لوجب نجدتهم ودفع هذا الذي أصابهم على دول المسلمين، فإن الله حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرما، وقال عليه الصلاة والسلام وعلى ٱله: "اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنه ليس دونها حجاب". ومن أخطر نتائج خذلان هذه الدول للمسلمين التباس أمر الولاء والبراء وتداخله، فأضيف هذا إلى ما فيه من غموض في أذهان معظم المسلمين، كيف وكثير منهم تتملكه الحيرة وهو يرى إشفاق الكفار وتألمهم وكلامهم عن أهل فلسطين أعظم مما عليه بعض المسلمين بل بعض علمائهم ودعاتهم. إن تأييد بعض الجماعات والأحزاب لأهل غزة قد أدى إلى التمكين لعقائدهم وضلالهم في نفوس العامة، حينما يقارنون موقف هذه الجماعات والأحزاب بمواقف من يحسبون على أهل السنة، والسنة براء من فعلهم، فتخاذلهم ينبغي أن يلصق بهم أفرادا وأنظمة، لا بمنهج أهل السنة.. يتبع ليلة 11 من رجب جانفي 2024

الخاطرة 513

(3) هذا الجزء الثالث واللذان بعده في الإجابة عن سؤال هو: هل الأذرع العسكرية بديل مشروع في الجهاد؟ والجواب يقتضي تمهيدا فأقول: إن الذي لا يصح أن يختلف فيه أن الدول الإسلامية بالغت في استضعاف نفسها إزاء ما عليه من احتووها من الدول الطاغية الكافرة، بما هي عليه من القوة الضاربة بمكوناتها المالية والاقتصادية والعسكرية والتنظيمية وقد تردى معظم دول المسلمين بهذه المبالغة إلى مستوى من الإذلال والامتهان لم يسبق له مثيل، حتى غدا من المسلمات، وبلغ بعض الحكام حد الارتداد عن دينهم. لقد صارت كل دعوة إلى السعي في الخروج من هذا الوضع نشازا من القول، ورميا في عماية، بل إن بعض أهل العلم متى سئلوا عن الجهاد لا يسبق إلى ألسنتهم إلا تقرير هذا الضعف، واعتبار من يتكلم عليه غير سوي، لما فيه من تعريض مصالح الأمة واستقرارها وأمنها للخطر، وكأن الأمة ليست في خطر!! دون أن يلتفتوا إلى ما ألزم الله المسلمين به من إعداد ما استطاعوا من القوة التي يعتبر اهمالها من جملة أسباب ما يحدق بها من خطر. ويدل على هذه المبالغة أمثلة كثيرة في بلدان اختار قادتها سلوك نهج المغالبة بما يقدرون عليه، فكان لهم ما أرادوا من التفلت من ربقة استعباد الدول الطاغية لهم مثل كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا وبعض الدول الإفريقية كمالي والنيجر وبوركينفاسو، وليس المقصود إلا التمثيل بمن تمرد على قوة عظمى كأمريكا وفرنسا وبريطانيا، فلم يحصل ما يتوقعه من استولى عليهم الجبن والخور من فقد السلطة فإن أحسنا الظن فهو خوفهم على انهيار الدولة. وفي الدول الإسلامية ولله الحمد ما ينبغي أن يحتذى، من ذلك الثورة الجهادية في بلدي الجزائر، التي كان انتصارها بداية لتحرر كثير من الدول الإفريقية، والحروب التي خاضها الشعب الأفغاني مدة ثلاثين سنة، ضد قوتين عظميين هما الاتحاد السوفياتي المنهار مدة عشر سنوات، ثم أمريكا يدعمها الحلف الأطلسي مدة عشرين سنة، لتنتهي إلى خروج هذه الدول الطاغية مدحورة بعد تضحيات جسام وحرب ضروس. ويدل على بطلان هذا الذي صار مسلما الحروب التي جرت في غزة وبخاصة الأخيرة المستمرة منذ أربعة أشهر، مع الفارق الهائل بين محمية الشيطان، وأعظم داعم لها أمريكا ومن يسير في ركبها كبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا وأوستراليا، فوقف في مقابل هذه الدول تلك العصبة من الشعب الفلسطيني في هذه البقعة التي لا تزيد مساحتها على 370 كلم2 وهي محاصرة ومطوقة منذ ثماني عشرة سنة، ومع ذلك صنعت ما لم تصنعه الجيوش الجرارة وقد علم الناس ذلك وشاهدوا ورأوا من البطولات ما صار حديث العام والخاص وليس الخبر كالمعاينة... يتبع. = 29 جانفي 2024

الخاطرة 513

(4) لا يخفى أن ما تمتلكه الدول الإسلامية من الوسائل المادية والمعنوية التي لو استعمل بعضها للتفلت مما فرضته عليها دول الغرب -من باب تحسين الظن- لحقق كثيرا من المصالح لها، ولم يكلفها شيئا ذا بال، وإنما ذكرت هذا لما أعلم من اهتمام كثير من أنظمة هذه الدول به، وهو حرصها على البقاء في الحكم، وإلا فإن الحفاظ على دينها لا يقارن بالحفاظ على ما سواه، ولا يتحقق ذلك إلا باستقلال بلدان المسلمين عن غيرها ظاهرا وباطنا. ومع هذه الوسائل المتاحة لم تصنع هذه الدول شيئا لتخفيف الضغط الممارس عليها، أو على من يجب عليها نصرتهم في غزة، عدا المساعدات التي تشاركهم فيها بعض دول العدوان، أو الوساطة المحايدة لتبادل الأسرى، وأعظمها السعي في إنهاء الحرب، وعلى كل فهذا خير من لا شيء. ولا تستغرب إن قلت لك إن بإمكان هذه الدول لو أحسنت تدبير شؤونها، والتفكير المتبصر في مصالحها الدينية والدنيوية؛ أن تكفكف من ظلم أعدائها بقتالهم من وراء وراء، كما تصنع بعض الدول العظمى باتخاذها أذرعا عسكرية، لتحافظ على مصالحها، وتتجنب الإحراج الذي يسببه لها القتال بقواتها النظامية، وقد فعلت هذا روسيا في ليبيا وبعض دول إفريقيا، وفعلته أمريكا في شمال العراق وفي سوريا، وتفعله إحدى الدول الخليجية، لكن لنشر الفتن في دول المسلمين، عجل الله باستبدال حكامها الطغاة بغيرهم. وقد أنشئ (حزب الله!!) في لبنان سنة 1982 عقب قيام الجمهورية المسماة بالإسلامية في إيران سنة 1979، وتوالى ظهور أذرع هذه الدولة بعد ذلك في المنطقة داخل الجماعات الشيعية، في كل من المملكة السعودية أعني إحدى مناطقتها الشرقية والبحرين ولبنان وسوريا واليمن، وقوي نفوذ هذه الأذرع عقب احتلال أمريكا للعراق، وقيام نظام شيعي فيه، وتعاظم نفوذ هذه الجماعات بعد نشوب الحرب في سوريا، حيث قاتل حزب الله اللبناني مع النظام النصيري البعثي، ثم جاهرت إيران بتدخلها العسكري في سوريا عبر الحرس الثوري، ولها خلايا نائمة في دول أخرى قد تحركها عند الحاجة في المهمة التي تقدر عليها. وبعد اشتداد ساعد الحوثيين الذين خاضوا حروبا ضد نظام علي عبد الله صالح في اليمن؛ انتقلوا من وجودهم في صعدة وما حولها، إلى الاستيلاء على شطر اليمن الشمالي مع عاصمة البلاد، وتلقوا المدد من إيران للتمكين لحكمهم، ولتستعملتهم في ضرب من كانوا أعداء لها من دول الخليج في بلدانهم، واستتب الأمر لهذه الجماعة، فلم يجد خصومهم بدا من حفظ ماء الوجه بهذه الهدنة التي لا يعرف لها أمد، ثم جاءت حرب غزة فأوعزت إليهم مرجعيتهم بمراقبة باب المندب في طرف البحر الأحمر الجنوبي، ثم في بحر عمان لمنع السفن المتجهة إلى محمية أمريكا، نصرة لأهل غزة، دون أن تظهر إيران بشيء عملي غير الكلام، مع أن القواعد الأمريكية قريبة منها في الإمارات وفي قطر وغيرهما، ومع حدودها الطويلة على الخليج العربي الذي تسميه الفارسي، ذلك أنها إنما تسمح لأذرعها بالعمل الذي يحقق لها ما تريد من أغراض سأذكرها هنا، ولا شك أنها توفر قوة أذرعها لما هو متوقع من مهاجمتها من محمية أمريكا أو من أمريكا نفسها، والذي يجري إنما هو استعداد ومناورات وتجارب. لكني لا أشك أن في موقفها وموقف من يتبعها ما انتفع به الفلسطينيون في غزة، وأن له تأثيرا ما على إيقاف الحرب لمدة طويلة أو نهائيا كما يسعى إليه الوسطاء، لحرص أمريكا على عدم توسع الصراع الذي يفوت على محميتها غرضها الذي يبدو أنها لا تتنازل عنه وهو القضاء على المجاهدين في غزة. وقد صرح قادة غزة أنه لو وفرت لهم الدول العربية نصف ما يتلقون من إيران لما أقبلوا عليها، وأعلنوا مرارا أنهم من أهل السنة، فالعرب هم الذين ألجأوهم إلى هذه الاستعانة، فكيف يستغل هذا الأمر في تشويه سمعتهم، وتبرير خذلانهم؟ وما ذا يقول من جوز الاستعانة بالكفار على المسلمين، ثم تناقض فحظر على المسلمين الاستعانة بالمسلمين -أو المشكوك في إسلامهم- على الكفار المحتلين الظالمين؟؟ إن إيران تهدف من وراء هذه الأذرع إلى جملة من الأغراض تبدي بعضها وتخفى الآخر، جماعها أن لها عقيدة ومنهجا باطلين تسعى في التمكين لهما وتصديرهما إلى محيطها القريب والبعيد، ومن أغراضها: * نشر نفوذها حيث تعمل أذرعها كي تؤثر على أنظمة الحكم * بث عقيدتها في نفوس العامة بنصرتها للفلسطينيين وغيرهم * اختبار فاعلية سلاحها وعتادها بالتعامل مع أسلحة أعدائها * إرهاب المناوئين لها بتعريض مصالحهم للخطر إن هاجموها * صرف اهتمام أعدائها عن برنامجها النووي فتنجزه في هدوء * الظهور بمظهر المحافظ على الأمن القومي حيث تعمل أذرعها. فأين الدول المحسوبة على أهل السنة من كل هذا؟ وهل المانع لها هو (الورع) من مخالفة القانون الدولي!!! أم أنها خشيت أن تخالف الشرع في طريقة الجهاد!!!... يتبع. يوم = 30 جانفي 2024

الخاطرة 513

(5) المسلمون قادرون على مواجهة أعدائهم لأنها ليست محصورة في القدرة العسكرية التي يتفوقون فيها عليهم، وإن كانت حرب غزة قد انقلبت بها الموازين التي سيطرت على أذهان الناس مدة طويلة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "جاهدوا المشركين بأموالكم وانفسكم وألسنتكم"، والجهاد بالمال كما يكون للتسلح يكون لغيره من دون قتال، وكذلك الجهاد باللسان ولاسيما في هذا العصر الذي عرف هذه الثورة في وسائل الاتصال والإعلام وما لها من آثار على الناس، فأين جهود المسلمين في غير ميدان القتال الذي بالغوا في استضعاف أنفسهم فيه ؟. لكن الغرض من المنشور في حلقاته الأخيرة هو بيان مشروعية القتال للعدو بطريق غير مباشر، وقد مارسته قوى عظمى، وتمارسه إيران كما تقدم بيانه. وعمدتي في هذا أن صلح الحديبية الذي أبرم بين المسلمين والمشركين -وهو في صحيح البخاري وغيره- قد اشتمل على بند هو أنه إذا لحق بالنبي صلى الله عليه وآله من أسلم؛ فإنه يرده إلى المشركين، وقد دخل أبو جندل يرسف في قيوده فرمى بنفسه بين أظهر المسلمين، والعهد لما يكتب بعد، فرده النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليهم، وحصل الأمر نفسه لأبي بصير، فأرسلوا في طلبه رجلين إلى المدينة، فدفعه إليهما أيضا فقتل أبو بصير أحدهما في الطريق بحيلة، وفر الآخر فأتى المدينة، وجاء أبو بصير فقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: "قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم"، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد"، فخرج أبو بصير حتى أتى سيف البحر (بكسر السين)، وتفلت أبو جندل من المشركين، فالتحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم، إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فلم يسمعوا بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليهم.."، هذا معنى ما في الحديث مما له صلة بالمنشور وهاك بعض ما فيه: * الوفاء بالعهد قبل الفراغ من كتابته للمصلحة. * اشتمال بنود الصلح على أمور قد لا تجوز في غيره. * التعريض لأبي بصير بالفرار وتكوين جماعة. * ايعازه إلى المستضعفين بالالتحاق به. * العهد لا ينافي إزالة ما فيه من ضرر على يد غير المعاهد * التعريض من غير تصريح لمن يقدر على إزالة الضرر. * السكوت على من يلحق الضرر بالكفار المعاهدين دون المعاهد. * التنازل عن بعض بنود العهد من أحد الطرفين. هذا مع قوم بينهم وبين المسلمين عهد فكيف بمن ليسوا كذلك؟ وقد قال النبي صلى الله وعليه وآله وسلم: "الحرب خدعة". ليلة 22 من رجب 1445=

الخاطرة 514

قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ". وقال: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ"، وقال: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وقال: "وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ"، وقال عليه الصلاة والسلام: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق"، رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال بعض أهل العلم عن أثر نصوص القرآن الكريم على المسلمين في فريضة الجهاد والإعداد لها: "كان المسلمون بإرشاد هذه النصوص أعظم أمة حربية في العالم، فما زال استبداد الحكام يفسد من بأسهم، وترك الاهتداء بالكتاب والسنة يفل من غربهم، حتى سبقتهم الأمم كلها في ميادين الكفاح، وحتى صرنا نسمع من أمثالهم (فر لعنه الله) خير من (مات رحمه الله). = 27 جانفي 2024

الخاطرة 514

(1): نفاق الولاء قال الله تعالى: "فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فإن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا". 1 - تمهيد هذه الآيات في معاملة المسلمين لأصناف من المنافقين الذين ظهر نفاقهم بموالاة الكفار أو إعانتهم على المسلمين، بينت الحكم عليهم، وقتالهم، ومتاركتهم، ومراتب ضررهم، وفيها دليل على أن القتال في الإسلام ضرورة، ونزع بها قوم في ترك قتل المرتدين، وقد اقترف بعض المسلمين في هذه الأعوام موبقة موالاة الكفار، فليعتبر من شاء بما في هذا السياق الكريم، وليقم كل مسلم بما يستطيع لحماية الضروري من الدين، وينصح من قبل النصيحة. 2 - سبب النزول جاء في سبب نزولها روايات كثيرة اخترت منها اثنتين للاختلاف الظاهر بينهما في الزمان، فيمن كان من المنافقين بمكة، أو فيمن كان في المدينة. 3 - أولاهما: ما رواه أحمد ومسلم وغيرهما عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى اله عليه وآله وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس ممن كان معه، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم فرقتين: فقال بعضهم: نقتلهم، وقال بعضهم: لا، فنزلت: "فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ"، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنها طيبة، وإنها تنفي خبثها كما تنفي النار خبث الفضة". 4 - والثانية: ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوما كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا فيهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة منهم: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله، تقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم، تستحل دماؤهم وأموالهم؟، فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء فنزلت: "فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ"، إلى قوله: "حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ "، يقول: حتى يصنعوا كما صنعتم، "فَإِن تَوَلَّوْا"، قال: عن الهجرة"، وسنده عند ابن جرير ضعيف لكن يشهد له ما رواه هو عن قتادة وقد تتلمذ على تلاميذ ابن عباس. 5 - مناقشة أما أن سبب النزول ما حصل في غزوة أحد؛ فإن الذين رجعوا من الطريق بقيادة عبد الله بن أبي بن سلول لم يقتلهم المسلمون، مع أن الله أنكر اختلاف المسلمين فيهم. فإن قيل: إن المقصود التردد في تكفيرهم؛ قيل إن في سبب النزول إنكار اختلافهم في قتلهم، ولأن في الآيات الأمر بقتلهم مع استثناء ثلاثة أصناف، ولم يكن هذا معروفا في منافقي المدينة، فقد امتنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، ثم إن هجرتهم جعلت غاية للنهي عن اتخاذهم أولياء، وهذا يتنافى مع سبب نزولها فيمن رجعوا في غزوة أحد، ومن ذلك قوله تعالى: "فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ"، وهذا مشعر بأنهم لم يكونوا في المدينة، وفيه بحث، أما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها إنها تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد؛ فإن نفيها يحتمل ظهور نفاقهم، ويحتمل خروج أهل الخبث منها وهو الظاهر كما في وقائع أخرى.

الخاطرة 514

(2): نفاق الولاء 6 - ترجيح رواية سبب النزول التي يؤيدها ظاهر القرآن هي الراجحة، على ما هو أصح منها، فإن كان ضعيفا، فإن الحكم بالضعف ليس في نفس الأمر، والشاهد أن الله تعالى جعل هجرة هؤلاء المنافقين إلى المدينة غاية لمنع موالاتهم فقال: "فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، وهو الذي اختاره ابن جرير رحمه الله. فإن قيل: أليس الجمع مقدما على الترجيح؟، فالجواب أنه لا يتأتى هنا إلا إذا حملنا قوله تعالى: "حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" على قتال هؤلاء المنافقين مع المسلمين لتوقفه غالبا على السفر، وسفر الجهاد من سبيل الله، لكنه خروج عن حقيقة الهجرة في لسان الشرع، والحقيقة الشرعية ولو بحسب الغالب مقدمة. قال القرطبي رحمه الله معلقا على ما أورد من أسباب النزول: "وهذان القولان يعضدهما سياق الآخر من قوله تعالى: "حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، والأول أصح نقلا، وهو اختيار البخاري ومسلم والترمذي"، انتهى. 7 - الجمع بين أسباب النزول وبعد هذا فليعلم أن قول الصحابي إن آية كذا نزلت في كذا هو أعم من أن يكون المراد أنه سبب نزولها المباشر، أو أن ما ذكره من مشمولات الآية، وهذا كثير، وقد أدى إلى تحفظ بعض المتعجلين وارتيابهم فيما صح من أسباب النزول فضاقوا ذرعا بتعدده وتبرموا باختلافه. 8 - استطراد وعلى غرار ترجيح روايات سبب النزول المعتضدة بظاهر القرآن؛ قد يقال إن الحديث الضعيف يتقوى بظاهر القرآن أيضا، ومثاله الدعاء الذي يقال عقب حكاية الأذان أعني زيادة (إنك لا تخلف الميعاد) عند البيهقي رحمه الله، فقد يقال بقبولها استنادا الى قوله تعالى في ختام دعاء الراسخين في العلم: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَاد"، ودعاء أولي الألباب: "إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَاد"، ولم أر من نبه عليه، فهل يقبل أهل الصنعة الحديثية هذا شاهدا؟

الخاطرة 514

(3): نفاق الولاء 9 - اختلاف لا يجوز "فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْن"؛ الفئتان الفرقتان، والاستفهام للإنكار والتعجيب من اختلافهم في قتال هذا الصنف، لإن ما ظهر عليهم من موالاة الكفار قاض بكفرهم، كما دل عليه كتاب الله تعالى، ومنه قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِون". 10 - أقسام النفاق والنفاق قسمان: عملي لا يخرج من الملة، وعقدي بخلافه، وهو نوعان: أولهما إظهار الإسلام وابطان الكفر، وهو الذي جاء في ذكر أصناف المجتمع المدني بعد الهجرة في أوائل سورة البقرة، وفي سورتي التوبة والمنافقين وغيرها. والثاني ظاهر، ومنه موالاة الكفار، وفي هذه الآيات بيان لمعاملة من اتصفوا به، إذ الظاهر أنهم أسلموا ثم تولوا الكفار وتركوا الهجرة مختارين فكانوا مرتدين. 11 - دليل الارتداد. وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ"؛ هي جملة حالية أي لم تترددون في قتالهم في هذه الحال التي ردهم الله فيها إلى الركس بسبب ما كسبوه من موالاة الكفار، والركس الكفر، يقال أركسه إذا رده على عقبه. 12 - مقارنة "أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ" أنكر الله عليهم اختلافهم في قتل المنافقين أو تكفيرهم، وذكر إرادتهم ذلك، والإرادة مقدمة للفعل، فهم راغبون في إيمانهم، غير أن الله لم يعذرهم لوضوح كفرهم، اما المنافقون فأخبر عنهم بقوله "وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ"، فذكر ودهم فحسب، لاستبعادهم كفر المسلمين، ومثله قوله تعالى: "وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُون"، وكثير مما يتمناه الكفار في المسلمين جاء بهذا اللفظ كما قال عن وضع المسلمين أسلحتهم في القتال: "وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً"، وقوله تعالى عما ودوه في شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المداهنة: "ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ". 13 - تعميم الإنكار إنكار اختلافهم في المنافقين يصدق على أحد الفريقين، لكنه جاء عاما لتعطيل الحكم بالخلاف، فكان على المحقين أن يخرجوا منه بالتجهز لقتالهم أو بغير ذلك، فيلتحق بهم المترددون، وهذا التوجيه مقدم على ما يخالف عموم الإنكار، وهو أن الخطاب قد جرد لأحد الفريقين، ولهذا فعلى حكام المسلمين إذا علموا ما يستوجب ارتداد بعضهم أن يفعل ما يقدر عليه ليحفظ ضروري الدين فإن الولاء حق التوحيد. 14 - محاولة المحال "أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ "، وهذا إنكار أعظم مما قبله، والمسلمون موقنون أن هداية من أضله الله محال، ولا قدرة لهم على معرفة اهتداء الضال، فنزل ترك قتالهم منزلة اعتبارهم مهتدين. 15 - ضلال يتمنون الإضلال وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ "، وهذا تحريض على قتلهم بأنهم لا يكتفون بكفرهم بل يتمنون أن يكون غيرهم من المسلمين مثلهم، وهو دليل على أن السكوت على الباطل القاصر يفضي إلى الباطل المتعدي. 16 - قطع الموالاة بالهجرة فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا"، منعوا من موالاتهم إلى أن يقطعوا صلتهم بالكفار بالهجرة التي كانت واجبة على كل قادر، ويقوم مقامها ترك كل مظاهر الولاء كإعانتهم ومساواتهم بالمسلمين في العلاقة ونحو ذلك، وفيه منع موالاة الكفار جماعة كانوا أو أفرادا. 17 - حليف الحليف كالحليف "إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاق أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُم"، استثنى الله تعالى من إيجاب قتال هؤلاء المنافقين ثلاث طوائف: أولاها من دخلوا في حلف قوم بينهم وبين المسلمين عهد بأمان أو هدنة، لأنهم تركوا الكفار المحاربين، والتحقوا بالمعاهدين، فلو قوتلوا انتشر النزاع، وقد يسري إلى من واثقوهم، والثانية هم الذين التحقوا بالمسلمين وقد ضاقت صدروهم وانقبضت بقتال المسلمين، لأنهم أرادوا المسالمة، مما ضاقت بقتال قومهم مع المسلمين لأجل قرابتهم. 18 - إثارة العدو "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ "، القصد هو ترغيب المسلمين في ترك قتال هاتين الجماعتين، حيث كف الله شرهم عنهم بامتناعهم من قتالهم، قال أبو السعود رحمه الله: "وفيه إشعار بقوتهم في أنفسهم، وأن في التعرض لقتلهم إظهارا لقوتهم الخفية، فهذه الجملة جارية مجرى التعليل لاستثنائهم من الأخذ والقتل".

الخاطرة 514

(4): نفاق الولاء 19 - الاغترار بالظاهر فإن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا"، هذا الشرط مراد به التأكد من صدق هاتين الجماعتين فيما ظهر من أمرهما، وإن كان غير مثير للريبة فقيد الله متاركتهما بقيدين إمعانا في الحذر والحيطة، فاشترط تركهم قتال المسلمين بالفعل لا بالدعوى، إذ قد يعينون عليهم في الخفاء، فلهذا قال: فإن اعْتَزَلُوكُمْ أي تركوكم، وأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَم، أي الانقياد والاستسلام، كأن زمام الأمر صار بأيديكم، فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا"، أي لم يجعل لكم عليهم طريقا أيا كان من أسرهم وقتلهم. 20 - قتل المرتد إذا سلم أن هؤلاء قد أسلموا ثم ارتدوا كما هو ظاهر سبب النزول المؤيد بقوله تعالى: "وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ"؛ اتجه القول بأن في الآية دليلا على عدم لزوم قتل المرتد، لكن عارضه قوله عليه الصلاة والسلام وعلى آله: "من بدل دينه فاقتلوه"، رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن، وعمدة القائلين به أن السنة لا تنسخ القرآن، وعلى افتراض تقدم الحديث على الآية -وهو مستبعد- فإن القرآن ينسخ السنة، والصحيح أن السنة تنسخ القرآن، وإنها تنفرد التشريع، وإلا ما كان لطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تميز وقد قال: ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، وكل ما صح منها فهو بيان له، ويؤيد قتل المرتد ما جرى عليه عمل الصحابة، وما قاموا به في خلافة أبي بكر من قتال المرتدين، والقول بأنهم كانوا فيه مجتهدين بعيد 21 - اختلاف أغراض المنافقين المسالمين "سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يأمنوكم وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا"، هذا فريق آخر مذبذب من المنافقين، يختلف عما قبله بتكرر تناقضاته، فلذا أفرد بالذكر عمن قبله من الفئتين، ووجه المسلمون إلى معاملة تخصه، "يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ"، فهمهم الحصول على الأمن منكم ومن قومهم، "كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا"، كلما دعوا إلى الشرك والردة رجعوا إليها وانقادوا منكوسين على رؤوسهم، ولتقارن اختلاف السياق في ذكر شرطي الاعتزال وإلقاء السلم هنا وفيما قبله فإنه ليس مجرد تفنن، وهكذا قوله هنا: "وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا"، وقال هناك: "فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا"، والمقصود أن اختلاف السياقين يشي باختلاف هؤلاء عن غيرهم وهو ما ألمح إليه ابن كثير رحمه الله في قوله: "هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نيتهم غير نية أولئك، إنهم قوم منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الإسلام ليأمنوا بذلك عنده على دمائهم واموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن فيعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا بذلك عندهم"، انتهى بتصرف قليل، فلهذا جعل الله الأصل هو قتال هذا الفريق وختم بقوله "وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا"، وقال عمن قبلها "فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا". والله أعلم واحكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. معسكر في السابع من شعبان 1445

الخاطرة 515

إذا استبدلت بالسجود الإيماء في صلاتك لمانع؛ شعرت بما لم تكن تشعر به من قبل، وهو منزلة هذه العبادة، وفاتك -وإن كنت معذورا مأجورا - ذلك الإحساس بالخضوع الكامل لربك، وأنت في حال أقرب ما تكون منه، وقد شرع لك هذا الذكر وهو (سبحان ربي الأعلى)، المناسب لحالك إزاء ربك، فجمعت بين إثبات العلو له على جميع خلقه، واعتقادك تنزهه عن مشابهته، فاستمرئ تلك اللحظة يا عبد الله، واغتنم هذه الزلفى، قبل أن يحال بينك وبينها بما لا تعلمه مما حجب عنك. فإن أعرضت عن السجود وأنت مستطيع؛ فترقب يوما تدعى إليه فلا تستطيع، يوم فيه من الهول والكرب والشدة ما لا يقدر قدره: "يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُون خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُون". وقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه من جملة حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد رياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه". وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار". وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله عن سجود التلاوة في سورة الانشقاق في أحكام القرآن: "لما أممت بالناس تركت قراءتها، لأني إن سجدت أنكروه، وإن تركتها كان تقصيرا مني، فاجتنبتها إلا إذا صليت وحدي، وهذا تحقيق وعد الصادق: بأن يكون المعروف منكرا، والمنكر معروفا، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: "لولا حدثان عهد قومك بالكفر لهدمت البيت ورددته على قواعد إبراهيم". في 11 من شعبان فيفري 2024

الخاطرة 516

قتل المسلم نفسه من الكبائر بل هو أشد من أن يقتل غيره، وقد علمت أن جنديا أمريكيا أحرق نفسه أمام سفارة محمية بلده في بلده وقال إن فعله فظيع لكنه لا يقارن بفظاعة ما يجري في غزة. علمت الخبر فذهب ذهني إلى قول الله تعالى: "نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ" ومما قيل في تفسيره وهو الظاهر ما قاله القرطبي رحمه الله: "معنى تطلع على الأفئدة أي تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب"، وهذا هو عدل الله فلا يتساوى الكفار فيما ينالهم من العقاب وقلب هذا الكافر حاز صفة الرحمة بالخلق، وهي من أبرز صفات بني ٱدم. محطة الظهرة واد سلي شلف

الخاطرة 517

- المذهبية المتعصبة ظهر التعصب المذهبي منذ بدايات القرن الرابع فكان مقدمة للحكم بغير ما أنزل الله ممن عنوا بالمحافظة على هذا الحكم وإن لم يقصدوا ما ترتب عليه، إذ لا تلازم بين ضرر العمل والقصد إليه، ويزداد التعصب بعدا عن الحق إذا تعلق بالعبادات التي لا دخل للحاكم فيها بالتصحيح أو الإبطال على الراجح من قولي العلماء مع تغافله عن غيرها مما لا خلاف في إيجاب إلزام الحاكم الناس به. ومن صور هذا التعصب في بدايات القرن الخامس ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله وهو أنه لما أم الناس ترك قراءة سورة الانشقاق، قال: لأني إن سجدت أنكروه، وإن تركتها كان تقصيرا مني، فاجتنبتها إلا إذا صليت وحدي، وهذا تحقيق وعد الصادق: أن يكون المعروف منكرا، والمنكر معروفا. ثم ذكر عن شيخه أبي بكر الفهري الطرطوشي هذا الذي جرى له واختلافهما في طريقة المواجهة قال: "ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه، وهذا مذهب مالك والشافعي، وتفعله الشيعة، فحضر يوما عندي بمحرس ابن الشواء بالثغر -موضع تدريسي- عند صلاة الظهر، ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم إلى الصف الأول وأنا في مؤخره قاعد على طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر، ومعه في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر وقائده، مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة، ويتطلع على مراكب تحت الميناء، فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه؛ قال أبو ثمنة وأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا؟ فقوموا إليه فاقتلوه، وارموا به في البحر، فلا يراكم أحد، فطار قلبي من بين جوانحي، فقلت: سبحان الله، هذا الطرطوشي فقيه الوقت، فقالوا لي ولم يرفع يديه؟، فقلت: "كذلك كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه"، وجعلت أسكنهم وأسكتهم حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي، فأنكره، وسألني فأعلمته، فضحك، فقال: "ومن أين لي أن أقتل على سنة"؟ فقلت: "ولا يحل لك هذا، فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا اليك، وربما ذهب دمك"، فقال: "دع هذا الكلام وخذ في غيره". يوم هـ = الموافق 03 مارس 2024 م رأي آخر في

الخاطرة 517

- المذهبية المتعصبة هل الأمثلة المذكورة في مقال شيخنا –حفظه الله- يقع عليها وصف التعصب المذهبي؟ الأقرب –والله أعلم- أن يقال: إن الامثلة السابقة يقع عليها وصف الجهل الذي تتصف به العامة غالبا، لكن هذا الجهل مراتب، ليس كلها مذموما ولا ضائرا، فإن العاميّ ليس مطالبا من العلم إلا بما كان ضروريا لصحة معتقده وعبادته.. فإنكار العامة في الاندلس سجود التلاوة في غير ما قرره المالكية –مثلا- دافُعه الجهل باختلاف العلماء في هذه المسألة، لكنهم في المقابل يُمدحون بتمسكهم بما عرفوا من الحق، وبغيرتهم أن يدخله التحريف والتبديل.. فلو سلّموا لكل من جاءهم بما لا يعرفون من الدين وما نشأوا عليه وما أخذوه عن علمائهم الثقات فما أقرب أن يضلوا ويزيغوا..! ونحو ذلك يقال في المثال الاخر.. نعم! كثيرا ما يكون في إنكار العامة الاعتداءُ وتجاوز الحدّ.. فلذلك لو شاء المخالف لذكَر ما لا يحصى من تعصبات العامة وأشباههم لبعض اختيارات الشيخ الالباني رحمه الله ولأمثاله ممن يدعون إلى نبذ "التعصب المذهبي".. فما كان جوابا عنها فهو الجواب عن الأمثلة المذكورة في مقال شيخنا.. فهل حقا سبب هذا الاعتداء والتجاوز هو المذهب والتمذهب كما يروّج له منكرو التمذهب والغامزون فيه؟! أظن أن عقدة البحث ها هنا.. وأزعم أن جواب هذا السؤال فيما يلي: - التمذهب من التراتيب العلمية الضرورية لسالك سبيل التفقه المنضبط.. - سبيل التفقه المذهبي ليست معصومة من الخطأ، من حيث مصنفاتها وشيوخُها، وكذلك يقال في سبيل التفقه غير المذهبي (إن صح وجودها!).. - والتعصب كما يكون في المتمذهب يكون في غيره من منكري التمذهب.. وهذا أمر يقر به كل عاقل منصف.. - لذلك وجب البحث عن أسباب التعصب في غير التمذهب. - وأزعم أن أسبابه متفرقة بين مجالات الحياة، ولكن أهم أسبابه بعض سياسات الحكام، فالناس على دين ملوكهم.. ومنهم يتسرب إلى من دونهم من الوزراء والاعوان والقضاة.. إلى أن يبلغ أدنى الناس وسوقتهم.. وموقع الاندلس معزولةً في أقصى بلاد الإسلام لا شك كان له أثر في هذا التعصب.. وبسط هذه الأسباب مما لا يخفى على شيخنا.. والمقصود أن نشر هذه الحوادث تحت عنوان "التعصب المذهبي" ير سخ آفة الفوضى الفقهية التي عمّت بلاد المسلمين بزعم التمسك بالكتاب والسنة.. ويُوهي حبل الجادة في التفقه، ويوهن سلطان الدين في نفوس العامة وأشباههم.. أما القول بأن "التعصب المذهبي كان مقدمة للحكم بغير ما أنزل الله" فليتكم تعيدون تأمله والنظر فيه.. فهذا القول ربما اتخذه الدخلاء والسفهاء تُكأة للطعن في المذاهب الفقهية، وذريعة للتهوين من شأنها أو إسقاطها بالكلية.. وأنتم -حفظكم الله- تعلمون أن الحكم بغير ما أنزل الله إنما فرضه في ديار الإسلام الغرب الكافر عن طريق وكلائه.. وعلاجُ ما لحق التمذهب من آفات وانحرافات -تعليما وعملا وإفتاء- يُمكن بغير هذا.. بل بمثل الذي بسطتموه قديما في تأليفكم النفيس "كيف نخدم الفقه المالكي".. والله تعالى أعلم عبد الحكيم

الخاطرة 518

أحاديث رمضان 1 كان رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلام والإسلام، ربي وربك الله"، رواه أحمد والحاكم عن طلحة رضي الله عنه. (أهله علينا): أطلعه وأرنا إياه، و(اليمن) هو البركة، و(السلامة) هي النجاة، وإنما جمع الإيمان مع اليمن، والإسلام مع السلامة، لأن نفعهما قاصر محدود، أما معهما فمستمر ممدود، إذ بالإيمان والإسلام الكمال، وصلاح الباطن والظاهر، والسعادة الأبدية، وفي قوله (ربي وربك الله) رد على من عبدوا الشمس والقمر، فإن الله تعالى منفرد بتدبير شؤون خلقه، وأن ما في القمر وغيره من منافع ومصالح هي من تسخيره وحده. = 10 مارس 2024

الخاطرة 519

أحاديث رمضان 2 قال رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة"، رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي الحديث: * بيان اختصاص شهر رمضان بهذه الفضائل الخمسة. * ذكر فضائل الأزمنة والأمكنة للترغيب في اغتنامها بالإكثار من الأعمال الصالحة. * بداية هذه الفضائل من الليلة التي تسبق أول أيام رمضان فتصلى فيها صلاة التراويح التي تنقضي بانقضاء أيامه. * تصفيد الشياطين تقييدها، وهو على ظاهره، ويناسبه أن الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، يضيق مسالك الشياطين إلى النفوس. * فينبغي الاقتصار في المطعم والمشرب على ما يتحقق به هذا المقصد لا كما عليه معظم الناس اليوم. * مردة الجن هم العتاة المتمرنون على الشر، المتجردون من الخير. * تعليق أبواب النيران وتفتيح أبواب الجنان على ظاهره ويناسبه أن الجنة حفت بالمكاره، وأن النيران حفت بالشهوات * يا باغي الخير أقبل، أي يا مريده الراغب فيه هلم فافعله، ويا باغي الشر أقصر، أي يا مريده، كف وامتنع عن فعله. * العتقاء جمع عتيق هو المحرر. * والمقصود من الحديث كثرة أسباب الخير في شهر رمضان وقلة أسباب الشر، لكنه خاص بالمؤمنين دون غيرهم، فهو عموم مراد به الخصوص. = 10 مارس 2024

الخاطرة 520

أحاديث الصيام 3 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه"، رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه في باب (هل يقول إني صائم إذا شتم). أول هذا المتن حديث قدسي نهايته (وأنا أجزي به)، يليه حديث نبوي لم يفصله البخاري عنه، للعلم به عند أهل الفن، وقد جمع ثلاثة أحاديث في باب (فضل الصوم) أحدها قدسي من غير نسبته إلى الله تعالى للأمن من الاشتباه، فإنه هو الذي يجزي على الأعمال، وهو ما يفعله بعض الناس اليوم فلا يقولون قال الله تعالى للعلم بكتاب الله، والمتن هذا أولى أن يذكر في باب (فضل الصوم) لتصديره بالحديث القدسي، ولما فيه من ذكر الفرحتين. (كل عمل ابن آدم له) لأنه قد يكون له فيه حظ نفسه كالرياء، وإلا فكل الأعمال لله. (وأنا أجزي به) أي لا يعلم أحد قدر الجزاء عليه، لا أن غير الصوم يجزي عليه غير الله تعالى فالمقصود بين. (الصوم جنة): أي وقاية وستر من الآثام المفضية إلى النار. (فلا يرفث): فلا ينطق بالفحش. (ولا يصخب): لا يرفع صوته فيصيح، وفي رواية لا يجهل: أي لا يسفه يفعل فعل أهل السفاهة، وهو أعم من الصخب. (فليقل إني صائم): لا يرد على من شتمه أو جادله بمثل قوله أو فعله، مستعينا بتذكير نفسه بما هو فيه من العبادة. (لخلوف فم الصائم): الخلوف بضم الخاء هو الرائحة الناتجة عن فراغ المعدة. (إذا أفطر فرح) أي بفطره كما في رواية، وهو صادق بكل يوم، وأتمه إذا أكمل العدة، وكل امرئ يفرح بحسب حاله، ومن جمع الفرح بالعبادة وبحظ النفس؛ فقد دل على صنعه دعاؤه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أفطر: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله"، وأعظم من ذلك كله إذا لقي ربه، وهو فرحه بالثواب والجزاء. ما يؤخذ من الحديث بروايتيه 1 إذا علم المقصود من اللفظ لم يخرجه عنه ما فيه من الاحتمال 2 أهمية الصوم الحق في الوقاية من المعاصي. 3 ما يتحلى به الصائم من ترك الفحش والصخب والسفه. 4 تفاوت عقاب المعاصي بحسب الزمان وكذا المكان والأشخاص. 5 معاملة الصائم من شتمه أو خاصمه. 6 إخبار المرء بصومه لتنبيه الغافل عما يقتضيه. 7 ما تخلفه عبادة الله في جسد عبده محبوب إليه. 8 التنويه بإخلاص العمل لله وترك الشهوات من أجله. 9 انفراد الصوم بعدم العلم بمقدار الجزاء عليه. 10 مشروعية الفرح بحظ النفس التابع للطاعة. 11فرح المؤمن بصومه إذا مات. 12 لا حجة في الحديث على كراهة الاستياك. في الثالث من رمضان مارس 2024

الخاطرة 521

- أحاديث الصيام 4 في الحديث القدسي الذي في صحيح البخاري: "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي: الصوم لي وأنا أجزي به"، وفيه أيضا "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، ففي الأول بيان الداعي إلى ترك الثلاثة التي تعظم منازعة النفس إليها، وأنه الإخلاص لله، فكان الأجر على الصيام لا يعلمه إلا الله. فمن ترك هذا لله -وهو مما أبيح له في غير رمضان- ترك ما حرم الله عليه في رمضان وغيره لا محالة، عدا ما يكون فلتة، ومنه قول الزور والعمل به، وإلا كان غير صائم بهذا الاعتبار، وقد دل على تخبطه وتناقضه الحديث الثاني الذي هو حال كثير من الناس. ومثل الصوم الصلاة إذا لم تنه صاحبها عن الفحشاء والمنكر كما أخبر الله عنها، ومن أصدق من الله حديثا: " وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ "، وقد صح موقوفا على ابن عباس رضي الله عنهما "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا". ومرد فساد الأنفس إلى اثنتين: مجاراة الهوى، ومتابعة الشهوات، وبالصيام الحق يعالج كل منهما، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات طاعة ربه، ومن استيقن الحق طرد عنه الهوى، وأخطر ما يصيب الإنسان عبادة نفسه بالجري وراء شهواته، فيقسو قلبه، فلا يقوى على مخالفة هواه، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى: "وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا". قال عمرو بن العاص رضي الله عنه في قصته مع عمارة بن الوليد حين أرسلتهما قريش إلى النجاشي رحمه الله ليمنع المسلمين الذين هاجروا إلى بلده من المقام فيه: إذا المرء لم يترك طعاما يحبه * ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما فلا بد أن تلفى له الدهر سبة * إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما ليلة الخامس رمضان 1445=

الخاطرة 522

- أحاديث الصيام 5 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وقال: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وقال: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، اجتهد أخي المسلم في فعلها كلها يغفر ذنبك، وإلا أضيف إلى مخزون حسناتك، وأي عبد ما ألمّ؟؟. جاء تقييد مغفرة الذنب في هذه الثلاثة بالإيمان والاحتساب، مع أن العبادات لا تقبل بدون الإيمان الذي هو شرط فيها، ولا تتزكى بها النفس ويؤجر عليها إلا مع الاحتساب، وهو ابتغاء وجه الله بها، فالأول يمحق التقليد والعادة، ويتوقف على العلم بالحكم، ثم الإذعان له، والثاني ينتفي معه الرياء وحظوظ النفس غير التابعة. الإعراب وقد اختلف في إعراب (إيمانا واحتسابا) فقال الحافظ في الفتح: "قال الزين بن المنير: "والأولى أن يكون منصوبا على الحال"، وقال غيره: انتصب على أنه مفعول له أو تمييز أو حال"، فلنتدارس هذه الأوجه: فعلى أنه حال فهو من الفاعل وهو الضمير المستتر في (صام)، والحال هو الوصف الفضلة المنصوب المبين لحال الفاعل والمفعول به وقت حصول الفعل كما قال ابن مالك: الحال وصف فضلة منتصب ** مفهوم في حال كفردا أذهب لكن الإيمان مصدر وهو جامد، فليس وصفا فيكون المقصود منه الوصف المشتق منه وهو اسم الفاعل، فالمعنى عليه من صام رمضان مؤمنا محتسبا. قال ابن مالك رحمه الله: ومصدر منكر حالا يقع ** بكثرة بغتة زيد طلع وهذا لا يصح به المعنى الشرعي لوجهين: اولهما: أن الحال يتصف بها المعمول وقت حصول الفعل بقطع النظر عما قبله وما بعده، فامتنع ان يعرب حالا لأن الإيمان سابق على الصوم كي يعتبر، باق بعده كي لا يحبط. وثانيهما: أن الغالب في الحال أن تكون منتقلة غير ملازمة للمعمول، والإيمان الذي تعتبر معه الأعمال لا يصح أن يكون غير ملازم بالإجماع، قال ابن مالك: وكونه منا فلا مشتقا * يغلب لكن ليس مستحقا ويستفاد من هذا أن ليس كل ما صح في اللغة العربية مادة وصناعة، يصلح لتفسير النصوص الشرعية وهذا بين، فإن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها باتفاق، ويلحق بها لوازمها، ومن هنا عظم الافتقار في نصوص الوحيين إلى علم المتقدمين. أما أن يعربا تمييزا فإن التمييز نوعان: تمييز مفرد، وهذا لا يصح هنا، وتمييز نسبة، والغرض منه بيان نسبة العامل إلى المعمول، وهي هنا علاقة الصائم والقائم بالصيام والقيام وهو الإيمان والاحتساب، وهذا الإعراب قاصر عن إفادة المقصود الشرعي بوضوح، قال ابن مالك: اسم بمعنى من مبين نكره ** ينصب تمييزا بما قد فسره أما ما قالوه من أن تمييز النسبة محول نحو (وفجرنا الأرض عيونا) وأن أصله (فجرنا عيون الأرض)، فإن قبول الكلام التحويل ليس بلازم في اعتباره تمييزا، ومن أمثلته (امتلأ الإناء ماء)، فإنه غير محول، ومثله الحديث الذي نتدارسه. والثالث أن يعرب مفعولا له، والمفعول لأجله هو المصدر القلبي المنصوب المبين لعلة حصول الفعل، فالإيمان والاحتساب هما الباعثان للمسلم على الصوم الذي تغفر به ذنوبه، قال ابن مالك: ينصب مفعولا له المصدر إن * أبان تعليلا كجد شكرا ودن وهذا هو وجه الإعراب الصحيح الموافق لقواعد الشرع المتفق عليها، فإن المفعول لأجله بيان للباعث على الصوم، وهو الإيمان والاحتساب، فينبغي أن يكونا سابقين على الفعل، مستمرين بعده، ولا يتحقق ذلك لا في إعرابه حالا ولا تمييزا كما عرفت، والله أعلم. يوم = 16 مارس 2024

الخاطرة 523

في كل أمة سابقون، وأهل غزة سبقوا إلى التضحيات بالأنفس والأموال والأهلين في هذا العصر، وضربوا أعظم الأمثلة في خصال الصبر والشجاعة والثبات والرباط والإعداد والاستعداد، وهي مقومات الجهاد، التي تفوقوا فيها على ما بيد عدوهم من العدة والعتاد، فحقيق أن تروى مآثرهم، وجدير أن يحتفى بمناقبهم، ولا ضير إن شكا بعضهم ضره، أو استغاث بإخوانه، واستنهض بني قومه ودينه، ورجاؤنا في الله كبير أن يعجل بتفريج كربهم، وكشف ضرهم، ونصرهم على عدوهم، قد وقفت على هذا الحديث فكتبته هنا عسى أن يكون فيه بعض العزاء لهم، وفيما عند الله عزاء من كل فائت. روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ما يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال". فهذا بعض ما لحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل غيره من الأذى والتخويف والتجويع في ذات الله، فلتتأس به أمته فيما يصيبها من أجل نصرتها للحق والذياد عن حياضه، وما لم تتعود الأمة على شد أحزمتها، والحد من شهواتها، وإيثار آخرتها على دنياها؛ طال ليلها، واستمر استعبادها، والحمد لله رب العالمين. ليلة الثامن من رمضان مارس 2024

الخاطرة 524

أحاديث الصيام 6 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة"، رواه البخاري في مواضع من صحيحه، منها بدء الوحي وكتاب الصوم وكتاب فضائل القرآن، ومما يؤخذ من رواياته ما يأتي، وقد يدخل بعضه في بعض: * أن جبريل من جملة الملائكة التي تتنزل في ليلة القدر * ومزيد العناية بالقرآن في شهر رمضان الذي أنزل فيه. * وقراءته في لياليه خير منها في أنهره. * وقراءته كله في الشهر أجزاء وهو أدناه. * وازدياد جود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان. * ومجاراة سنة الله في مواسم نفحاته على عباده. * وتأثر المرء بمجالسة أهل الخير. * وتأثير مواسم الخير في نفس المؤمن. * وقراءة حافظ القرآن على الأحفظ منه لزيادة الإتقان. * وقراءة الشيخ على التلميذ كما فعل النبي مع أبي. * وعكسه وهو قراءة التلميذ على الشيخ. * والسهر بعد العشاء في الأمر المهم. * واشتغال المعتكف بممارسة العلم خلافا لبعض العلماء. يوم الثامن من رمضان 1445 = الموافق

الخاطرة 525

- أحاديث الصيام 7 قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم"، رواه البخاري عن عمر رضي الله عنه. ذكرت فيه ثلاثة أمور ينتهي بها وقت الصوم: 1 - أقبل الليل من هاهنا: أي من جهة المشرق، بأن يزرق جزء السماء الملاصق لخط الأفق، فيكون دليلا على نزول الشمس تحت الأفق الغربي. وقال الله تعالى: "وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُون"، أي نزيله كما تسلخ الشاة بإزالة جلدها عنها، فالليل سابق في العرف وفي الشرع على النهار، وبداية ذلك غروب الشمس، ونهايته مغيب الشفق. 2 - أدبر النهار من هاهنا أي من جهة المغرب، باختفاء أشعة الشمس عن الناظر، وهو احتراز لأنها قد يخفيها غيم أو غبار. والثلاثة متلازمة يلزم من كل منها غيره، وذكرت لما قد يحصل من الغيم في المشرق أو المغرب، فيظن الناظر إقبال الليل وإدبار النهار. ولتلازمها اكتفي بأحدها في حديث عبد الله بن أبي أوفى ط قال: "كنت مع النبي ق في سفر فصام حتى أمسى، قال لرجل: "انزل فاجدح لي"، قال: "لو انتظرت حتى تمسي"، قال: "انزل فاجدح لي، إذا رأيت الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم". 3 - فقد أفطر الصائم: دخل في وقت الإفطار، أو أفطر حكما، ولو لم يفطر فعلا، فلا يجوز له اعتقاد أنه في عبادة إلا حال الوصال الى السحر. والصائم إما أن يكون بحيث يرى الشمس غير محجوبة عنه بساتر كالبناء والأشجار ونحوها، ومثلها الفجر، فإذا غربت فقد أفطر، وإذا تبين له الفجر أمسك، وإما أن لا يكون كذلك، فيعتمد على المستدل وهو المؤذن أو غيره، قال عليه الصلاة والسلام وعلى آله: "فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، وقال في المختصر: "ومن لم ينظر دليله اقتدى بالمستدل وإلا احتاط". ولا يصح أن يفطر قبل الأذان لظنه أنه يتأخر عن الغروب، أو يأكل وقد سمع الأذان، لظنه أنه يتقدم على طلوع الفجر، إذ الأصل أن يستصحب من أبيح له الفطر الإباحة حتى يتبين الفجر، ويستصحب الصوم من تلبس به حتى يستيقن انقضاء النهار، ويترتب على الأول الأكل في جزء من النهار، والإصلاح على جنابة، وهذه توسعة لدفع الحرج، ويترتب على الثاني صيام جزء من الليل اتماما للنهار، قال الله تعالى: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ"، فالغاية داخلة في الأمرين بالنص. أما من كان متلبسا بمفطر من أكل أو شرب أو غيرهما فإنه يخرج ما في فمه أو ينزع وصومه صحيح، قال خليل مبينا ما لا قضاء فيه: "ونزع مأكول أو مشروب أو فرج طلوع الفجر". وفيما ذهبوا إليه نظر، فقد جاء فيما هو أولى منه قول رسول الله ق: "إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه"، رواه أبو داود وأحمد والبيهقي وابن جرير في تفسيره والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن أبي هريرة ط، وهو حديث حسن الإسناد، وقد طعن فيه من حيث ثبوته ومن حيث المراد منه، وكلاهما مردود، ولا يرتاب من له صلة بعلم الحديث أنه صالح للاحتجاج مع ما صحبه من الشواهد وآثار الصحابة، وأما التشكيك في المراد منه فقد جاء في سبب وروده ما يدل على أنه فيما ساقه من أجله رواته، لا في مجرد تقديم الطعام على الصلاة، وأحسن ما حمل عليه أن يعلم المرء أن المؤذن يبادر بالأذان أول بزوغه قبل التبين كما عليه الأمر اليوم، وهو ما ورد في بعض رواياته: (وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر)، رواه أحمد والبيهقي، ومع هذا أقول: لا ينبغي أن يتقصد المرء ذلك، فإن الحديث فيما يعمل المسلم إذا حصل له هذا اتفاقا، والتزام وقت الأذان هو الأصل. أما من شك في طلوع الفجر فمذهب مالك رحمه الله أنه لا يحل له شيء مما منع عن الصائم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كل ما شككت حتى لا تشك"، وعنه أيضا: "أحل الله لك الأكل والشرب ما شككت"، رواه عبد الرزاق عنه، وإسناده صحيح كما قال الحافظ، وهذا تفقه بما في الكتاب الكريم، وهو تبين الفجر، لكنه يحمل على من كان مراقبا للفجر فشك، أما من كانت عهدته على غيره كحال الناس اليوم؛ فلا يدخل فيما عناه ابن عباس، والله أعلم. يوم = 20 مارس 2024

الخاطرة 527

- أحاديث الصيام 8 عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: احتجز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد حجرة، فكان يخرج من الليل فيصلي فيها، قال: فصلوا معه بصلاته، وكانوا يأتونه كل ليلة، حتى إذا كان ليلة من الليالي لم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتنحنحوا ورفعوا أصواتهم، فخرج إليهم مغضبا فقال: يا أيها الناس، ما زال صنيعكم حتى ظننت أن ستكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة". جاء هذا الحديث عن زيد بن ثابت وعن عائشة رضي الله عنهما، أو عن أحدهما في مسند أحمد والصحيحين والنسائي، والمتن لأبي داود. ومما يؤخذ من مجموع ما وقفت عليه من رواياته: - هذه بداية صلاة التراويح. - وصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد ليلا. - واقتداؤهم به من غير إذن لأنه صلى في غير بيته. - وحجز موضع في المسجد إذا لم يكن فيه تضييق بخلاف اليوم. - وصلاة التراويح للمنفرد ويتضح بالذي بعده: - الاقتداء بمن لم ينو الإمامة. - والفصل بين الإمام والمأموم بالحاجز. - وإمكان افتراض صلاة زائدة على الخمس وفيه خلاف. - ورجحان التراويح في البيت وهو مذهب مالك ولا يعارضه: - ما جاء في فضل صلاة المرء مع الإمام حتى ينصرف. - أفضل وقت للتراويح هو بعد النوم. - إشفاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمته. - اعتذار المرء لغيره إذا خالف عادته ببيان عذره. - تخلف المرء عما اعتاده من الفضائل مع الناس للمصلحة. - تكليم الإمام الناس بعد الصلاة في الأمر يهمهم. 13 من رمضان 1445

الخاطرة 528

مما ذكره رواة السيرة في قصة أصحاب الفيل أن مشاركة العرب في أحداثها مختلفة. فمنهم من سمع بما بنى لأجله أبرهة الكنيسة في صنعاء -وهو صرف الناس عن التوجه إلى الكعبة- فشد رحله إلى اليمن ليهين تلك الكنيسة، فلم يجد وسيلة إلى ذلك إلا أن يلطخ قبلتها بالعذرة، فاستفز ذلك أبرهة فتجهز لهدم الكعبة. ومن ملوك العرب من اعترض جيش أبرهة لقتاله - وهو ذو نفر - فهزمه أبرهة، فأخذه أسيرا، واستبقاه ليكون دليله إلى مكة، وظلت فيه بقية نخوة وحمية مع ذلك، فتوسط لصاحبه عبد المطلب لدى أبرهة، فاستقبله باعتباره مقدم قومه فما اهتم إلا باسترداد إبله، فلما كلمه أبرهة في ذلك أجابه بقوله: إن للكعبة ربا يحميها. ولما بلغ الغزاة المغمس رجع ذو نفر إلى نفسه فلم يقدر إلا على أن يأخذ بأذن الفيل ويقول له: "ابرك فإنك في بلد الله الحرام فبرك الفيل". ومنهم من تزلف إلى أبرهة فكان دليله في الطريق لكنه مات قبل أن يبلغ مراده، فصارت العرب ترجم قبره لخيانته، وهو أبو رغال. ولم يذكر رواة السير تركيبة جيش أبرهة الذي قدر بستين ألف جندي، وظني أن كثيرا منهم عرب فهلكوا مع الهالكين كما قال الله تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ و أرسل عليهم طيرا ابابيل ترْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُول". وهل تشك أن بعضهم اليوم ينطبق عليه الشطر الأول من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنه سيخرج في أمتي قوم تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله، والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به"، رواه أحمد وأبو داود والحاكم وابن أيي عاصم في السنة عن معاوية رضي الله عنه. أما الشطر الثاني من الحديث -إن صح- فإن الله حافظ دينه، ماضية سننه في خلقه، ومن ذلك أن منزلة حكومات العرب إن لم تعبأ بما هي فيه من معصية الله ورسوله وأعظم بها؛ قد بلغت الحضيض في أعين دول العالم، بتخليها عن أدنى ما هو مطلوب منها إزاء إخوانهم في غزة وفلسطين، وقد قال الله تعالى: "وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم". يوم 15رمضان مارس 2024

الخاطرة 529

- أحاديث الصيام 9 قال رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم: إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرٱن"، الكلام على الحديث في ثلاث مقامات: الأول: (إن الله وتر) مبتدأ وخبر، وهو إخبار الله عن نفسه أنه وتر، بفتح الواو وكسرها، أي فرد، لا ثاني له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. وقوله (يحب الوتر) خبر ثان، أخبر عن صفة من صفاته، بعد أن أخبر عن ذاته، لأن الكلام على الصفات فرع الكلام على الذات، فما تكون عليه في علمك بالذات، كن عليه في علمك بالصفات. والمؤولة يفسرون المحبة بالثواب وإرادته وبغير ذلك من اللوازم، كما هو شأنهم في صفات الباري إلا ما استثنوه متحكمين، وإثباتها من غير تكييف هو الحق، فإنها حقيقة شرعية غيبية ثابتة بالقرآن والسنة، وهم لا يثبتون العقائد بالٱحاد، وإن جاءت في القرٱن أولوها، فهم بين محذورين: رد الدليل، أوتأويله، مع أنهم يثبتون الحقائق الشرعية العملية ويقدمونها على اللغوية والاصطلاحية وفق الكيفية التي بينها الشرع كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فأولى لهم أن يثبتوا ما كان من هذه الحقائق غيبا، لأن له مزية على الشهادة، وإلا فهو التناقض. أما محبة الله الوتر فلأنه مذكر بتوحيده، الذي هو أعظم حقوقه على عبيده، فالمسلم وهو يراعي الوتر فيما شرع فيه يعيش توحيد ربه في كثير من تفاصيل حياته. والوتر مفرد محلى بالألف واللام فيعم، ولهذا كان كثير من الأفعال والأقوال مستحبا فيها الوتر كعدد الغسلات في الوضوء والتسبيح والتحميد والتكبير دبر الصلوات وما يفطر عليه من التمر وأنفاس الشرب، وكون ليلة القدر في الليالي الأوتار وغير ذلك. وقد تستشكل محبة الله الوتر في عمومه مع كونه ليس فردا إذ إنه يقابل ما كان زوجا فإن الأعداد كلها إما وتر أو زوج، فكيف ينطبق ذلك على ما في الحديث (إن الله وتر)؟ والجواب أنه كيفما كان العدد الذي هو وتر فإنما صار كذلك بفرد لا زوج له توتر به الأشفاع، فهذا هو المقصود من الحديث، وإن كان المجموع أيضا يدعى وترا، ومثال اعتباره كذلك حديث "المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل"، وقال صلى الله عليه وٱله وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى"، أي تصير صلاته وترا بها... يتبع = 27 مارس 2024

الخاطرة 530

- أحاديث الصيام 10 (2) المقام الثاني: قوله ق (أوتروا)، أي صلوا الوتر، والمقصود صلاة الليل، وهو أمر استحباب عند الجمهور لوجود ما يصرفه عن دلاته الأصلية، ومنها أنه يصلى على الراحلة في حال السعة، وما في حديث المعراج حين افترضت الصلاة من الاحتمال، وهو قوله تعالى: "ما يبدل القول لدي"، وقوله: "لا، إلا أن تطوع"، جوابا عن قول بعضهم عن الصوات الخمس "هل علي غيرها"؟ وهذه بعض أحكام صلاة الليل أوردها باختصار يناسب للمقام لشدة الحاجة إليها: * هو أوكد النوافل الفردية، وقال الحنفية بوجوبه. * ووقته من بعد صلاة العشاء وعند المالكية بوقتها الأصلي بخلاف حالة جمع التقديم، ويسمونها العشاء الصحيحة. * ويخرج وقته الاختياري بطلوع الفجر، وضرورية عند المالكية بانقضاء صلاة الصبح، وتقطع لأجله، ويجرحون من تركه. * ويجوز أن يصلى في أي جزء من أجزاء الليل وأفضلها الثلث الأخير الذي هو وقت النزول الإلهي. * وقد كان بلال وأبو بكر وآخرون يقدمونه قبل النوم، وممن كان يؤخره عمر، فكل يفعل ما يناسبه، وأوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير واحد من أصحابه أن لا ينام قبل أن يوتر. * والسنة أن يكون الوتر آخر صلاة الليل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا". * ويجوز لمن صلاه أن يتنفل بعده من غير أن يجعل ذلك ديدنه لأن الدأب على الصلاة بعده يدل على قدرته على جعله آخر صلاته. * ومن تنقل بعده فلا يعيده لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا وتران في ليلة". * وقال بعض العلماء بنقضه ليتأتى له أن يتنفل بعده، حتى لا يخالف حديث جعله آخر صلاة الليل، ومعنى النقض أن يصلى ركعة ثم يتنفل بعدها، ثم يعيد الوتر مرة أخرى، وهو قول مرجرح لأنه لا يتأتى نقضه، ولأن من نقضه فقد صلاه ثلاث مرات!! * ويقضى أبدا وتبطل صلاة الصبح على من لم يصله عند الحنفية، ويقضى عند الشافعية، ولا يقضى عند المالكية بعد صلاة الصبح، وأقوى هذه لقول الشافعية. * ويستحب لمن فاتته صلاة الليل لمانع أن يصلي في النهار ثنتي عشرة ركعة كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعل، لكن هذا لا يدل على أنه لم يصل الوتر، وقد علمت اطلاقه على صلاة الليل كلها وعلى ما يوترها. * وأرجح صور الوتر وأيسرها أن تصلى ركعتان فركعتان فركعتان وهكذا، ثم يوتر بواحدة، ولا يرى المالكية غير هذه الصورة، ومذهبهم لزوم ركعتين قبله غير مفصولتين إلا بالسلام، فإن طال أعادهما، ورأى بعضهم أن لهما نية خاصة، وهو مرجوح، لكنهم يصححون الإئتمام بمن صلى ثلاث ركعات متصلات. * واختلف العلماء هل يصح أن يكون الوتر ركعة واحدة؟ والصواب صحتها، لكن لا ينبغي الاقتصار عليها إلا في حالات خاصة، وسماها بعضهم البتيراء ولم يصح، ويشهد لها صلاة ركعة في شدة الخوف في حديث ابن عباس رضي الله عنهما. * ويجوز أن تصلى ثلاث ركعات متصلات بتشهد واحد، وأن تكون خمسا وسبعا وتسعا بتشهد قبل الأخيرة في الثلاثة من غير سلام، ثم يتشهد ويسلم في الأخيرة. * ومن صلى ثلاثا فلا يتشهد إلا في الأخيرة كي لا يشبه وتره فريضة المغرب. * وإذا صلى الوتر ثلاثا متصلات استحب له أن يقرأ فيها بسور الأعلى في الأولى والكافرون في الثانية وفي الثالثة بالإخلاص، وجاء في الأخيرة قراءة المعوذات الثلاث، أما سنية قراءة هذه السور في الثلاث المفصولة بالسلام فمحل نظر. * ومشهور مذهب المالكية أن من له حزب يقرأه فلا يستحب له قراءة تلك السور، وأشباه ابن العربي رحمه الله. * وكان النبي ق يصلي الوتر على صور مختلفة والغرض من جمع الركعات المذكورة من غير تخلل تسليم إطالة زمن مناجاة الله في الصلاة. * ويجوز أن يجمع بين القيام والقعود في الصلاة الواحدة. * أما عدد ركعات صلاة الليل فالمكلف بين أن يلتزم عددا معينا فهو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكرته عائشة رضي الله عنها في رمضان وغيره وهي أعرف الناس بصلاته هذه، وإما ألا يلتزم عددا بعينه فليصل ما شاء، والله أعلم. 18 من رمضان 1445=

الخاطرة 531

- أحاديث الصيام 11(3) بقي من الفصل الثاني الكلام على القنوت في الوتر: مشروعيته، ووقته، وموضعه، وما يقال فيه. * فأصله ما رواه أبو داود والترمذي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: "علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت". * وقد خص النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير الحسن بما هو شرع عام: منه تعليمه فاطمة ما تقوله هي وزوجها علي إذا أويا إلى فراشهما، وتعليمها أن تقول إذا أصبحت وأمست: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.. الحديث، وتعليم ابن مسعود التشهد، وتعليم جابر دعاء الاستخارة رضي الله عنهم، وغير ذلك. * وقوله (أقوله في الوتر) يعم الليالي، فلا يختص بليالي رمضان، ولا ببعضها، وقد قال بعض العلماء بقصر القنوت في الوتر على رمضان، وهذا لأن في رمضان صلاة التراويح ومنها الوتر، أما في غيره فلا يعلم حال الناس أقنتوا أم لا؟، ولذا لا يصح الاعتماد عليه لتقييد القنوت بهذا الشهر، أو بشطر منه. * وروى مالك عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان"، قال ابن عبد البر: "أدرك الأعرج جماعة من الصحابة وكبار التابعين"، والمقصود القنوت في الوتر اقتداء بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم في القنوت على رعل وذكوان وبني لحيان الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة، قاله الزرقاني في شرح الموطأ. * ومشهور مذهب مالك أن لا قنوت في الوتر، فقد روى المصريون لا يقنت في الوتر،؛ أي لا في رمضان ولا في غيره، وهو المذهب (!!!)، وقال ابن القاسم كان مالك بعد ذلك ينكره إنكارا شديدا، ولا أرى أن يعمل به، أما ما رواه ابن القاسم عنه، وهو قوله: "ليس عليه العمل"، فقال ابن عبد البر: "معناه عندي ليس بسنة، لكنه مباح؟!، قلت: في كلمة مباح قلق، وقد عرفت أن أقل أحكام العبادة الاستحباب، على أن المعتاد من نفي العمل عمل أهل المدينة، وهو ما رده ابن عبد البر بقوله: "لأنه عمن ذكرنا من جلة الصحابة وهو عمل ظاهر بالمدينة في ذلك الزمان في رمضان، لم يأت عن أحد منهم إنكاره". قلت: كم سنة حجبها المشهور عن الناس، ومن عرفها فليس عنها معدل، والخطأ فيها مع بذل الوسع أهون من استلال الحق من الروايات المتضاربة متى صلح القصد فكيف إذا كان الباعث التعصب للموروث المألوف، مع أن الإمام مالكا رحمه الله قال بها في غير المشهور، وله في هذه المسألة أقوال تقدم أحدها. * والثاني ما رواه أهل المدينة عنه أنه كان يقول يقنت الإمام في النصف من رمضان ويؤمن من خلفه". * وروى ابن نافع عنه أن القنوت في الوتر واسع إن شاء فعل وإن شاء ترك"، وعندي أن هذا لا يخالف ما قبله، لجواز حمله على من أوتر منفردا، وليس مقصوده الوسع مستوي الطرفين، فإن أدنى حكم العبادة الاستحباب، فالمراد عدم تأكده، فهذا عن مشروعيته ووقته. فأما أنه قبل الركوع أو بعده فالنقل فيه عن أنس وغيره رضي الله عنهم مختلف، فاعتمد بعضهم التخيير كالمالكية في قنوت الصبح الدائم عندهم وعند الشافعية، والمقدم قبل الركوع، للرفق بالمسبوقين، والنظر يرجح أن يكون بعده لأنه موضع دعاء وثناء، فيجمع النظير إلى نظيره، وما قبله موضع قراءة القرآن، وهم يقولون بكراهة التطويل بعد الرفع من الركوع، وقد عني الحافظ بالجمع بين القولين فرجح القنوت لغير حاجة قبل الركوع وللحاجة بعده يريد بالحاجة قنوت النوازل. وفيما بعد السلام من الوتر دعاءان: * أن يقول: سبحان الملك القدوس ثلاثا ويرفع بالثالثة صوته. * وأن يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، والله أعلم. =31 مارس 2024

الخاطرة 532

- أحاديث الصيام 12 (4) المقام الثالث قوله (يا أهل القرآن) أهل القرآن هم المؤمنون بأنه من عند الله، وأنه كلامه غير مخلوق، المتعبد بتلاوته، المنقول بالتواتر، الذي تولى الله حفظه، وهو أصل أصول الإسلام. فقوله (أهل الإسلام) عموم يدخل فيه كل مسلم، ولأن الأحكام الشرعية ومنها الوتر - يتساوى فيها المسلمون، أما قول الأعرابي لابن مسعود حين ذكر هذا الحديث: ما تقول؟ كأنه أنكر ما سمع، وجوابه رضي الله عنه بقوله: "ليس لك ولا لأصحابك"، رواه أبو داود، فلأن الأعراب لا يتعلمون القرآن غالبا، أو لأن الذين يأتون بصلاة الليل على وجهها الكامل هم الذين يحفظون القرآن أو بعضه. وليس من أهل القرآن من تسموا القرآنيين لإنكارهم السنة التي دل عليها القرآن، فإن هذا كفر بالقرآن، لمخالفتهم إجماع المسلمين. وأهل القرآن بعد هذا درجات أعلاها من جاء فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن لله أهلين من الناس: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته"، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم عن أنس رضي الله عنه، فهو عموم مراد به الخصوص لأكثر من قرينة في السياق، وأعلى المراتب لمن حفظه وتلاه فرتله وتدبره وعمل بما فيه، فجمع إلى حظ اللسان، حظ الجنان، وعمل الأركان، فإن علمه غيره بعد أن تعلمه كما مر؛ صدق عليه قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، رواه البخاري والترمذي عن علي رضي الله عنه، وجاء عن عثمان رضي الله عنه. ومما يخل بهذه الفضيلة أن يطربه بحيث يخرج كلماته عن وضعها العربي، وأن يتكلف في مخارج حروفه، أو مدوده، أو اقتناص تفسير غير صحيح بوقفه، أو يقرؤه بالمقامات قصدا، وأن يتأكل به، وأن يأخذ أجرا على تلاوته، وأن يتقصد نقل صورته وهو يقرأ، واختلف في الأجرة على تعليمه، ومما ينبغي المحافظة عليه ورد يومي منه، وأقل ما يختم فيه الشهر، ولا ينزل عن ثلاثة أيام، وقد نقل عن بعض السلف ختمه فيما دون ذلك، وفي سنن أبي داود أن الصحابة كانوا يجعلونه سبعة أجزاء أشار اليها بعضهم بحروف هاتين الكلمتين (فمي بشوق): فمن الفاتحة إلى المائدة، ثم إلى يونس، ثم إلى النحل، ثم إلى بني إسرائيل، ثم إلى الشعراء، ثم إلى الصافات، ثم إلى ق، ثم المفصل: ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة والمفصل، والحديث مختلف فيه، حسنه الحافظ، ولو ثبت لدل على أن ترتيب المصحف توقيف، والله أعلم. = 6 أفريل 2024

الخاطرة 533

قال الله عز وجل: "وغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ". جمع الله تعالى في هذه الجملة ضروبا من حال أصحاب الجنة الذين عزموا على منع المساكين من دخولها، وبكروا ليصرموا ما فيها، يتخافتون بما دبروه، وأقسموا على أنهم بالغوه، ويتبين ذلك من معرفة الحرد. قال في مقاييس اللغة عنه إن أصوله ثلاثة: القصد والغضب والتنحي، وذكر الراغب من معانيه المنع عن حدة وغضب، والغضب نفسه، وذكر المفسرون له معاني عدة قد يكون بعضها لازما للأصل منها: * المنع أي قادرين في زعمهم على منع المساكين من جنتهم. * ومنها الحنق والغيظ، وهو مما يبعث على ما قبله من المنع. * ومنها السرعة كي لا يفوتهم وقت الصرم المناسب. * ومنها القصد وهو سيء بدلالة السياق. وهذه المعاني قد اجتمعت في أصحاب الجنة، ما بين نفسي وفعلي، وأثر ومؤثر، فالحرد مشترك فيها مما هو لغة فيه، فتكون مقصودة على أحد مذهبي أهل الأصول في المشترك. وقد عاقب الله هؤلاء بهلاك جنتهم، فعوملوا بنقيض قصدهم وتدبيرهم، فما قدروا إلا على السعي في حرمان المحتاج والتحايل على منعه من رفدهم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان: فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا"، وهذا في الإمساك عن الإنفاق من غير قصد الإضرار، فكيف به معه؟. أما مقدار ما ينفق فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أي الصدقة أفضل"؟، فقال: "جهد المقل"، وقال بعضهم: "ليس العطاء من الفضول سماحة * حتى تجود وما لديك قليل فبادر أيها المسلم بمواساة إخوانك في غزة بما تستطيع، ولا تستقلن شيئا تقدر عليه، وقد تجاوز الأمر التطوع إلى الواجب، فإخوانك في مسغبة، فلا يفوتنك هذا الفضل العظيم فضل الزمان وفضل المصرف. ليلة = 4 أفريل 2024

الخاطرة 534

شكر النعم يزيدها، فإذا اختصك الله بنعمه، وبسط لك رزقه، فقد يسر لك بابا عظيما من أبواب نفع الخلق، فأنفق ينفق عليك، أنفق في بلدك وخارجه لإخوانك المعذبين المشردين، إن المال غاد ورائح، فإن بخلت به على عباده، واستأثرت به دونهم؛ فارتقب تحوله وزواله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم: "إن لله تعالى أقواما يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها انتزعها منهم، فحولها إلى غيرهم". = 5 أفريل 2024

الخاطرة 534

(1) ليلة القدر من أحكام الشرع ما مرده إلى دليل واحد يحصل به العلم، ومنها ما يتوقف تحصيله على أكثر من دليل، وعلى رأس الأول القطعيات التي مستندها الإجماع، والثاني يؤخذ حكمه من مجموع الأدلة، وهو الغالب على الأحكام العملية التي يكتفى فيها بتحصيل الظن، فصح أن يقال إن غالب علم الفقه ظنون، وليس هذا هو الظن المذموم. وأسعد الناس بإصابة الحق في هذا القسم من أطلع على أدلته كلها، فجمع بينها، أو رجح بعضها على بعض، أو سلك غيرهما مما استوفاه أهل الأصول فيما قرروه في باب التعارض، وغني عن القول أن الإحاطة بالأدلة كلها مطلب عزيز المنال، قل من أحاط به، ولاسيما ما رجع منها إلى السنة، إلا في أمهات المسائل. وهذا القسم قليل في العلميات التي يطلب فيها اليقين، فإن غالب أدلتها مستقلة بالإفادة، ولا يعقد التعارض فيها إلا بين النصوص، لا بينها وبين العقل والقياس والعادة والذوق ونحوها، والمتحدث عنه هنا ليس إلا التعارض الظاهر الصوري، إذ لا تعارض مستقرا في أدلة الشريعة. ويحصل هذا التعارض داخل الكتاب، وداخل السنة، وبينهما، وبين الفعلين، وبين القول والفعل، ويكون في دلالات الألفاظ من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، وتفسير وإجمال، وفي درجات قوة الألفاظ: من منطوق ومفهوم وحقيقة ومجاز، ودلالات المطابقة والتضمن والالتزام، وألفاظ الروايات، وما فيها من الزيادات، والنفي والإثبات، والتعارض بين القراءات، ووقائع الأعيان والعمومات، وغير ذلك. فإذا علمت هذا سهل عليك أن تعطي مساحة أكبر لهذه الأمور في أسباب اختلاف العلماء، وهي أن تسعة أعشاره ترجع إلى التعارض بهذا المعنى الواسع الذي أتيت على بعض أفراده، وهذا وإن لم يصرح به أحد فيما علمت؛ فهو لازم لما أورده بعضهم من اسبابه كما فعل ابن جزي رحمه الله في كتابه (تقريب الوصول إلى علم الأصول) في باب خاص قال عنه: "انفردنا بذكره لعظم فائدته، ولم يذكره أهل الأصول في كتبهم"، وقريب منه ما أورده ابن السيد في كتاب سماه (أسباب الخلاف الواقع بين حملة الشريعة)، وهو من المراجع التي اعتمد عليها الشاطبي في موافقاته، وإذا صح عن الإمام مالك رحمه الله أنه قال إن الاستحسان تسعة أعشار العلم فإنه يحمل على هذا الذي ذكرته، فلا يختلف عما نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله وهو قوله: من استحسن فقد شرع لعدم تواردهما على محل واحد. وتعدد الأدلة في المسألة الواحدة مما قد يفسر به كثير من الروايات المتعارضة المأثورة عن الأئمة، فيرجع بعضها إلى اطلاع العالم على ما لم يكن معروفا حين قال ما سبقها، ويقوي هذا أن كثيرا من العلماء يشرعون في بث العلم والإجابة عن الفتاوى وهم في العقد الثالث من اعمارهم ثم تمضي عليهم عقود في هذا العمل، فما نسبة علمهم في البداية إليه في النهاية؟، وهل هذا الذي حصلوه في ذلك الفارق الزمني من العلم زائد على ما ينبغي أن يتوفر في المجتهد على النحو الذي قرره أهل الأصول من الشروط؟، أم أن هناك مبالغة فيها؟، ولا يتجه أن يقال إن الملكة قد حصلت لهم في البداية، ذلك أن مبناها راجع إلى مدى معرفة أدلة الشرع، وتكيف النفس بها، حفظا أو استحضارا، وليست أمرا ذاتيا، والبقية تأتي إن شاء الله. يوم = 7 أفريل 2024

الخاطرة 535

(2) ليلة القدر إن العلم الذي أسميه (فن المختلفات) قد ظهر الاهتمام به في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبرز من عني به من الصحابة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كما اعتنى به ابن عباس رضي الله عنهما، وحصل بعضه لابن عمر وعثمان ولعلي وغيرهم رضي الله عنهم، ولي فيه كتاب قديم لعل الله يسر طبعه. وأبرز من أفرده بالتأليف في الأحاديث الإمام الشافعي في كتابه (مختلف الحديث) في وقت آتت الرحلة في طلبه أكلها فعرف بعض العلماء أحاديث كانوا يتحاشون بلدان أصحابها لمانع ما، فاشتدت الحاجة إلى ضبط قواعد المختلفات، ونهض الإمام أحمد بن حنبل بتأليف كتاب في تعارض الآيات في الجانب العلمي العقدي لقيام الحاجة إليه أيضا بسبب شيوع شبهات أهل الزيغ في العقيدة وتمنى كثير من أهل العلم أن يكتبوا فيه كابن رشد في مقدمة كتابه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد)، وابن حزم في كتابه (الإحكام في أصول الإحكام). ومن تدبر المسائل التي تعددت فيها أقوال أهل العلم -ومنها ليلة القدر- استيقن أن الاختلاف فيها إنما اتسع لعدم إحاطة أصحاب معظم الأقوال بمجموع الأدلة، ولا بالكثير منها، وإلا فكيف يعقل أن تصل أقوال الناس في ليلة القدر إلى ما يقارب الخمسين قولا كما ذكره الحافظ العسقلاني رحمه الله، فخير للمرء أن لا يتعجل في مثل هذه المسائل، فيزداد الخلاف بقوله اتساعا. كنت أريد الكتابة فيما عنونت له، ثم اكتفيت بهذه المقدمة لأني رأيتها أنفع، وإن كان الحق أنها في العشر الأواخر التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد فيها، ما لا يجتهد في غيرها، ويخصها بالاعتكاف، وما جاء من تعيينها في ليلة الواحد والعشرين والثالث والعشرين وغيرها فحمول على العام نفسه، والله أعلم. يوم = 7 أفريل 2024

الخاطرة 535

نصيحة اعتاد الناس عندنا منذ عقود أن يختموا القرٱن في التراويح ليلة السابع والعشرين لكونها أرجى ليالي العشر في ليلة القدر، فينقطع كثير من الناس عن هذه الصلاة لربطهم إياها بختم القرٱن، وهذا كما ترى ينبغي اجتنابه لما فيه من الإيهام، وقد استمر هذا التقليد إلى اليوم في كثير من المساجد، وإن كان القرأة لا يختمون القرٱن فعلا في تلك الليلة، فازداد الإيهام والتضليل، بل ربما قرأ بعضهم النصف الأول منه ثم يقرأون الحزب الأخير في تلك الليلة حفاظا على ذلك التقليد الذي انضاف إليه إيهام العوام بالختم الذي ارتبط بجمع المال، فأنصح إخواني أن يصححوا هذا المسلك وأن يصدقوا الله ويخلصوا له. = 7 أفريل 2024

الخاطرة 536

[مواقف حكومات المسلمين من طوفان الأقصى] الكلام على مواقف كثير من حكومات المسلمين وأنظمتهم وبعض علمائهم إزاء ما يجري في غزة يتجاذبه عاملا الإقدام والإحجام، فالأول لقيام الحاجة إلى بيان حقوق المسلم على أخيه وأبرزها حق الولاء والنصرة على نطاق واسع، ومع قيام هذه الحاجة بإلحاح فإن الكلام إن لم يتزن وينضبط بقواعد الشرع، ومراعاة المصالح والمفاسد، واعتماد الرفق واللين؛ فقد تنجر عنه فتنة تربو على ما تعانيه الأمة اليوم، ويستعر بسببه الخلاف بين الدعاة الذين تأثر بعضهم بمواقف بلدانهم، أو خشوا حكامهم، أو كانت لهم قناعات هم فيها مخطئون. فعلى من تكلم أن يتحدث بالحق، وأن يتحرى بيانه فيؤجر عليه، ولعل ما يقوله يكون سببا في خروج أمته من هذه المحنة بأقل الخسائر في وحدتها وموالاة بعضها لبعض، والحد من الشقاق والخلاف بين أفرادها ومجموعاتها، فلتنضبط العواطف، فإنها عواصف، ولتتجنب الآنيات ونوازع الأنفس وعاجل المواقف، فإنها وإن اشتفى بها المشتفون فما أغنت ولا أجدت كما قال الآخر: بكاؤكما يشفي وإن كان لايجدي * فجودا فقد أودى نظيركما عندي. والثاني السكوت عما يجري، وهو ضار أيضا لما يترتب عليه من اللبس في أمر عظيم مرتبط بالتوحيد الذي يقتضي موالاة المسلم للمسلم، وترك موالاة غيره، كما قال الله تعالى: "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ"، فلا تجتمع موالاة الله مع مولاة أعدائه، فمن فعل فليس من الله في شيء، وللموالاة أمور تكشف عنها، وقد ظهر الكثير منها. وقد أطلق ربنا عز وجل في النهي عنها فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين"، وقال سبحانه: "لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون". أما قول الله تعالى: "لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير"، فقيد (مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ملغى بالاتفاق فلا مفهوم له، لكونه بيانا للواقع، فالولاء نظير توحيد الله سبحانه، فإنه لا عبرة به إلا بالكفر بكل طاغوت كما هو في سياقات عدة من كتاب الله. ومن أخطر ما يترتب على مخالفة هذا الأصل الذي يتعين مزيد اهتمام به؛ اضطراب أمر الولاء والبراء في أذهان الناس، متأثرين بمواقف كثير من بلدان المسلمين السلبية، يقابلها مواقف كثير من غير المسلمين ومن الجماعات ذات المناهج الضالة والعقائد الزائغة المتعاطفين المناصرين للقضية حسب الظاهر في المحافل الدولية وبقطع العلاقات وغيرها مع محمية الشيطان، فيختلط على الناس الأمر، وهذا فساد كبير في هذا الرابط العقدي، قال الله تعالى: "والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ"، ونقول في الختام ما حكاه الله عن صالحي عباده ممن صاحبوا رسله: "وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين". ليلة = 17 أفريل 2024

الخاطرة 537

قال الله تعالى: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ". هذا من قياس الشبه الذي ما ذكر في القرٱن إلا في سياق الذم، وهو أضعف أقسامه، لكن ما أثبته أهل أصول الفقه من صوره لا ينحصر في المذموم منه، وقد حكم الحافظ ابن القيم رحمه الله عليه في إعلام الموقعين بالبطلان متى خلا عن العلة المؤثرة والوصف المقتضي للحكم. قلت: من صوره المقبولة أن يتردد حكم الفرع المجهول بين أصلين معلوم حكمهما فيلحق الفرع بالأصل الأقرب شبها به، وهو نظير المطلق المتردد بين مقيدين حيث يقيد بأقربهما إليه. والمقصود أن المشركين نفوا أن يكون للخير معيار ذاتي مستقل عما عليه أفعال الناس، فلما قارنوا مكانتهم الاجتماعية بمكانة كثير ممن اتبع النبي صلى الله عليه وٱله وسلم من المستضعفين أمثال بلال وصهيب وخباب وعمار رضي الله عنهم استدلوا بذلك على أن ما هم عليه باطل شر، فمعنى (لِلَّذِينَ آمَنُوا) أي عنهم وفي حقهم، ومثل هذا في معنى (لام الجر) قول الله تعالى عن اليهود: "وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا"، أي يقولون عن الذين كفروا. ومثل المشركين فيما اعتمدوا عليه من رد الحق قوم نوح عليه الصلاة والسلام إذ قالوا: "وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ". ومن هذا القبيل قول الله تعالى عمن لم يسمهم من رسله ممن أتوا بعد نوح عليه الصلاة والسلام: "وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ"، فاعتبروا بشرية رسولهم مانعة من دعواه الرسالة لشبهه بهم في الصورة كقول الٱخرين: "أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ"، وقد قال النبي صلى الله عليه وٱله وسلم في هذا ونحوه: "الكبر بطر الحق وغمط الناس". وهذا القياس الباطل وإن نسب في كتاب الله إلى الكفار فإنه مانع لكثير من الخلق ممن ليسوا مثلهم من الرجوع إلى الحق: إما لعدم علمهم به -وعدم العلم ليس علما- أو لأن متبوعهم لم يقل به، وهم يمنعون أن يكون مقلدهم (بفتح اللام) غير عالم به لغلوهم فيه فكادوا يثبتون له العصمة، أو لأن من قالوا به أو التزموه ليسوا من الملإ الذين هم ملء الأسماع والأبصار. وقد لا يكتفون برد الحق بل يجتهدون في ترك غيرهم له لأن مخالفة غيرهم لهم تذكرهم بتفريطهم، وهذا عامل نفسي خطير في الحمل على المخالفة فإن كثيرا من المقصرين يود لو كان غيره مثله فيستويان، وقد أعمل بعض الفقهاء هذا الأمر فمنعوا شهادة المحدود فيما حد من أجله، وهو مشهور مذهب مالك، ووجهه أن المرء يميل إلى دفع المعرة عن نفسه بتكثير أمثاله!!! والهم إذا عم خف كما يقال!!! وقد أثار هذا الموقف الباطل في نفس الحافظ ابن كثير رحمه الله ما ينبغي أن يكون عليه من ديدنهم نشدان الحق وهم أهل السنة والجماعة فقال: "وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل قول وفعل لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة، لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها". = 21 أفريل 2024

الخاطرة 538

بسم الله الرحمن الرحيم يتجه الأمر في الحج والعمرة إلى إلغاء الواسطة بالتدريج لا فرق بين الحكومات والوكالات، وأحسب أن المسار سيفضي إلى التعامل المباشر بين مريد الحج أو العمرة وبين الهيٱت في المملكة العربية السعودية، وهو أحد المقاصد من إتاحة أنواع من التأشيرات التي غدا من السهل الحصول عليها. وقد صار من المسموح أن يدخل الحاصلون على التأشيرات الساري مفعولها مكة ولم لم يكونوا من المصرح لهم بالحج فاغتنمت بعض الوكالات هذا الأمر لتأكل أموال الناس بغير حق بمبالغتها فيما تأخذه ممن يريدون الحج دون حصولهم على التصريح به. لذا أردت أن أنصح بهذا الذي أعلمه حتى يكون المرء على بينة مما يقدم عليه، ولعل هذه الوكالات تتراجع عما هي عليه من استغلال عواطف الناس أو جهلهم بالحقيقة فتثرى بغير الوجه المشروع، فيبارك الله لها فيما تحصل عليه، وقد قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل"، فأقول: * إن من لم يحصل على التصريح بالحج لا تضمن له هذه الوكالات أداء مناسكه. * أما سريان تأشيرته في وقت أداء تلك المناسك فإنما يحميه من متابعة مخالفة النظام المعمول به، ولا يخوله أداء مناسك الحج. * أما من انتهت صلاحية تأشيرته فهذا قد يتعرض للعقوبة خلال مدة إقامته متى اطلع عليه أو حين مغادرته. * يلجأ كثير ممن لم يصرح لهم بالحج إذا دخلوا بعد وقت منع غير مريديه من دخول مكة إلى ترك التجرد من ثيابهم لأنهم يمنعون من الدخول فيفتتحون مناسكهم بهذه المعصية. *الأسورة التي تمنحها هذه الوكالات للمتعاملين معها أو يشترونها بأموالهم مزيفة غالبا فتكتشف الأجهزة الإلكترونية تزويرها في الحواجز المنصوبة على الطرق المؤدية إلى منى وعرفات يوم التروية وكذلك من قبل المشرفين على المخيمات في المشعرين المذكورين. *والفنادق التي يقيم فيها المصرح بالحج معروفة لدى الجهات المشرفة بخلاف الفنادق الأخرى ولذلك يتستر الذين يديرونها على إيوائهم. *ويتبين بهذا أن هذه الوكالات لا تملك للمتعاملين معها إلا النقل خارج المملكة وداخلها والمسكن وتسهيل الخدمات في المطارات. * وإذا علم هذا ظهر جليا أن بعض هذه الوكالات -ولا أعمم- تستغل عواطف الناس فتأخذ منهم أكثر من كلفة الحج النظامي نقدا وعند مراعاة الفرق بين مسكن الحجاج النظاميين ومسكن هذه الوكالات البعيد غالبا وكذا ما يعطى للحجاج النظاميين لأجل النفقة هناك ومسكنهم في منى وعرفات وكلفة النقل إلى المسجد الحرام والعودة منه إلى المسكن، والفارق بين النقل المباشر بالطائرة، والنقل المتقطع بالتوقف في المطارات يعظم الفارق بين الكلفتين فيزيد على 100 مليون سنتيم!!! * وبهذا يتبين أن هذه الوكالات لا توفر لمن يتعاملون معها إلا ما يمكنهم أن يحصلوا عليه بأنفسهم وليس بيدها أن يحجوا أو لا يحجوا، لكنها تخدم خدمات لمن يضعف عن القيام عليها بنفسه لعدم المعرفة أو للحاجة إلى التوجيه وتسهيل الحصول على ما ذكر وهذا لا يبرر بحال من الأحوال المغالاة في المبالغ المالية المأخوذة من الناس. * أنصح من اصطنع هذا الأسلوب للحج أن يشترط حين الإحرام بقوله لبيك اللهم حجا أو حجا وعمرة ومحلي حيث حبستني فإن أذن له بالمرور فذاك وإلا فليتحلل ولا شيء عليه. ليلة = 22 فيفري 2024 مضى على هذه

الخاطرة 538

أربعة أشهر، وقد أعلن اليوم إن نسبة الذين توفوا خلال أداء مناسك الحج ممن لم يحصلوا على التصريح بلغت أزيد من 80 في المائة فرحمهم الله وسائر المسلمين. وقد أخطأ في الكلام على هذا التصريح رجلان أولهما من اعتبره مخالفا للشرع وهو كلام فيه مجازفة والحال أنه لو لم يشترط التصريح لحج عشرات الملايين من المسلمين، وٱثار ذلك لا يجهلها أحد، والثاني من قرر هذا الحق بكلام خانه الاتزان والرفق.

الخاطرة 539

قبس من سورة القتال لم يخرج ما في سورة القتال عن ذكر أصناف الناس الثلاثة: الكافرين والمنافقين والمؤمنين، أعمالا وحالا ومٱلا، وخص من بين المؤمنين بالذكر المقاتلون، وفيها هذه الٱيات الثلاثة: الأولى: قول الله تعالى: "الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أعمالهم". والثانية: قوله سبحانه: "والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ". والثالثة: قوله: "وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ". والمعهود في القرٱن الكريم أن يقابل الذين كفروا بالذين ٱمنوا فيما لكل من الفريقين من الصفات، ومن العطاءات والعقوبات، وقد يحذف الشيء للعلم به. ووصف الكفر هو سبب إضلال الأعمال أي إضاعتها لأنه مشتق، فينبئ بعلية الاشتقاق، لكنه لم يصرح بعدم ذلك في الٱية الثانية التي هي في عموم المؤمنين، وجاء التصريح به في الٱية الثالثة التي هي في خصوص المقاتلين. وفقه المسألة أن إضاعة الأعمال قسمان: إضاعة في الٱخرة وهي مرتبطة بالإيمان والكفر، وإضاعة في الدنيا، وهي حاصلة بترك الجهاد في سبيل الله، فلذلك نفى إضاعتها معه لا مع الإيمان. وقد أشير إلى هذا الأمر في قول رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم". ووجه ما قلت: أن الزرع والرعي أعمال نافعة، ويقاس عليهما غيرهما من أعمال الدنيا كيفما كانت، لكن الله يضلها فتضيع ولا ينتفع المسلمون بها الانتفاع الذي يوافق مقصود للشرع في غيبة الجهاد بأنواعه، وواقع دول المسلمين شاهد على هذا الضياع، والله أعلم. 9 من ذي القعدة ماي 2024

الخاطرة 540

- قبس من سورة القتال واصبر على قراءتها في قول الله تعالى: "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ"؛ أمور * أَثْخَنتُمُوهُمْ أكثرتم القتل فيهم. * البال هو الشأن والحال، وقيل: العقل وما يخطر للمرء من التفكير، وهو أكثر إطلاقه، ولعله حقيقة فيه"، قلت: هو قول صاحب تفسير التحرير رحمه الله، ولا ينافي أن البال هو الشأن والحال، فإن مما يرجع إليه صلاح حال الإنسان تفكيره وما يتوجه إليه عقله المحرك لأقواله وأفعاله. ويؤخذ من الٱيات أمور: * الأمر بقتل الكفار المحاربين. * واستمراره إلى إثخانهم فيضعفوا ويهنوا. * مشروعية أسر الكفار المحاربين. * تخيير الحاكم في إخلاء سبيلهم أو مفاداتهم بالمال أو بأسرى المسلمين أو بغير ذلك مراعيا مصلحة المسلمين. * مثل القتل والفداء الاسترقاق، ولم يذكر القتل لسبق الأمر به، فيراعى فيه وفي الاسترقاق ما سبق. * وفي التخيير في المفاداة دليل على أن سورة محمد صلى الله عليه وٱله وسلم (سورة القتال) نزلت بعد غزوة بدر لأن المسلمين عوتبوا فيها على لجوئهم إلى أخذ الفداء قبل الإثخان في الأرض. * وفيها استمرار هذه الأحكام إلى أن تضع الحرب أوزارها أي أثقالها، والحرب قد تعتبر محدودة، أو ممدودة مدة الحياة، وهي سنة الله في المجتمعات البشرية يدفع الله بعضها ببعض، ولهذا صح عن بعض السلف منهم مجاهد بيان الغاية بأنها نزول عيسى عليه الصلاة والسلام وإسلام اليهود والنصارى. * وفيها أن الله تعالى شرع مقاتلة الكفار لابتلاء عباده بظهور أحوالهم ومدى صدق دعاويهم، وقد قال في هذه السورة: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)، ولو شاء الله لعاقب الكافرين ونصر المؤمنين بغير قتال. * وقد قرأ جمهور القراء (وَالَّذِينَ قاتلوا) بالبناء للفاعل، وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم (قُتِلُوا) بالبناء للمفعول. * فعلى القراءة الأولى يكون ما ذكر في السياق من عدم ضياع الأعمال والهداية وإصلاح البال وعدا للمؤمنين المجاهدين في الدنيا، وعلى الثانية يكون وعدا لمن قتل في سبيل الله في الٱخرة، ولكل من القراءتين ما تتقوى به، بل ما يناسبها من المعنى في السياق. * فالثانية تناسب أن الوعد بإصلاح البال في الٱخرة لمن قتل في سبيل الله، وهو مغفرة الذنوب، كما دل عليه قول النبي صلى الله عليه وٱله وسلم: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين"، رواه أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو، ويؤيده أن إصلاح البال قد سبق إثباته لعموم المؤمنين. * ويناسب الأولى قوله تعالى: (سَيَهْدِيهِمْ) فإن الغالب في إطلاق الهداية أن تكون للأحياء بدلالتهم على الحق، فمن فسرها بأنها حاصلة في الٱخرة بمعرفة أهل الجنة مواقعهم فيها، فمنظور فيه إلى قراءة أبي عمرو وعاصم. * ويناسب هذه القراءة أيضا أن يفسر قوله تعالى (عَرَّفَهَا لَهُمْ) بمعنى تطييبها من العرف بفتح العين، وهو الطيب، فيلتقي هذا التفسير -ولو من بعيد- بقول النبي صلى الله عليه وٱله وسلم: والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وجرحه يشخب: اللون لون الدم، والريح ريح المسك"، والله أعلم. 12 من ذي القعدة 1445=

الخاطرة 541

- قبس من سورة القتال من صفات المنافقين قال الله تعالى: "وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ". جيء بلفظ الاستماع الذي هو أبلغ من السماع، ترى بعض الناس مهتمين بالكلام في الظاهر، غائبين عنه بالباطن، كما قال ربنا: "وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا"، فالقلوب الفاسدة لا تقبل الحق كالأوعية الخربة. النفاق مانع من الفهم عن الله ورسوله، مورث للبلادة، فإن سأل أهل النفاق أو قرأوا فلاستعمال ما فهموه في خدمة نفاقهم والإمعان في ازدواج شخصياتهم. أنظر كيف حرموا الأخذ عن النبي صلى الله عليه وٱله وسلم نفسه مع أن الزمن يسير بين استماعهم إليه وبين سؤالهم علماء الصحابة عن قوله كما دل عليه قوله (ٱنفا)، عوقبوا بحرمانهم تلقي الحق من أصله، ومنعوا نور النبوة والتأثر بخصائصها، ويحتمل أنهم سألوا مستهزئين مستخفين. قال ابن كثير رحمه الله هذا خبر من الله عن: "المنافقين في بلادتهم، وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم ويستمعون كلامه فلا يفهمون منه شيئا، فإذا خرجوا من عنده قالوا للذين أوتوا العلم من الصحابة: ماذا قال ٱنفا؟ أي الساعة، لا يعقلون ما قال، ولا يكترثون له، فلا فهم صحيح، ولا قصد صحيح"، انتهى بتصرف يسير. 13 من ذي القعدة 1445=

الخاطرة 542

- قبس من سورة القتال قال الله تعالى: "ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لهم طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ۚ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُم"، في هذه الآيات أمور: * ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ، هو تشوف إلى نزول مزيد من القرآن للإصلاح بما فيه من الأحكام، والمقصود أن يؤذن لهم في القتال. ونظيره تشوف النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى توالي نزول القرآن ليتسارع الإصلاح، على أحد القولين في تفسير قوله تعالى: "وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ"، والوجه الثاني هو أنه بمعنى ما في سورة القيامة كما هو في صحيح البخاري، وعليه جمهور المفسرين. ولما كان الأصل المساواة في الأحكام بين الأمة ونبيها كان جائزا أن يود النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزول مزيد من القرآن، فيترجح الوجه الثاني، وبه يخلو هذا الاستعجال من النهي، والله أعلم. * "ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا"، جاء بصيغة المضارع المفيد للتجدد، فيكون من تحديث النفس بالجهاد الذي ورد فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق"، وهل يقابله نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تمني لقاء العدو في قوله: "لا تمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا واسألوا الله العافية" ؟، الظاهر أن لا منافاة بينهما. * "فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ"، هي سورة القتال هذه، وفيها: "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهم"، قال قتادة رحمه الله: "كل سورة فيها القتال فهي محكمة". * "رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ "، هم المنافقون يركبهم الخوف والجبن إذا شرع القتال، كانهم قد حضرهم الموت، قال قتادة رحمه الله: "وهو أشد القرآن على المنافقين"، يعني القتال. * فَأَوْلَىٰ لهم طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌۚ، هو ترغيب لهم في طاعة الله ظاهرا وباطنا، وترك التثبيط عن القتال. * فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم"، إذا جد الجد وهو حضور أوان القتال، فلو تداركوا أمرهم فصدقوا الله ورجعوا عما هم عليه لكان خيرا لهم، والمفاضلة مبنية على ما يحاسبه المنافقون خيرا، وهو حفظ دمائهم وأموالهم بظاهر حالهم. * لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم"، المنافقون في الجهاد بين أمرين أحلامها مر: - إن قاتلوا مع نفاقهم ضاع عملهم. - وإن لم يقاتلوا انكشف حالهم. * "فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ"، في المراد بالتولي أقوال: - هو الإعراض عن أحكام الله عموما. - هو من الولاية على الناس، وبها يكونون أقدر على نشر الفساد، فإن الحاكم من الناس كالقلب من الجسد. - هو الإعراض عن القتال، وهذا أرجحها بقرينة السياق. * "أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُم" في التولي مضار عامة، وهي الفساد في الأرض الناشئ عن ترك أحكام الله، وأقربها في هذا المقام ترك النصرة المخل بالموالاة كما قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِير"، ومن المفاسد الخاصة تقطيع صلة الأرحام. 18ذي القعدة 1445=

الخاطرة 543

تفويض الشارع الفعل إلى المكلف في الظاهر لا يدل على عدم وجوبه. روى مسلم عن أم سلمة ط أن النبي صلى الله عليه وٱله وسلم قال: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره". اعتاد كثير من المتكلمين على حكم الأضحية وشرح الأحاديث الواردة فيها الاحتجاج بهذا الحديث على عدم وجوبها تقليدا للإمام الشافعي رحمه الله تعالى فيما قاله في كتابه مختلف الحديث، وقاله بعض البغداديين من المالكية كما في النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني، ومال إليه الشوكاني في كتابه نيل الأوطار، وذكروا أن المكلف لا يفوض إليه الواجب من الأحكام. والتقليد ليس علما ولا دلالة في الحديث على ما ذهبوا إليه، فإن قوله صلى الله عليه وٱله وسلم (وأراد أحدكم أن يضحي) موجه إلى أفراد الأمة وفيهم القادر على الأضحية وغيره ومن يريد أن يضحي، ومن لا يريد لعدم قدرته أو لغير ذلك، فالمقصود ليس التفويض في نفس الحكم، بل هو إحالة لهم على ما عرفوا من شرعه، كما أحالهم على ما عرفوا من حكم الحج وما يشترط في وجوبه من الاستطاعة في قوله عليه الصلاة والسلام: "من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة"، رواه أحمد والبيهقي عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما، والحج واجب بالإجماع، ومثله (إذا أردت الصلاة فتوضأ)، وقوله تعالى: "فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشيطان الرَّجِيمِ"، أي إذا أردت أن تقرأ، وقال الله تعالى: "لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ". وليس الغرض إلا نفي كون هذا الحديث دليلا على عدم الوجوب، لا الكلام على الحكم نفسه، الله أعلم. غرة ذي الحجة 1445=

الخاطرة 544

تأمل هذا الحديث الذي نعيش الأيام الفاضلة المذكورة فيه، وهو ما رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما العمل في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة، ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء". قد سيتوقفك فيه ما استوقفني وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ولا الجهاد في سبيل الله"، الذي جاء جوابا عن سؤال بعض الصحابة كما في صحيح البخاري. ووجه ما ذكرت أن الجهاد من الأعمال الصالحة بلا خلاف، بل هو ذروة سنام الإسلام، فما وجه سؤالهم عن دخوله في العمل في هذه الأيام؟ أيكون المقصود من العمل الخصوص وإن كان عموما، أعني المتاح لكل الناس من الواجبات والمستحبات، وأيسره التهليل والتكبير والتحميد كما جاء الأمر به في بعض الروايات؟ أم سألوا لأن القتال في الأشهر الحرم ممنوع، فذكروا الجهاد لعظم شأنه عندهم حين سمعوا فضل الأعمال في هذه الأيام؟. أم لأن الجهاد وإن كان مشروعا في هذه الأشهر فإن الزمان محدود قد لا يتيسر لهم تحصيل فضله فيها؟. مهما يكن فسؤالهم يدل على اهتمامهم بالجهاد، وحرصهم على فعل أعظم الأعمال أجرا، وهذا شأن المؤمن تواق إلى معالي الأمور، ومزيد الافضال والأجور. وفي الحديث أن الله تعالى برحمته عوض هذه الأمة من فوات بعض الأعمال الجليلة كالجهاد اذ جعل لها بديلا لمن لم يتيسر له فعلها لسبب ما، على أن لا تهمل ولو بتحديث النفس بها كما تراه في سؤال الأصحاب. ومن هذا القبيل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط"، رواه مالك وأحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقد أتيح لك أيها المسلم المشاركة في الجهاد بما تستطيع فلا يحسن بك أن تكتفي ببدله، فاذكر إخوانك في فلسطين بالدعاء أن يفرج الله عنهم الكرب، ويقذف في أعدائهم الرعب، ويمدهم بعونه، ويعجل لهم بنصره، وواسهم بمالك ينفق الله عليك. ليلة الثالث من ذي الحجة 1445=

الخاطرة 545

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون". صدر ابن كثير رحمه الله تفسير هذه الآية بقول ابن شهاب الزهري رحمه الله: "الجهاد واجب على كل أحد، غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد". وقد عقب ابن كثير على هذا الكلام مؤيدا فقال: "ولهذا ثبت في الصحيح: من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية"، وقال عليه السلام يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا"، انتهى كلامه. ليعلم أنه لا خيار لنا فيما يجري في فلسطين عموما، وفي غزة خصوصا، فإن حكام البلد هم من يتولى التسيير والتدبير، وحسب المسلم أن يدعو الله أن يسدد رأيهم، كما سدد رميهم، وأن يعين بما قدر عليه، ولاسيما في هذه الأيام المباركات التي شارف فضل العمل الصالح فيها منزلة الجهاد. إن المجاهرة بما يراه المرء من خلاف هذا لا تجدي في مثل هذه الأحوال، فإنها باب إلى نشر التنازع، وذريعة إلى الوقوف مع أعداء المسلمين، وإن لم يقصد الفاعل. إننا منذ تسعة أشهر نعيش ساعات حياتنا آملين أن نفرح بنصر الله واندحار الغزاة، مع عظيم تشوفنا إلى توقف هذه الحرب، وحقن دماء إخواننا التي تراق غزيرة بمرأى ومسمع من حكومات المسلمين، فلم تفعل شيئا ذا بال. قد يذهب عنا بعض الغيظ ما نراه من بطولات المجاهدين، وإبداعاتهم في الإثخان في جنود العدو وضباطه، وعتاده وآلات حربه، وفي نظامهم الإعلامي المحكم، والكمائن البارعة، وخدع الحرب وفنونها التي فاقت التقديرات، وبهرت الخبراء، لكن هذا وإن تعزينا به فلا يحجب عنا فداحة ما يقاسيه أهلنا. هذا ما اخترناه عن وعي في التعامل مع هذه الحرب، ومن إخواننا الدعاة من نعلم عنهم الصدق في القول، وتطلبهم فيما ذهبوا إليه مرضاة الله، وإن اختلفنا معهم في طريقة التعامل مع ما يجري، فطاعة ربنا مبتغانا، وهو العليم بمتقلبنا ومثوانا، وإليه المشتكى، وبه المستغاث. ليلة الخامس من ذي الحجة جوان 2024

الخاطرة 546

قال الله تعالى: "ولَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا". اشتمل صلح الحديبية على بنود رٱها كثير من المسلمين مجحفة، بل قال بعض كبار الصحابة إن فيها إعطاءهم الدنية في دينهم. ومع هذا ترتبت عليه منافع عظيمة حتى سماه ربنا سبحانه وتعالى فتحا على غير ما ظن الناس، وقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره أنه قال: "إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية". وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: نزلت علي البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ليَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ". ومن المفاسد التي اجتنبت بهذا الصلح إزهاق أرواح المسلمين المستضعفين الذين منعهم المشركون من الهجرة، فلو غزا جيش المسلمين مكة لقتل بعضهم لعدم تميزهم من المشركين، ولحصل من ذلك على المسلمين معرة وإن لم يكونوا عالمين بحال من قتلوا، فكان حقن دماء المستضعفين مع قلة عددهم مقدما على ذلك الغزو الذي لو وقع لكان هزيمة ساحقة للمشركين كما دل عليه قول الله تعالى: “وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا". أما نحن فليس لنا بعد فعل ما نستطيع إلا أن ندعو ربنا أن يعجل بالفرج لإخواننا في فلسطين عموما وفي غزة خصوصا فقد بلغ الخطب ما يعجز عنه الوصف، فاللهم سدد الرأي كما سددت الرمي. 16 من ذي الحجة 1445 =

الخاطرة 547

- [فتاوى مساكن عدلٍ] بسم الله الرحمن الرحيم دونك بعض ما علق بذهني مما تضمنته فتاوى المجوزين للتعاقد مع الهيئة الوطنية المسماة في صيغ عقدها القديم والجديد. ومع أنني أحسن الظن بمن تجشموا عناء تكييف ما اشتمل عليه هذا العقد وفق ما اعتبر نظرة مقاصدية (!!) ليصلوا إلى تجويزه؛ فإني أذكر بعض الأمور التي انطوت عليها فتاواهم حيث جمعت ما هو باطل، إلى ما هو حق في غير موضعه، وما هو موضع نظر، فمن ذلك: أن "الغرر في هذا العقد يسير، واليسير مغتفر"، وما هو كذلك، فإنه في الأجل الذي لا يعرف، وقد زاد أحيانا على عشر سنوات، وفي العوض غير المحدد أو القابل للمراجعة، المغطى بما سمي أعباء الإدارة والتسيير، وهذا لو كان خدمة مشتركة بعد استلام المسكن لكان حقا، فترك بيان الأجل في العقد مضر، وموضع المسكن مجهول هو تراب الولاية أو البلدية أو المدينة وطابقه مجهول كذلك قد يكون ضمن عشر طوابق. وقالوا: "إن العوض لا جهالة فيه، لأن دفعات مبلغ الكراء الذي هو ثمن للمسكن في النهاية إذا كان له إطار منضبط يعتمد عليه في تحديده لا يلزم بيانه، إذ جهالتة ٱئلة إلى العلم!!!، وله نظير هو مهر المثل في نكاح التفويض!!" وهذا توجيه غريب، وإلحاق عجيب لا يصح من أكثر من وجه. وقالوا:"إن العقوبات المالية ليست ربا وهي مختلف فيها"، وهذا حق، لكن تجويزها منوط بحال المدين، فإن جازت فمع المدين الواجد. وقالوا: "إن الصفقتين في صفقة جوزها فلان، حيث لا تضاد بينهما كالبيع والإجارة"، وهذا محتمل، لاسيما وأنه لا إلزام فيه، لكن الصورة التي نحن فيها ليست من قبيل ما ذكره المالكية لاختلاف بدايتها عن نهايتها. وقالوا: "لا بأس ببيع الكالئ بالكالئ (الدين بالدين) إذا كان إجارة موصوفة في الذمة، فإنه هو مذهب فلان، ولأن الهيئة الفلانية جوزته"، وهذا غير مسلم في أصله. وقالوا: "إن هذا العقد ليس إجارة ولا بيعا، لأن ابتداءه غير انتهائه، ونهايته غير بدايته، والمقصود أنه يعامل في كل مرحلة بحسبها"، وهذا عجيب، وهو ناتج عن الصفقتين في صفقة، ولا ينطبق على الصور التي جوزها بعض العلماء. ويفهم من تعليل بعضهم "أن العقد إذا كان مرادا به الرفق فإنه يتسامح في المخالفة التي فيه"، وهذا أمر ليس صحيحا، وما قاله بعض أهل العلم من صور تدخل تحته هو رأي ولو استقام فلا يصح أن يجعل قاعدة. وقالوا: "إن البيع والشرط مختلف فيه"، وهذا حق، لكن مراعاة الخلاف ليس علما. وقالوا: "إن الحصول على المسكن ضرورة"، ولو كان كذلك فلم البحث عن دليل لتجويزه؟. وقالوا: "إن الحرج في هذا الدين مرفوع"، وهذا حق، لكنه في غير سياقه الصحيح، فإن التزام الشرع هو اليسر، وهو رفع الحرج. وقالوا: "إن الأصل في المعاملات الجواز"، وهذا حق إذا كان المختلف فيه منطقة عفو. وقالوا: "إن العبرة بالمقاصد"، ولا خير فيها إذا عطلت دلالات النصوص فإن مأخذها منها. وقالوا: "إن غرض الدولة نفع المواطن"، وهذا حق، فيقال إن خير ما تنفع الدولة به مواطنيها أن تلتزم أحكام دينهم. وقالوا: "إنما الرخصة من فقيه، أما التشديد فيحسنه كل أحد"، والتزام أحكام الشرع ليس تشديدا. أنصح إخواني أن يربأوا بأنفسهم أن يتحولوا إلى مبررين لما يصنعه الإداريون وأهل الاقتصاد والمال الذين يبتدعون من صيغ العقود ما يريدون، ثم يتولون هم تكييفها بما سبق من المقولات والتلفيقات التي ليست من صناعة الفقه الرصين المنضبط في شيء، فليس هي بالمذهبية، ولا بالاختيار القائم على الدليل، مدفوعين بالإشفاق على إخوانهم، فيشاركون في توسيع هذا الباب الخطير، وهو جعل أحكام الله تابعة لواقع الناس، لا متبوعة كما هو المطلوب، وخير من هذا الذي فعلوه أن يجتهدوا في إقناع من يعدون صيغ هذه العقود باستشارة من يعرفون أحكام الله، والله الهادي إلى الصراط المستقيم. غرة المحرم 1446=

الخاطرة 548

ذكرني منع بعض الدول كتبا معينة -إن صح الخبر- شيئا من التدابير التي اتخذت في بلادنا غداة إلغاء المسار الانتخابي قبل ثلاث وثلاثين سنة، ومنها منع بيع بعض الكتب، وتغيير أسماء بعض المرافق كالمكتبات والمراكز الثقافية، وأذكر أن والي معسكر حضر افتتاح مسجد عبد الرحمن بن سمرة فلما أخبرت مسؤول التشريفات باعتزامي التعريف بمن أطلق اسمه على المسجد وأنه هو من فتح مدينة كابول ألغيت الكلمة. وقد قلت لأحد كبار المسؤولين يومئذ إن منع الكتب لا يجدي لأنها تنزل من (السماء)، وقصدي أن الحصول عليها متيسر بحيث ينتفع بها ولا يظهر لها وجود في عالم الحس، وقد ظهرت بوادر الأنترنت يومئذ في الجزائر، وقد ازداد هذا اليسر اليوم أضعاف ما كان، فما جدوى المنع لو كان مشروعا؟، فكيف إذا أدى إلى صرف اهتمام الناس إلى الممنوع؟ وقد أورد الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) حديث "لو منع الناس من فت البعر لفتوه، وقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه شيء"، قال العراقي: لم أجده إلا من حديث الحسن مرسلا وهو ضعيف رواه ابن شاهين. ومما أذكرني به هذا الإجراء -وهو في كتاب (كيف نخدم الفقه المالكي)- أن إحدى الجرائد طالبت في ذلك العهد بمنع تفسير ابن كثير رحمه الله لأنه يدعو إلى الإرهاب، وذكرت ما قاله في تفسيره للٱية الخمسين من سورة المائدة وهو: "ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الٱراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة من ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم الياسق.." الخ. وما أحسن ما قاله المتنبي في مثل هذا: يقضى على المرء في أيام محنته * حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن ليلة الخامس من المحرم 1446=

الخاطرة 549

هنأت أكثر من واحد ممن حصلوا على شهادة البكالوريا مع وصاتي لهم بتعلم دينهم والتزام أحكامه، خشية أن يغتروا بهذه الشهادة كما هو حال الكثير من الممتحنين وأوليائهم. ولا أخفي عن قارئ هذا المنشور غلبة الانقباض علي عن هذه التهاني التي بالغ الناس فيها فلا يراعون ما ينبغي من إنزالها منازلها والاعتدال في الاهتمام بها كي لا يغتر المعنيون بها. وأذكر أني ما هنأت وزيرا من وزراء الشؤون الدينية الذين عملت معهم غير الشيخ عبد الرحمن شيبان رحمه الله بعد أن أبقي عليه وزيرا في تعديل حكومي وكنت قد خبرت نشاطه وما أدخله من إصلاحات على عمل الوزارة فقلت له بالهاتف: "أسأل الله أن يكون في هذا التثبيت تثبيتٌ"، فسُرّ بكلامي. حين علمت بأن الحاصل على أعلى معدل في شهادة البكالوريا في الوطن هو من مدينة حجوط تذكرت الشيخ محمد بن خدة سدده الله وجهاده العلمي الدعوي في هذه المدينة ولا أشك أن يكون لعمله هذا أثره على الساكنة ولو لم يكونوا ممن يحضرون مجالسه. إننا لا نزعم أن التفوق في الدراسة مقصور على من يحفظ القرٱن أو يلتزم أحكام الشرع فإن الواقع يكذب هذا وإن كان هذا هو فهم ذلك المخرف الزنديق الذي ظن أن الذي تفوق هذا العام قد كسر هذه القاعدة لأنه لا يحفظ إلا القليل من القرٱن، هذا فهمه السقيم الذي يختفي وراءه كيده الأثيم. والحق أننا نعتقد اعتقادا راسخا أن صلاح النشء خير بكثير من مجرد التفوق في هذا الميدان أو ذاك، ومقصود من عرج على هذا أن هذا الصلاح لا يصده عن التفوق كما هو الواقع الذي لا ينكره إلا مكابر مقامر فالمسلم الصالح من الميسور عليه أن يجمع بين هذا وهذا وحضارة الإسلام برهان تاريخي قاطع على ما نقول. وقد لحظت جملة من ملامح الخير في كلام الطالب الذي حصل على أعلى معدل هو ووالده منها أنه ذكر فضل الله قبل أن يذكر جهده، ومنها رغبته أن يدرس خارج البلد ليحصل العلم النافع هكذا قيده، ثم يعود ليستثمره فيساهم في رقي بلده، ومنها أنه تكلم هو وأبوه بالعربية مع أن تفوقه في علم من العلوم الدقيقة كما تسمى، ومنها إعراضه عما ناله من التافهين الذي أزعجهم مظهره الذي لم يجر على شاكلتهم في لبس السراويلات المحكوكة والمخرقة، ومنها ما هو عليه من التثبت والرزانة، زاده الله هدى وتقى: أحب الفتى ينفي الفواحشَ سمعَه * كأنّ به عن كل فاحشةٍ وَقرَا سليمُ دواعي الصدر، لا ناشطا أذًى * ولا مانعا خيرا، ولا قائلا هُجْرَا إذا ما أتت مِن صاحبٍ لك زلّةً * فكن أنت محتالا لزلتِه عُذرا غنى النفس ما يكفيك مِن سَدّ خلّة * فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا ليلة 16 من شهر المحرم 1446=

الخاطرة 550

المؤمن الحق يفعل المأمور، ويجتنب المحظور، ويرضى بالمقدور، يلتزم الحذر، ولا ينجي حذر من قدر، وقال عليه الصلاة والسلام وعلى آله: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه". أما هذه الأبيات فشطر من قصيدة أثبتها المقري رحمه الله في مقدمة كتابه (نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب) لها صلة بما قرأت قال: سبحان من قسم الحظوظ فلا عتاب ولا ملامه أعمى واعشى ثم ذو بصر وزرقاء اليمامه ومسدد أو جائر أو حائر يشكو ظلامه لولا استقامة من هداه لما تبينت العلامه ومجاور الغرر المخيف له البشارة والسلامه واخو الحجى في سائر الأنفاس مرتقب حمامه وكما مضى من قبله يمضي ولم يقض التزامه والجاهل المغتر من لم يجعل التقوى اغتنامه 20 شهر المحرم 1446 = الموافق

الخاطرة 551

ما ينشر في الصفحات الرسمية للهيٱت والجمعيات والأفراد يعبر عن عقيدتها ومنهاجها وطريقتها في الإصلاح فينبغي أن لا يوكل الإشراف عليها ولا يؤذن بالنشر فيها إلا إلى المتشبعين بمبادئها الذين يعكسون اهتمامها وانشغالها من أهل الرزانة والتثبت فيعرفون للكلمة وزنها فيقولون خيرا أو يصمتون. أما الخبط والخلط كما هو الشأن في المقال الذي دق صاحبه ناقوس الخطر كما عنون له في صفحة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فإنه جمع بين الحق والباطل وبين الكفر والإيمان وهو أمر نجزم أن قيادة الجمعية ومشايخها لا يقرونه. ينبغي أن تظل جمعية العلماء بمنأى عن الرؤى الحزبية الضيقة والتعصبات الفئوية المقيتة همها الدعوة إلى الله والحرص على نفع الأمة بتوثيق صلتها بدينها ولغتها وأمن بلدها واستقراره والله الهادي. 21 من المحرم 1446=

الخاطرة 552

[الخروج عن المذهب] من كلام الذهبي رحمه الله عن التقليد والتزام طالب العلم مذهبا واحدا قوله يرد ما تداوله بعض الناس وهو (أن الإمام لمن التزم بتقليده كالنبي مع أمته لا تحل مخالفته)، وقد حكاها القاضي عياض رحمه الله في كتابه (ترتيب المدارك) عن غيره وأقرها، فانطلق منها الذهبي ليبين الأمر كما يراه، وهذا كلامه بنصه محذوفا منه ما فيه من استطرادات تخللته: "قوله لا تحل مخالفته مجرد دعوى واجتهاد بلا معرفة، بل له مخالفة إمامه إلى إمام ٱخر حجته في تلك المسألة أقوى، لا، بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له، لا كمن تمذهب لإمام، فإذا لاح له ما يوافق هواه عمل به من أي مذهب كان، ومن تتبع رخص المذاهب وزلات المجتهدين فقد رق دينه، كما قال الأوزاعي أو غيره: من أخذ بقول المكيين في المتعة، والكوفيين في النبيذ، والمدنيين في الغناء، والشاميين في عصمة الخلفاء فقد جمع الشر...". ثم قال: "ولكن شأن الطالب أن يدرس أولا مصنفا في الفقه، فإذا حفظه بحثه، وطالع الشروح، فإن كان ذكيا فقيه النفس، ورأى حجج الأئمة، فليراقب الله، وليحتط لدينه، فإن خير الدين الورع، ومن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه...". وقال: "ثم تناقص الاجتهاد ووضعت المختصرات، وأخلد الفقهاء إلى التقليد، من غير نظر في الأعلم، بل بحسب الاتفاق، والتشهي، والتعظيم، والعادة، والبلد..". وقال: "ولا ريب أن كل من أنس من نفسه فقها فلا يسعه الالتزام بمذهب واحد في كل أقواله، لأنه قد تبرهن له مذهب الغير في مسائل، ولاح له الدليل، وقامت عليه الحجة، فلا يقلد فيها إمامه، بل يعمل بما تبرهن، ويقلد الإمام الٱخر بالبرهان، لا بالتشهي والغرض، لكنه لا يفتي العامة إلا بمذهب إمامه، أو ليصمت فيما خفي عليه دليله"، انتهى كلامه رحمة الله عليه. والمقصود من الفرع الأخير في كلامه التحرز من تجرئة الناس على ما يضرهم ولا ينفعهم وهو الغرض ذاته الذي حدا ببعض العلماء إلى منع الفتوى بغير المشهور، وفي كل هذا نظر لاختلاف أحوال الناس، والله أعلم. 21 شهر المحرم 1446=

الخاطرة 553

جاءني هذا السؤال: بالنسبة لنصرة المسلمين والمجاهدين في غزة هذا ما أقوم به: 1- الاهتمام لأمرهم ومتابعة شأنهم والفرح لانتصاراتهم والحزن لحزنهم 2 - الدعاء لهم في كل صلاة وفي الأوقات الفاضلة. 3 - اقتطاع جزء من راتبي الشهري وأسلمه لإحدى الجمعيات الموثوقة سؤالي: هل بقي من شيء يمكننا فعله حتى تبرأ ذمّتنا بارك الله فيكم؟. أجبت هذا السائل الكريم الذي يفعل ما يستطيع ثم هو يخشى أن لا تبرأ ذمته، ثم رأيت أن أثبت سؤاله لأقول إن المعذور الصادق ينال أجر المجاهد بماله ونفسه لقول الله تعالى: لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا"، وقول رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم: "إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم"، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟، قال: نعم، حبسهم العذر": يا راحلين إلى البيت العتيق لقد * سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر وعن قدر * ومن أقاد على عذر فقد راحا 30 شهر المحرم 1446=

الخاطرة 554

كل ضرر يلحق محمية الشيطان من أي جهة نفرح به، على أن نعرف الباعث عليه، فنزنه بميزان الشرع، ونحذر من ٱثاره، والافتتان بالقائمين به: نفرح بمقاطعة بعض دول الغرب لهذا الكيان، وطرد سفرائه. وباعتراف بعض الحكومات بدولة فلسطين. وبما يلحق الصهاينة من أضرار من إيران، أو من أذرعها في العراق وشمال اليمن ولبنان. وبما قد يصدر من قرارات عن محكمة العدل الدولية كما تسمى ضد بعض قادة مجرمي هذا الكيان. وبالخسائر التي تلحق شركاته والمتعاونين معه نتيجة مقاطعة سلعها. لكننا لا ننسى أن هذه المناصرة بالقتال أو بالمواقف السياسية والإنسانية من الأفراد والدول والهيٱت في الغالب هي من أجل التمكين للنفوذ السياسي والعسكري والعقدي والإعلامي والظهور بمظهر المحترم للقوانين الدولية والمبادئ، الإنسانية. ولهذا لا يؤخذ من هذه المواقف أن دول الكفر راضية عنا، ولا أن أهل البدع والضلال يفعلون ذلك محبة فينا، ولا أنهم يتخلون عن مخططاتهم في بلادنا. بل كثيرا ما تكون هذه المناصرة من جملة وسائلهم إلى أغراضهم الظاهرة والخفية المضرة بنا عرفنا ذلك أو جهلناه. ومما نتوقاه -لأننا نتوقعه- أن يكون هذا القتال والتأييد فتنة لضعاف الإيمان منا فيتأثرون بالعقائد الضالة والمناهج الرديئة ويخلطون بين الحق الذي عليه أهل السنة -وهم الأمة الوسط- وبين خذلان كثير من الأفراد المحشورين ضمن علماء الشرع ومعظم الحكومات المحسوبة سياسيا وجغرافيا على أهل السنة. غير أن فرحنا الأعظم إنما يكون بقتال المسلمين أنفسهم لأعدائهم، من أجل الحق، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى. وعلينا أن لا نغفل ما عند الله مما يخرج عن حسابنا وتقديراتنا فنضرع إليه سائلين إياه النصر لديننا ولسنة نبينا وللمجاهدين في سبيله من أمتنا، وما النصر إلا من عنده، وما يعلم جنوده إلا هو، وقد قال: "قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نتربص بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ". أما توقعنا ما يأتي من دولة الروافض -وهي عند فريق من الناس خير من كثير من الدول السنية- فلا يختلف عما عهدناه منذ عقود، وتهديدات مسؤوليها الممجوجة المستهلكة تؤكد هذا، فقد قالوا: إن الرد سيكون مفاجئا، وغير متوقع، وشديدا، وفي الوقت والمكان المناسبين!! وأحسب أنهم يرحبون بالدول التي تطلب منهم رمزية الضربة ومحدوديتها، وقد حصل مرغوبهم بوساطة من يعاديهم ومن يؤيدهم ومنهم قيصر روسيا. مع هذا نتمنى أن يقع خلاف هذا الذي نقدره، وأن لا يصدق هنا قول القائل: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا * أبشر بطول سلامة يا مربع !!! وأن لا يكون شبيها بما يتندر به في جهتنا من ذلك الجبان الذي عثر على طريدة فوقف حيالها وهي نائمة يقول بصوت مرتفع كأنه يوقظها لتفر، فما زال يردد هذه الكلمات حتى فرت، وقد أثبتها باللسان الدارج فليعذرني القارئ: نطير عليك تعضيني. نضربك نخسر جلدك. أتركك تهربي لي. غرة صفر 1446=

الخاطرة 555

إذا فاتك جمال القول الحسن رصفه، المصطفاة كلمه، المترتبة جمله، فما فاتك ذو بال إذا جعلت الحق رائدك. فاحرص على ما ينفع، لا على ما يعجب، فالقصد ما في الوعاء لا الوعاء. فإن جمعت الأمرين -وما أقله اليوم- فذاك، وإلا فالحياء الباعث على ترك الاجتراء لتجنب الوقوع في الٱثام خير من التفوه واللسن. إن الفكر المؤطر بمعالم الحق لا يقارن بالفكر الهائم في فيافي الحياة وأوديتها، فلا تغترن بوصف المفكر. قال عليه الصلاة والسلام وعلى ٱله: "الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق"، فالبيان ممدوح وقد ذم، والعي مذموم وقد مدح، وقد عرفت الوجه. = 22 أوت 2024

الخاطرة 556

لم تعرف أمتنا في تاريخها كهذا الزمان في حاجة علمائها والمصلحين فيها إلى إعمال قواعد المصالح والمفاسد بالسعي في تحصيل الأنفع في الأولى، والعمل على اجتناب الأضر في الثانية، وما تفرع من معرفة خير الخيرين، وشر الشرين، وغير ذلك من تفاصيل الموازنات عند تزاحم السيٱت، بحيث يراعى ذلك في علاقات أفرادها، وجماعاتها، ودولها، وفي تعاملها مع أعدائها في بلدانها وخارجها، من غير تحليل حرام، ولا تحريم حلال، ولا إسقاط واجب، ولا إقرار منكر، ومرد ذلك إلى القاعدة المقطوع بها في هذه الشريعة وهي أن يتقي المسلمون ربهم ما استطاعوا. إن كل داع إلى الله لا يجعل نصب عينيه هذه المقاصد الشرعية فيما يبتغيه من إصلاح عام أو خاص فمٱله إما الانقباض والانعزال، ورعا أو يأسا، أو الاندفاع والمغامرة تهورا أو قنوطا. = 23 أوت 2024

الخاطرة 557

إن الله تعالى يقول: "يا ابن ٱدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل؛ ملأت يديك شغلا، ولم أسد فقرك"، رواه أحمد والحاكم وابن ماجة والترمذي وقال حسن غريب عن أبي هريرة رضي الله عنه. * (تفرغ لعبادتي) قولا وفعلا واعتقادا وتفكيرا، بفعلها في وقتها، والإقبال عليها قلبا وقالبا حين فعلها. * (أملأ صدرك غنى) هو غنى النفس الذي قال عنه النبي عليه وعلى ٱله وصحبه الصلاة والسلام: إن الغنى غنى النفس. * (وأسد حاجتك)، وفي رواية أسد فقرك، فإن كنت غير ذي مال قنعتك بما عندك. * (ملأت صدرك شغلا)، وفي رواية ملأت يديك، لأن الاكتساب بهما، والباعث القلب وهو في الصدر. * (ولم أسد حاجتك) في رواية لم أسد فقرك، فالغنى لا يسد الحاجة إذا شغل عن التفرغ لما خلق له ابن ٱدم، فإن حاجات الناس لا تنقضي إلا بالموت الذي ما ذكر في كثير إلا قلله، ولا قليل إلا كثره، وفراغ النفس لا يملأه إلا ما فطر عليه ابن ٱدم من معرفة الله. * في هذا الحديث - عقاب عاجل في الدنيا لمن شغل بغير الحق عن الحق بقضائه وقته في التفكير في شهواته وملذاته، ثم لا يبلغ مراده منها. - الفقر والحاجة لا يسدان بالسعي في جمع المال ولو جمع وكثر. - أهمية أداء العبادات في وقتها وعلى الوجه المطلوب وأثر ذلك على راحة النفس واستقرارها وقناعتها. - ضياع أوقات متبعي الشهوات وتشتت أذهانهم مع عدم بلوغهم من الدنيا مرادهم. = 30 أوت 2024

الخاطرة 558

نرجو أن يكون التعديل الذي حصل في برنامج السنة الأولى والثانية من التعليم الابتدائي ومس كم بعض المواد ونوعها - وإن كان محدودا - إرهاصا لبداية إصلاح يسري إلى برامج السنوات الأخرى، ليعم المنظومة التربوية بمستوياتها الثلاثة. إن حصل هذا فسيتخلص أولادنا من كثير من أسباب الٱثار السيئة التي خلفها عهد رديء عانت منه هذه المنظومة عقودا وما تزال، ولم تسعف أمتنا بيد إصلاح تمحو هذا الحيف رغم مطالب القائمين على هذا التعليم من المعلمين والأساتذة وعلماء التربية، ومن ورائهم عموم الأمة. وقد ابتدأت هذه الانتكاسة من عام 1977 بعد المصادقة على ما سمي بالميثاق الوطني الذي ألغى التعليم الأصلي، وتلخص المخطط في التضييق على ما يمثل الزاد الذي يحصن أولادنا في حياتهم العامة، وليس ذلك إلا تعليمهم مبادئ دينهم بدعم مادة التربية الإسلامية، وتمكينهم من أداء الصلاة وقت استراحتهم، ومراعاة الٱداب الشرعية في اللباس والسلوك، وتجنب اختلاط الجنسين في السن المحدد، وقد انعكست ٱثار ذلك المخطط المشين عليهم في أمور لا تخفى على اللبيب، فهل من مستجيب؟ = 30 أوت 2024

الخاطرة 559

قال النبي صلى الله عليه وعلى ٱله وسلم: "من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد؛ كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا؛ لم يبال الله في أية أوديته هلك"، رواه ابن ماجة عن ابن مسعود رضي الله عنه. (الهموم) جمع هم، هو الحزن، ومن معانيه القصد والإرادة والعزم، وهو المراد هنا، وهذا عمل الباطن ينعكس على الظاهر. (المعاد) المقصود الٱخرة، مصدر عاد يعود عودا ومعادا إذا رجع، وهو اسم مكان العود، لأنه نهاية مطاف الخلق ومستقرهم في الجنة أو في النار، قال الله تعالى: "إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى معاد"، وقال: "إِلَى الله مرجعكم جميعا"، فالمخلوقات كلها ترجع إلى الله وتعود. (كفاه الله هم دنياه)، أي همومها كلها، وحد همه، فصارت همومها خادمة لمعاده، فلا يحزن على ما فات، ولا يفرح بما حصل إلا بقدر، وهذه هي الحياة الطيبة التي وعدها كل مؤمن ومؤمنة يعملان الصالحات. (ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا)، أي كثرت فتفرقت واختلفت، تأمل كيف صار هم الدنيا واحدا بكفاية الله، وكيف يكون متعددا بتركه لنفسه. (لم يبال الله في أية أوديته هلك)، ضمير (أوديته) يرجع إلى (من) وهو المكلف، اعتبرت هموم الدنيا بمثابة أودية له، وهي موضع الظلمة والضيق، ونفي المبالاة كناية عن إيكاله لنفسه فلا يكون معه بالتسديد والتوفيق فيهلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وٱله وسلم لفاطمة رضي الله عنها: "أيعجزك أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين". وفي الحديث: * كثرة هموم الناس في الحياة. * تشوش البال والفكر بها. * الطريق إلى تلافي هذا التشوش. * إرادة المؤمن ٱخرته بدنياه. * تميزه بوحدة القصد من كل أعماله. * توقف سكينة النفس وراحتها على ذلك. * فيه ما يجمع شتات الفكر ويضبطه. * ترتيب أولوية الاهتمامات. أيها المؤمن أقم ما دل عليه الحديث في كل أعمالك؛ تقف على مصداقه في نفسك. = 1 سبتمبر 2024

الخاطرة 560

أين رد حكومات المسلمين (السنية) على تغريدة حاكم إيران التي أوضح فيها أن معركة الروافض الحقيقية هي بين اليزيدية والحسينية يعني بين السنة والشيعة، فظهر كذب الروافض وتضليلهم الذي انخدع به الأغرار الجاهلون، فهل تتحرك هذه الحكومات لتتدارك بعض ما فرطت فيه من نصرة أهلنا في فلسطين، والحرب لم تعد مقتصرة على غزة؟؟ = 2 سبتمبر 2024

الخاطرة 561

إذا علمت أن المخالف إنما يريد الجدال واللجاج لا الوصول إلى الحق، أو يشتري بموقفه ثمنا من الدنيا من حاكم أو جماعة؛ فاجمع بين أمرين: الإعراض عنه، والمضي في الدعوة، فما ذلك بعجز. حافظ على وقتك، وصن طاقة فكرك، وابتعد عن الانتصار لنفسك، وأنت واجد بعد هذا من يستجيب ومن ينتفع. قال الله تعالى: "فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المؤمنين"، وقال: "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى". = 3 سبتمبر 2024

الخاطرة 562

مما اشتمل عليه كتاب (المخرج من تحريف المنهج) الكلام على الأكل بالدعوة لقرائن لفتت انتباهي منذ ما يقرب من عشرين عاما، وتجد في الطبعة الثانية منه بعض ما أذكره هنا. إذا رأى ذوو المال من تطمئن إليه نفوسهم من الأئمة والدعاة وظنوا أنهم ينفعونهم، أحبوهم فأكرموهم، لأنهم يرون ذلك خدمة لدينهم. وما أتى المسلم من ذلك من غير استشراف؛ فلا بأس أن يأخذه، وما ليس كذلك فلا، وقد قال النبي صلى الله عليه وٱله وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد انقبض عما أعطاه: "ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك"، وهذا في عطاء الحاكم، والمال العام لا منة فيه من المعطي على المعطى، فكيف بالمال الخاص؟ وفيه تقييد الأخذ بأمرين: - عدم التطلع. - وترك السؤال والأول باطن، فيه حض للمؤمن على استبطان دخائل نفسه كي يعالجها. أما السؤال فظاهر، وهو أخطر من الاستشراف. وربما ظن المرء أنه بمعزل عنه، فإن تمادى على قبول ما يعطى؛ بلغه، ثم دلف إليه الطمع، فاستساغ السؤال بالتعريض، ثم انتهى إلى التصريح. وهو واجد ما يتكئ عليه من صنوف الحاجات المرتبطة بالدعوة. وكثيرا ما تلتبس خدمة الدعوة بخدمة الداعي، فيفتقر إلى حاسة من الاستعفاف عالية، تقف به حيث ينبغي في علاقته بذوي المال. ويناسب المقام حديث أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وٱله وسلم أنه قال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس"، رواه ابن ماجة والحاكم. وفي سنن ابن ماجة عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وٱله وسلم فقال: عظني وأوجز"، قال: إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدا، واجمع الإياس، مما في أيدي الناس". وقال: شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه استغناؤه عما في أيدي الناس". فهذا ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن عموما، فكيف بالداعي الذي هو محط أنظار الناس، وموضع القدوة عندهم؟؟. ولا أحسب أن في الدعاة المشهورين من بلغ به الأمر حد الفاقة الناشئة عن إنفاقه ما بيده، أو عن تحريه وورعه، أو عنهما معا. وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وٱله وسلم: إني أحبك، فقال له: "استعد الفاقة"، فهذا والله أعلم هو الذي يتجه المراد به من الحديث. إن هذا السلوك المقام على هذا القدر العالي من ملاحظة خفايا النفس، والتحري في صلتها بالناس؛ يحمي الداعي من الارتباط المصلحي الذي يؤثر على مساره، وقد يخدش سمعته، ويتحرر به من سلطان الإحسان وهو شديد على النفس، فيكون إرضاء ربه غايته. قال القرطبي في شرحه لحديث عمر المتقدم: "فيه ذم التطلع إلى ما في أيدي الأغنياء، والتشوف إلى فضوله، وأخذه منهم، وهي حالة مذمومة، تدل على شدة الرغبة في الدنيا، والركون إلى التوسع فيها، فنهى الشارع عن الأخذ على هذه الصورة المذمومة قمعا للنفس، ومخالفة لها في هواها"، انتهى. وقال ابن جماعة رحمه الله: "وأقل درجات العالم أن يستقذر التعلق بالدنيا، لأنه أعلم الناس بخستها وفتنتها، وسرعة زوالها، وكثرة تعبها ونصبها، فهو أحق بعدم الالتفات إليها، والاشتغال بهمومها"، انتهى. أن تنصح لأخيك ورفيقك في الدعوة إلى الله حين ينفع النصح؛ فذلك من الواجب له عليك، أما أن تسكت وعلاقتك به وطيدة، وقد تكون من المطرين له، الغالين في مدحه، ثم ترجع إلى الماضي تفتشه لتعثر على ما تريد بعد أن ساءت علاقتكما؛ فهذا ليس إلا انتقاما لنفسك، وقد تظنه خادما لسمعتك، وتتجاهل أنه غيبة إذا كان ما رميته به حقا، وإلا فهو بهتان، مع ما ينبئ عنه من من اضطراب في المزاج واختلال في الميزان، وأثره على الدعوة باد للعيان. 5 ربيع الأول سبتمبر 2024

الخاطرة 563

كتبت الخاطرة التي تحت هذه بعد اغتيال إسماعيل هنية رحمه الله في طهران وتهديد دولة إيران الصهاينة بالانتقام، فرأيت إعادة نشرها للمناسبة بعد توالي اغتيالاتهم لمسؤولي حزب إيران، في لبنان، وانتهى الأمر إلى قتلهم رئيس هذا الحزب نفسه يوم أمس. وإنك لتعجب من توالي هذه الاغتيالات بهذه السهولة مع ما لدى هذا الحزب من قدرات مالية وخبرات تنظيمية واستخبارات ووسائل لا يتوفر إلا على القليل منها إخواننا في غزة، ومع ذلك ما وصل ال ي ه و د إلى معرفة شيء من أسرارهم ومواقع الأسرى عندهم وقادتهم مع ضيق المساحة وطول الحصار وقوة المراقبة ومواكبتهم وتوثيقهم بالصورة ما يقومون به من عمليات وكمائن يثخنون بها في جنود العدو وٱلياته. وأحسب أن من أسباب توالي هذه الاغتيالات تخلي هذا الحزب عن نظام الاتصال الذي لغمه واخترقه الصهاينة فعوض بالاتصالات المباشرة فكان ما كان. يبدو أن إيران دخلت مرحلة جديدة ستنتهي بفك ارتباطها بأذرعها العسكرية بالتدريج نتيجة تحسن علاقتها بدول الخليج ولاسيما المملكة السعودية وجمود الوضع في اليمن بل استتبابه لصالح الحوثيين، وهكذا حكم النصيريين في سوريا ورجوعها لجامعة الدول العربية، مع قرب انتهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق المتستر بالتحالف الدولي ضد الإرهاب، ومن ذلك أن تلهي إيران الغرب عنها لتستكمل ما بقي لها من مسار امتلاك القنبلة النووية. 25 ربيع الأول 1446=

الخاطرة 564

قال الله تعالى: "وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ"، فاحرص على ذكر ربك بما ورد عن نبيك عليه الصلاة والسلام من الأذكار حين تقوم. * إذا قمت من نومك، فقد قال النبي صلى الله عليه وٱله وسلم: "من تعار في الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفر لي أو قال ثم دعا؛ استجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى تقبلت صلاته". * وحين تقوم من مجلسك، لقول نبينا عليه الصلاة والسلام وعلى ٱله وصحبه: "من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك". * وتقول هذا أيضا بعد قراءة القرٱن ولو لم تقم من مجلسك. * فإذا قمت إلى الصلاة فاستفتحها بقولك: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، أو بغيره من المأثور عن نبيك صلى الله عليه وٱله وسلم. ربيع الثاني 1446=

الخاطرة 565

- حديث عظيم في فضل الجهاد من من أهلنا في غزة والضفة الغربية في أرض فلسطين لم ينله شيء مما هو في هذا الحديث: من قتل أو جرح أو نكبة من نكبات فقد الأحبة والأهل والتهجير والتجويع والترويع خلال أكثرمن عام؟، فاللهم اجمع لعبادك المجاهدين بين النصر والتمكين وحقن دماء المستضعفين يا قوي يا متين. قال نبينا صلى الله عليه وٱله وسلم: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة؛ فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل في سبيل الله من نفسه صادقا، ثم مات أو قتل؛ فإن له أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة؛ فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت: لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، ومن خرج به خراج في سبيل الله؛ كان عليه طابع الشهداء". رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن معاذ رضي الله عنه. * فواق ناقة: هو ما بين الحلبتين من الوقت حيث يترك الفصيل ليرضع ثم تحلب مجددا. * الخراج: ما يخرج من الجسد من الدمل والصديد. ليلة الخامس من ربيع الثاني 1446=

الخاطرة 566

- تعجيل الجمعة عقب الزوال عن أم المؤمنين عائشة رضي لله عنها أن النبي صلى الله عليه وٱله وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس". وعن أنس رضي الله عنه قال: "كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة". وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة... الحديث. دلت هذه الأحاديث وغيرها مما لم يذكر على أمور: * الترغيب في التبكير إلى صلاة الجمعة التي توافق عيد المسلمين الأسبوعي. * وأعظم ما جاء في التبكير من الفضل الذي لا يعرف له نظير في الأدلة الخاصة -مع استكمال الخصال المشترطة- هو قوله عليه الصلاة والسلام وعلى ٱله: "من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع وأنصت، ولم يلغ، كان له بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عمل سنة: أجر صيامها وقيامها"، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أوس بن أوس رضي الله عنه. * وفيها أن النبي صلى الله عليه وٱله وسلم كان يبادر بصلاة الجمعة عقب الزوال. * والساعات التي نص على فضلها تنتهي بالزوال، لأنه الفاصل بين نصفي النهار. * أما الرواح فيراد به مطلق الذهاب بالقرينة، وإن كان في لغة العرب يذكر في مقابل الغدو غالبا. * سمى العلماء الساعات الإثنتي عشرة بالساعات الٱفاقية، وهي متساوية المقدار، تطول وتقصر تبعا لطول النهار وقصره. * ويترتب على تأخير الخطبة عن الزوال أن يفوت كثير من الناس الحصول على أجر أي من الساعات المذكورة، لربطهم بين المجيء إلى المسجد والأذان الثاني أو قرب وقته. * لا يبرد بصلاة الجمعة كما هو الشأن في الظهر، ومبنى ذلك التزاحم بين مصلحة التبكير العظيمة الفضل، ومصلحة الإبراد التي ترتب عليها مشقة طول مكث المبكرين في المسجد، وتفويت بعض مصالحهم عليهم. * ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يراعي حضور الناس وغيابهم في الإقامة للصلوات غير الجمعة. * ومن مظاهر ما سبق أن الناس كانوا لا يتغدون إلا بعد الصلاة بسبب التبكير، وكانوا إذا رجعوا يتتبعون الفيء لقصره حتى ذهب بعض أهل العلم إلى جواز صلاة الجمعة قبل الزوال وهو مذهب أحمد رحمه الله. * ويتمم الرفق بالناس تقصير الخطبة وتطويل الصلاة كما جاء في السنة. * وتعود كثير من الناس على التأخر ليس حجة في التأخر عن الزوال لأن الأمر بيد من يؤمهم. * لم تذكر الساعة السادسة في حديث أبي هريرة إما لأن الساعة الأولى يحصل فيها الاستعداد والتهيؤ للصلاة أو لأن هناك منزلة أخرى حذفت بين الرابعة والخامسة، وقد أشار إلى ذلك الحافظ مستدلا بما في بعض الروايات من الزيادة معلقا هذا القول على ثبوتها، والله أعلم. 5 ربيع الثاني 1446=

الخاطرة 567

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”من لم يغز أو يجهِز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير، أصابه اللَّه بقارعة قبل يوم القيامة”، رواه أبو داود، وابن ماجه. أيها المؤمنون إن الخطب والله جلل، وسكان غزة يعاملهم العدو جميعا باعتبارهم مقاتلين، وهم يتعرضون لإبادة غير مسبوقة تحت سمع القريب والبعيد، فإياكم وهذا الوعيد، احرصوا أن يكون لكم سهم من تلك الأسهم، اختاروا منها ما به تقتنعون، عسى أن تنجوا من قارعة تصيبكم في الدنيا كيفما كنتم حكاما أو محكومين. 26 ربيع الثاني 1446=

الخاطرة 568

(1) بسم الله الرحمن الرحيم اختصت سورة الرحمن بافتتاحها بهذا الاسم، وهو مناسب أعظم المناسبة لما فيها من تعداد النعم التي عقب عليها بهذا الاستفهام الموجه للإنس والجان: "فَبِأَيّ ٱلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ". والٱلاء هي النعم جمع ألي بفتح الهمزة وكسرها وسكون اللام، والاستفهام لتقرير ضد المستفهم عنه، وهو التكذيب بنعم الله، أي إنكارها، كما قال تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا". ولعل تسمية هذه السورة بعروس القرٱن لكثرة ما فيها من النعم، ولما فيها من تفصيل القول في صفات نساء الجنة قال ابن القيم رحمه الله: فاسمع صفات عرائس الجنات ثم * اختر نفسك يا أخا العرفان وقد روى البيهقي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وٱله وسلم قال: "لكل شيء عروس وعروس القرآن سورة الرحمن"، وقد أورده السيوطي في الإتقان، وهو ضعيف. وقد روى الترمذي عن جابر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى ٱخرها فسكتوا، فقال: قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: "فَبِأَيّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"، قالوا: "لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد". قلت: لعل الصحابة امتنعوا من قول ما قالته الجن لتعودهم على بناء أقوالهم وأعمالهم المتعبد بها على التلقي منه عليه وعلى ٱله الصلاة والسلام، أما الجن فلا يعلمون هذا الأمر، فأقدموا على ما قالوا فوافقوا الحق فأقروا عليه، فلا يكون في هذا الحديث تفضيل الجن على الصحابة في هذا الأمر، والله أعلم... يتبع. ليلة 6 جمادى الأولى نوفمبر 2024

الخاطرة 568

(2) النعم المعقب عليها في سورة الرحمن بقوله تعالى: فَبِأَيّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"؛ ثلاثة أقسام: * الأول نعم هذه الحياة من تعليم القرٱن، وخلق الإنسان، وتعليمه البيان، وما خلق منه الإنسان والجان، وغير ذلك من أنواع المخلوقات، وفي ختام ذكرها جاء الخبر بالفناء فقال تعالى: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ويَبْقَى وَجْهُ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ". * والقسم الثاني هو كالتمهيد لذكر نعم الٱخرة حيث تجزى كل نفس بما كسبت، فكان مناسبا أن يفتتح بهذا التهديد قال تعالى: "سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ"، وهذا التعجيز للإنس والجان أن يفلتوا فيخرجوا من هذا العالم وما هم بمستطيعين: "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ"، وبقوله: "يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ". * والقسم الثالث ذكر بعض ما يحدث من أمر الساعة ثم ما أعد الله لأعدائه وأهل معصيته، وما أعد لأوليائه وأهل طاعته ابتداء من قوله تعالى: " فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ". وقد جاء التعقيب في هذا القسم على كل فرد من أفراد النعم لأنها هي الحقيقية الدائمة، حتى إن وصف الجنتين بأنهما شديدتا الخضرة (مُدْهَامَّتَانِ)، أفرد له تعقيب...يتبع 8 جمادى الأولى 1446=

الخاطرة 568

(3) اختلف المفسرون هل كل ما عقب عليه بقوله تعالى: "فَبِأَيِّ آلَاءِ ربكما تكَذِّبَانِ" في سورة الرحمان؛ هو من جملة النعم أولا، وذلك في تسع ٱيات ابتداء من قوله تعالى: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، إلى قوله تعالى: "هذه جَهَنَّمُ الَّتِي يكذب بِهَا الْمُجْرِمُونَ"، والحق أنها نعم مبدؤها فناء هذه الدنيا الذي يعقبه البعث والجزاء، فإنه مٱل كل ما سبق، وإذا كان موت المؤمن راحة له فكيف باستقراره في الجنة ؟؟. قال الزمخشري: "فإن قلت: ما النعمة في ذلك؟، قلت: أعظم النعم(!!!)، وهي مجيء وقت الجزاء عقب ذلك. قلت: اسم ربنا ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ مناسب للمقام فإن الجلال - وهو العظمة - مناسب للعقاب، والإكرام - وهو من الكرم - مناسب الحفاوة والثواب. وقال ابن كثير: "ولما أخبر الله تعالى عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة، وأنهم سيصيرون إلى الدار الٱخرة، فيحكم بينهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل، قال: "فبأي ٱلاء ربكما تكذبان". وقال أيضا: "ولما كانت معاقبته للمجرمين وتنعيمه للمتقين وعدله ولطفه بخلقه، وكان إنذارهم له من عذابه وبأسه مما يزجرهم مما هم فيه من الشرك والمعاصي وغير ذلك قال ممتنا بذلك على بريته: "فَبِأَيّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"... يتبع. ليلة 11 من جمادى الٱخرة 1446=

الخاطرة 569

لو أن الشيخ سالم الطويل وفقه الله لكل خير اكتفى بما سبق له من الكلام المتكرر على ما يجري في غزة لكفاه في بيان ما ارتضاه من المواقف التي نخالفه في أكثرها، ونقر احتمال الاختلاف في بعضها، لكن المستغرب أنه لا يفتأ يجدد موقفه ويطوره حتى أفضى به إلى درجة من الباطل لم يبلغها من قبل، وهو اعتماده على النظم الدولية وقوانين الأمم المتحدة لمنع قتال الظالمين المعتدين المحتلين بصريح قوله أو بلازمه، وأكتفي هنا بالتعليق على بعض ما سجله بصوته مجملا ذلك في وقفات: أولاها: ذكر أنه مشفق متألم لما يعاني منه سكان غزة مع أنه لا يرى مشروعية الجهاد فيها.. فهل إطعام الجوعى وسقي العطشى وكسوة العراة وإيواء المشردين وعلاج المرضى غير مشروع عنده؟ إذا كان يرى ذلك مطلوبا فلنسمع منه تسجيلا يدعو فيه إخوانه المسلمين عموما وبني بلده خصوصا إلى إغاثة إخوانهم المؤمنين وإسعافهم بل إنه قادر على تسيير قوافل إغاثة لقرب بلده من إخوانه المستضعفين، فهل فعل؟ والثانية أنه ينكر على من يدعو جيوش العرب والمسلمين إلى قتال العدو الجائر ويتهمه بالجهل والسذاجة ويحتج بأن العرب لم يدخلوا حربا مع محمية الشيطان منذ خمسين عاما! فيقال للشيخ: هل تخلي المسلمين أفرادا أو دولا عن أحكام الله مدة ما يعتبره الشيخ مسقطا عنهم ما أوجب الله عليهم؟ هذا من أغرب ما سمعت. على أننا لا نطمح إلى القتال المباشر من هذه الدول، فهل هي عاجزة عن التفكير فيما صنعته دولة الروافض من أذرع عسكرية خلال نحو أربعين عاما، مع أن بداية حرب الدول العربية لل ي ه و د مر عليها أكثر من سبعين عاما، ولننزل لنقول ما أكثر الوسائل التي بإمكان دول المسلمين اعتمادها ولها من التأثير في العدو ومناصريه أكثر من القتال، فهل دعا الشيخ سالم إلى شيء منها وأيسرها قطع العلاقات مع محمية الشيطان كما فعلت بعض دول أمريكا الجنوبية، فكيف إذا وصل الأمر إلى إعانة بعضها للعدو وتعويضه بعض ما فقده من طرق إمداده بفتح بعض دول الطوق وما جاورها معابر لوصول ما يتقوى به على قتل المسلمين وتهجيرهم، في الوقت الذي تسد المنافذ دون أهل غزة ولاسيما من قبل أكثر دولة عربية سكانا وأقواها عسكرا وتسليحا. والثالثة أنه يقرر إن محمية الشيطان عضو في منظمة الأمم المتحدة ويحتج بالمواثيق الدولية التي تمنع اعتداء بعض الدول على بعض، وأن للزعماء معاهداتهم والتزاماتهم(!!!) فهل هذه المعاهدات والالتزامات مقدمة على أحكام الله وشرائعه ومع أن كلامه هذا عجب حيث تحول إلى محام عن ظلم الظالمين وتقديم معاهدة الكافرين على مناصرة المسلمين فهل هذه المحمية ومن يدعمونها التزموا بشيء من مواثيق هذه المنظمة وقرارات ما يسمى بمجلس الأمن إنهم لم يعيروها أدنى اعتبار منذ خمسة وسبعين عاما، وهل نسي أن أقوى دولة في هذه المنظمة وهي أم يرك ا ألد أعداء المسلمين قد قتل في عهد رؤسائها الثلاثة قبل بايدن في أفغانستان والعراق والصومال ملايين المسلمين وكم قتل في البوسنة والهرسك وفي ميانمار وغيرها تحت سمع وبصر أعضاء مجلس الأمن الدائمين؟؟. والرابعة يذكر الشيخ أن الدول العربية منشغلة بتنمية بلدانها وحياة شعوبها لا بالحرب والقتال ولها من الاهتمامات ما يصرفها عن الحروب التي لا تخفى ويلاتها على أحد.. فيقال: إن الذي شرع هذا القتال هو رب العالمين وأرحم الراحمين، وإن لازم هذا الذي قاله الشيخ الاستدراك على شرع الله، والجهاد فيه بشرطه ماض إلى يوم القيامة مع البر والفاجر، وماذا يقال عمن جاهد منذ أن انقضى العهد الذي كان ربنا عز وجل يعاقب فيه الظالمين بالقوارع السماوية ثم أوكل الأمر إلى عباده المؤمنين، فهل هؤلاء لم يكونوا مشغولين بحاجات شعوبهم ومن يرأسونهم والمسلمون الذي جاهدوا قرونا متطاولة كيف كان حال شعوبهم ووضعها؟ والخامسة: قول الشيخ إن الدول لا تقاتل مع المليشيات والأحزاب وإنما تقاتل إذا دعتها الدول كما دعت البحرين المملكة السعودية ودولة اليمن، فإعانة أهل غزة غير مشروعة حيث لا دولة فيها.. فنقول أين الحاكم الفلسطيني الذي يتولى الدعوة لنجدة بلده؟ إن القول بأن فلسطين فيها حاكم فيه تجوز كبير، إن من فيها إنما يتولى بعض الصلاحيات بتخويل من سلطات محمية الشيطان، وبينهما من التنسيق الأمني المحرم والتعاون الٱثم ما لا يخفى، واتفاق أوسلو قد أفرغ من محتواه فلا عبرة بهذا الحكم شرعا، فإذا اعتبرنا الفلسطينيين اليوم من غير حاكم تعينت إعانتهم في حربهم في غزة وفي غيرها، لأنها حرب دفع وهي لا يشترط في مشروعيتها ما يشترط في حرب الدعوة. وإذا اعتبرنا من في رام الله حاكما فليكن من يسوس غزة حاكما متغلبا على تلك الأرض وقد مر على تغلبه ثمان عشرة سنة، ولا يختلف عاقلان أن من فيها يتوفر على كثير من مقومات الحاكم الشرعي، ومن أبرزها الدفاع عن أرض الإسلام، وما جرى على هذه الأرض خلال أكثر من سنة أمر خارق للعادة في ظل ظروف لا يتوقع أحد أن تستمر الحرب فيها شهرا فكيف لو تلقى أهل العزة بعض الدعم المادي والمعنوي، وإذن فلا مجال للمقارنة بين هذا الحكم وبين الٱخر، ولا يضيره وصف دول الكفر وبعض الدول العربية له بالإرهاب وعدم الاعتراف ولنعتبر بإمارة أفغانستان التي لم تعترف بها دولة من دول العالم فما ضارها ذلك شيئا وهي ماضية في تثبيت حكمها وإرساء قواعد الدولة على أراضيها. هذا تقرير للواقع وليس تشجيعا لتجزئة أرض فلسطين، كما أنه ليس امتداحا لكل مخالفة عقدية أو منهجية في جماعة ما. والسادسة قول الشيخ ينبغي لمن يدعو الشباب إلى الجهاد أن يذهب هو لا أن يجلس في بيته ويدعو غيره والذي نعلمه أن المسلمين يتأتى لهم المشاركة في هذا الجهاد بأموالهم وبألسنتهم وبمقاطعتهم لسلع المعتدين وبدعاء رب العالمين، ومن لم يفعل فليكف شره عن إخوانه، على أن الٱمر بالمعروف قد يكون عاجزا عنه ولا يحول ذلك بينه وبين الدعوة إليه كالفقير يدعو إلى الصدقة والهرم يدعو إلى الجهاد. وبعد فإنني والله أتشوف إلى اللحظة التي يبلغني فيها خبر انتهاء هذه الحرب وكلما اتجهت لأستمع إلى الأنباء استحضرت هذا الأمر، ودعوت الله أن يحققه فبدايتها لم يكن لنا فيها خيار، والخوض في هذا الأمر الٱن لا جدوى فيه، إذ لا نملك إيقافها فلم نر لذمتنا براءة إلا بهذا الذي اخترناه والأمر إلى الله. ليلة 17 جمادى الأولى 1446=

الخاطرة 570

مما يصون الأمة ويحفظ وحدتها أن يعلم أفرادها ما لا بد لهم منه من علم الشرع، وأعظمه المعلوم من الدين بالضرورة، من الواجبات والمحرمات والمباحات فإن إقرارهم به هو الجامع لهم، ولأن جحده ردة، وينبغي للدعاة وأئمة المساجد أن يولوا مزيد عناية لباب الردة فيشرحوه شرحا وافيا ويفصلوه تفصيلا لعلهم يسهمون في تجنيب كثير من إخوانهم الخروج من دينهم، ومن ذلك الاستهزاء بشيء مما يعتقده المسلم دينا ولو كان مستحبا قال تعالى: "وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ". ليلة 18 جمادى الأولى 1446=

الخاطرة 571

إن الكثير ممن يتناولون ما ينشر بالتعليق لا يقرؤون، أو لا يفهمون ما يقرؤون قبل أن يعلقوا، وقد يفهمون ولا يكون عندهم ما يؤهلهم للنقد والاستدراك، ومن توفر على شيء من ذلك فقد تؤزه إلى ما يكتب خلفيات ورواسب يصعب التخلص منها، فيستصوب ما ليس بصواب، ويعترض على ما هو حق وصواب، ويستدرك حيث لا حاجة إلى الاستدراك، إنها معاناة ينبغي أن يصبر عليها كل من أقدم على كتابة شيء أو قوله ينفع به أمته. ولنضرب لهذا مثلا، فإنك إذا قرأت قول من قال (لا يفهم مسلم من دوران العاريات حول مجسم الكعبة إلا أنه استهزاء بالطواف أو بالكعبة أو بهما وكلاهما ردة)، فالمنشور مرتبط بالقيود التي فيه وهي (طواف عاريات حول مجسم الكعبة) مع قرينة وبساط هي الحال التي حصل فيها هذا الأمر، فإذا اختل شيء مما علق عليه الكلام بأن حصل تركيب في الصور كما قيل خرج الكلام عن موقعه، فانتفى الحكم المرتبط به، وقد ينتقل الحديث إلى من قام بإدماج الصور، فيكون الحكم عليه باعتبار قصده أو ما احتف بفعله من القرائن. وقبل هذا فليس في المنشور القول بردة معين فإنك إذا قلت إن هذا القول أو الفعل أو الاعتقاد ردة أو كفر أو شرك لا يلزم منه الحكم على الفاعل بذلك إذ قد يفقد الشرط أو يوجد المانع. وأما أن يفرح بالمنشور هذا ويغضب غيره فإن الحق مستقل عن عواطف الناس وميولهم، والغرض بيان الحكم كما يراه من كتب المنشور، وليس هو -ولله الحمد- ممن يركبون هذه الموجات والفتن ويستغلون العواطف للتهريج والتهييج ضد الحكام، ولا تلازم بينهما. أما أن يتأول بعضهم الكلام على غير وجهه فإن العتب على ذوي النوايا السيئة، والمقاصد الرديئة، وحسبك من ذلك قول الله تعالى عن ضربه الأمثال في كتابه: "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين". ليلة 18 جمادى الأولى 1446= على المؤمن المستبرئ لدينه وعرضه أن يلتزم أمورا: - أن يجتهد في معرفة الحق - أن يلتزمه قولا وفعلا سرا وعلنا - أن لا يتأثر بعواطف الناس وكثرة الموافقين والمخالفين - أن يركز على رد الباطل بصفته لا في شخص موصوفه إلا استثناء - أن تقوم دعوته على الرفق بإخوانه فإنه ما خالط شيئا إلا زانه. - أن يلجأ إلى الله سائلا إياه الثبات، والحمد لله رب العالمين. بن حنفية العابدين

الخاطرة 572

سورة الماعون قال السيوطي رحمه الله عن سورة الماعون وهو يذكر السور المكية التي ألحقت بها ٱيات مدينة: "قيل نزل ثلاث ٱيات من أولها بمكة، والباقي بالمدينة"، انتهى. قلت: اعتمد أهل العلم في بيان المكي والمدني بعد النقل على ضوابط منها المطرد ومنها الأغلبي، وقد ذكر هذه الضوابط السيوطي وغير. ومما يؤيد ما ذكره الحافظ السيوطي عن سورة الماعون ما اشتملت عليه السورة نفسها: * فمنه قول الله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ"، والمنافقون لا يكذبون بيوم الحساب علنا، ولأن النفاق لم يظهر إلا في المدينة، وقد عد العلماء ذكره في السورة أو في الٱية علامة على مدنيتها واستثنوا سورة العنكبوت. * ومنه قول الله تعالى: "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُون"، فإن الكفار لا يصلون، أما ما ذهب إليه الشيخ الطاهر بن عاشور احتمالا وهو أن المراد من وصفهم بالمصلين التهكم فبعيد، إذ الأصل في الكلام الحقيقة، والسهو عنها تركها وتأخيرها عن وقتها وعدم الاكتراث بها إلا أن يكون فعلها للتستر على النفاق، قال الله تعالى: "إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا". أما السهو فيها فمن وسوسة الشيطان، وحديث النفس، وهو ما لا يكاد يخلو منه مسلم، والمطلوب عدم الاسترسال، وتيمم ما يمنعه أو يقلل منه بتدبر القراءة والأذكار، وقد يحصل من الانشغال بالتدبر والاستغراق في المناجاة فلا يتناوله الذم أصلا. * ومنه قول الله تعالى: "الذين هُمْ يُرَاءُونَ"، وهذا مطلق يشمل الرياء بالصلاة وبغيرها وهو دأب المنافقين. * ومنه قول الله تعالى وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ"، أي ما يرتفق به من متاع البيت كالفأس والدلو والقدر ونحوها، فالمنافقون يجمعون بين المراءاة بالأعمال كي يمدحوا، ويسمع الناس بهم، وبين الامتناع مما هو يسير سهل عليهم لفوات الثناء عليهم. وفي السورة دليل على مخاطبة الكفار بفروع الشريعة ليكون ذلك زيادة في عقابهم وإن كانت لا تصح منهم ومما دل على ذلك أيضا: * قول الله تعالى: "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ". * وقوله: "وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا". * وقوله: "ووَيْل للمشركين الذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ على أحد التفسيرين في المراد بإيتاء الزكاة. قال الرازي رحمه الله في ختام تفسيرها: ولنختم تفسير هذه السورة بالدعاء: إلهنا هذه السورة في ذكر المنافقين والسورة التي بعدها في صفة محمد صلى الله عليه وٱله وسلم، فنحن وإن لم نصل في الطاعة إلى محمد عليه الصلاة والسلام وإلى أصحابه؛ لم نصل في الأفعال القبيحة إلى هؤلاء المنافقين، فاعف عنا بفضلك يا رحمن يا رحيم". ليلة 27 جمادى الأولى 1446=

الخاطرة 573

مراتب الشهداء روى الإمام أحمد والترمذي والبيهقي في شعب الإيمان رحمهم الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم يقول: "الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان، لقي العدو فصدق الله فقتل، فذلك الذي ينظر الناس إليه هكذا -ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوة رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم أو قلنسوة عمر-. والثاني لقي العدو فكأنما يضرب ظهره بشوك الطلح، جاءه سهم غرب فقتله، فذلك في الدرجة الثانية. والثالث رجل مؤمن خلط عملا صالحا وٱخر سيئا، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذاك في الدرجة الثالثة. والرابع رجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافا كثيرا لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذاك في الدرجة الرابعة". حسنه الترمذي والشيخ أحمد شاكر، وتعقبهما المحدث الألباني لجهالة أبي يزيد الخولاني رحمهم الله فأورده في سلسلة الأحاديث الضعيفة. يضرب ظهره بشوك الطلح: كناية عن ثقله عليه وكراهته له. سهم غرب: لا يعرف راميه أو على غير قصد منه. 27 جمادى الأولى 1446=

الخاطرة 574

تمتع بهذه الكلمات الطيبات، والتوجيهات النيرات، الصادرة عن الحافظ ابن كثير في تفسيره لكلام الحكيم الخبير، في قوله سبحانه: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْاَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ". قال: "فيه إشارة إلى أنه تعالى يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرٱن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الإضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال". 27 جمادى الأولى 1446=

الخاطرة 575

لا أشك أن أمتنا الإسلامية تمتلك من عناصر القوة المادية والمعنوية ما تتمكن به من الانطلاق في طريق النهوض المتدرج في مختلف المجالات لتستعيد بعض هيبتها، وتسترجع بعض كرامتها، فيصان دينها وأصولها من تدخل أعدائها، وتقلص من سيطرة رؤاهم عليها في اختياراتها وعلاقاتها ومواقفها. إن هذا العمل اليسير من المواجهة الهادئة لا يكلفها كبير جهد، لو تحركت العزائم، واستيقظت الهمم، ومواقف بعض هذه الدول وأخرى غير إسلامية في إفريقيا وآسيا وأمريكا شاهدة على نجاعة هذا القدر في إيقاف الانهيار الناتج عما تعانيه من أنواع الضغوط الفكرية والثقافية والإعلامية وصولا إلى العسكرية إن اقتضى الحال. وأخشى إن لم تشرع الأمة في هذا المسار الذي ذكرته فورا أن يستفحل طمع الأعداء فيها بزيادة استضعافهم لها، وما ذا بعد أن تسمع وزيرا للأوقاف في دولة عريقة يصرح بأن بلاده دولة علمانية؟ وليس الغرض إلا التصريح نفسه، بقطع النظر عن واقع هذا البلد التشريعي، واذكر ما يسمى بالديانة الإبراهيمية في دولة أخرى، واستحضر غير ذلك من خذلان المسلمين وإعانة أعدائهم عليهم، ومن صور الهزائم النفسية والأخلاقية التي يروج لها المتربصون بالأمة كي تصير أمرا عاديا مألوفا. ليلة 2 جمادى (2) 1446=

الخاطرة 576

علينا نحن المسلمين أن نجزم أننا استضعفنا أنفسنا أكثر من واقع حالنا، وخير ما يبرهن على ذلك ما يجري في غزة فإنه من أعظم العبر التي يتعين أن تستخلص، على ما ترتب على ذلك من التقتيل والتخريب والتهجير الذي لا نظير له. إن استضعافنا لأنفسنا هو الذي أغرى أعداءنا بنا وسهل لهم المضي في ابتزازنا وسوف لا يقف عند حد إذا لم نبادر إلى إعمال القدر الأدنى من التأبي على ما يراد بنا. قلت هذا لأني أتوقع شرا جديدا يلحق الأمة من هذا المغامر الوافد على البيت الأسود الذي أصدر وعيده وتهديده قبل أن يتسلم مقاليد الحكم بعد شهر من الٱن، وأتوقع أنه سيعمل في أربع مستويات هي: * مهادنة القوى العظمى وفي مقدمتها روسيا بوضع حد للحرب في أوكرانيا. * والثاني ابتزاز دول حلف الناتو مقابل ما يقدم لها من الدعم المادي والمعنوي، وقد شرع في ممارسة هذا الأمر من قبل. * والثالث زيادة الدعم لمحمية الشيطان دويلة العدوان والطغيان عجل الله بإنفاذ ما أوعد به شذاذ الآفاق فيها. * والرابع استئناف الضغط والتهديد لدول المسلمين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وقد حقق هذا المغامر كثيرا منه في عهدته الأولى. فعلى المسلمين أن يجدوا في إعداد ما يواجهون به هذا المتوقع حماية لدينهم من الأساليب التي يدفعون بها شره وما أكثرها لو أحسنوا التدبير وأمعنوا التفكير. ويناسب المقام أن أسوق هذه القصة وهي أن أحد فلاسفة اليونان كان إذا رأى امرأة حالية متزينة في مدينة أثنا يذهب إلى بيت زوجها ويسأله أن يريه فرسه وسلاحه، فإذا رآهما كاملين أذن لامرأته أن تتزبن، لأن زوجها قادر على حمايتها من داعر يغتصبها، وإلا أمرها بترك الزينة وترك الحلي"، وأنا لست من العري في شيء فاستخلص أنت العبرة التي رمتها من القصة. 2 جمادى (2) 1446=

الخاطرة 577

[سقوط النظام النصيري في سوريا] طفقت الدول المؤثرة في سوريا تظهر على السطح قبل أن ينقضي اليوم الأول من سقوط نظام طاغ عمر أكثر من نصف قرن، كل منها يسعى للتمكين لسياسته، وحياطة مصالحه، وإننا نحمد الله أن نقص عددها إلى النصف فإن الخاسر الأكبر هو إيران تليها روسيا. إن تصريحات ساسة البيت (الأبيض) لا تخفى دلالتها، ولاسيما ما قالوه بخصوص الأسلحة التي كانت بيد النظام البائد، ومعرفة مواضعها، وحرصهم على أن لا يصل إليها أحد، وأكبر ظني أنهم سيضغطون لتأسيس نظام فيه بعض الشبه بنظام بريمر الأمريكي حاكم العراق السابق إثر سقوط نظام صدام حسين رحمه الله، وأخطر ما فيه المحاصصة الطائفية، لذا نأمل أن يسعى قادة سوريا الجدد في درء مخاطر هذا التدخل منذ البداية جهدهم، ولله عاقبة الأمور. ليلة 8 جمادى الأخيرة 1446=

الخاطرة 578

سرورنا عظيم بسقوط طاغية سوريا وما نشأ عنه من كشف كرب إخواننا ورفع المظالم عنهم وبداية رجوع ملايين المهجرين إلى وطنهم وانحسار مد الروافض عن هذه الأرض وسينحسر عما جاورها إن شاء الله. هذا وغيره مما يسر ويفرح، لكن مخطط أمريكا ومحمية الشيطان وغيرهما قد أخذت طلائعه تتكشف بقصف مخازن الأسلحة وتدمير المعدات العسكرية في أنحاء سوريا وابتلاع أراض جديدة متاخمة للجولان المحتل مصحوب بصمت مريب، مما يعني أن المأذون فيه هو قيام دولة على مقاس الفاعلين الدوليين قد تكون منقوصة السيادة منزوعة السلاح إلا ما لا بد منه للشأن الداخلي، فهل هي اشتراطات أم مصادفات؟، وأيا ما كان الواقع فهل هذا ثمن مقبول مكافئ للخروج من ذلك الوضع الأليم الذي بدأ قبل نصف قرن ثم استفحل خطره منذ ثلاث عشرة سنة ؟؟، نحسن الظن بإخواننا وبعد نظرهم. 9 جمادى الٱخرة 1446=

الخاطرة 579

قال الحافظ ابن كثير رحمه عند تفسيره قول الله تعالى : "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" :وروينا عن أمير الجيوش، ومقدم العساكر، وحامي حوزة الإسلام، وسيف الله المسلول على أعدائه: أبي سليمان خالد بن الوليد - رضي الله عنه - أنه قال وهو في سياق الموت: "لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت عين الجبناء"، قال ابن كثير: يعني أنه يتألم كونه ما مات قتيلا في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه". قلت: هذا جهاده بنفسه رضي الله عنه، الذي لم يكفه، ومن جهاده بماله ما قاله عنه نبي الله صلى الله عليه وٱله وسلم: "أما خالد فإنكم تظلمون خالدا، فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله". ليلة 11 جمادى الٱخرة 1446=

الخاطرة 580

(1) هذه ثلاث ٱيات في سياق واحد: * في الأولى التعجيب من حال الفارين من أعدائهم مع كثرتهم أو من الطاعون فلم يمنع الفرار عنهم الموت، إذا لا يغني حذر من قدر: قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ". وقال تعالى: "قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا". * وفي الثانية الأمر بالقتال في سبيل الله، إذ النكوص عنه لا يؤخر الأجل كما تبين من حال الفارين، وهذا هو المقصود بالذات من السياق برمته. قال تعالى: "وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وقال تعالى: "قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ". * وفي الثالثة الترغيب في الإنفاق في سبيل الله، ليتم الجهاد المأمور به، فهو داخل فيه دخولا أوليا بدلالة السياق، إذ لا بد فيه من الأنفس والأموال، ومن لم يقدر فباللسان. قال تعالى: "من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". يتبع 17 جمادى الٱخرة ديسمبر 2024

الخاطرة 580

(2) موت الأمم وحياتها (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) اختلف المفسرون في سبب خروج هؤلاء من ديارهم على أقوال: * منها أنهم خرجوا خوفا من الموت بالطاعون، وهو عن ابن عباس، وعلى هذا معظم المنقول. * وقيل فروا خوفا من قتال أعدائهم، وهو قول ابن عباس الثاني. * وقيل هو مثل ضرب، وهو مروي عن عطاء رحمه الله. ويقوى الثاني الجملة الحالية (وَهُمْ أُلُوفٌ)، إذ المقصود أنهم كثر قادرون على قتال عدوهم، لكنهم جبنوا ففروا، إذ لا حاجة إلى ذكر العدد في الفرار من الطاعون حيث يستوي القليل والكثير فيه، وبقرينة قوله: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"، فإن المقصود من ذكر القصة الحض على القتال في سبيل الله. والألوف جمع ألف وهو جمع كثرة، ويجمع على ٱلاف، وهو جمع قلة، قال ابن مالك مبينا أوزانها: أفعلة أفعل ثم فعله * ثمت أفعال جموع قله وقد وازن الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري بين الروايات المختلفة في العدد اعتمادا على اللغة وهو مسمى الألوف، ليقرر أن أولى الأقوال في عددهم قول من حده بالزيادة على عشرة ٱلاف، فإن ما دونها لا يقال عنه ألوف. وقوله تعالى: "فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُم"، هو أمر كوني قدري عاقبهم الله به على فرارهم من قتال عدوهم، كي يستيقنوا أنه لا ينجي حذر من قدر، وأن ترك المطلوب خوفا مما في الغيوب مناكد للمرغوب. وقد اختلف في معنى إماتتهم على أقوال: * منها أن الله أماتهم ثم أحياهم بدعاء أحد الأنبياء ليستكملوا ٱجالهم، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره، ولا يعارض هذا بقوله تعالى: "قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيل"، فقد جاء مثله في قوله تعالى: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)، ومثله قصة أصحاب الكهف. * وقيل أصابتهم ٱلام وأوجاع برحت بهم حتى كانوا في درجة بالغة من الضعف. * وقيل هو موت معنوي بما كانوا عليه من الذل والهوان والخنوع والجبن، فانحلت رابطتهم، وتضعضت وحدتهم، وصاروا تابعين لغيرهم في وجودهم، وهو أمر تصاب به الأمم كحال المسلمين اليوم، عجل الله لهم بالفرح. وهذا الضرب من الموت غير منكور، يدل عليه قوله تعالى: "أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ"، وقوله تعالى: "اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ"، وقد ذهب إلى هذا المعنى صاحب المنار، وقد قيل: ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيبا * كاسفا باله قليل الرجاء وقد جاء عطف أمر الله الكوني بموتهم بالفاء المفيدة للتعقيب على خروجهم، أما إحياؤهم فقد عطف بثم المفيدة للتراخي، فحصل موتهم المعنوي بمجرد فرارهم، وتباطأ إحياؤهم، لأن استرجاع الأمة مكانتها ونهوضها من كبوتها ليس كحال الفرد يتعافى في وقت قصير، فلا بد في نهوض الأمة من مراحل ومناقل من الإصلاح والجهاد. "إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ"، ومن فضله أن أحيا هؤلاء بعد الموت وأن جعل للناس فيهم عبرة وعظة كي لا يتركوا ما أوجب الله عليهم خوفا من غيب لا يعلمونه حتى يقع . "وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ"، أي أكثر الناس لا يقومون بحقوق هذه النعمة، ولا يعون ما في هذه القصة من العبرة فيجتنبون ما عاقب الله به هؤلاء ... يتبع ليلة 25 جمادى الٱخرة 1446=

الخاطرة 580

(3) موت الأمم وحياتها تابع قال الشيخ محمد رشيد رضا في بيان معنى موت الأمم وحياتها وهو ما ذهب إليه في تفسير قوله تعالى: "فقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُم"، قال بعد كلام: "لأن المراد بيان سنته تعالى في الأمم التي تجبن فلا تدافع العادين عليها، ومعنى حياة الأمم وموتها في عرف الناس جميعهم معروف، فمعنى موت أولئك القوم هو أن العدو نكل بهم، فأفنى قوتهم، وأزال استقلال أمتهم، حتى صارت لا تعد أمة، بأن تفرق شملها، وذهبت جامعتها، فكان من بقي من أفرادها خاضعين للغالبين، ضائعين فيهم، مدغمين في غمارهم، لا وجود لهم في أنفسهم، وإنما وجودهم تابع لوجود غيرهم، ومعنى حياتهم عود الاستقلال إليهم . ذلك أن من رحمة الله تعالى في البلاء يصيب الناس أنه يكون تأديبا لهم، ومطهرا لنفوسهم مما عرض لها من الأخلاق الذميمة. أشعر الله أولئك القوم بسوء عاقبة الجبن والخوف والفشل والتخاذل بما أذاقهم من مرارتها، فجمعوا كلمتهم، ووثقوا رابطتهم، حتى عادت لهم وحدتهم قوية، فاعتزوا وكثروا، إلى أن خرجوا من ذل العبودية التي كانوا عليها إلى عز الاستقلال . فهذا معنى حياة الأمم وموتها: يموت قوم منهم باحتمال الظلم، ويذل الٱخرون حتى كأنهم أموات، إذ لا تصدر عنهم أعمال الأمم الحية: من حفظ سياج الوحدة، وحماية البيضة، بتكافل أفراد الأمة ومنعتهم، فيعتبر الباقون فينهضون إلى تدارك ما فات، والاستعداد لما هو ٱت، ويتعلمون من فعل عدوهم بهم كيف يدفعونه عنهم.." ... يتبع 26 جمادى الٱخرة 1446= الموافق

الخاطرة 580

(4) بقية السيف هي الباقية أثرت هذه الكلمة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونسب إليه أيضا قوله: "بقية السيف أبقى عددا وأكثر ولدا"، يعني بها ما تخلفه الحروب في الأمم من الٱثار كالماثل اليوم أمامك في قطاع غزة عجل الله لأهله بالفرج. ومن المتداول عند علماء السكان أن عدد المواليد يكثر في أعقاب الحروب وغيرها من الٱفات المهلكة. والمقصود أن الأمة لا مناص لها من مواجهة أعدائها، تقاتلهم انتصارا للحق، وذودا عن الحرمات، فإن القتال من سنن الله الكونية في المجتمعات، يسميه علماء الاجتماع بتنازع البقاء، فتقحم الأمم له، وخوضها غماره؛ يؤهلها لتبوء مكانتها اللائقة وكرامتها المسلوبة، وقد لا يبقى من بعض الشعوب والأمم لذلك العهد الذي تسعى إليه إلا القليل، فإذا حصل هذا عوضت الأمة أعدادها بكثرة المواليد، وأبدلها الله حياة غير حياتها السابقة. أما الجيل الذي ألف المهانة والذلة فلا يصلح حاله غالبا، ولو قدرنا أنه اقتنع بحقيقة المدافعة؛ فلا يلزم أن يعمل على وفقها معظم أفراده، وانظر إلى قول الملإ من بني إسرائيل لنبيهم يذكرون ما يدعوهم إلى القتال، ومع ذلك ما وفى منهم بوعدهم إلا القليل: "قالوا ومَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ". أما الأمل فمعقود على الجيل الجديد الذي استيقن تلك الحقيقة ووطن نفسه على العمل على وفقها، وقريب منه ما جرى لقوم موسى عليه الصلاة والسلام حين أبوا أن يدخلوا الأرض المقدسة جبنا وخوفا من أعدائهم، فحرم الله تعالى عليهم دخولها تحريما قدريا كونيا وكتب عليهم التيه أربعين سنة انقرضوا خلالها إلا قليلا، بل قيل إنه لم يبق من ذلك الجيل إلا اثنان هما يوشع بن نون وكالب، كما ذكره ابن كثير، ثم جاء الجيل الذي دخل الأرض المقدسة بعد فناء جيل التيه الذي جمع إلى الجبن المتمرد على أنبياء الله، وكان اليهود يومئذ يواجهون جبابرة فلسطين العتاة، واليوم هم العتاة الطغاة يواجههم مسلمو فلسطين نصرهم الله . وقال الشيخ محمّد عبده في شرح نهج البلاغة مبينا معنى تلك المقولة: " بقية السيف هم الذين يبقون بعد الذين قتلوا في حفظ شرفهم، ودفع الضيم عنهم، وفضلوا الموت على الذل، فيكون الباقي شرفاء نجباء، وعددهم أبقى، وولدهم أكثر، بخلاف الأذلاء، فإن مصيرهم إلى المحو والفناء"... يتبع . 29 جمادى الثانية 1446=

الخاطرة 580

(5) تابع قال الله تعالى: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ". يخبر ربنا سبحانه أنه يدفع بعباده المؤمنين غيرهم من الظالمين، يكسرون شوكتهم، ويمنعون شرهم، فينحصر الباطل، أو يضمحل، وأن هذا الذي هداهم إليه، وشرعه لهم، هو من فضله عليهم، ولولاه لفسدت الأرض بغلبة الباطل عليها، فيظهر الفساد حسا ومعنى. هذا خبره عن سنته الكونية، أما ما كلف به عباده المؤمنين فمنه قوله: "قَاتِلُوهُمْ يعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ"، فأسند تعذيبهم إلى فعل عباده، وهو خالق أفعالهم . والمدافعة في سورة البقرة أو الدفع -حسب القراءتين- عامة تشمل كل أنواع دفع الباطل بالحق: بالقتال والمال وبالإعلام واللسان وبالجدال، وقطع العلاقات المتعددة حسب الإمكان. والمسلمون اليوم قد غاب القتال عن اهتمام أكثرهم أفرادا ودولا، وأقل ذاك الاهتمام تحديث النفس به والوعيد على تركه معروف. أولا تعلم أن الدول المحيطة بأرض فلسطين المجاورة لهذا الكيان المغتصب الطاغي باتفاقهم، وقد قاتلته قبل سبعين سنة وتكرر قتالها له ثانية وثالثة، لكنها فيما أعلم لا يوجد على أراضيها ملاجئ تحمي المدنيين في الحرب المتوقعة، أما عدوها فعقيدة القتال راسخة في نفوس أفراده وقادته، فهو يحسب لها حسابها، ومن ذلك أن يبني ملاجئ يحتمي بها الملايين عند الضرورة. إن المسلمين وإن كانوا عاجزين عن القتال الذي يواجهون فيه عدوهم مواجهة عامة لتفريطهم؛ فإنهم قادرون على ما دونه مما سبق بيانه، فإذا لم يفعلوا أثموا وأورثهم ذلك استمرار ما هم عليه من الذلة والمهانة، والغالب أن يزداد حالهم ترديا وسوءا لأن أطماع الأعداء لا تقف عند حد، ولا يجدي عنهم فتيلا أسماء دولهم وأعلامها وجيوشها وسك عملتها . أما قول الله تعالى: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ"، فالظاهر أن المراد بالدفع فيه القتال الذي هو أقوى صور المدافعة ونهاية مطافها، وقد علل التخلي عن هذه المدافعة بهدم خير ما في العمران وأنفعه، وهو بيوت العبادة التي خلق الخلق لها، ثم إنها قد جاءت بعد الإذن للمسلمين في القتال، نسأل الله السلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار . 29 جمادى الثانية 1446=

الخاطرة 581

إذا رأيت من رجع عن الحق الذي كان يدعو إليه فاعلم أنه لم يكن على يقين منه، فقد قيل إن الرجوع عن الحق بعد اليقين فيه كاليقين في الحق كلاهما قليل في الناس. = 2 يناير 2025

الخاطرة 582

قال الله تعالى: "وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" يعادي الغرب الدول المسلمة لأجل دينها، وغير المسلمة لاستقلالها عنه، فسياسته الخارجية قائمة على تجريد المسلمين من دينهم، والهيمنة عليهم وعلى غيرهم، فأعمل هذا الميزان يتبين لك موقع كل دولة. = 3 جانفي 2025

الخاطرة 583

كل تغيير في أنظمة الدول الاسلامية السياسية يرضى عنه الغرب أو يسكت عليه فإما أن يكون هو وراء حدوثه، أو لاطمئنانه إلى تغييب الإسلام عن نظمه وقوانينه بدرجة ما، بمراعاة حال كل دولة، أو للتبعية في المصالح والنفوذ، فإن اجتمعا -وكثيرا ما يجتمعان- فهو أفضل ما تصبو إليه دول الغرب . =5 جانفي 2025

الخاطرة 584

قولوا لمسؤولي الغرب!!!: - نحن أهل ذمة ووفاء بالعهود. - فمصالحكم التي تكفلها لكم الأعراف السوية نقرها. - وجاليتكم لا ضير عليها في بلادنا. - ولا ينالكم أذى ينطلق من أرضنا. - واستثماراتكم تكون وفق أولوياتنا. - والاقتصاديات مبناها المصالح بينتا - ولنا أن ندفع عن أنفسنا وعن المظلومين من أمتنا. - ونحن أحرار فيمن نختار التعامل معه. - ولا نقبل التدخل في نسقنا التربوي والتعليمي والثقافي. - وقد أبطلتم كثيرا من المواثيق الدولية بمواقفكم من مأساة العصر في غزة وعونكم لمحمية الشيطان. - لا نقبل مقايضتنا رفع العقوبات بالتخلي عن أي شيء من هويتنا. - نرضى أن نعيش على ثلث بطوننا إذا اقتضى الحال(!!!). - لا نحتاج إلى من يذكرنا بمراعاة حقوق الفئات والأقليات في مجتمعنا. - لسنا بحاجة إلى قواعد عسكرية من الشرق أو من الغرب. - من حقنا أن نؤيد المظلومين والمضطهدين أنى كانوا. = 5 جانفي 2025

الخاطرة 585

الغفلة كافية لدخول النار قال الله تعالى: "إنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ". وقال تعالى في: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ". في الٱيتين الأوليين موبقات ثلاثة وفي التي بعدهما واحدة تقوم مقامها تورث الخلود في النار، وقانا الله وإياكم منها، وهي: * عدم الخوف من لقاء الله، أو عدم توقع لقائه، حيث الحساب والجزاء، وعبر عنه بالرجاء بمعنى التوقع لأن العاقل إذا ظن الخطر توقاه، فكيف إذا استيقنه؟ وما أندر اليقين في الناس!! قال المعري: قال المنجم والطبيب كلاهما * لا تحشر الأجساد قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر * أو صح قولي فالخسار عليكما طهرت ثوبي للصلاة وقبله * طهر فأين الطهر من جسديكما؟ * ويترتب على عدم توقع الجزاء أمران: أولهما الرضا بالحياة الدنيا بدلا عن الٱخرة، فيصرف الهم إليها وحدها، كما قال الله تعالى منكرا على المؤمنين التثاقل عن الجهاد: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ. * والثاني الاطمئنان بالدنيا، أي سكون النفس وارتياحها لشهواتها ولذاتها، قال الواحدي رحمه الله: "ففرحهم يكون للدنيا، وغمهم لها، ورضاهم وسخطهم لها"، انتهى، فهذه هي الثلاثة. * أما التي تقوم مقام الثلاثة فهي الغفلة عن ٱيات الله الكونية والمنزلة، لأن السبيل إلى اجتنابها منحصر في النظر فيهما، ولا يسع المقام البيان. فلهذا جاء ذكر الغفلة مستقلا باسم الموصول، وتقديم المعمول، والجملة الاسمية المفيدة الاستمرار والثبات. والمقصود الغفلة الكاملة كما قال تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ"، وقال تعالى عن ندم الكفار حين ظهور علامات القيامة: "يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ"، فإن حرف الجر (في) للظرفية المجازية، كأن الغفلة ظرف يحيط بهؤلاء، وقال تعالى: "وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا". أما ما دون ذلك من دركاتها فلا يكاد يسلم منه أحد على تفاوت كبير بين المؤمنين. ويمنع هذه القبائح العقدية الإيمان بمشمولاته الثلاثة، يهدي به الله أهله إلى الصراط المستقيم، فإن من أركانه الٱخرة، تؤثر على الدنيا، فلا يطمئن المؤمن إليها، ولا يرضى بها، وإن نال نصيبه منها. مكة في = 9 جانفي 2025

الخاطرة 586

- حرائق كاليفورنيا لولاية كاليفورنيا مكانة خاصة في المجالات الاقتصادية والثقافية والسياحية في أمريكا رأس الطغيان العالمي المعاصر. بها موقع أفلام هوليود الشهيرة في صناعة السينما، وبها قصور بعض مشاهير الممثلين، وفيها مساكن الأثرياء والمترفين، وهي الممثل التجاري لهذه الدولة برابع أكبر اقتصاد في العالمين، ويجتنى منها ما يقارب سدس الناتج المحلي لمجموع رقع هذه الدولة، وفيها ثاني أكبر المدن وهي مدينة لوس أنجلوس التي نالها الكفل الأكبر من الحرائق التي لم تعرف من قبل. فما أصاب هذه الولاية رمز هذه الحضارة الكافرة قد أصاب هذه الدولة في قلبها بقطع النظر عن ٱثار ذلك عليها. لكن على المسلم وهو يشاهد انتقام ربه عز وجل من الظالمين ألا ينسى أو يتجاهل أن مصاب الأمة عظيم في تفريطها في دينها، ومن ٱثار التفريط خضوعها لأعدائها، وقد تخلت دولها عن مدافعتهم بما تستطيع مما دون القتال وهو كثير ميسور. أما ما يصيب الله به عباده من القوارع، فهو من قدره المحجوب عنا، وقد يكون استجابة منه سبحانه لدعاء الضعفاء والمظلومين منا، ولو كافرين، فإن ربنا يعامل خلقه في الدنيا بمقتضى ربوبيته، ورحمته العامة داخلة فيها، وفي الٱخرة بمقتضى ألوهيته، فلا حظ لكافر حينئذ في رحمته، وقد قال: "وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ". ومع تقصيرنا في نصرة إخواننا فلنذكر لكثير من المسلمين ودعاتهم وعلمائهم وبعض حكامهم ما قاموا به على مختلف الأصعدة، مما أبقى على ترابط الأمة وتراحمها وتعاطفها نظريا بدرجة عالية متميزة، وإلا تكن هذه الجهود كافية لعظم المأساة فإنها مذكورة مشكورة. وعلى المسلم أن يعلم أن الله تعالى عاقب الظالمين في عصور خلت كقوم نوح وعاد وثمود وفرعون وغيرهم، ثم انتهى ذلك الانتقام العام واستبدل به جهاد أهل الحق لهم على وفق سنة الله الكونية في التدافع كما قال: "ولقد ٱتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس"، وقال تعالى: "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخزهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ". لكن هذا الذي نزل بأعظم الدول ظلما وأكبر الداعمين لمحمية الشيطان ماديا ومعنويا قبيل إنفاذ التهديد بجحيم يصيب الشرق الأوسط، أقول إن لهذا الاقتران بالمهدد به والذي وقع في كاليفورنيا دلالته، وقد تعلمنا من كتاب ربنا أن الطغيان متى بلغ ذروته، عجل الله نقمته: فإن ربنا بعد ذكره قول فرعون (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) عقب بقوله ( فَأَخَذَهُ اللَّهُ)، وقال عن عاد (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) ثم قال: "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"، وقال عن مجموعة من الطغاة الظلمة: (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرصاد). ولا ننسى أن بكاليفورنيا وعموم أمريكا مسلمين وكفارا متعاطفين مع الفلسطينيين، فنأسى لما أصابهم ونتألم للأضرار التي لحقتهم، وللمسلمين منهم عزاء بإيمانهم عما فقدوه فإن في الإيمان خلفا من كل فائت، وسلوى من كل حزن. أولا يكون هذا استجابة لدعاء ضعيف من المسلمين مغمور فكيف إذا كان مظلوما، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: "ابغوني في الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم"، وقال عليه وعلى ٱله الصلاة والسلام: "اتقوا دعوة المظلوم ولو كافرا فإنه ليس دونها حجاب"، وليس خافيا أن في غزة نحو ثلاثة ٱلاف نصراني فهم من جملة المظلومين، وقد خاب من حمل ظلما. = 11 جانفي 2025

الخاطرة 587

يا أهل غزة رحم الله موتاكم، وتقبل شهداءكم، وشفى مرضاكم، وعوضكم خيرا مما فقدتموه من عرض الدنيا القليل، ولا عليكم أن تقولوا لشانئكم وباخسكم تضحياتكم من العارفين المتجاهلين من الأفراد والهيٱت ووسائل الإعلام قول المتنبي: لقد زادني حبا لنفسي أنني * بغيض إلى كل امرئ غير طائل إذا ما رٱني قطع الطرف دونه * ودوني فعل العارف المتجاهل وإني بغيض للئام ولا ترى * بغيضا لهم إلا كريم الشمائل = 20 جانفي 2025

الخاطرة 588

كفوا عن العتاب المكشوف والملفوف دعوهم يفرحون بوقف الحرب الظالمة التي مولتها أقوى دول العالم، وخذلهم فيها المحسوبون عليهم دينا وعرقا، وما جرته من ويلات ومٱس لا يلقاها إلا الصابرون مثلهم وما أقلهم، والصابرون يوفون أجرهم بغير حساب، حق لهم أن يفرحوا بلقاء أحبتهم الذين انتظروا إيابهم طويلا: أَقِلّي اللَومَ عاذِلَ وَالعِتابا * وَقولي إِن أَصَبتُ لَقَد أَصابا أَجَدِّكَ ما تَذَكَّرُ أَهلَ نَجدٍ * وَحَيّاً طالَ ما اِنتَظَروا الإِيابا = 20 جانفي 2025

الخاطرة 589

(1) قال الله تعالى: "وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا". إن الاختلاف في تفسير هذه الٱية مثال جلي لاختلاف المفسرين الناتج عن عدم التزام ما نقل عن السلف في التفسير. فقد قيل إن المقصود بها الٱخرة لما قبلها من قوله تعالى: "فَاللَّهُ يَحْكُمُ بينكم يوم الْقِيَامَةِ"، وهذا هو الحق كما ستعلم. وقيل المراد بذلك الدنيا ثم اختلفوا فيما وراء هذا على أقوال: أولها أن المراد خصوص من نزلت فيهم وقد تحقق لهم وعد الله. والثاني أن المقصود غلبتهم بالحجة والبرهان لأنهم أصحاب الحق. والثالث هو حملها على عموم الغلب في الدنيا والٱخرة. قال في زاد المسير فيه ثلاثة أقوال: - لا سبيل لهم عليهم يوم القيامة. - أن المراد بالسبيل الظهور عليهم، يعني أن المؤمنين هم الظاهرون والعاقبة لهم. - والثالث أن السبيل الحجة يعني فيما فعلوا لهم من القتل والإخراج من الديار. ولهذا الخبط في تفسير هذه الٱية قارب بعضهم أو وقع في تكفير المسلمين لأن واقعهم حسب فهمه يدل على أن الله جعل للكافرين عليهم سبيلا. ومن هذا القبيل ما قاله الشيخ المحدث أحمد بن محمد بن الصديق العماري رحمه الله في خاتمة كتابه (مسالك الدلالة في شرح متن الرسالة) وهو يذكر التعصب والتقليد وترك أدلة الكتاب والسنة قال: "قد قال الله تعالى وقوله الحق ووعده الحق: "وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا"، مما هو أصرح دليل وأوضح برهان على أن الموجودين تحت حكم الكفار ليسوا بمؤمنين ولا من حزب الله الله المفلحين، وكيف وقد نفى الله عنهم الإيمان ولم يكتف بذلك حتى أقسم بذاته المقدسة فقال: "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"؟؟ اهـ قلت: لو جارينا من لم يقف عند تفسير السلف للٱية كما هو المطلوب -وسيأتي بيانه- لكان لازما أن يحمل لفظ المؤمنين على الفرد الكامل وما أقله في العصور المتأخرة فلا يحصل هذا الخلط في فهم مراد الله سبحانه. وحاصل ما جاء فيها من المنقول أنها وعد من الله تعالى أن لا يجعل للكافرين على المؤمنين حجة يوم القيامة، حيث يدخل المنافقين النار مع أن ظاهرهم كان الإسلام، حتى لا يكون ذلك سبيلا للكفار على المؤمنين، وهذا لما قبلها من قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا". ووجهه أن الٱخرة على الظاهر والباطن، والدنيا على الظاهر، فلو أدخل المنافقون الجنة لكان ذلك حجة على المؤمنين للكافرين لأنهم يعلمون كفرهم. قال شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري رحمه الله: "وذلك وعد من الله المؤمنين أنه لن يدخل المنافقين مدخلهم من الجنة ولا المؤمنين مدخل المنافقين، فيكون بذلك للكافرين على المؤمنين حجة، بأن يقولوا للمؤمنين -إن أدخلوا مدخلهم-: ها أنتم كنتم في الدنيا أعداءنا، وكان المنافقون أولياءنا، وقد اجتمعتم في النار، فجمع بينكم وبين أوليائنا، فأين الذي كنت تزعمون أنكم تقاتلوننا من أجله في الدنيا، فذلك هو السبيل الذي وعد الله المؤمنين أن لا يجعلها عليهم للكافرين". قلت: مبنى هذا الدين على إقامة الحجة ولو في الٱخرة التي هي دار جزاء لا تكليف، فإن حكم الله الجزائي الأخروي هو ثالث أحكامه بعد حكميه القدري الكوني وحكمه الشرعي بنوعيه التكليفي والوضعي، والثلاثة تنتظم الٱخرة والأولى. وقد نفى ابن جرير الاختلاف في تفسير هذه الٱية بالمعنى الذي ذكره وهو أنها في الٱخرة، وأن المراد بالسبيل الحجة قال: "فلا خلاف بينهم في أن معناه: ولن يجعل الله للكافرين يومئذ على المؤمنين سبيلا"، انتهى ولم يورد السيوطي في الدر المنثور غير ما ذكره ابن جرير. قلت: ويتأيد هذا بالسياق الذي أهمل في كثير من مؤلفات التفسير، وابن جرير رحمه الله ممن سبق إليه واعتمده كثيرا في الترجيح بين أقوال المفسرين. ومما يقويه أن قوله (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)، معطوف على قوله (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينكم يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وحملها على ما ذكرت يجمع بين المعطوف والمعطوف عليه في الزمان، وذلك أقوى من اعتبار زمانيهما مختلفين وهما الدنيا والٱخرة. ليلة = 20 جانفي 2025

الخاطرة 589

(2) تابع ولا يلزم من حمل الٱية على هذا المعنى أن يخلو ما نفى الله حصوله للمؤمنين من دليل ٱخر يتناوله وهو كثير في كتاب الله بعد أن يفهم على وجهه كقوله تعالى: "إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ"، وقوله: "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ"، وقوله: "وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ"، وما تواتر من قوله صلى الله عليه وٱله وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" . وإذا قل زاد المرء من أدلة الكتاب والسنة على الأمور الخاصة فكثيرا ما يلجأ إلى ظواهر النصوص وما فيها من عموم وذلك مقبول بقيده، ولا يصح الاعتماد هنا على مقولة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) لعدم التطابق بينها وبين ما نحن فيه. ويماثل هذه الٱية قول الله تعالى: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"، فإن سياقها يؤيد أن المقصود منها أرض الجنة، وفيها أقوال منها أنها الأرض التي يورثها الله المؤمنين في الدنيا، ومنها أنها في بني إسرائيل حيث دخلوا الأرض المقدسة يوم كانوا أفضل أهل زمانهم ثم رجعوا شرهم اليوم، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقيل هي أرض الأمم الكافرة ترثها أمة محمد صلى الله عليه وٱله وسلم. والعجب أن ابن جرير أوردها ولم يتعرض لها بما هي عادته رحمه الله من الموازنة والترجيح، أما ابن أبي حاتم فلم يورد غير رواية عن ابن عباس أنها أرض الجنة وعن أبي الدرداء أنه قال عنها (فنحن الصالحون)، ورحم الله القرطبي حيث رجح أنها أرض الجنة ثم قال لأن أرض الدنيا ورثها الصالحون وغيرهم. ليلة 21 من رجب 1446=

الخاطرة 590

ليس من منهجي أن أتمنى الأذى للمسلم ولو عظم أذاه لي، لما أؤمله من صلاح حاله، ورجوعه عن باطله، ولا من عادتي الإقذاع في القول والتفحش، وقانا الله وإياكم من ذلك. لكن الأذى الذي يلحق الأمة ليس كالذي يطال الفرد، فكيف بإيذاء من كان في مثل حال أهل غزة، قادة ومقودين، بدل مواساتهم، والعمل على تضميد جراحهم، والاستيناء بما عسى أن يكون للمرء من نقد وتعقب يريد به الخير والنصح إلى الوقت المناسب، فإن لكل مقام مقالا، والبلاغة كما يقولون مراعاة مقتضى الحال. لقد أذن الله للفرد في الرد على من ظلمه بقوله: "لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا"، ومعناه أن الله يكره الجهر بالسوء إلا من ظلم (بالبناء للمجهول) فهذا يجوز له أن يقول فلان ظلمني، أو إلا من ظلم (بالبناء للمعلوم)، فيجوز أن يقال له يا ظالم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته". أقل ما تتمناه لبعض رجال الإعلام في القنوات الفاسدة المفسدة كالقناة المسماة بالعربية ولبعض المتكلمين والخطباء والمحللين؛ أن تنقب حناجرهم فتختفي أصواتهم، ويقل شرهم وأذاهم للإسلام والمسلمين، ولإخواننا المنكوبين في غزة وفلسطين. والمناسبة فإن العرب يقولون عن الكلب إنه (نقيب) إذا ثقبت حنجرته أو غلصمته ليضعف صوته، فلا يعلو نباحه، يفعلون ذلك به لئلا يطرقهم ضيف يعرف ديارهم بنباح كلابهم، ومنهم من كان يطفئ النار بالبول لئلا يهتدي السابلة إلى بيوتهم من عظيم شحهم، وهذا على ذمة الأخطل الذي ذم خصومه بأهجى بيت قاله الهجاؤون: قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم * قالوا لأمهم بولي على النار والخبز كالعنبر الهندي عندهم * والقمح سبعون إردبا بدينار وليعذرني القارئ الكريم فيما يراه هنا من الإقذاع في القول، فإن الاستثناء في مقامه يؤكد القاعدة، وقد قال صديق هذه الأمة -وهو أرحمها بها- لمن غاظه بباطله: "امصص بظر اللات". = 21 جانفي 2025

الخاطرة 591

قال الله تعالى: "وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا". تخلت أم الدعارة والفجور عن مستعمراتها في إفريقيا من أجل الجزائر ومع ذلك استقلت ٱخر مستعمراتها في إفريقيا. فقدت في السنوات الأخيرة نفوذها السياسي والعسكري وهيمنتها الاقتصادية. ذهبت قواعدها العسكرية التي كانت تحمي الأنظمة الموالية لها. انتهى نهبها لثروات مستعمراتها ومواردها. تقلص نفوذها اللغوي والثقافي في العالم. تدنت منزلتها داخل الاتحاد الأوربي بالسبق الألماني. تعرت الٱن لأنها كانت مكسوة بثياب غيرها. تمر اليوم بأسوإ حال عرفته منذ احتلال الألمان لها. مع هذا تحجر ساستها فعجزوا عن تكييف تعاملهم والتخلي عن نظرتهم الاستعلائية. لم يبق لها إلا الكذب والمكر والخداع والطمع في أقرب مستعمراتها إليها وهو طمع في غير مطمع. ليلة = 23 جانفي 2025

الخاطرة 592

في قول ربنا عز وجل: "لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ"؛ فيه أن للمسلم أن يبدي للكافر من المعاملة ما يدفع به ضرره المؤكد عن نفسه من غير أن يتجاوز الحد الأدنى لتحقيق ذلك، ولا ريب أن دفع الضرر عن الجماعة أولى. والذي نراه اليوم أن معظم الحكام المسلمين غير ملجئين إلى المواقف والعلاقات التي التزموها مع الكفار، فلا ينطبق عليهم أنهم تجاوزوا القدر المسموح به إلى الممنوع الذي حذرهم الله من ارتكابه بعد أن وكلهم إلى دينهم فيه بقوله: "وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ". قد تكون المداراة بصيغة من القول فلا يصح تجاوزها إلى ما هو أقوى منها. ولنضرب لذلك مثلا بهذا التصريح الصادر عن بعض قادة إحدى دول المسلمين هدانا الله وإياه سبل الرشاد قال: "نحن على ثقة بأن ترامب القائد الذي سيجلب السلام إلى الشرق الأوسط، ويعيد الاستقرار إلى المنطقة". ولوقال: نأمل أن يفي الرئيس ترام بوعوده فيعمل على جلب السلام الذي يخدم شعوب منطقة الشرق الأوسط، ويكفل مصالح دولته المقررة؛ لكان خيرا من الذي قاله. أجل إن رأس الطغيان العالمي سيقيم السلام القائم على أسس ليست من السلام الذي يبتغيه صاحب التصريح بل لا يقره المسلم العادي، وأكبر ظني أن سلام ترامب يقوم على أسس هي: * خلوص النفوذ في هذه المنطقة لدولته بعد سقوط النظام النصيري في سوريا مستتبعا انحسار النفوذ الروسي والمد الرافضي في لبنان، فٱل الأمر إلى استبدال نفوذ بنفوذ. * تطبيع بقية دول المنطقة وغيرها علاقتها بمحمية الشيطان. * منع متابعة قادة محمية الشيطان على جرائمهم التي استيقنها العالم كله. * إقامة كيان فلسطيني هزيل بشكل ينسجم مع السلام الذي ينشده. * ترسيخ مبدإ البيت الإبراهيمي الكفري وجلب دول أخرى إليه. * الحصول على مكاسب مالية ضخمة نظير هذا السلام السراب. ليلة = 24 جانفي 2025

الخاطرة 593

يا أهل غزة سرنا والله أن نراكم متمسكين بأرضكم، راجعين إليها مع علمكم أنها لا مأوى فيها ولا مرافق ولا طعام ولا شراب، صابرين مصابرين، محافظين على أرض الإسلام، كما لم يحافظ عليها غيركم، مفوتين على الأعداء ما خططوا له ودبروه من تهجيركم. يا أهل غزة، أنتم والله أهل أفعال لا أصحاب أقوال، أنتم الصامتون الناطقون، وأنتم الضعفاء الأقوياء، جعل الله ما صنعتموه نافعا للإسلام والمسلمين، وعبرة للمستضعفين، استيقنوا أن ربكم لن يتركم الله أعمالكم. لا أعرف جماعة غيركم اليوم انفردوا بهذا الثناء في قول ربنا عز وجل: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" . = 27 جانفي 2025

الخاطرة 594

قال الله تعالى: "لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا إن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا. فيه من العلم: * أن الجهر بقالة السوء حرام إلا ما استثني. * ومناسبة ذكر هذا الحكم ما جاء قبله من فضح معايب المنافقين ومناقصهم الذي قد يفهم منه التخفيف في قالة السوء. * والسوء هو ما يسوء المرء ويزعجه سماعه من ذكر عيبه وغيره. * والجهر ليس قيدا في المنع وإنما خص لعظم ضرره إذا قورن بالسر. * والذي يجوز أن يسر به ويجهر هو الخير بمراعاة حال المسر والجاهر، بقصده دفع الرياء، أو نشر الاقتداء، وهذا ما تضمنه قوله سبحانه في الٱية الثانية: إن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا. * ولأن التناجي بالسوء مقدمة للجهر به. * وقد منعه قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ". * ونفي محبة الله الجهر بالسوء أقوى في التنفير من النهي، فجدير بالمؤمن أن يكرهه لكراهة ربه له. * ومحبة الله الشيء وكراهيته على ما يليق به كغيرهما من الصفات. * ولا تفسر المحبة والرضا والكره والسخط باللوازم من الإثابة والعقاب، على أن هذه قد لا تطرد، لوجود المانع أو فوات الشرط. * يباح للمظلوم أن يسمع من ظلمه ما يسوؤه كأن يقول له: يا ظالم ونحو ذلك. * ومن الأدلة الخاصة قوله صلى الله عليه وٱله وسلم: "مطل الغني ظلم، وقوله: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته". * وقد يكون عفوه هو المفضل وهو ما ندب الله إليه بقوله (أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا". * وإذا جاز انتصاف الفرد ممن ظلمه فالانتصاف ممن ظلم الجماعة والأمة أولى فيخرج عن الإباحة إلى المطلوب، وقد قال الصديق: عضضت ببظر اللات. * وقد قيل إن العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم: والعفو عند لبيب القوم موعظة * وبعضه لسفيه القوم تدريب * وفيه اهتمام الشرع بتضييق نطاق الكلام السوء حتى لا يؤلف فيفشو فيعظم ضرره. وقد استثنى أهل العلم أمورا ستة أشار إليها بعضهم في قوله: القدح ليس بغيبة في ستة * متظلم ومعرف ومحذر ومجاهر فسقا ومن * طلب الإعانة في إزالة منكر وجمعها بعضهم في بيت واحد فقال: ليست بغيبة كرر وخذها * منظمة كأمثال الجواهر تظلم واستغث واستفت حذر * وعرف واذكرن فسق المجاهر. وقد رد معظمها محمد بن علي الشوكاني رحمه الله. ومما قيل في هذا: مقالة السوء إلى أهلها * أسرع من منحدر سائل ومن دعا الناس إلى ذمه * ذموه بالحق والباطل = 27 جانفي 2025

الخاطرة 595

من مواعظ أبي بكر روى الطبراني في المعجم الكبير عن نعيم بن نمحة بإسناد جيد -كما قال ابن كثير- قال: "كان في خطبة أبي بكر ط: "أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم؟ فمن استطاع أن ينقضي الأجل وهو في عمل الله عز وجل فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله عز وجل، إن قوما جعلوا ٱجالهم لغيرهم، فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فأنساهُمْهُمْ أَنفُسَهُمْ). أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم، وخلوا بالشقوة والسعادة!! أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والٱبار!! هذا كتاب الله عز وجل لا تفنى عجائبه، فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستضيئوا بسنائه وبيانه. إن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: "إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ". لا خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم". = 28 جانفي 2025

الخاطرة 596

قال عمر رضي الله عنه: "إن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال، يقاتل الشجاع عمن لا يعرف، ويفر الجبان عن أمه، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه، وإن كان فارسيا أو نبطيا". رواه أبو القاسم البغوي رحمه الله في تفسيره وابن أبي حاتم وابن جرير = 29 جانفي 2025

الخاطرة 597

أقلقتني هذه الحفاوة الظاهرة بإطلاق سراح أسرى العدو الأنجاس وما هم عليه من التنعم الذي تجاوز المطلوب ولم أتخلص من هذا الشعور، وإن علمت ما وراء ذلك من المقاصد التي منها رمزية المكان وهو خان يونس وبيت السنوار رحمه الله وإثبات الوجود وإظهار القوة وإبراز بشاعة فعل العدو والفارق في معاملته لأسرانا ومعاملتنا لأسراه. = 30 جانفي 2025

الخاطرة 598

أعظم المكاسب انتهاء الحرب وتوقف القتل والتدمير والتخريب والتهجير، والأحمق (المضاع) لن يسمح باستئنافها ليظهر رجل سلام يفرضه بمنظوره بعوض باهض، فإذا استمرت غزة دار إسلام خف الأمر إذ فلسطين بما فيها الضفة دار حرب، ولله عاقبة الأمور. = 31 جانفي 2025

الخاطرة 599

الاستعداد الباطن والظاهر للعبادات معهود معروف في فروع شرعية كثيرة لتؤدى على الوجه المطلوب المرغوب، فيترتب عليها الأثر الحميد في النفس بزكائها وصلاحها وعظم ارتباطها بمعبودها سبحانه، ولدلالة ذلك على الاهتمام بما ييممه المكلف فيحتفي به مرتقبا أوان حلوله، وأحسب أن من هذا القبيل الإكثار من الصيام في شهر شعبان. فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: “ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم”، رواه أحمد والنسائي. وفيه أن علة الإكثار من الصوم هي موافقة زمان رفع الأعمال إلى الله، وهي أعمال العام، أما أعمال اليوم فقد دل على رفعها حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: إن الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، رواه مسلم وظاهر التعليل برفع الأعمال أنه يصومه كله كما في بعض روايات الحديث، فإن ترك بعضه يفوت المقصود إلا أن يكون بإعلام من الله خص به. وفيه دليل على رد ما فهمه أبو محمد علي بن حزم رحمه الله من حديث (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، حيث استدل به على منع صوم يوم السادس عشر من شعبان دون غيره. لكن لا حجة في الحديث على نفي أسباب أخرى غير رفع الأعمال قد تكون وراء صيامه، فإن علل الحكم قد تتعدد، إذ النص على بعضها لا ينفي غيرها، ولأن الشارع متشوف إلى رفع همم العابدين إلى الهدف الأسمى من العبادة وهو ابتغاء وجه ربهم، واستهداف مغفرة ذنوبهم، وهو أعظم من صحة الأجسام ونماء الأموال وسائر أعراض الحياة ومتاعها، وإن كان لا حرج أن تستحضر بالقصد التابع لا المتبوع. ولهذا ينص الشارع على غير ما ينبغي أن يكون هدف المؤمن الأعظم كما تراه في صلة الرحم وصلاة الليل والإكثار من الحج والعمرة وقراءة ٱية الكرسي وغير ذلك، وعليه فلا ضير أن يكون من جملة ما وراء هذا الذي خص به شعبان أنه تمهيد واستعداد نفسي وجسمي لصيام رمضان. قال ابن رجب رحمه الله في كتابه (لطائف المعارف): "وقيل في صوم شعبان معنى ٱخر وهو أن صيامه كالتمرين على صوم رمضان لئلا يدخل فيه على مشقة وكلفة لتمرنه على الصيام واعتياده فيجد في صيام شعبان قبله حلاوة ولذة فيدخل فيه بقوة ونشاط"، انتهى بتصرف واختصار ومن أمثلة هذا تهيؤ الحاج والمعتمر بالإحرام من الميقات للطواف بالبيت الذي هو أعظم أعمال الحج والعمرة وبقية المناسك بما يمضيه من الزمان في التلبية والتشعث والتجرد من اللباس وغيره من المحظورات. ومنه الرواتب القبلية في صلوات الصبح والظهر والمغرب وكذا ما دونها من الصلاة بين كل أذانين، وصلاة المرء يوم الجمعة ما كتب له، ولو في وقت قيام قائم الظهيرة، وأخذ المصلي الزينة والاستياك لأجل الصلاة، والذهاب إليها في سكينة، وعدم تشبيك الأصابع، وكونه في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه. ومنه استحباب التوضؤ لكل صلاة كما كان النبي صلى الله عليه وٱله وسلم يفعل، ثم إنه صلى الصلوات الخمس كلها يوم الفتح بوضوء واحد وقال لعمر عمدا فعلته. ومن ذلك ما شرعه الله من الصدقة بين يدي مناجاة رسول الله ليشعر المكلف بعظم ما هو مقدم عليه من الخير فينزله منزلته ثم إن الله نسخه. ومنه حمد الله والصلاة على نبيه صلى الله عليه وٱله وسلم قبل الدعاء الذي هو العبادة كي يكون الفاعل حاضر الذهن بادي الافتقار موقنا بالإجابة. ومنه افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين إيناسا للنفس لتتهيأ لما بعدهما من التطويل كما هو معهود في صلاة النبي صلى الله عليه وٱله وسلم، والحمد لله رب العالمين. = 2 فبراير 2025

الخاطرة 600

أجدني مدفوعا إلى نصح إخواني الدعاة وطلاب العلم المختلفين في الذي جرى ويجري في غزة بأن يكتفوا بما قالوه من بيان مواقفهم مؤيدين أو معارضين، مبتدئين الكلام أو رادين. ثم إن من كان منهم مؤهلا للخوض في هذه النوازل العظام فقد قام بما عليه، وليسأل ربه أن يأجره على ما قصد من بيان الحق، ونصح الخلق، وإنما الأعمال بالنيات. ومن لم يكن كذلك فليستغفر ربه من قفوه ما ليس له به علم، وليتب إليه ويندم. أما الذين يقولون ما يقولون لإرضاء حكومات بلدانهم فإنهم لو اكتفوا بالسكوت لوسعهم. فإذا راعينا هذا التقت جهودنا على ما لا يصح أن نختلف فيه وهو الحض على إسعاف إخواننا وبذل العون لهم في المجالات المختلفة سائلين الله أن لا تتجدد الحرب. إن هذا الإسراف في الكلام والجدال والردود مما يفسد القلوب والعلاقات، ويشتت الجهود، وهو فتنة لعوام المسلمين ومكسب لأعدائه. روى أحمد والترمذي وابن ماجة وابن جرير الطبري عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وٱله وسلم أنه قال: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أورثوا الجدل"، ثم تلا هذه الآية (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا). وقال الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل. ونقل عن الأصمعي أنه قال: سمعت أعرابياً يقول: من لاحى الرجال وماراهم قلَّتْ كرامته، ومن أكثر من شيء عُرِف به. وروى الآجُرِيُّ عن مسلم بن يسار قال: "إياكم والمراءَ، فإنه ساعةُ جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته"، انتهى، وإذا كان هذا في العالم فكيف بغيره وهو غالب من يتكلم في هذه الأمور اليوم. ومما نسب للإمام الشافعي رحمه الله قوله: قالوا سكتَّ وقد خوصمتَ قلتُ لهم * إن الجوابَ لِبَابِ الشَّرِّ مفتاحُ والصمت عن جاهلٍ أو أحمقٍ شرفٌ * وفيه أيضاً لصون العرض إصلاحُ ليلة = 2 فيفري 2025 خواطر الشيخ بن حنفية العابدين المئة السابعة

الخاطرة 601

...

الخاطرة 602

"وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ". قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله بعد أن بيّن ما دعا المصلحين من المسلمين في عصره إلى تأسيس الجمعيات في سياق تفسيره قول الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ"، قال داعيا ربه مشتكيا إليه: "اللهم إنك تعلم أننا عنينا بتأليف جماعة يراد بها إقامة ما تحب من البر والتقوى، وإصلاح أمر المسلمين في الدين والدنيا، وهي (جماعة الدعوة والإرشاد)، اللهم أيد من أيدها، وأعن المتعاونين على أعمالها، واخذل من ثبط عنها، إنك أنت العزيز القادر". وأنا أدعو بذلك لكل من يسعى في استمرار عمل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ووحدة صفها، ونفعها للإسلام والمسلمين، وتجاوز ما يعترضها من دسائس المغرضين الحاقدين، كما أدعو على من يمكر سرا أو علنا لتعطيل نشاطها، وعرقلة جهودها، ونفعها للجزائر ولغيرها، فاللهم اكف الجمعية شرهم، وقها كيدهم ومكرهم، كيفما كانت مواقعهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. = 6 فيفري 2025

الخاطرة 602

[جمعية العلماء المسلمين الجزائريين] "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ". قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله بعد أن بين ما دعا المصلحين من المسلمين في عصره إلى تأسيس الجمعيات في سياق تفسيره قول الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ"، قال داعيا ربه مشتكيا إليه: "اللهم إنك تعلم أننا عنينا بتأليف جماعة يراد بها إقامة ما تحب من البر والتقوى، وإصلاح أمر المسلمين في الدين والدنيا، وهي (جماعة الدعوة والإرشاد)، اللهم أيد من أيدها، وأعن المتعاونين على أعمالها، واخذل من ثبط عنها، إنك أنت العزيز القادر". وأنا أدعو بذلك لكل من يسعى في استمرار عمل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ووحدة صفها، ونفعها للإسلام والمسلمين، وتجاوز ما يعترضها من دسائس المغرضين الحاقدين، كما أدعو على من يمكر سرا أو علنا لتعطيل نشاطها، وعرقلة جهودها، ونفعها للجزائر ولغيرها، فاللهم اكف الجمعية شرهم، وقها كيدهم ومكرهم، كيفما كانت مواقعهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. = 6 فيفري 2025

الخاطرة 603

إذا سألت ربك فليكن حرصك على ٱداب الدعاء وشرائطه، فاحمل همه لا هم الإجابة كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكنك لا تدري كيف تكون، فتدبر ما دعا به أهل الكهف وما بعده، وهو إماتتهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا: * (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا). *(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا). = 8 فيفري 2025

الخاطرة 603

[ٱداب الدعاء] إذا سألت ربك فليكن حرصك على ٱداب الدعاء وشرائطه، فاحمل همه لا هم الإجابة كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكنك لا تدري كيف تكون، فتدبر ما دعا به أهل الكهف وما بعده، وهو إماتتهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا: * (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا). *(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا). = 8 فيفري 2025

الخاطرة 604

- [من توجيهات العلماء في إنشاء الجمعيات] من توجيهات العلماء في إنشاء الجمعيات قبل نحو قرن، وأنها مما لا يتم الواجب إلا به قال: كان المسلمون في الصدر الأول جماعة واحدة يتعاونون على البر والتقوى من غیر ارتباط بعهود ونظام بشري، كما هو شأن الجمعيات اليوم، فإن عهد الله وميثاقه كان مغنيا لهم عن غيره، وقد شهد الله تعالى لهم بقوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، ولما انتثر بأيدي الخلف ذلك العقد، ونكث ذلك العهد؛ صرنا محتاجين الى تأليف جمعيات خاصة بنظام خاص لأجل جمع طوائف من المسلمين وحملهم على إقامة هذا الواجب (التعاهد على البر والتقوى)، في أي ركن من أركانه، أو عمل من أعماله، وقلما ترى أحدا في هذا العصر يعينك على عمل من البر، مالم يكن مرتبطا معك في جمعية ألفت لـعمل معين، بل لا يفي لك بهذا كل من يعاهدك على الوفاء، فهل ترجو أن يعينك على غير ما عاهدك عليه؟. فالذي يظهر أن تأليف الجمعيات في هذا العصر مما يتوقف [عليه] امتثال هذا الأمر وإقامة هذا الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما قال العلماء، فلا بد لنا من تأليف الجمعيات الدينية والخيرية والعالمية إذا كنا نريد أن نحيا حياة عزيزة، فعلى أهل الغيرة والنجدة من المسلمين أن يعنوا بهذا كل العناية، وإن رأوا كتب التفسير لم تعن بتفسير هذه الآية، ولم تبين لهم أنها داعية لهم إلى أقوم الطرق وأقصدها لإصلاح شأنهم في أمر دينهم ودنياهم"، تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله. = 7فيفريي 2025

الخاطرة 604

- [من توجيهات العلماء في إنشاء الجمعيات] من توجيهات العلماء في إنشاء الجمعيات قبل نحو قرن، وأنها مما لا يتم الواجب إلا به قال: كان المسلمون في الصدر الأول جماعة واحدة يتعاونون على البر والتقوى من غیر ارتباط بعهود ونظام بشري، كما هو شأن الجمعيات اليوم، فإن عهد الله وميثاقه كان مغنيا لهم عن غيره، وقد شهد الله تعالى لهم بقوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، ولما انتثر بأيدي الخلف ذلك العقد، ونكث ذلك العهد؛ صرنا محتاجين الى تأليف جمعيات خاصة بنظام خاص لأجل جمع طوائف من المسلمين وحملهم على إقامة هذا الواجب (التعاهد على البر والتقوى)، في أي ركن من أركانه، أو عمل من أعماله، وقلما ترى أحدا في هذا العصر يعينك على عمل من البر، مالم يكن مرتبطا معك في جمعية ألفت لـعمل معين، بل لا يفي لك بهذا كل من يعاهدك على الوفاء، فهل ترجو أن يعينك على غير ما عاهدك عليه؟. فالذي يظهر أن تأليف الجمعيات في هذا العصر مما يتوقف [عليه] امتثال هذا الأمر وإقامة هذا الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما قال العلماء، فلا بد لنا من تأليف الجمعيات الدينية والخيرية والعالمية إذا كنا نريد أن نحيا حياة عزيزة، فعلى أهل الغيرة والنجدة من المسلمين أن يعنوا بهذا كل العناية، وإن رأوا كتب التفسير لم تعن بتفسير هذه الآية، ولم تبين لهم أنها داعية لهم إلى أقوم الطرق وأقصدها لإصلاح شأنهم في أمر دينهم ودنياهم"، تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله. = 7 فيفريي 2025

الخاطرة 605

انظر كيف أن الله أشرك مع موسى وأخيه عليهما الصلاة والسلام قومهما في النجاة والنصر والغلب، وهي من الأمور التي تحصل للصالحين وغيرهم وفق سنن الله وحكمته. فلا تغترن بما تعطاه من مثلها، فلعله لم يصلك إلا إكراما لغيرك، أما المقياس الحق فعملك أنت، وصلاحك أنت. وتأمل ما خصهما الله به من الأفضال القيمية العظيمة الباقية: الرسالة، والهداية، وحسن الأحدوثة، وتسليم الله عليهما، ثم جاء هذا الوعد في الختام بحصول ذلك للمؤمنين المحسنين"إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ". قال تعالى: "وَلَقَدْ مننا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ". = 9 فيفريي 2025

الخاطرة 605

– [لا تغترن] انظر كيف أن الله أشرك مع موسى وأخيه عليهما الصلاة والسلام قومهما في النجاة والنصر والغلب، وهي من الأمور التي تحصل للصالحين وغيرهم وفق سنن الله وحكمته. فلا تغترن بما تعطاه من مثلها، فلعله لم يصلك إلا إكراما لغيرك، أما المقياس الحق فعملك أنت، وصلاحك أنت. وتأمل ما خصهما الله به من الأفضال القيمية العظيمة الباقية: الرسالة، والهداية، وحسن الأحدوثة، وتسليم الله عليهما، ثم جاء هذا الوعد في الختام بحصول ذلك للمؤمنين المحسنين "إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ". قال تعالى: "وَلَقَدْ مننا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ". = 9 فيفريي 2025

الخاطرة 606

قال النبي صلى الله عليه وٱله وسلم: "تعس عبدُ الدينار، تعس عبدُ الدرهم، تعس عبدُ الخميصة، تعس عبدُ الخميلة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعْطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش".  على الدول الإسلامية أن تستغني عن المساعدات المسمومة التي تقدمها دول الغرب، وبخاصة دولة الطغيان العالمي، فإنها مشروطة تصريحا أو ضمنا بما يراه (المانحون) إنها ترهن بها حريتها في اتخاذ القرارات والمواقف، فإن كان ولا بد فعلى الدول الإسلامية الغنية أن تسد حاجتها، وخير من ذلك أن يتعود سكانها على نمط جديد في معيشتهم، بترشيد الاستهلاك، وانتهاج سبيل الاقتصاد، وترك الكماليات، هذا مرغوب شرعا في الأحوال العادية، فكيف بما نحن فيه من جعل هذه المساعدات في مقابل تهجير أهل غزة من أرضهم؟ فكونوا سندا لحكومات بلدانكم في مواجهة هذه الضغوط الاقتصادية من هذا الأحمق المتهور. = 11 فيفريي 2025

الخاطرة 606

[المساعدات المسمومة التي تقدمها دول الغرب] قال النبي صلى الله عليه وٱله وسلم: "تعس عبدُ الدينار، تعس عبدُ الدرهم، تعس عبدُ الخميصة، تعس عبدُ الخميلة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعْطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش". على الدول الإسلامية أن تستغني عن المساعدات المسمومة التي تقدمها دول الغرب، وبخاصة دولة الطغيان العالمي، فإنها مشروطة تصريحا أو ضمنا بما يراه (المانحون) إنها ترهن بها حريتها في اتخاذ القرارات والمواقف، فإن كان ولا بد فعلى الدول الإسلامية الغنية أن تسد حاجتها، وخير من ذلك أن يتعود سكانها على نمط جديد في معيشتهم، بترشيد الاستهلاك، وانتهاج سبيل الاقتصاد، وترك الكماليات، هذا مرغوب شرعا في الأحوال العادية، فكيف بما نحن فيه من جعل هذه المساعدات في مقابل تهجير أهل غزة من أرضهم؟ فكونوا سندا لحكومات بلدانكم في مواجهة هذه الضغوط الاقتصادية من هذا الأحمق المتهور. = 11 فيفريي 2025

الخاطرة 607

[غزة وحكامنا] لا أحد ينكر التردي والهوان الذي بلغته الأمة، ومن يشك في التقصير الكبير الذي طبع سلوكنا خلال هذه الحرب؟ مع قدرتنا على فعل الكثير مما هو دون المشاركة الفعلية فيها، بقطع النظر عن اختلافنا في صواب وخطإ انطلاقها. لكن هل التجريح والتخوين والشتم والتفنن في أساليب الذم والقدح في هذا أو ذاك من الحكام وغيرهم؛ هو الذي نصلح به وضعنا؟ وهل نحن فيه ملتزمون لشرع ربنا؟ وهل هو مما ننفع به أمتنا؟ أو ليس قد يفضي هذا الشحن للعواطف بالكراهية والبغضاء إلى وضع أسوأ مما نحن فيه؟ وما ذا يستفيد منتحلوه غير أن تصير ألسنتهم حدادا، ناطقة بالسوء، منفرة لكثير من الناس أن يصغوا إليهم؟ بئس الغرض مما نكتب أو نقول إذا كان مجرد التنفيس عما نشعر به جميعا من الضيق والغم، فنرخي العنان للبذاءة والسفه والهجر مما ليس من الخير في شيء. لقد صارت أسماء بعض الناس الحقيقية أو المزيفة في وسائل التواصل؛ عنوانا على التشاؤم والتبرم بكل شيء، كأنهم المبرؤون من كل عيب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم: "من قال هلك الناس فهو أهلكهم"، وقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الٱخر فليقل خيرا أو ليصمت". النافع لأمتنا هو التعاون مع كل ساع في تفويت الفرصة على مشروع هذا الأحمق الطاغي فيما يدعو إليه من تهجير إخواننا من أرضهم، فلنشجع المواقف المعارضة له، ونحمد لكل من سعى سعيه، وإن خالفناه في غير ذلك من الأمور، ومنها اتخاذ الحكومات المواقف الصارمة الواضحة من هذا العفن، بهذا نوسع دائرة الأمل، بدل توسيع دائرة اليأس والقنوط. فاللهم إليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، فاهدنا سبل الرشاد، وانصرنا على من عادانا، وعجل بتفريج كرب إخواننا. = 12 فيفري 2025

الخاطرة 608

[عن االاحمق المطاع] هل يخفى عن الدول التي تسير في فلك القوى العظمى ولاسيما أمريكا خطورة هذا الظرف الذي تمر به العلاقات بين الدول؟، فتتجاهل الوضع الجديد، وتستمر في الاعتماد على تلك القوى في الاحتفاظ بنظمها واستقرارها كما اعتادت وإن لم تبح به، أم أنها تراجع حساباتها، وتصحح مساراتها، فتستغني عما يضر بها من تلك العلاقات لتعارضها مع دينها ولغتها ومقومات أمتها؟ لقد قلب هذا الأحمق المتربع على دولة الطغيان العالمي على كثير من الدول الموازين والأعراف، فهو لا يشاور أحدا ولو هيٱت بلاده ومستشاريه فيما يقدم عليه، والكثير يترقب ما سيوحيه إليه شيطان العظمة والغرور والسلطة والمال. ألا تراه قد تجاوز حلفاءه الخانعين الأذلاء في حلف الناتو ودول الاتحاد الأوربي فلم يرع لهم وزنا مما قد يثير عليهم شعوبهم بعد اكتشافها حجم بلدانهم الحقيقي الذي طالما نفخ فيه وضخم، فيجتمع بالروس ليقرر في غيبتهم مستقبل حربهم مع أوكورانيا دون أدنى اهتمام بهم، مع ما كلفتهم تلك الحرب من أموال وضيق، فهل من معتبر مصحح لخط سيره؟؟. = 18 فيفريي 2025

الخاطرة 609

[اليهود في سورة الجمعة] أكذب الله عز وجل اليهود عليهم لعائنه وأبطل ما افتخروا به وهي ثلاثة في سورة الجمعة، وهذه وغيرها من معتقداتهم التي ما يزالون يعتقدونها لأنفسهم ويعاملون على أساسها غيرهم وأكبرها أن كل من عداهم لا يستحق أن يبقى حيا حتى الأطفال الرضع وهو ما ظهر جليا في حربهم على سكان غزة: 1- افتخروا بأنهم أولياء لله من دون الناس وأبناء الله وأحباؤه ولا تمسهم النار إلا أياما معدودات، وأن أهل الإسلام على ضلالة؛ فأكذبهم الله وتحداهم بأن يباهلوا المسلمين بقوله: "فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"، أي ادعوا بالموت على الضال من الفريقين إن كنتم صادقين. 2 - وازدهوا بأنهم أهل كتاب وأنهم مفضلون على العالمين وأن العرب أميون لا كتاب لهم، فشبههم الله بالحمار يحمل أسفارا في قوله: "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"، لكن هذا لا يخلو من تحذير للمسلمين أن يكونوا مثلهم. 3 - واغتروا بأن لهم يوم السبت وليس للمسلمين مثله، وقد حظرت عليهم فيه الأعمال، فميز الله هذه الأمة بيوم الجمعة الذي شرعه لمن سبقهم فضلوا عنه، وفرض السعي فيها على المسلمين لذكره وعبادته، وأباح لهم العمل بعدها فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ". = 7 مارس 2025

الخاطرة 610

[الأحمق المطاع و مفاوضة أهل غزة] هذه محاولة تفسير ما أقدم عليه رئيس دولة الطغيان العالمي عدو المسلمين الأول من قبول التحدث إلى قادة المسلمين في غزة، مع موقفه من الحرب في أوكرانيا. أذكر أني أشرت قبل أكثر من عام باقتضاب -أبسطه هنا- إلى أن ما أبداه المجاهدون فيها بل وعموم سكانها من البسالة والصمود والمصابرة ثم السيطرة المحكمة الإدارية والإعلامية ووحدة الكلمة والمتابعة الدقيقة للأحداث والرد على تصريحات العدو وغيره بانتظام وبث مقاطع الإثخان في جند العدو وٱلياته وغير ذلك مما لا مثيل له في تاريخ الحروب المعاصرة باعتبار الفارق الكبير الذي لا يسهل حصر مفرداته فيما للعدو من أسلحة ووسائط حرب تدميرية هائلة برا وبحرا وجوا ونظام استخبارات وتجسس وقوة داعمة من المال والاقتصاد من الدول العظمى وملاجئ لنحو خمسة ملايين من سكان المحمية الشيطانية، وباختصار هو فارق يعسر حصر مفرداته. كنت أتوقع أن هذا سيكون دافعا لبعض الدول إلى أن تخطب ود هؤلاء القوم لاستكناه دافع صمودهم العديم المثال بعد انبهار العالم به وحيرة المتخصصين في أساليب الحروب وخططها والمحللين والمراقبين في سر هذا الأمر الخارق لما اعتاده الناس!! ومما يؤسف له أن كثيرا من المتحدثين الذين يبدون ٱراءهم في هذه الحرب أو الذين يقررون حكما شرعيا يتعلق بها لا يعرجون على شيء من هذا فضلا عن أن ينوهوا به ويذكروه فيشكروه، فكأنه أمر لا يهمهم، وقد قال ربنا: "ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ". لكن ليس بلازم أن يفصح أولئك الأعداء الذين أسقط في أيديهم بهذا الذي ذكرته فيعربوا عما يخالج نفوسهم إنها موانع الترفع والاستكبار، ودواعي الخوف على المكانة والتهمة بالاعتراف بالخارجبن على القانون!!! تعلم أن الخصم قد يبدي بظاهره خلاف ما يكنه لخصمه في دفائن قلبه من التقدير والاحترام، وتعلم أن السجايا المحمودة -ومنها الشجاعة والصبر- محببة إلى الفطر السليمة، أما تلك المرتكسة بكسبها فقد تحصل لها ومضات ترجع بها إلى أصلها كما تراه في الحيوانات المفترسة!! بهذا الوجه أفسر خطوة الأحمق المطاع بالإذن في مفاوضة من يقود أهل غزة، والغريب أن هذا لم تقم به دول يجمعها بسكانها الدين والدم لتصنيفهم في خانة الإرهاب، فجاءتها المفاجأة من الدولة التي تولت كبر هذا الإفك فتجاوزتهم، ولا أستبعد أن يفعل ذلك قادة محمية الشيطان أنفسهم يوما ما، وإن كانوا يغالبون قناعاتهم مكابرين بإصرارهم على القضاء على هذه الظاهرة التي لم يعرفوا لها مثيلا منذ احتلالهم هذه الأرض. لقد استيقنوا أن استمرار وجود هذا الصنف من المسلمين قاض بإنهاء وجودهم، فهم لا يقبلون بما دون نهايته إداريا وسياسيا وعسكريا. ومما يؤكد هذا الذي قلته ما يظهر على تصرفات رئيس الطغيان العالمي من التناقض الذي يعسر تفسيره: فهو في أقواله وأفعاله مكر مفر، يقول الشيء ونقيضه، يفتح باب التفاوض مع هؤلاء في زعمه ثم يأتي تهديده مخالفا لبنود اتفاق وافقت عليه دولته، وشارك هو في إقراره عبر مبعوثيه قبل تنصيبه وهو يفضي إلى خلو غزة من جند محمية الشيطان وعتادهم وراياتهم لتظل أرضا للإسلام. فهذا التخبط في اتخاذ المواقف نقضا وإبراما، إحجاما وإقداما؛ ينم عن اضطراب نفسي وتردد فاحش فيما يريد صنعه، كما قال الله تعالى: "انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا"، لم يجد في بداية أمره غير خرافة إفراغ الأرض كلها من سكانها متوعدا بفتح باب جهنم كما قال، أصلاه الله إياها مع كل متكبر جبار، ثم هو يقدم على ما تراه. دعني أذكر موقفه من الروس حيث اعترف بما قاله وفعله بفشل جهود إدارة بلاده السابقة وجميع دول أوربا في إخضاع الروس وتطويعهم، وهو أمر تكرر منهم، حين اعترفوا مجتمعين بذلك عمليا حين انسحاب جيوشهم مدحورين من إمارة أفغانستان الإسلامية تاركين كثيرا من أسلحتهم غنائم لأشاوس هذه الأرض التي فتح عاصمتها كابول عبد الرحمن بن سمرة عليه رضوان الله. فلهذا تنصل من تأييد بلاده لاوكرانيا وتراجع عن دعمها الضخم، فصار إلى مطالبتها بتعويض المساعدات المالية والتسليحية باستحواذ بلاده على معادنها النادرة. والمقصود أن بين هذا الموقف من الروس وموقفه من غزة شبها كبيرا يكشف عما يعيشه من اضطراب الرؤية وعشوائية التصرف، وقد لا يوافق على هذا كثير من الناس، والفارق بين ما عليه أهلنا في غزة وروسيا هو أن قوتها مادية نووية، أما أهلنا فقوتهم عقدية إيمانية، فهي المحرك الأساس لذلك الصمود، وهي جذوة لا تنطفئ لأنها لا تختص بجماعة بعينها من المسلمين إذ مرجعها وهو الإسلام أعم وأشمل، وهو باق محفوظ، والجهاد رأس سنامه، ولهذا ستتحطم عليها إن شاء الله كل التهديدات والمخططات التي لم تضع في الحسبان دوافع القتال التي يختلف فيها المسلمون الصادقون عن غيرهم ممن يقاتلون لشتى الأغراض الزائلة الفانية. يا هناه!!! إني ما زلت على ما كنت عليه من الاقتناع بوجوب نصرة أهل غزة في قتالهم جند محمية الشيطان وأعوانهم، وما فتئت أرى أنه على كل مسلم أن ينصرهم بما يقدر عليه، لكن عليك أن تدرك أنه لا يلزم من هذا قبول كل ما عليه قادتهم، سواء أكان مما تختلف فيه اجتهادات المسلمين فيتعين أن يسكت عليه، أو كان مما لا مسرح فيه للاجتهاد، فينبغي تركه والكف عنه، ذلك أن اختلاف أهل الإسلام فيما لا يخرج من الإسلام لا يمنع مطلق الولاء، وإن منع الولاء المطلق وهو اليوم في الأفراد والجماعات أندر من الكبريت الأحمر كما كانوا يقولون، وهذا المعتقد المرتبط بتوحيد الله وبولايته للمؤمنين قاض بلزوم نصرة كل المؤمنين. ولهذا فإني وإن رأيت شيئا من الحق فيما أبداه بعض أهل العلم والدعاة من نقد لإخوانهم فإني أخالفهم في أمرين: أولهما في توقيته، فإن زمان قتال المسلمين للكفار يمتنع فيه التنازع الذي هو ذريعة إلى خذلان المسلمين والتفريط في واجب الوقت، والثاني في صيغته حيث خلا من الرفق واللطف وعمد إلى الغلظة والشدة. أما غير هؤلاء ممن خذلوهم فضلا عمن نصروا أعداءهم عليهم سرا أو جهرا، أو تمنوا أن يغلبوا؛ فخير ما نقوله في شأنهم ما قاله الله تعالى عن الظالمين: "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ منقلب ينقلبون". = 10 مارس 2025

الخاطرة 611

[ترويج اللهو في رمضان] من زعم أنه يعظم رمضان، ثم يروج فيه للهو واللغو، فضلا عن المنكرات والفجور، فردا كان أو جماعة أو هيئة إعلامية؛ فهو كاذب في دعواه، عاص لربه، صاد عن سبيله، يشبه في معصيته هذه من كانوا من المشركين يزعمون أنهم يقدسون المسجد الحرام، ثم يرتكبون فيه من العظائم ما يرد زعمهم، ويبطل دعواهم، فهؤلاء لم يرعوا حرمة الزمان، وأولئك لم يرعوا حرمة المكان، وإن كانوا قد يختلفون في الإيمان والكفران، فحري بالدعاة أن يصونوا علمهم وفتاواهم أن تعرض على هذه القنوات التي تتخذها وسيلة للتغطية على ٱثامها وسمومها، وتكثر بها أعداد المتابعين لها. ليلة = 10 مارس 2025

الخاطرة 612

؟؟

الخاطرة 613

[رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً] مما حكاه الله تعالى في كتابه من الأدعية دعاء قوم موسى عليه الصلاة والسلام وهم في قبضة فرعون وقهره: "رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ". ومنه دعاء إبراهيم ومن ٱمن به، منهم لوط وزوجه سارة بنت عمه عليهم الصلاة والسلام: "رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً للذين كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". * والفتنة مصدر فتن يفتن فتنا وفتونا، ويستعمل الرباعي قليلا، وهي اختبار الشيء وامتحانه ليتبين حاله كالذهب والفضة تفتنان بالنار، فيماز ما فيهما من زيف عن غيره، وكما تختبر الماديات، تمتحن الأفكار والمعتقدات بالشبهات والنوائب والمعارضات. * وقوله تعالى: "ربنا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً"، أي سبب فتنة، أو موضع فتنة، وهذا أعم لشموله الفعل والانفعال: الفتن والافتتان. * وهي في السياقين على ضربين: أولهما أن تكون الفتنة بمعنى اسم الفاعل، أي فاتنين للقوم الظالمين وللذين كفروا، والثاني بمعنى اسم المفعول، أي مفتونين بهم، فاشتمل دعاؤهم أن يجنبهم الله الأمرين، فيكون هذا من المشترك يحمل على ما كل يصلح له. * ومع احتمال السياقين ذينك المعنيين؛ إلا أنه يستثنى في سورة يونس تسليط الكفار على المسلمين، كيلا يلزم التكرار بالنظر إلى المعطوف وهو: "ونجنا برحمتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ". * ومما يدخل في هذا أن ينتصر الكفار على المسلمين، فيقولوا لو كانوا على الحق ما غلبناهم، فيزداد كفرهم وظلمهم، على أن غلبة الكفار فتنة لضعاف الإيمان من المسلمين أيضا، قال تعالى: "وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتصبرون". * والمسلمون اليوم مغلوبون، فكثر المفتونون منهم بهذا وغيره كثرة غير مسبوقة يخشى معها على الكثير الانسلاخ من الدين بالاعتماد. * وقد حصلت استثناءات يرجع ثبات المسلمين فيها أو انتصارهم بعد توفيق الله إلى قوة إيمانهم، لا إلى سلاحهم وعتادهم، وفي هذا العصر أكثر من مثال يطرد اليأس، ويبقي الأمل، ويبعث على العمل. * وقد تحدث الفتنة بأن يصيب الله المسلمين ببلاء فيفتن به الفريقان أيضا كما تقدم، أو يتمكن الكفار من المسلمين فيعذبوهم ليردوهم عن دينهم كما في قوله تعالى: "وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ"، وقال تعالى: "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ". * ومما لا يختلف فيه أن كثيرا من المسلمين فاتنون للكفار يصدونهم عن الدخول في الإسلام لما يرونهم عليه من الضعف والتخلف في دنياهم وتخليهم عن الكثير من أحكام دينهم، وإن كان الكفار غير معذورين بهذا، إذ العبرة بما يشتمل عليه الدين، لا بأعمال من يدعون اعتناقه. والمسلمون مفتونون أيضا بما عليه الكفار من التفوق العلمي، والتنظيم الحياتي، واستقرار نظامهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي رغم فسادهم العقدي والأخلاقي في أفرادهم وجماعاتهم وعلاقاتهم. فإن قيل: فما بالهم دولهم مستمرة واستقرارهم مطرد مع هذا الذي هم عليه مما ذكرته؛ فالجواب أن هذا راجع إلى ما هم عليه من الانضباط والتنظيم والأخذ بالأسباب المادية التي تنسأ في حياة دولهم، ومنها أن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ولأن لله في قيام الدول والمجتمعات والحضارات وسقوطها سننا كونية لا تتخلف، وإن كان هلاكها لا مفر منه، كما قال تعالى: "وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، ولأن أعمار الحضارات والدول ليست كأعمار الأفراد، فلا تستعجل. * وقد يؤخذ من الدعاء في الموضعين تقديم المسلم مصلحة دينه على مصلحة نفسه، ألا ترى أنهم سألوا ربهم أن لا يجعلهم فتنة قبل طلبهم النجاة، والواو وإن لم تفد الترتيب فإن التقديم يدل على الاهتمام. ويحسن أن أختم بما ذكره الشيخ الطاهر بن عاشور في معنى الفتنة في الدعاءين السابقين، فقد قال عن الدعاء في سورة يونس: "وليس الخبر بالفتنة من الإخبار بالمصدر، إذ لا يفرضون أن يكونوا فاتنين، ولا يسمح لهم المقام بأن يكونوا مفتونين، بأنهم أرادوا لا تجعلنا مفتونين للقوم الظالمين"، انتهى. لكنه في سورة الممتحنة جوز المعنيين اللذين ذكرتهما للمصدر بمعنى فاتنين ومفتونين فقال: ومعنى جعلهم فتنة للذين كفروا جعلهم مفتونين يفتنهم الذين كفروا فيصدق ذلك بأن يسلط عليهم الذين كفروا فيفتنون...، ويصدق بأن تختل أمور دينهم بسبب الذين كفروا أي بمحبتهم والتقرب منهم". ثم بين رحمه الله أن الفتنة بهذا المعنى من إطلاق المصدر على اسم المفعول، وأنه يجوز أن تكون بمعنى اسم الفاعل، أي لا تجعلنا فاتنين، هذه خلاصة ما قاله. قلت: لو كان ما نفاه من المعنى في دعاء قوم موسى عليه الصلاة والسلام صحيحا لكان نفيه عن دعاء إبراهيم ولوط ومن معهما أولى بالنفي، فإن إيمان إبراهيم ومن معه أرسخ وأثبت إذ فيهم نبيان بخلاف قوم موسى كما هو معلوم، والله أعلم. = 21 مارس 2025

الخاطرة 614

[أهلنا في غزة في العشر الأواخر من رمضان] يا أهل الإيمان، قد خصكم الله بهذا الوصف دون باقي أهل الأديان، أنتم من هذه الأمة المرحومة التي هي خير أمة أخرجت للناس، فتراحموا وتواصوا بالمرحمة، فإن الراحمين يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، لقد رغبكم ربكم في نفع خلقه بما تقدرون عليه، فاغتنموا هذه الأوقات الفاضلة في العشر الأواخر من رمضان في صالحات الأعمال، ومن أقواها واجب الوقت، فالتفتوا إلى إخوانكم المظلومين المحاصرين المعذبين في غزة تواسونهم فأمدوهم بما تقدرون عليه، واجعلوا لهم حظا من أموالكم يدخر لكم عند الله، فتجدوه خيرا وأعظم أجرا أحوج ما تكونون إليه، وقد عرفتم من الجمعيات ما حاز ثقتكم، والله لا يضيع أجركم، ولن يتركم أعمالكم، فارتقوا مدارج الفلاح، واقتحموا عقبات النجاح، فكم من عذق رداح، في الجنة لأبي الدحداح!! وقد قال ربنا في محكم تنزيله: "فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ". = 24 مارس 2025

الخاطرة 615

[إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ] قال ربنا عز وجل: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ"، فقد أبهمت الليلة التي أنزل فيها القرٱن إلا من وصف البركة. وقال تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ"، وهذا دليل على أن الليلة المباركة هي ليلة القدر. وقال سبحانه: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ"، وقد دل هذا على أن ليلة القدر في شهر رمضان. وجماع الأدلة في بيان هذه الليلة من ليالي رمضان فعل النبي صلى الله عليه وٱله وسلم الذي بينته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقولها: "كان النبي صلى الله عليه وٱله وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله"، وفعله هذا يشمل الليالي الأوتار والأشفاع. ويسند فعله صلى الله عليه وٱله وسلم قوله: "أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في العشر الأواخر"، وبهذا اجتمع القول والفعل وهو الغاية في البيان. ولما كنا لا ندري عدد أيام الشهر إذ نحن مأمورون أن نصوم لرؤية الهلال ونفطر لرؤيته، وأقل أيام الشهر تسعة وعشرون، وأكثره ثلاثون بالإجماع، فإن كانت الأيام تسعة وعشرين كانت ليلة القدر في الليالي الأوتار، كما دل على ذلك قوله صلى الله عليه وٱله وسلم: "التمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر"، وإذا كانت الأيام ثلاثين كانت في الليالي الأشفاع، دل على ذلك قوله: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان: في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى". أما ما جاء من تعيينها في ليلة بخصوصها فإن كان من قوله صلى الله عليه وٱله وسلم، كأن دل بعض أصحابه عليها، أو من رؤيا رٱها حصل مصداقها؛ فالمراد خصوص ذلك العام، وإن كان تعيينها من واحد من الصحابة؛ فهو اجتهاد منه، وأما ما أثر من علاماتها فتارة يعرفها بها من كان مستيقظا والمأثور منها إنما يعرف بعد مضيها، وحكمة إخفائها اجتهاد الراغب، في الحصول على المطالب. فأما كثرة الأقوال في بيانها - وقد قاربت الخمسين - فمعظمها تقصير أو قصور في الإحاطة بالأدلة وأغلبها جدير أن يهدر، فلا يذكر. ومع ذلك فإن الخلاف الكثير في تعيينها وفي غيرها كساعة الإجابة يوم الجمعة مما كثرت فيه الأقوال حري أن يعتبر به فيما ذكر من شروط الاجتهاد فإن هذا الاختلاف الواسع دليل على أن المجتهد قد لا يصدق فيه وصف بذل الجهد في كل ما يذهب إليه من الأقوال فيخرج بذلك عن منزلة الأجرين والأجر، إلى ما دونها مما هو موضع رجاء في مغفرة الله ورحمته والله غفور رحيم، والعلم عند الله. = 27 مارس 2025

الخاطرة 616

[ما بعد الهدنة في غزة] انقطع الأمل إلا في الله، وغاب الرجاء إلا منه، واستفحل الضر ولا كاشف له إلا هو، اللهم إنا عاجزون إلا عن دعائك والتضرع إليك أن تعجل لإخواننا في غزة بالفرج، ونحن في ٱخر هذا اليوم المبارك يوم الجمعة الذي فيه ساعة الإجابة. مع هذا فإني أقول مقررا لحاصل، ومستشرفا لمستقبل قد بدت معالمه، ولله الأمر من قبل ومن بعد: لقد انتهت الوساطات إلى مٱل كأنه كان مقصودا للعدو أو عمد إلى نقض العهد كدأب جنسه النجس القذر لينفذ وعيد الأحمق المقامر بفتح باب جهنم التي سيصلاها إن شاء الله هو وكل ظالم طاغ. لقد سلك بعد استئناف الحرب مع بداية رمضان مسلكا جنب جنوده القتل، وٱلياته التدمير، وأراح مواطنيه من أخبار موت ذويهم، وأعفاهم من إزعاج صفارات الإنذار، والاحتماء بالملاجئ، وموت الأسرى على يديه. قد يبدو غريبا هذا الانقلاب في طريقة القتال الذي صار من جانب واحد، فتغير كل شيء عدا الحصار والقتل والتدمير، واستقرار الاحتلال الذي قطع أوصال أرض غزة، ثم كشف له عن المواضع التي فيها أغلب أسراه، وجثث موتاه؟!. لا يعزب عني أن هذا التغير الذي صار العدو فيه أحسن حالا من ذي قبل في الظاهر ليس أمرا بعيدا عن التدبير والتخطيط من قادة غزة، فإنه فيما يبدو استعداد لوضع هو أقل خسارة عندهم من المقترحات التي قدمتها محمية الشيطان للوسطاء، فهل البديل هو احتلال غزة مجددا كما كان الأمر قبل عشرين عاما؟، أم أن البديل هو لجنة تدير القطاع كما هو اقتراح حكومات العرب؟، من المستيقن عندي أن قادة محمية الشيطان لا يقبلون بخطة العرب إلا بعد فترة احتلال يرونها كافية (ليدبروا) فيها أمر كل قادر على القتال في هذه الأرض، فالحذر الحذر، وإلى الله ترجع الأمور. مهما يكن التدبير المعلن والخفي من الجهات (المهتمة) بمستقبل هذه الأرض فإننا جميعا -دون استثناء- مسؤولون عما يجري من مٱس فيها وإن تفاوتنا في الدركات والتبعات، فيا خسارة من فرط في حقن هذه الدماء بما يقدر عليه!! فكيف بمن خذل أوخان أو أعان؟؟. ليلة = 4 أبريل 2025

الخاطرة 617

[إخواننا في غزة] إسعاف إخوانكم في غزة ونصرتهم بما تستطيعون لا يخالف فيه إلا مهزوز الإيمان، أو جاهل بعقد الولاء، أو موال للعدو مرتد، لكن النصرة ليست بالفتاوى الجزافية، والخطب الحماسية، والمغامرات التحريضية على الانقلابات والثورات، التي تفضي إلى زيادة تمزق الأمة، وتكريس هيمنة أعدائها عليها، والواقع شاهد. فاتقوا الله في أمتكم، وافعلوا ما باستطاعتكم، مما شرع لكم، فإنه هو الذي تسألون عنه، وهو كثير، ولا يحملنكم تطلب الزعامات الوهمية، والهتافات الجماهيرية، ونيل رضا الدهماء و(حسن الأحدوثة) على ما ليس فيه رضا ربكم، ولا مصلحة أمتكم. ليلة = 6 أفريل 2025

الخاطرة 618

[ما بعد الهدنة في غزة] الذي يجري في غزة منذ استئناف العدو حربه هو قتل وتدمير وتهجير من جانب العدو لا قتال بينه وبين المجاهدين كما كان من قبل إلا ما ندر. وفي ذهني مجموعة من المصالح التي قد تكون وراء هذا السلوك، لكني لا أعرف واحدة منها يقرها الشرع هي كفاء لاستمرار هذا القتل والتدمير، ولا أريد أن أذكر من هذه المصالح - للمبدإ الذي أراعيه منذ بداية الحرب وهو منع التنازع وقتها - إلا واحدة هي تبادل الأسرى، والقتل ليس كفاء للأسر. ليلة = 6 أفريل 2025

الخاطرة 619

[حكم شراء الغنم المستوردة] تكرر السؤال هذه الأيام عن حكم شراء الغنم التي يقال إن وزارة التجارة استوردتها ليستفيد منها الناس في أضحية العيد. وهذا الأمر نافع إن شاء الله يستحق أن ينوه به فإنه يخفف عن المواطنين بعض الأعباء لما سمعناه من أسعارها إذا قورنت بما في بلادنا. لكني أتعجب من الغموض الذي صحب هذا الأمر كما اعتدناه في اللحوم المستوردة فلا يصدر عن الجهة الوصية أو عمن أعطي حق الاستيراد أي توضيح يتعلق بالذكاة التي لا بد منها في القول بحلها لاسيما إذا كان البلد المستورد منه غير مسلم ولأن الأصل في الذبائح المنع!!!. هل عجز القائمون على هذه العملية أن يرجعوا إلى هيأة الفتوى المعتمدة في وزارة الشؤون والأوقاف أو في المجلس الإسلامي الأعلى أو غيرهما من المجالس العلمية المحلية أو يستشيروا من يثقون في علمهم ليعلن عن العملية بالطريقة التي تطمئن الناس وتريحهم من القيل والقال وكثرة السؤال؟. وأنا لا أنفي رجوعهم هذا ولكني لم أعلم بما ذكرته من توضيح هذا الأمر للناس في إعلان. إن الأضحية ليست شاة لحم فقط بل هي عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه فلا بد أن تتوفر فيها الشروط المطلوبة شرعا كي يضحى بها وهي السن فلا يجزئ ما كان من الضأن دون ستة أشهر ولا ما كان فيه عيب من العيوب التي لا بد أن تخلو منها. وثمة أمر ٱخر يمنع تصحيح هذا البيع وهو الغرر أو الجهالة ويتضح ذلك بذكر أقسام المبيع الثلاثة باعتبار حضوره وعدمه وكلها مقبولة في الشرع وهي: * أن يكون حاضرا. * أن يكون غائبا موصوفا. * أن يكون موصوفا في الذمة. والمبيع في الأمر الذي نتحدث عنه لا يدخل في واحد من تلك الأقسام فإنه مجهول فهل يرفع تلك الجهالة غالب الظن بأن الشاة المشتراة تتجاوز السن المطلوب؟ وأنها خالية من العيوب فيصحح البيع مع استحضار مبلغ السعر الذي تحدثنا عنه؟ لنتجاوز هذا إلى التعامل مع الواقع المر بعد أن عجزنا عن الخروج من اللبس والغموض بمجرد إعلان لا يكلف شيئا، فأنصح من اشترى أن ينظر في شروط الأضحية فإن وجدت فذاك وإلا جاز له أن يستبدل بالشاة التي اشتراها غيرها، فإنها لا تتعين أضحية بمجرد الشراء والله أعلم. = 7 أفريل 2025

الخاطرة 620

[لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ] الحاجة ماسة إلى أن يستذكر المسلمون عقائدهم، وأن يذكروا بها، فإن في النفوس فراغا هائلا لا يملؤه غيرها. ومن ذلك الرضا بقضاء الله وقدره، والابتعاد عن التسخط والتبرم، لكنهم مع هذا مطالبون بعمل ما يقدرون عليه من الأسباب، فإن هذا من أعظم ما يحفظ على المسلم راحته النفسية، واطمئنان قلبه، وهو داخل في ذكر ربه الذي قال عنه: "أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ". ومنه ترك الاغترار بما عليه الظلمة الطغاة من كثرة ظهورهم، وانتشار أخبارهم، وتنعمهم وترفهم، واشتعال الناس بأقوالهم وأفعالهم، وتأثيرهم على حياتهم، كما تراه اليوم في تصريحات هذا الأحمق المقامر، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، ودولته أعظم خطرا على المسلمين -والله- من ربيبتها محمية الشيطان. ومن هذه العقائد سنة الله التي لا يصح أن تعزب عن المسلم، وهي إهلاك الكفرة والظلمة ولو بعد حين. وفي كتاب ربنا ما يسلينا ونحن نعيش ظرفا من أصعب الظروف اجتمع فيه إلى ضعف أمتنا وهوانها تعاظم طغيان الكفار وهيمنتهم. والتذكير بهذا الأمر كثير في القرٱن، أقتصر منه على مثالين أولهما: قول الله تعالى في سورة المؤمن المكية، وقد كان المسلمون وقتها مستضعفين، تقطعت بهم الأسباب، وغلقت دونهم الأبواب: "ما يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ"، ثم ذكر ربنا بعده من أهلكهم من زمان نوح عليه الصلاة والسلام فما بعده. وقد روى ابن جرير عن قتادة رحمهما الله في تفسير التقلب في البلاد قوله: "أسفارهم فيها، ومجيئهم وذهابهم"، قلت وهذا والله أعلم كناية عن سعة ملكهم في الأرض، وهو ما نراه اليوم رأي العين من امتلاك النفوذ في كثير من الدول التي لا تملك من قراراتها في السياسة العالمية شيئا، بل وفي كثير من شؤونها الداخلية. والثاني في سورة ٱل عمران المدنية بعد أن نصر الله المسلمين في غزوة بدر، التي أعقبتها نكسة أحد، وبعدها جاء تأييد الله لهم في غزوة الأحزاب بجنود لم يروها، قال ربنا عز وجل: "لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ"، قال ابن كثير: لا تنظر إلى ما هؤلاء مترفون فيه من النعمة والغبطة والسرور فعما قليل يزول هذا كله...". والمقصود أن المسلمين كانوا في حاجة إلى استمرار هذا التذكير بهذه السنة الإلهية، كي لا ييأسوا ولا يحزنوا، وليستيقنوا أن إمهال الله الظلمة ليس إهمالا، ومن كلام الله تعالى في هذه السورة: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ". وليلاحظ أن النهي عن الاغترار بما عليه الكفار أتى بعد بيان ما لحق المهاجرين من الأذى وقد فروا حفاظا على دينهم رجالا ونساء. قال ربنا عز وجل مخبرا عن إجابته دعاء عباده إياه ذلك الدعاء الذي ليس في القرٱن مثله: "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ". ثم فرع على ذلك ذكر من هم أولى باستجابة الدعاء فقال سبحانه: "فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ". والنهي عن الانخداع بما عليه الكفار وإن كان بظاهره موجها إلى النبي صلى الله عليه وٱله وسلم فمن المحال أن يغتر بما هم عليه من القوة والظهور والتقلب في البلاد، فالمقصود غيره من أمته ممن يستبطئون وقت الإدالة من الظلمة، وقد يستبعدون ذهاب عزهم وشوكتهم، فأخبرهم أن عزتهم إلى ذلة، وكثرتهم إلى قلة، والمسلمون لم يكتفوا بهذا عن منازلتهم، واعتراض قوافلهم، وتنطس أخبارهم، واقرأ ختام هذه السورة الدال على ما ينبغي لهم أن يكونوا عليه مع ذلك اليقين الراسخ بأن العاقبة لهم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ". = 11 أفريل 2025

الخاطرة 621

[لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها] قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي الظاهري رحمه الله في كتابه (الأخلاق والسير): "لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله عز وجل: في دعاء إلى حق، وفي حماية الحريم، وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى، وفي نصر مظلوم، وبائع نفسه في عرض دنيا كبائع الياقوت بالحصا". ليلة = 14 أفريل 2025

الخاطرة 622

[نحن وفرنسا] فرصة عظيمة أتيحت لبلادنا كي تتخلص من سلوك التعالي الاستعماري الفرنسي البغيض لتعود هذه (الخنة) -كما كنا نسميها إبان الثورة التحريرية- إلى رشدها فتقام العلاقة بين البلدين على المعاملة الندية، فإن كلفنا هذا المسار بعض المشاق فما أهونها في مقابل ما نحققه من المادية والمعنوية فعلى الأمة أن تتعاون على تحقيق هذا الغرض الذي فرطنا فيه أكثر من ستين سنة. ليلة = 19 أفريل 2025

الخاطرة 623

[حفر الٱبار من الأعمال النافعة] الماء أحد أمور ثلاثة جعلها الله قدرا مشاعا بين الناس لعظم حاجتهم إليها، حتى اختلف أهل العلم هل تملك أم لا؟، وهي الماء والكلأ والنار، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم: "لا يمنع الماء والنار والكلأ"، رواه ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصحح الحافظ إسناده، وفي معناه ما روي عنه صلى الله عليه وٱله وسلم أنه قال: "المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء والكلإ والنار"، رواه أحمد وأبو داود عن أبي خراش عن بعض الأصحاب، وسنده ضعيف يشهد له ما قبله، فإن النهي عن منع الثلاثة يقوي أنها في الأصل لا تملك، فتكون مشتركة، لكنها تخرج عن الأصل بقيود ذكرها العلماء، ومثل هذا ما جاء من نهيه صلى الله عليه وٱله وسلم عن بيع الماء. وحفر الٱبار من الأعمال النافعة التي أقدم عليها بعض أئمة المساجد في مدينة معسكر وغيرها في الولاية، بإنفاق المحسنين، وتجاوب الهيأت الإدارية بالترخيص، فجزى الله الجميع خيرا على نفعهم للخلق، الذي يقوي ارتباطهم بالحق، ويخفف عنهم كلفة شراء الماء، ويجنبهم شرب غير الصالح منه، ويشارك في تخفيف الأعباء المالية عن ميزانية البلديات، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "أفضل الصدقة سقي الماء". = 20 أفريل 2025

الخاطرة 624

- الدخلاء على العلم قال بعض أهل العلم: "لا ٱفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء عليها، وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون، ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون"، انتهى. قلت: من هؤلاء من له غرض في نشر الباطل والفساد، ومنهم مريد الخير، لكنه يسيء من حيث يريد الإحسان، وهو غير معذور لقفوه ما لا يعلم. ومن أمثال العرب (أساء سمعا فأساء اجابة)، وأصله أن أحدهم سأل ابنه أين أمك؟ (بفتح الهمزة)، يريد أين تقصد؟ فظن أنه يسأله عن أمه (بضم الهمزة) فقال: ذهبت تشتري دقيقا، فقال الأب ما تقدم فصار مثلا. كان ميسرا أن يجتنب وضع العلم عند غير أهله، بمراعاة حال متلقيه، فإن العلم قد يضر لأنه ليس في طاقة من يحدث به، أو يحصل الضرر بطريقة عرضه. ومن التوجيه النافع في هذا المقام ما رواه البخاري عن علي ط قال: "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟". ومنه ما رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". لكن هذا ليس كافيا في هذا العصر، فقد تفلت العلم من قيد أهله بالتسجيلات الصوتية، وبقراءة ما دون منه على قلة قرائه، ثم انضم إلى ذلك ما نراه من تقطيع الكلام والاجتزاء منه بما يخدم به الفاعل غرضه، ويقوي به نحلته، وأحسب أن الثقة بهذه الصوتيات ستتزعزع بما ظهر من الذكاء الاصطناعي كما ترى بوادره اليوم. الدخلاء على العلم يفهمونه على غير وجهه، فإن كانوا ذوي أغراض فاسدة طعنوا في قائليه، أو تخطفوا نتفا منه فروجوها فانخدع بهم الدهماء وأنزلوهم غير منازلهم، فكيف إذا أوتوا اللسن وتحسين الكلام؟ إنها فتنة لكل مفتون. = 21 أفريل 2025

الخاطرة 625

- المحافظة على أرواح المسلمين في جهاد غزة لا يختلف عاقلان أن المحافظة على النفس من أعظم ما يسعى إليه كل حي حتى العجماوات ألهمها الله هذا الأمر. فالمحافظة على الوجود أعظم عند الأحياء من كل شيء إلا أهل الحق فإنهم يقدمون حفظ دينهم على كل ما عداه لأن الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وعلى ٱله وصحبه أحب إليهم مما سواهما، وهذا هو قصدهم من الجهاد في سبيل الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". ومع أن حفظ الدين يتصدر ما يحافظ عليه من النفس والعقل والمال والعرض فإن قتال المسلمين وإن بذلت فيه أنفسهم فمن مقاصده حفظ الأنفس أيضا، ولا خلاف في هذا أعلمه. لقد شرع الله تعالى القتال في هذا الدين لثلاث مصالح أولاها حماية المسلمين وأوطانهم، ولهذا كان الرباط في الثغور من أعظم القربات، وهذا يعني أن يحافظ على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، يشير إلى ذلك قول الله تعالى: "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا" والثانية: تأمين حرية التدين ومنع الاضطهاد من أجله، وهذا في غير جزيرة العرب التي لا يترك فيها دينان، أما هي فقد أوصى النبي صلى الله عليه وٱله وسلم بإخراج المشركين منها، وأنفذ ذلك عمر رضي الله عنه، فأجلى اليهود من خيبر، قال الله تعالى: " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ". والثالثة: تثبيت سلطان الإسلام وسيادته بدفع الكفار الجزية إذا لم يسلموا ولم يكونوا معاهدين ولا مهادنين، وإلا قوتلوا، كما قال الله تعالى: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون". واختلف العلماء فيمن يقرون على ما هم عليه من أديانهم: أهم غير المسلمين عموما؟ أم هم اليهود والنصارى والمجوس الذين جاء النص بأن يسن بهم سنة أهل الكتاب؟. هذا هي مقاصد قتال الدعوة والطلب الذي تركته الأمة بركونها إلى الدنيا وتفريطها في إعداد القوة فذلت كما هو واقعنا المعيش. والمقصود أن المحافظة على أرواح المسلمين بل وعلى غيرهم ممن لا يقاتلون من الكفار كالنساء والصبيان والمنقطعين في الأديرة والصوامع والبيع من حملة الأحكام التي يشتمل عليها الجهاد، ولا أحسب أن مبدأ المحافظة على الأنفس من حيث الجملة يختلف حسب القسمين في جهاد الطلب عنه في جهاد الدفع وإن اختلفا في بعض الأحكام. ومع هذا فالأدلة من أقوال النبي صلى الله عليه وٱله وسلم وأفعاله وسيرته على هذا الأمر كثيرة أسوق بعض ما حضرني منها. فمنها إنكار التقاعد عن القتال لإنقاذ النساء والصبيان، ومنها منع من لم يبلغ الحلم الاشتراك في القتال، ومنها أن القتال لم يشرع للنساء في جهاد الطلب، ومنها وصية النبي صلى الله عليه وٱله وسلم أمير الجيش بالرفق بالمقاتلين، فكيف بغير المقاتلين؟، ومنها ما تضمنه هدي النبي صلى الله عليه وٱله وسلم في بعض غزواته من جعله النساء والصبيان في آطام المدينة ليكونوا بمنأى عن الكفار، ومنها حفر الخندق في غزوة الأحزاب في الجهة المكشوفة في المدينة حتى يمنع جيش المشركين من الوصول إليها، ومنها النهي عن قتل نساء الكفار وصبيانهم، والأمر باستبقاء شرخهم، فكيف بالمسلمين؟ ومنها جواز التولي يوم الزحف بقيده، ومنها ما فرضه الله على الواحد من المسلمين أن يصمد لاثنين من المشركين، ومنها اختلاف العلماء في حكم المبارزة وإن كان الصواب جوازه، ومنها عزم النبي صلى الله عليه عليه وٱله وسلم على مصالحة بعض القبائل المشاركة في غزوة الأحزاب كي تخرج من حلف المشركين، وقواعد الشرع لا تأباه إذا قيل إن الحديث لم يثبت، ومنها أن القتال لم يشرع في مكة ومدة الدعوة فيها ثلاث عشرة سنة مع ما عاناه المسلمون من العذاب والأذى والتضييق والحصار لكنها مفاسد أخف من مفاسد الاستئصال كما نشهده اليوم في أرض المسلمين. لذا فالذي نتوق إليه وندعو به ربنا الرحمن الرحيم هو أن يفرج عن إخواننا هذه الكرب التي يعجز اللسان عن وصفها، وأن يوفق القادة في غزة إلى هذا الأمر الذي ينبغي أن يحظى بالأولوية بالنسبة لغيره والله الهادي. = 27 أفريل 2025

الخاطرة 626

- التريث في الحكم على الأحاديث سار الحافظ ابن حجر العسقلاني فيما جمعه من الأحاديث في كتابه (بلوغ المرام من أدلة الأحكام) على خطة أبرز ما فيها: * بيانه مصطلحه فيما يعزوه من الأحاديث لرواتها السبعة وهم البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة وأحمد رحمهم الله. * أما غير هؤلاء فيسميهم بأسمائهم. * ومتى كان الحديث في الصحيحين لم يتبعه بشيء إلا أن يبين أن لفظه لواحد منهما، فإن انفرد به مسلم فقد يختلف الأمر. * فإن لم يعزه لهما ذكر من صححه أو حسنه أو ضعفه أو لينه أو قال لم يصح في الباب شيء، أو أصح شيء في الباب، أو غير ذلك، وقد يسكت فلا يتبع الحديث بشيء. * ومن الذين اعتمد تصحيحهم أو تضعيفهم أو غير ذلك من الأحكام البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وابن الجارود وابن القطان وابن عدي على تفاوت في قدر هذا الاعتماد. * في هذا السلوك مراعاة كون التصحيح والتضعيف أمرا اجتهاديا في كثير من الأحيان، ولأن العالم قد لا يتيسر له من الوقت ما يمكنه فيه الحكم على كل ما يورده من الأحاديث، ولغير ذلك مما لا يسع المقام بيانه. * ونظير هذا قول المجتهدين، فما كل ما أفتوا به أو أملوه مما توفر لهم فيه وصف الاجتهاد، الذي هو بذل الوسع للوصول إلى استنباط الحكم الشرعي من دليله، كما بينه أهل الأصول، وهو مناط الأجر أو الأجربن، فيدخل ما لم يبذلوا فيه الوسع -وهو كثير- فيما يرجى لهم عفو الله عنه وهو العفو الغفور. * أما الأحاديث التي حكم عليها الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام استقلالا فلا يبلغ عددها ما اعتمد على غيره من الأئمة في الحكم عليه. * ففي المائة الأولى من الأحاديث أثبت تصحيح أو تضعيف غيره من الأئمة في نحو الثلاثين منها، وانفرد بالحكم على أقل من العشرين منها، مع أن كتاب بلوغ المرام قد جمعه بعد شرحه المسمى فتح الباري أو أثناءه في وقت اكتملت فيه ملكته ونضج فيه علمه. * وقد تصدى في شرح صحيح البخاري لكثير من الأحاديث التي جلبها خلال شرحه، للحاجة إلى ذكر المخصص والمقيد وغير ذلك مما تقوم الحاجة إليه في مدارسة النصوص والاستفادة من الروايات والزيادات، قلت: تصدى بالتصحيح والتحسين والتضعيف، وقد يسكت، وتعارف الناس على أن ما سكت عنه فيه صحيح أو حسن عنده. * لكنه صرح بهذا في مقدمة الكتاب، قال أثناء ذكر خطته في (هدى الساري مقدمة فتح الباري): ".. منتزعا كل ذلك من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك". * وذكر في بلوغ المرام عقب إيراده حديث عبد الله بن سلام في وقت ساعة يوم الجمعة التي يقبل فيها الدعاء؛ ما يدل على أنه متأخر عن شرحه فتح الباري فقال: "وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولا أمليتها في شرح البخاري"، انتهى، والمقصود أنه مع سعة حفظه اعتمد على غيره في بلوغ المرام. * وإنما اختلف الأمر فيه عنه في فتح الباري لاختلاف المقصود من الشرح عن المقصود من بيان أدلة الأحكام. * ومن تحريه في بلوغ المرام أنه يقصر حكمه على السند وحده بقوله سنده صحيح أو ضعيف أو فيه ضعف أو فيه علة أو معلول أو المحفوظ كذا، مع سعة اطلاعه، وعظيم استحضاره، فلا يطلق التصحيح ولا التضعيف، لما يعرفه أهل الفن من عدم التلازم بين صحة السند والمتن، إذ قد يكون فيه شذوذ أو علة فيرد، وقد يكون للضعيف شاهد أو متابع أو غير ذلك مما يرفعه إلى درجة الاعتبار، ولم يطلع عليه الناظر في الحديث، فيضع هذا الغائب في الحسبان فيحتاط في الحكم. * وقد ابتلينا في هذا العصر بكذبة يسمون القرآنيين يردون السنة بأهوائهم، فتخلوا بهذا عن معظم أحكام دين المسلمين، فيكون هذا مروقا منه وكفرا متى كان الإنكار لعموم السنة ولو آحادا. * وأحسب أنهم يجدون سندا غير مقصود فيما عليه بعض أهل العلم -جزاهم الله خيرا على ما ينفعون به الناس- لكن يؤخذ عليهم هذه الجرأة غير المحمودة حيث يصرحون بتضعيف الأحاديث من غير تقييد، كما رأيت عند أهل الفن ممن لا يدانونهم، فيقولون حديث ضعيف، أو ليس في المسألة الفلانية حديث صحيح، أو أن هذا الحديث مخالف للأصول ونحو ذلك. * وهذا المنحى لا حاجة إليه في الإجابة عن الأسئلة، بل هو مقو لشبه منكري السنة، مجرئ للعامة عليها. * وأكتفي بذكر مثال واحد وهو قول بعضهم -وقد سئل عن مسح الأذنبن في الوضوء- فذكر أنه لم يصح فيه حديث، ولا صح حديث الأذنان من الرأس، ومع ذلك قال وأنا أمسحهما (!!!)، فلم تمسح والأمر عبادة؟ * ومسح الأذنين مسنون في المذاهب الأربعة، وهو قول جمهور العلماء، وقال بعضهم بوجوب مسحهما، واختلفوا: فقال الجمهور تمسحان منفردتين، وقال آخرون تمسحان مع الوجه، وقيل يمسح ما أقبل منهما معه، وما أدبر مع الرأس، وحديث الأذنان من الرأس فيه كلام كثير، وحسنه أكثر من واحد من أهل العلم قديما وحديثا. * والمسلمون منذ ما قبل جمع دواوين السنة في القرن الثاني وما بعده على هذا الأمر، فليسعكم أن تجيبوا السائل بما أنتم مقتنعون به من الأحكام، ولتخاطبوا الناس بما يعرفون، فإن كلامكم يسمعه القاصي والداني والعالم والتجاهل، فهذا خبر لكم ولمن تجيبونه. غرة ذي القعدة 1446=

الخاطرة 627

- غفلة الأريب قد يكون الشيء حقا في نفسه فيقال في غير وقته، أو فيما لا يناسبه؛ فيضر، وربما خدم قائله نقيض الغرض الذي ساقه من أجله، وقد قلت هذا اليوم في مجلس السبت -وهو مما أردده كثيرا- إن الفكر الذي لا يؤطر ويصان بالشرع؛ لا يسلم من الغوائل، وإن كان قصد القائل الخير، لأن الحق أن الذكر فوق الفكر، وسترى في كلام الشاطبي مصداق ما قلت، لكن من له الحسنى فقط؟: فيا قوم للعجب العجيب * وللغفلات تعرض للأريب ومما ينسب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: "وليس كل ما يُعْرَف يُقال، ولا كل ما يُقال حَضَرَ أهلُه، ولا كل ما حَضَرَ أهلُهُ حان وقته، ولا كل ما حان وقته صَحَّ قوله". وقال الشاطبي رحمه الله في الموافقات: "ليس كل علمٍ يُبَث ويُنْشَر، وإنْ كان حقاً، وقد أخبر مالك عن نفسه أن عنده أحاديث وعلما ما تكلم فيها، ولا حدث بها، وكان يكره الكلام فيما ليس تحته عمل، وأخبر عمن تقدمه أنهم كانوا يكرهون ذلك". ثم بين ضابط ما يقدم عليه من القول، وما يحجم عنه منه، فخطت أنامله: "وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة؛ فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها؛ فلك أن تتكلم فيها: إما على العموم، إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ؛ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية". والذي حصل للدكتور محمد الأمين بلغيث -حفظه الله- مع قناة سكاي نيوز عربية؛ هو غفلة عن الأثر الذي يترتب على ما قاله اعتمادا على تخصصه، والرجل لا يشك عاقل منصف في وفائه لأصول دينه، وحرصه على مصلحة بلده، وشدته على أعدائه، والسعي في الخير له، فمن حقه على بلده أن يطاع فيه أمر نبينا محمد صلى الله عليه وٱله وسلم القائل: "أقيلوا ذوي الهيٱت عثراتهم". 5 من ذي القعدة ماي 2025

الخاطرة 628

- من هنا تبتدئ سعادتك ليس هذا الذي أخطه إلا شيئا ذكرني به ما جرى للدكتور محمد الأمين بالغيث -فك الله أسره- مع قناة سكاي نيوز (العربية) وهو زيارتي لدبي عاصمة أبي ظبي مرتين في طريقي إلى المدينة ثم مكة في شهر رمضان سنة 1443، وكان الرجوع في ذي القعدة، حيث عسر السفر المباشر إلى المملكة السعودية خلال وباء كورونا، فزادت المسافة ساعتين ذهابا وأخريين إيابا. وقد حصل ما استوجب تقديم موعد السفر فاتصلت بوكالة الخطوط الإماراتية لتقديمه وترتب على ذلك إلغاء إقامة ثلاث ليال مدفوعة من الشركة (!!)، فطلب مني 600 ريال سعودي مقابل ذلك، فقلت جامعا بين الهزل والجد: ألا يكفي أن أتنازل عن هذا المبيت الذي لم أطلبه!!!؟. لم أسمع في مطار دبي من الإداريين ولا من المضيفين والعملة على كثرتهم كلمة عربية واحدة مع أن البلد تصنيفه (عربي). وأنى يكون ذلك ونسبة السكان الأصليين (العرب) لا تتجاوز 12 بالمائة من بين أزيد من تسعة ملايين، وأعلى نسبة هي للأوروبيين ب 14 في المائة. وإني أتوقع أن يستولي الوافدون وهم الأغلبية من النصارى والوثنيين الهندوس والصينيين وغيرهم على مقاليد الحكم على قاعدة تقرير المصير المتعارف عليها بين دول العالم اليوم. متى تحركت مطالب العرقيات في هذا البلد الهجين. والمؤكد عندي أن بعض حكامه قد ارتدوا عن الإسلام بإقامة ما سمي بالبيت الإبراهيمي، وبإعانتهم للصهاينة على المسلمين في غزة، ومدهم بالمؤونة ومواساة جرحاهم بالهدايا، أما تحريك هذه الدويلة للفتن في كثير من بلدان المسلمين فلا يخفى على أحد، فليعجل الله بزوال الفجار واستبدال غيرهم بهم من الصالحين. كنت أكره مدينة دبي من قبل هذا لما سمعت عنها من الفجور وكان يؤلمني كثيرا أن يفتتن بها بعض الناس في بلادنا فيطلقون اسمها على شوارع بعض المدن في الشرق والغرب، وٱلمني أكثر أن يحتفل فيها بأعياد الكفار أكثر من احتفالهم هم في بلدانهم، وقد سخروا في هذه الاحتفالات البرج الذي يصل علوه ما يقرب من 900 متر، وقد قال النبي صلى الله عليه وٱله وسلم وهو يذكر أمارات الساعة: "وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"، وهذا الوصف وإن لم يكن في الحديث للذم، فإن من بنى ذلك البرج حري أن يذم. أما عنوان الخاطرة فمرده إلى أنني وأنا أخرج من المطار إلى الفندق الذي مكثت فيه ساعتين؛ قرأت ما كتب على مخرجه بالخط البارز (من هنا تبتدئ سعادتك)!! فقبحا للكاذبين وترحا. وقد تأليت حلفة أن لا أعود إلى هذه الإمارة ولو مرورا لحج أو عمرة، لكني تمنيت أن أزور إحدى الإمارات التي سمعت عن حاكمها خيرا وهي الشارقة، وإن كنت لا أدري حالها اليوم. ليلة السابع من ذي القعدة 1446=

الخاطرة 629

إذا استعصى عليك ثني خصمك عما يراه؛ فتحول إلى ما يجمعك به فاستخدمه في إقناعه، فإن ذلك أجدى عليك وعليه. تأمل قول نوح عليه الصلاة والسلام وقد تعلل قومه في ترك اتباعه بما وصفوا به أتباعه: "قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ"، فإنه لم ينازعهم في هذا المانع، بل قال: "وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ". فلما لم يجدوا لما قال جوابا ألجئوا إلى التهديد المكشوف فافتضح أمرهم: "قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ". وتأمل قول كبرائهم له "فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ"، فقد جاء جوابه عن بعض، وأعرض عن بعض فقال: "يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ". وقد يعد هذا من التغافل وترك الاستقصاء المحمودين في معاملة الناس كما قال الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وعلى ٱله وصحبه وسلم: "فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ"، وقال سبحانه: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ". وما عسى أن تقول لمن قامت عليه الحجة فلم يتقيد بعقل ولا نقل؟ أليس النافع لك أن تعرض عنه ثابتا على منهجك: "فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ". وقد تتارك خصمك وأنت موقن بما أنت عليه من الحق، هذا الذي تراه في قول ربك: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ". وقد تعمد إلى قول أكثر إنصافا تطفئ به جمرة خصمك بعد أن استبان الحق لمن رامه كما تراه في قول الله تعالى: "قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ". قال الزمخشري: "وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به: قد أنصفك خصمك..، ولكن التعريض والتورية أنضل بالمجادل إلى الغرض، وأهجم به على الغلبة، مع قلة شغب الخصم، وفل شوكته بالهوينا..". وقال عن الٱية الثانية: "هذا أدخل في الإنصاف، وأبلغ فيه من الأول، حيث أسند الإجرام إلى المخاطبين (بكسر الطاء) والعمل إلى المخاطبين (بفتح الطاء)، وإن أراد بالإجرام الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن، وبالعمل الكفر والمعاصي العظام" انتهى. قلت: لكن هذا الذي إراده دلت عليه (تَعْمَلُونَ) التي ليست نصا في المقصود، لكنها تنهي مماحكة الخصم ولجاجه. وقد علق ناصر الدين أحمد بن المنير وهو الذي تتبع تفسير الكشاف ليميط اللثام عن منازع اعتزال الزمخشري ظاهرها وخفيها بهذه الكلمة التي أبدى فيها إعجابه بتفسيره لهذه الٱية قال: وهذا تفسير مهذب، وافتنان مستعذب، رددته على سمعي فزاد رونقا بالترديد، واستعاده الخاطر كأني بطيء الفهم حين يعيد...". 8 من ذي القعدة ماي 2025

الخاطرة 630

ذكرت جملة (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) في سورة الحديد ثلاث مرات في سياقات مختلفة، والفسق هو الكفر، وأصله الخروج من الشيء كالرطبة من قشرها، لكن اختلف في هذه السياقات ما قوبل به الفسق فلنقف عليه. * فأولها قول الله تعالى: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ"، فهذا القسم أسوأ الأقسام فإن أصحابه لم يخرجوا عن حالين: قسوة القلوب والفسق. وقد دلت بمنطوقها أن قسوة القلوب عمت أهل الكتاب، وأن كثيرا منهم فسقوا، ودلت بمفهومها أن منهم من لم يفسق، وإن قسا قلبه، فعقلنا أن قسوة القلب تجتمع مع القيام بصور الأعمال. وقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه في سبب نزول هذه الٱية كما في صحيح مسلم قوله: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهده الٱية إلا أربع سنين: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ"، الٱية. ولا يريد ابن مسعود أن عموم الأصحاب نالهم العتاب، بل المقصود طائفة منهم، وإلا فمنهم من لم يزل خاشعا إلى أن ذهب إلى ربه كما قاله بعض المفسرين، وكيف لا وقد رضي الله عنهم وزكاهم وأثنى عليهم في كتابه؟. ولك أن تقرأ حديث حنظلة الأسيدي في صحيح مسلم لتقف على شعورهم بالفارق بين الحال التي يكونون عليها في مجالستهم للنبي صلى الله عليه وٱله وسلم وحال معافستهم للأولاد والأموال والضيعات، حتى ظن حنظلة أنه نفاق، وقد وافقه على هذا الإحساس بالفارق أبو بكر وهو خير الأمة بعد نبيها، فكان جواب النبي صلى الله عليه وٱله وسلم: "لو تدومون على ما تكونون عليه عندي؛ لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة"، كررها ثلاث مرات، والفراش والطرق كناية عن الحياتين الخاصة والعامة. وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم الخوارج بقوله: "يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم وصيامه إلى صيامهم وعمله إلى أعمالهم وقراءته إلى قراءتهم يقرأون القرٱن لا يجاوز تراقيهم"، فهذه عبادات مجودة الصورة غاب عن أصحابها روحها ولبها. وثانيها قول الله تعالى: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ". وقد وقع الفسق هنا مقابل الاهتداء، وقسوة القلب لا تجامعه، فهذا أكمل أحوال المؤمنين. وثالثها قول الله تعالى "ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ". وهذا في أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام، أما من قبلهم فلم يذكروا اكتفاء بعموم السياق الأول. وشريعته مكملة لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام باشتمالها على تحليل بعض ما كان محرما على بني إسرائيل، وعلى المواعظ والرقائق التي يتدارك به ما كان عليه اليهود من القسوة واليبس والجمود على صور الأعمال التي لا تلامس القلوب كما قال الله عنهم: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ". وقد توسع أتباع عيسى في جانب الزهادة في الدنيا فابتدعوا الرهبانية التي لم يفرضها الله عليهم ولم يرعوها حق الرعاية، فكان مناسبا أن يقال عن الفريق المؤمن منهم "فآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ". فأحسن الأقسام المهتدون من ذرية نوح وإبراهيم، يليهم أتباع عيسى، وأرذلهم عامة أهل الكتاب من بني إسرائيل فإنهم كانوا بين صور الأعمال الخالية من الٱثار في تزكية النفس فقست قلوبهم، وبين الكفر، فاختر لنفسك، واستعن بالله والزم المحافظة على الصلوات في الجماعة، ورعاية الرواتب، وقراءة وردك من القرٱن الكريم، والاستماع إلى تلاوته، وصلاة الليل، والإكثار من ذكر الله، وعيادة المرضى، وزيارة المقابر، ومجالسة الصالحين، وحضور مجالس العلم، وترك فضول الكلام والطعام والشراب والنوم والنظر. ليلة 22 ذو القعدة 1446=

الخاطرة 631

جرى بيني وبين بعض إخواني يوم أمس كلام عن أصحاب الفكر وقوالبهم الجذابة التي يقدمون فيها (مبتكراتهم) ولزوم الحذر منها وأن الفكر إن لم يحط بأحكام الشرع فإن مٱل صاحبه الزلل وما دأبت على ترديده مما هو بديهي عند المسلم وهو أن الذكر فوق الفكر فكتب هذا الذي تراه فرأيت نشره 27 من ذي القعدة 1446= قال: "الانشغال بوسط يستغني عن المصطلحات القرآنية والشرعية، ويعظم مقولات المعاصرين وإن كانت سطحية أو بديهية، ويطيل المسافة بينه وبين المصادر الأولى للعلم، القرآن والسنة وآثار السلف. على اعتبار أنها مصادر "اعتيادية زيادة عن اللزوم" أو "لا توائم العصر وتطور الفكر" أو "تجلب الشبهة والتصنيف".. أو "تصنع "سوء تصور" لواقع جديد بحيثياته وتفاصيله المختلفة.. وغيره من معاذير، كل هذا يوصل مع الوقت لحالة من النفور في النفس من المصطلحات الشرعية وميراث السلف، الذي سينظر إليه على أنه "العتيق الرجعي" لا "الحديث المواكب للتجديد". وبالتالي سينظر لكل من يتمسك بهذا العتيق على أنه متخلف وأحمق وإن كان يحاجج بالحكمة والحجة وقوة التأصيل والبيان. ولأن الوسط يؤثر جدا، ومع سرعة التواصل وكمية الضخ في ميدان الفكر الإسلامي للأفكار الرائجة والمقبولة بغض النظر عن مخالفتها لميراث الأولين.. يعني أننا أمام شريحة كبيرة جدا ترى المصطلحات الشرعية تكلفا أو تخلفا وأحكام الإسلام إجحافا أو تهورا. وينتهي الأمر إلى اعتبار كل من يتمسك بما كان عليه السلف الصالح، منبوذا ومحاربا.. بعيدا عن التبريرات التي تساق للالتفاف على حق أو التفلت من حجة أو بيّنة! وفي الواقع وجود من يتمسك بالعتيق في زماننا نعمة يجب الحفاظ عليها، لأنه يحقق ثقلا يصنع التوازن في الساحة التي يغلب عليها "التمييع" و"الإرجاء" والأفكار "الإنسانوية" أكثر من العقيدة الإيمانية على نهج السابقين الأولين. فمن أراد لنفسه الحفاظ على هذا التوازن، كي لا ينجر بلا وعي مع التيارات الجارفة التي تزوّق المعاني بتضليل وخداع، فعليه أن يترك بجانبه صاحبا "عتيقا" ومصادر العتيق قريبة من قلبه. عليه أن يبقى بالقرب ممن يذكره بما كان عليه السلف الصالح، ويبقي مصطلحاتهم وآثارهم.. حاضرة في مشهد الصراع. وإلا فإن خسارة هذا القرب وهذا الصوت الناصح، يعني الحرمان المثخن وفقدان البوصلة. المصطلحات والمرجعيات تصنع فارقا كبيرا جدا في فكر الإنسان وفي أساليبه وتفاعلاته واختياراته. ومن فرط فيها فرط في جزء كبير من هويته وقوته وانهزم عند أول مواجهة! وتلك الحالة تفرزها مخلفات الغزو الفكري المحارب الذي دخل في دقائق الإصلاح والتربية والدعوة المضادة له! وهو أخطر الآثار المستترة لهذا الغزو! تحصين قواعد وطرق التفكير مطلب مصيري.

الخاطرة 632

- سؤال يستغرب في زمن الغربة الســلام عليكــم ورحــمة الله وبركــاته أرجوك يا شيخ أن تتابع رسالتي إلى الآخر، وتوليها اهتماما، محتاجة لوجهة نظركم، أنا فتاة لي ثلاث وعشرون سنة أردت أن أهب عمري للدعوة والإصلاح وأن لا أتزوج، ليس زهدا في الزواج أبدا فهو من أعظم السبل التي تلج بها المرأة الجنة من حيث شاءت، وإنما حرقة على ديني وأمتي، ولما رأيت من حاجة الواقع الماسّة إلى مثل الثغر الذي أريد الإقبال عليه؛ وهو تربية الأبناء الذين لم يلقوا آباء وأمهات صالحين أو مهتمين بالتربية، وكذلك توعية النساء والفتيات الصاعدات التائهات (وهن كثير كثير كثير) ودعوتهن وردهن إلى الفطرة وإعانتهن على ذلك ومعالجة مشاكلهنّ ذات الصلة.. على أن يكون لديّ بإذن الله مركز في منطقتي لاستقطاب هذه الفئات والعمل عليها إن شاء الله.. يا شيخ، أؤمن أنه لا أهنأ للمرأة من بيت زوج تجعله همّها، لكن -والله- يا شيخ أجد في نفسي أن هذا الذي حدثتك به يطغى بشكل كبير جدا على رغبتي الفطرية في الزواج، ليس لخلل فطريّ أو تأثر بالنسوية -أعوذ بالله منها- ولكن -والله- لما أجد في قلبي منذ الصغر من احتراق على حال ديني وأمتي وأنا -كلّما أكبر- أراه يزداد سوءا! وأرى أسر المسلمين مفرقة القلوب وأبناءهم ضائعين وبيوتهم جحيما ودماءهم رخيصة وكلمتهم لا تسمع وهم متكالبون على الدنيا، قد أخذوا من الإسلام ما أرادوا وتركوا ما أبته أنفسهم! (ولست أعفي محيطي القريب) لقد احتقنت كثيرا من هذا الحال منذ طفولتي يا شيخ، ولكَم بكيت لأجله وأنا لا أستطيع فعل شيء لأنّي لم أكن أعرف الطريق..مستعدة لأضحي بكل شيء كل شيء في سبيل عود الحاكمية لدين الله في أرضه!وهمّي بديني وأمتي يلازمني في كل نفَس.. الأصل في تفكيري أن يكون في حالهما فإن فكرت في غيرهما كان ذلك بمثابة السهو في الصلاة، هكذا دون مبالغة أو تكلّف -والله-...سؤالي لكم يا شيخ من باب الاستئناس بأهل العلم أصحاب الهمّ، فأرجو أن تنظروا جيدا وتخبروني بوضوح تامّ عن وجهة نظركم للأمر، دون لبس أو إقصاء لأي جزئية مما ورد في هذه الرسالة من حالي وحال الواقع المذكور أيضا.. فقد أرسلت أسأل أحد الدعاة (وكأني أسأل لفتاة غيري) ولم أطمئن أبدا لجوابه بل تأذيت من عباراته -غير الأولى طبعا، وإن كنت أحسب أنها ليست في مكانها-، قال: "لم يكن هذا فعل الصحابيات أشرف النساء، الشيطان صانع لها مكيدة كبيرة، سيسقطها بعد سنوات لما ينقضي عمر الشباب وتنظر إلى كل صاحباتها قد تزوجن وأنجبن.. عموما إذا استحكم عليها هذا الشعور الشيطاني فلا نجاة لها إلا ثلث الليل الآخر".. صدقني يا شيخ لو كانت سائر النّساء تشعر أن ابنَها هو فقط: من أنجبته بطنها، فإني أشعر بخلاف ذلك تماما، وهو أن كل هذا الجيل النابت الضّائع أبنائي، وأحس تجاههم بشفقة قد لا أكون مبالِغةً إن قلتُ هي أكبر من شفقة أمّهاتِ اليوم على أبنائهم.. أخشى عليهم غدًا أسودا إذ إنّهم يُنشَّؤون على الجهل الشّنيع بدينِهم وبقيمتهم وغايتهم! في ظلّ تكالُب الأعداءِ من كلّ الجهات -أقول من كل الجهات!!- لتَخَطُّفِهم وقتلِ روح الإسلام فيهم (وأنّى لهم ذلك، لكن فقط: إن نحن جهدنا في إنقاذهم وإصلاح أحوالهم بعون الله).. إذَن: كتبَ الله لي شعور الأمومة دون زواج، فكيف أصنع؟! أيُعقَل أن أفكّر في أبناءٍ جدد وهؤلاء حالهم كما وصفتُ لك؟ ومن زاوية أخرى كيف نفسر ترك كثير من المجاهدين الزواج لوقوفهم على الثغور احتسابا؟ أيُلامون أيضا؟! لا أظن ذلك.. إذن فهو جهاد وتتعدد صوره وأمكنته وسياقاته! وأرسلت لداعية آخر في نافذة خاصة بالاستشارات فقال: "لا ينبغي ذلك، الرجال ولله الحمد في الدعوة يقدمون ما لا تقدمه النساء"، رغم أن البصير بالواقع يرى أنه لا كفاية! يقدم الرجال الكثير نعم، وهناك دورات لتوعية النساء نعم، لكن لأن هذه الدورات على المواقع لا الواقع فأكثر النساء عازفات عنها لا يصبرن على متابعتها، خلاف ما إذا كان هناك شيء واقعي ويتخذ الوسائل المثيرة لاستقطابهنّ..ثم ماذا عن الأطفال الذين يُرمون إلى المدارس العلمانية ثم لا يجدون غير أساتذة عامّيّين لا همّ لهم في التربية إطلاقا -إلا ما ندر جدا-؟ أين الدعاة الذين يعوضون هذا النقص المهول، وبالوسائل المستقطبة أيضا؟ أقصى ما أراه في الواقع -إلا ما ندر- بعض المساجد تحفّظ حروف القرآن -لا حدوده- لمن أراد أن يلتحق باختياره! مع جمود في التلقين وغياب شبه تام في الأساتذة للمربين الواعين القدوات الذين همهم هم الدعوة الأول؛ إخراج الناس من الظلمات إلى النور أريد منكم كلمة ملأى علمًا وحكمة يرحمكم الله، وجزاكم الله خيرا"، انتهى السؤال بنصه. 28 من ذي القعدة 1446=

الخاطرة 633

- الأضحية * الأضحية سنة عين في حق من لا تجحف به، ولو تعدد في البيت الواحد، وقيل إن انفرد، وتكفي الواحدة عن أهل البيت، ولا تكون إلا من النعم. * ولا يجوز الاشتراك في الضأن والمعز، ويجوز اشتراك السبعة في الإبل والبقر، والاشتراك الممنوع أن يتقاسموا لحم الشاة لتحاصهم في ثمنها، أما إذا أهدى لوالده أو لغيره المال وضحى هو عن أهل البيت الواحد فذلك جائز كاف. * والسن المجزئة من الضأن ستة أشهر، ومن المعز سنة، ومن البقر سنتان، ومن الإبل خمس. * ويلزم خلوها من عيوب أربعة إذا كانت بينة وهي العور والعرج والمرض والعجف وهو الهزال. * ومن هذه الأربعة ما هو نقص في الجمال فتلحق العمياء ومقطوعة ثلث الأذن بالعوراء، وإما نقص في اللحم فتلحق ناقصة عضو وذاهبة ثلث الذنب بالعرجاء، ويلحق بالمريضة مكسورة القرن إذا كان يدمي، ويجوز الخصي (الموجوء) للنص، والخير اجتناب كل عيب. * والمفضل فيها طيب اللحم فيقدم الضأن على المعز والذكور على الإناث ثم البقر ثم الإبل كذلك. * والأفضل أن يتولى المرء تذكية نسكه بنفسه ولو امرأة ويجوز التوكيل، ولا يوكل الكافر ولا تارك الصلاة لكفره أو فسقه. * ويقول عند الذبح باسم الله والله أكبر، وإن زاد اللهم تقبل مني ومن أهلي فحسن، وتضجع الشاة على اليسار ليسهل ذبحها باليمين وإمساك الرأس باليسار، أما نحر الإبل فيكون من قيام ومثلها البقر إذا نحرت ويجوز ذبحها. * ووقت الذبح يوم العيد من بعد الصلاة وهو مفضل على ما يليه من الأيام، ويمتد إلى ٱخر أيام التشريق، وهي الثلاثة بعد العيد، وينتهي عند المالكية في اليوم الثاني بعده، والصحيح جوازه ليلا ونهارا والنهار أفضل. * ومن أعطى شاة لمن ضحى بها فهي له صدقة وللمعطى أضحية، أما من ذبحها على اسمه أو وكل من يذبحها عنه وتصدق بها فهي له أضحية وصدقة. * ولا يجمع بين الأضحية والعقيقة في النية، فإن عجز عنهما فتقديم العقيقة أولى لعدم تكررها. * ولا يصح أن يشترى من أموال الزكاة أضحية للفقراء، ولا يعطى الجازر شيئا منها أجرة له. * ولا تلزم الأضحية إلا بنذرها أو بالشروع في تذكيتها فما لحقها قبل ذلك من العيوب اعتبر على ما تقدم. * ويشرع للمرء أن يأكل منها ويهدي ويتصدق على المسلمين ويجوز له أن يدخر إذا لم تكن مسغبة. * وإذا تيسر له تأخير فطره حتى يأكل منها فهو خير. * وإذا ضحى زال موجب النهي عن إزالة الشعر وقص الأظافر، وليكن قصد المسلم بنسكه طاعة مولاه وتقواه والعلم عند الله. يوم التاسع من ذي الحجة 1446=

الخاطرة 634

- سفينة (مادلين) عرض أعداء الله وأعداء المسلمين والإنسانية في محمية الشيطان على ركاب السفينة (مادلين) شريطا يوثق أحداث السابع من أكتوبر ليقنعوهم بالرجوع عما هم عليه من التضامن مع أهل غزة والتنديد بالحصار والتقتيل بجميع الوسائل والطرق التي لم تعرفها الإنسانية من قبل. فهلا عرضوا عليهم بعض ما صنعوه بنا طيلة سبعة عقود، ونسبة هذا الذي غاظهم ولم يستغرق إلا سويعات في هجوم على قواعدهم العسكرية المتاخمة لغزة إلى ما صنعوه بالمدنيين وخصوصا النساء والأطفال في مذابح سجلها التاريخ طيلة هذه العقود؟!! هم حتى الٱن لم يبرزوا صورة لقتيل عسكري واحد من جانبنا إلا نادرا كما يفعل جنود المسلمين البواسل من الإثخان في عساكرهم وٱلياتهم وتوثيق ذلك بالصوت والصورة، لقد أثبتت هذه الحرب بما لا ريب فيه أنهم وحوش كواسر بل الوحوش أرحم منهم –والله- مع جبنهم وخورهم كما قال الله عنهم: لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ". إن تضامن المسلمين واهتمامهم بإخوانهم بأموالهم وإيصال الطعام والسقاية لهم عن طريق جمعياتهم وما يواظبون عليه من الدعاء في خلواتهم وجلواتهم في خطبهم ودروسهم وصلواتهم وما يدونونه من المنشورات وما يحضون عليه من المقاطعات وما يعتلج في صدورهم من الٱلام والأحزان لا يصح أن نهون من شأنه كما يصنع بعض الكتاب. إنها جهود مباركات وبراهين ساطعات على أن الأمة جسد واحد يتألم كله لتألم جزئه ومع هذا فتضامن الدول غير الإسلامية وغير السنية بقطع العلاقات والاحتجاجات ومحاولة كسر الحصار أو فرضه بما تستطيع كما هو فعل حكام شمال اليمن وإقامة الدعاوى لدى المحاكم الدولية وعدم حصول ذلك من الحكومات (السنية) هو من الفتن العظيمة لعوام المسلمين وخطر محدق بعقيدة الولاء والنصرة، ومنهاج السنة والبدعة، وقد قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ". 13 شهر ذي الحجة جوان 2025

الخاطرة 635

- ألا إن القوة الرمي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم يقرأ وهو على المنبر: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ" الٱية، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي"!!!، رواه مسلم، وقد ختم به الحافظ ابن حجر رحمه الله كتاب الجهاد في بلوغ المرام وهو حقا نهاية القوة في هذا العصر باعتبار السلاح النووي. والحديث من أعظم نبوءاته صلى الله عليه وٱله وسلم، فإن الرمي في الوقت الذي فسرت فيه القوة التي أمرنا بإعدادها؛ إنما كان بالسهام، ومداها لا يتجاوز عشرات الأمتار، ثم بلغ ٱلاف الكيلومترات، وتنوعت أصنافه ووسائله ومدياته، من الصواريخ والطائرات المسيرات والمدافع والقذائف والأسلحة الفردية الكثيرة الأنواع وقد قال بعضهم قبل ثمانين عاما: اليوم فكرة عالم في مصنع * تغني عن الأسياف والأرماح والعلم مصباح الحياة فنقبوا * من قبل أن تثبوا عن المصباح فالمراد من حصر القوة في الرمي أنه يصيب العدو من بعد، وهو أشد نكاية فيه، ثم صار اليوم على رأس أنواع الأسلحة، وأعظم مظاهرها هجوما ودفاعا وحماية، بل صار رميا لتدمير المرمي به، فالمقصود من الحديث نظير المقصود من قوله عليه الصلاة والسلام: "الحج عرفة"، وقوله: "إنما الربا في النسيئة". ثم إن الغالب على الدول التي نالت من سلاح الرمي حظا كبيرا أنها أوغلت بعيدا في أنواع القوة الأخرى بمجالاتها المختلفة، لكن هذه القوة كيفما ما كانت ما لم تتوج بالتفوق في الرمي وبلوغ الأوج في صنوفه وتحديثاته فإنها لا تجدي في الحروب المعاصرة، بل تكون عرضة للتدمير والتخريب. ومع كل هذا فليس المراد مجرد امتلاك وسائل هذا الرمي كما هو شأن معظم الدول اليوم فإن المجدي أن توطن صناعته في البلد المالك وأن تحشد الجهود العلمية لمواكبة التطور، ودون هذا فامتلاك السلاح في معظم الأحيان لا جدوى منه، وكثيرا ما يكون عونا لبائعيه على ظلمهم وطغيانهم، والسلاح بعد هذا كله إنما يجدي بيد حامله ومستعمله. ليلة 19 من ذي الحجة 1446=

الخاطرة 636

- حرب إيران، ومحمية الشيطان لا أكتب هذا راغبا لخطورة الأمر وصعوبة الموازنة بين خيره وشره، وقد سبق لي بعض الكلام في حرب (حزب الله) للصهاينة قبل عشرين عاما، لكني لم أجد بدا أن أكتب عما يعتلج في صدور كثير من الناس ممن تحدثت إليهم هذه الأيام، ومن قبلها أثناء الأعمال الحربية المحدودة، التي جرت بين إلروافض والصهاينة، ثم انتهت إلى ما نراه من هذه الحرب التي بددت شكوكا استوطنت بعص النفوس وقتا طويلا باعتمادهم نظرية المؤامرة!! موقفك من هذا لا يعدو واحدا من أربعة: أن لا تعيره اهتماما، أو تتمنى أن يهلك الله كلا منهما بالٱخر، وهو من جملة صور انتصار الحق، ييسر الله ما يكسر شوكة الباطل، ويضعف قوته، والباقيان أن تتعاطف مع أحد الفريقين، وقد قيل: وما من يد إلا يد الله فوقها * ولا ظالم إلا سيبلى بأظلم وكيفما كان الموقف فإنه لا يتعدى في الأفراد العاطفة والتمني، أما الدول فبعضها يبدي خلاف ما يخفي، أو يستنكر عدوان المبتدئ، أو يدعو إلى تجنب قصف مصادر الطاقة، أو يزعم أن سيادة بلده قد انتهكت بعبور الصواريخ والمسيرات من الشرق إلى الغرب، لا العكس، وبعضهم يتمنى انتصار الص ها ي ن ة تمنيه الغلبة لهم على أهل غزة!!! إن هناك أمورا كثيرة تحمل المسلم على عدم التسوية بين المتحاربين، وإن جمعتهما أمور مشتركة كالكفر والباطل والظلم في الجملة، على تفاوت بينهما فيه، والخلاف الذي في تكفير الروافض باعتبار فرقهم، وما يعتقده أفرادهم في القرٱن، وفي الرسالة، وفي عصمة أئمتهم وفضلهم، وفي صحابة رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم، وأزواجه، وغير ذلك، وفيما قد يعذر فيه دهماؤهم ولا يعذر فيه مقدموهم وعلماؤهم. في مثل هذه الموازنات لا يكفي معرفة الخير والشر، بل ينبغي معرفة خير الخيرين، وشر الشرين، ودفع الضرر الأعظم بما هو أدنى منه من قواعد الشرع. فأول هذه الأمور: الفرق بين الكفر الأصلي والعارض، لكن قد يوجد في الروافض من العارض ما هو أعظم من غيره، والثاني: الاختلاف في الحكم بالكفر على هؤلاء جملة، بخلاف ا ل ي ه و د فكفرهم لا مرية فيه، والثالث: وجود نحو ثمانية ملايين مسلم سني في إيران، والرابع: اعتبار الغرب هذه الدولة إسلامية، فهو يقاطعها لأجل إسلامها كما يرى هو، والخامس: كونها الوحيدة المناهضة له في المنطقة بقطع النظر عن القصد، والسادس: أن امتلاك هذه الدولة السلاح النووي الذي من أجله نشبت الحرب ينشئ معارضة تضعف من نفوذ الغرب المعادي في المنطقة للإسلام إلا على النحو الذي يريد الغرب فرضه، والسابع: مناصرتها لأهل غزة بإقرار قادتهم مرارا، والثامن: مساندة أذرعها العسكرية لهم بالقتال، وتحملهم تبعاته الثقيلة في الأنفس والأموال في لبنان واليمن وغيرهما، والمقاصد يعلمها الله، ولا يكون ذلك إلا بموافقتها، والتاسع: أن أمريكا وربيبتها وبقية دول الغرب يرتاحون مما يزعجهم في حال هزيمتها، والعاشر: تراجعها النسبي عن منهج تصدير الثورة الذي تبنته 40 سنة، ولعل ما سمعناه هذا اليوم من تفويض الرافضي خامنئي كثيرا من صلاحياته لغيره من جملة هذا التوجه، فالمنتظر تغير النظام إلى ما هو أقل شرا، والحادي عشر: أن من أهداف محمية الشيطان منع دول المسلمين من امتلاك السلاح النووي، لا خصوص إيران، وباكستان هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تملكه، وقد صرح ن ت ن ي ا ه و بضرورة سلب باكستان هذا السلاح، ودولته تناصر الهند التي هي ألد أعداء باكستان. إن انتصار الصهاينة ومن وراءهم في هذه الحرب - وهو الغالب على ظني بعد تدخل أمريكا الذي قد يتم خلال يوم أو يومين - ستزداد به هيمنتهم على دول المنطقة في تعميم الديانة الإبراهيمية وتوسعة نطاق التطبيع، وفرض ما يبتغونه من جعل علمنة الحياة العامة واقعا في تلك الدول. فتمني غلبة هذه الدولة على محمية الشيطان ومن وراءها من دول الغرب بهذه الاعتبارات - وإن كان أمرا مستبعدا في مقاييس البشر - ليس منكورا، والضار هو أن يقود هذا إلى متابعتهم في فساد العقيدة والمسلك الرديء في دين الإسلام الذي يدعونه، لكن ليعلم أنه لا تلازم بين الأمرين، فإن المرء قد يفرح بغلبة دولة على أخرى لقلة شرها أو لغير ذلك من الاعتبارات مع اشتراكها في الكفر والظلم، قال الله تعالى: "ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ"، وقد كان الفرح يومئذ بغلبة الروم على الفرس، للفرق بين أهل الكتاب والمجوس، كما دلت عليه أمور عدة في الشرع، أما اليوم فقد تغير المناط لكن قاعدة الموازنات ثابتة لما ذكرناه، والعلم عند الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. 22 من ذي الحجة 1446=

الخاطرة 637

- تلبيس أبليس أثبتت الأحداث ما هو معروف عن الأفراد والدول من أن الدفاع عن النفس أصيل، وعن الغير - في السياسة - دخيل، فالأول فطرة وغريزة، والثاني تكليف ورغيبة، وهو داخل في الجهاد التي فرضه الله علينا نحن المسلمين. فالمسلم يقاتل دفاعا عن الدين وعن النفس والمال والعرض وعن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان وعن أوطان المسلمين، وحماية سلطان الإسلام، فذلك كله مشمول بالقتال في سبيل الله، الذي المقصد منه أن تكون كلمة الله هي العليا، إنه قتال المبادئ والقيم، لا قتال المصالح الٱنية والنظم، والحمية الجاهلية، والنزعة العرقية. لقد ثبت كذب مزاعم التضامن ودعاوى التٱزر التي قد يصحبها عمل حربي ضبطت بدايته، وحجمه ونهايته، بل صار معتادا أن يخبر العدو عدوه به لتقل خسائره، ويسهل التفاهم المسبق معه على إنهائه، إنه التمويه والتلبيس الذي هو فتنة لعوام المسلمين، ومنزلة أقدام بعض (العالمين)، فالذين تركوا هذا المسلك الموهم المضلل أقرب إلى الوضوح وإن كانوا خاذلين ٱثمين. 28 من ذي الحجة 1446=

الخاطرة 638

ما ذا ستفتعلون من الأحداث بعد أيها الطغاة الظالمون المتاجرون بالحروب لصرف الأنظار عما يجري في غزة من المٱسي؟ أوقفتم الحرب بين إيران ومحمية الشيطان بكلمة فاه بها المقامر المتعجرف، دون مفاوضات، ولا مناقشات، وأوقدتم نارها بأمر مكتوم، تريدون أن يستقر في ٱذان العالم طوعا أو كرها أنكم الٱمرون الناهون، فكيف تعجزون عن إيقاف هذا التقتيل والتدمير والتهجير المستمر منذ أكثر من ستمائة يوم، مع طول أمد المفاوضات، والمناقشات، وتعدد الوساطات، والحال أن القتلة تحت إمرتكم وحمايتكم بل أنتم وهم سواء. إنه لا تفسير لهذا إلا لأن هذه الحرب هي التي تقض مضاجعكم حقا، وتفسد خططكم صدقا، لأنها لم تقم على ما ظننتموه قوة، ولا على ما حسبتموه مناط غلب ونصر، لقد نشبت دون إذنكم، ومن غير تدبيركم، وخالفت ما قدرتهم لها من الوقت وخمنتم، فلم تقدروا أن توقفوها على النحو الذي يرضيكم، كما أوقفتم غيرها من الحروب التي استوى فيها عملاؤكم وأعداؤكم في امتثال أوامركم، فقبحا لكم وترحا، وخيبة وخسرانا. أما نحن وأهلونا الصامدون فعمدتنا أن لا ملجأ لنا من الله إلا إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير، (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون). 28 من ذي الحجة 1446=

الخاطرة 639

لا يختلف إثبات بدايات الشهور في شهر عن غيره لأنه إخبار عن أمر كوني جعل الله له أمارة هي رؤية الهلال أو إكمال الشهر ثلاثين، فرمضان وشوال ويوم عرفة والعيدان والمحرم وشعبان وعاشوراء مما فيه عبادة واجبة أو مستحبة في الشهر كله أو يوم أو أيام منه؛ يستوي مع غيره مما ليس فيه إلا مجرد إثبات بداية الشهر، وإن اختلف عنه في الحكم على العبادة كصحة الصيام أو قضائه وفوات الحج أو موافقة اليوم الفاضل ونحو ذلك، فالأمر واحد وهو خبر عن واقع كوني بالاعتماد على الوسيلة التي شرعها الله، فمن اعتمد على غير المشروع؛ فقد أخبر بغير الحق، وقد دل على هذا عموم قول الله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ". ؟؟ المحرم 1447=

الخاطرة 640

قال الله تعالى: "وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ". (الْبَلَدُ الطَّيِّبُ) التربة الطيبة، (يَخْرُجُ نَبَاتُهُ) صلاحه ونفعه بدليل وقوعه في مقابل (لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) فإن النكد هو العسر القليل النفع، والأمر النكد هو غير الملائم يجلب لمن تلبس به شرا. وقيد خروج النبات من البلد الطيب بـ(إِذْنِ رَبِّهِ) أي بمشيئته وتيسيره؛ لئلا يظن أن وصف (الطَّيِّبُ) هو المؤثر استقلالا، ولأن صلاح النبات قد يتخلف لمانع، ومثله كل سبب مع مسببه. ولما كان الأول خيرا؛ قيد بإذن الله، فإن الخير كله بيده، وخولف ذلك مع النكد لأن الشر ليس إليه. ووصف النافع ب(الطَّيِّبُ) وهو صفة مشبهة لأصالة الخير في المخلوقات كالفطرة التي يولد عليها الإنسان، وجيء في الثاني بالفعل (خَبُثَ) لأنه خلاف الأصل المتقدم. ودل قوله تعالى (يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) على حصول النفع به، أما الثاني فجزم فيه بخلافه (لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا). وضرب المثل بنوعي التربة وهو حسي لتقريب المراد، فغير الحسيات من النوعين اللذين هما الطيب والخبيث من الأعمال والأقوال والاعتقادات وأوعيتها من القلوب والأرواح؛ أولى بهذا المثل، والسياق يؤيد ما قلته، فإن المثل جاء بعد الأمر بالدعاء وذكر بعض ٱدابه، فما خالف المشروع منه لم يبلغ فاعله مأموله منه لأنه ليس طيبا. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الٱية: هذا مثل ضربه الله للمؤمن، هو طيب وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمرها طيب، والذي خبث ضرب مثلا للكافر كالبلد السبخة المالحة التي لا يخرج منها البركة، والكافر هو الخبيث وعمله خبيث"، أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور للسيوطي رحمهم الله. وعلى غرار هذا أقول إن كل ما لم يشرعه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وٱله وسلم من الاعتقادات، والأقوال، والأعمال، والمعاملات، وطرق إصلاح الأفراد، والجماعات، وما يتعين في الجهاد من القيود، وأولى منه العبادات عينا ووصفا؛ فإنه لا يثمر خيرا ولا نفعا لهذه الٱية، وقال رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"، أي مردود، وقال عليه الصلاة والسلام من جملة حديث عبد الله بن مسعود كما في مسند أحمد وغيره"..، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث". فإن بدا لك شيء مما سبق نافعا في الظاهر فهو فتنة يتفطن لها العالمون، ويستدل بها على مشروعية غير المشروع المتعجلون الجاهلون. وأسقط هذا الأصل على ما جرى من ذلك في الدول التي لا تخفى عنك فقد انتقلت إلى ما هو أسوأ وإذا رأيت أن الفرق قائم بين عهدي النصيرية الروافض والعهد الجديد في سوريا فإن الذي صارت إليه اليوم ما كان منتظرا عند من قادوا الثورة كما يسمونها فضلا عن غيرهم. ؟؟ المحرم 1447=

الخاطرة 641

- وفاة الشيخ ربيع رحمه الله "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"، هكذا قال نبينا صلى الله عليه وٱله وسلم، وقال: "من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة"، أولا تقتدون بالملائكة وقد قيضهم الله يستغفرون للمؤمنين فقال: "وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ"، وقال عن حملة عرشه: "الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا"، واتصفوا بما وصف به ربنا من جاء بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة حيث قال: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ". فاستغفروا لموتى المسلمين وإياكم والتشفي والوقوع في أعراضهم. ليلة 14 من المحرم 1447= قال ابن حجر في الفتح ٣/ ٢٥٨: (قوله باب ما ينهى من سب الأموات) قال الزين بن المنير: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقا، والجواب أن عمومه مخصوص بحديث أنس رضي الله عنه السابق حيث قال ﷺ عند ثنائهم بالخير وبالشر «وجبت وأنتم شهداء الله في الأرض» ولم ينكر عليهم، ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية والمراد به المسلمون، لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم. وقال القرطبي في الكلام على حديث "وجبت" يحتمل أجوبة: الأول: أن الذي كان يحدث عنه بالشر؛ كان مستظهرًا به، فيكون من باب لا غيبة لفاسق أو كان منافقًا. ثانيها: يحمل النهي على ما بعد الدفن والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه. ثالثها: يكون النهي العام متأخرًا فيكون ناسخًا وهذا ضعيف. وقال ابن رشيد ما محصله: أن السب ينقسم في حق الكفار وفي حق المسلمين. أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم، وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك؛ كأن يصير من قبيل الشهادة، وقد يجب في بعض المواضع، وقد يكون فيه مصلحة للميت، كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور ومات الشاهد، فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه... وَإِنَّمَا قَصَدَ الْبُخَارِيُّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْجَائِزَ كَانَ عَلَى مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَهَذَا الْمَمْنُوعُ هُوَ عَلَى مَعْنَى السَّبِّ وَلَمَّا كَانَ الْمَتْنُ قَدْ يُشْعِرُ بِالْعُمُومِ أَتْبَعَهُ بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْدَهُ [بَابُ ذِكْرِ شِرَارِ الْمَوْتَى].. قَوْلُهُ أَفْضَوْا أَيْ وَصَلُوا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ سَبِّ الْأَمْوَاتِ مُطْلَقًا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُمُومَهُ مَخْصُوصٌ وَأَصَحُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَمْوَاتَ الْكُفَّارِ وَالْفُسَّاقِ يَجُوزُ ذِكْرُ مَسَاوِيهِمْ لِلتَّحْذِيرِ مِنْهُمْ وَالتَّنْفِيرِ عَنْهُمْ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ جَرْحِ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا. اهـ النقل من الفتح

الخاطرة 642

- المستغفر له والمستراح منه قاعدة أهل السنة أن المسلم يحب على قدر ما هو عليه من الطاعة، ويكره على قدر ما هو عليه من المعصية، فولاؤه قد يتجزأ، وأن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان. فأما البغض المطلق فللكافر، وأما الحب المطلق فلأولياء الله وهم المؤمنون المتقون من الملائكة والنبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وليس الحب للقرابة والزوجية ونحو ذلك من هذا القبيل. وقد أكثر بعض الناس من ذكر حديث النبي صلى الله عليه وٱله وسلم (مستريح ومستراح منه) كلما سمعوا بموت داعية أو عالم أو حاكم أو غيرهم ممن له شأن ما في حياة الناس، وعلموا عنه ما لا يرتضى من الأعمال أو الأقوال الضارة حقا، أو في تقديرهم، وأطلق عليهم المولعون بمسلسل استحداث أسماء الفرق البغيض الذي كثر في هذا العصر؛ وصفا اشتقوه من قولهم ذاك، أكره ذكره، كفانا فرقا وأحزابا. ليُعلم أن قول النبي صلى الله عليه وٱله وسلم "مستريح ومستراح منه" بيان لما كان عليه الميت من العمل الصالح ومقابله، لكن النبي صلى الله عليه وٱله وسلم لم ينزل الوصف على شخص بعينه، والتنزيل مفتقر إلى التأمل والموازنة بين أعمال الميت، وما كل أحد بقادر عليه، ولا هو مطالب بقوله. فإن سلم تنزيل الوصف على شخص ما؛ فثمة أمر لا يصح أن يختلف فيه، وهو أنه لا يلزم من صدق ذلك الوصف؛ ترك الترحم عليه والاستغفار له، أما من لم يفهم عن رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم مراده، ولا تفقَّه في دينه، ثم هو يخوض فيما لا يعلم كغالب من يتكلم في هذه الأمور اليوم فقد والله جنى على نفسه. إذا كان المستراح منه كافرا فلا خلاف في منع الاستغفار له، أما المؤمن فلا تلازم في حقه بين الأمرين، لأن الاستراحة باعتبار معصيته وظلمه وإضراره بمصالح الأمة ودينها، وقد يستمر شره بعد موته كما جاء في حديث: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" الحديث. وأما الاستغفار فلأنه مؤمن، فيلزم من إثبات الإيمان له جواز الاستغفار له، بل استحبابه، بل إنه من الواجبات الكفائية، لأن صلاة الجنازة عليه واجبة، إلا عند من يكفر المسلم بالكبيرة وهم الخوارج والمعتزلة الذين وضعوه في منزلة بين الكفر والإيمان، فكل من الأمرين مرتب على وصف، فلا تنافي بينهما. وبعد هذا فلينظر في قولنا عن شخص ما (مستراح منه) ما حكمه؟ إنه دائر بين الإباحة والاستحباب، والمستحب يجوز تركه من غير داع، فكيف إذا قامت عوامل إضافية كهذا الذي تراه في الأمة من الانقسام والخصام، والشقاق وسوء الأخلاق. عجبي لا ينقضي من حالنا أيها الإخوة الموافقين والمخالفين: تعيب هذه الجماعة على الأخرى غلظة الخطاب وشدته والفجور في الخصومة والتعصب والتكفير والنسبة إلى النفاق وغير ذلك، ثم ترتكب هي ذلك في كلامها على غيرها، فلا رفق ولا أناة، إن كنتم تريدون إصلاح أمتكم بارك الله فيكم فما هذا والله بطريق إصلاح، فعليكم بالرفق فإنه ما كان في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه. وقد قال بعضهم: وأبغض إذا أبغضت بغضا مقاربا ** فإنك لا تدري متى أنت راجع وكن معدنا للخير واصفح عن الأذى ** فإنك راء ما عملت وسامع وأحبب إذا أحببت حبا مقاربا** فإنك لا تدري متى أنت نازع ولعل قائل هذه الأبيات قد استحضر ما أثر عن النبي صلى الله عليه وٱله وسلم وهو قوله: "أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما"، وقد صححه بعضهم، وفي النفس من أسلوب المتن شيء، والله أعلم. 16 من المحرم جويلية 2025

الخاطرة 642

من عدم التلازم بين الترحم على المسلم والاستغفار له، وبين مخالفته في قليل أو كثير مما ذهب إليه من الأقوال والأفعال، فلما جهلته الدهماء وتجاهله الغلاة المنسوبون للعلم لزم تأكيده ليعلم أن علاقة المسلم بأخيه وما يقتضيه رابط الإيمان لا يتنافى مع نقده والاستدراك عليه وبيان ضرره وانحرافه. ولا بد من الإشارة قبل ذكر المقصود إلى أن كل تعليق يخرج عن دائرة بيان الحق في عفة وأدب لا يكون له موقع من الٱن فصاعدا في هذا الفضاء الذي مكننا الله منه للدعوة إليه. (هل يعني الشيخ صفحته على الفايس؟) وأحسب أن هذا أمر ينبغي أن يسير عليه الدعاة الناصحون لأن الإبقاء على ما يخالفه نشر وترويج لساقط القول والسفاهة والجهالة بل وللغيبة والنميمة وتشجيع للرداءة والرعونة فمن أصر على شيء من ذلك فلينضم إلى جنسه أو ليكتف بمخاطبة نفسه!! بداية معرفتي بالشيخ ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله حصلت بنقل أخباره ثم بقراءة كتابه عن الجرح والتعديل قبل 23 سنة في وقت سيطر فيه توجه الجرح الغالي على الشباب في بلادنا بقيادة أشخاص معروفين في العاصمة وكان هذا التوجه الذي أثر على مجالس العلم وعلى علاقات الناس وأفراد الأسرة الواحدة هو الدافع لي إلى تسجيل خواطر في كتابي (المخرج من تحريف المنهج) الذي كان اسمه الأصلي (فقه الأحكام لا فقه الخصام)، وقد كتبته وقت صدور كتاب الشيخ عبد المحسن العباد المسمى (رفقا أهل السنة بأهل السنة) في طبعته الأولى [١٤٢٤هـ= ٢٠٠٣م]. انتقدت كتاب الجرح للشيخ ربيع ضمن فصل (للجرح أهله) في الطبعة الثانية من كتابي المخرج ص 177 فقلت: "قرأت لبعض أهل العلم وأنا أكتب هذا الكتاب قبل عشر سنين تأليفا في مشروعية الجرح، وما لذلك من الصلة بالحفاظ على الدين، وصيانة الحقوق والنصح للمسلمين، ولم يتكلم مؤلفه على ما ينبغي أن يتوفر فيمن يقوم بذلك إلا في الصفحات الأخيرة من كتابه، وقد تألمت لذلك يومئذ، وكان للكتاب أثره في تهييج الناشئة، ودفعهم إلى التتايع في هذه الحمأة، والارتكاس في هذا المستنقع الٱسن، وعدم مراعاة المستفتي فضلا عن الذي يتكلم في المسائل ابتداء؛ حال محيطه في كلامه الذي فيه من الأضرار ما لا يخفى". وقد بينت الأمور التي ينبغي أن تتوفر في هذا الجرح المغالى فيه بل المبتدع في معظم الأحيان فقلت في بقية ما كتبته يومئذ ومراعاة ما ذكرته لا تكاد تتوفر: "فمن تكلم في مشروعية الجرح في مثل هذا الوضع الذي نحن فيه تعين عليه: * أن يذكر أن هذا العمل مستثنى من أصل ممنوع وهو حرمة عرض المسلم. * ثم يبين المصلحة التي وراء هذا الاستثناء. * ويبين من هو الذي يشرع له أن يتولاه. * وما يعتمد عليه في إثبات ما يوصف به من يريد الكلام فيه. * وما ينبغي أن يسبق ذلك من النصح والتوجيه لمن يراد الكلام فيه. * وهل هذا الذي انتقد على المتكلم فيه من الٱراء التي لا يصح الإلزام بها والأمور العملية التي يختلف الناس فيها. * وقبل ذلك بيان أن المتكلم في الناس لغرض شرعي وإن استوفى كل ما هو مطلوب فقد يكون موزورا إذا كان غرضه مجرد إسقاط من يتكلم فيه والحط عليه. ثم قلت: إن مثل من يكتب في مثل هذه الظروف لبيان مشروعية الجرح كمثل من يقول في وسط انتشر فيه الطلاق بالثلاث إنه طلاق بدعي لا يلتفت إليه أو هو تطليقة واحدة ففتواه أو كتابه يذكي النار أكثر، ويعين الغلاة على ما هم عليه، والأمور بمقاصدها ولكل مقام مقال"، انتهى بتصرف يسير. 17 من المحرم 1447=

الخاطرة 643

(1)- الترحم على المخالف هذه الخاطرة وبعدها واحدة أو اثنتان؛ تأكيد لما ذكرته في

الخاطرة 643

(2) كان جرح الدعاة يتم بالهاتف إلى العلماء أو المنسوبين العلم بالسعودية بنقل المجاهيل والجهال أخبارهم، فيذكرون ما يشاءون أو ما يفهمون مما هو حق أو باطل، فيسجل الجواب، ثم يذاع في الأتباع بسرعة لا تتوفر لعمل الدول، فينقطعون عن مجالسهم، ويحذرون الناس منهم، ويأمرون بهجرهم، وهجر من يجلس إليهم، وقد يأتي إلى المسجد من تاب الله عليه فيكون أول ما يلقنه ترك هذا المسجد لأن فيه فلانا او التحذير من فلان وفلان. وقد أحصى بعضهم عدد الدعاة الذين كان لهم نشاط علمي في أرجاء الوطن ونالهم صولجان التحذير منذ عشرين عاما فبلغ الثلاثين، وهو مذكور في كتابي المخرج. وأول ما نالني من هذا أن بعض الشانئين كتب منشورا باسم الشيخ محمد علي فركوس سدده الله سنة 1425 وبعثه (بالفاكس) إلى صاحب مكتبة يحذر فيه مني، فلما بلغه الخبر كتب يتبرأ مما نسب إليه في رسالة جوابية إلى أتباعه مؤرخة في 15 ربيع الثاني 1425، وقال إنه لم يسبق له أن أطلع على مجمل كتبي ولا عرف أفكاري وٱرائي ومنهجي، ثم عرفني فيما بعد وحصل ما حصل مما ليس هذا وقت ذكره. وأقبح ما وقع لي ما قاله فالح الحربي الذي وصفني في سياق واحد بعدو الإسلام والخبيث والضال والمبتدع والحزبي والمتخلف والضائع، واعتبر عنوان رسالتي المسماة (هل الحزبية وسيلة إلى الحكم بما أنزل الله) كافيا في الدلالة على انحرافي!! وقد رددت عليه في كتابي المخرج، ثم طفئت ناره، بل أطفأها الله ومثلها كل نار توكد للكيد للإسلام وأهله. ثم جاء العتيبي بعده فكان يأتي إلى مدينة تعنيف بولاية معسكر ويلتقي بعض جماعة الإصلاح في بيت أحد الأثرياء الذي كان حديث عهد بالتوبة(!!) لتصدر عنهم (القرارات) في شأن الدعاة، وكان بعضهم وهو في طريقه إلى الاجتماع يمر بي كأنه يعتذر عن حضوره اللقاء الذي لا بد منه لـ(وحدة الجماعة)!! أما الشيخ عبيد الله الجابري رحمه الله فكان كلامه عني في اتصال هاتفي طويل أجراه معه من تولى كبر هذا الأمر بمدينتنا ونشره في عشرين موقعا بعد أن قال للجابري إني أنهى عن تدريس العقيدة (!!!)، وقد بينت طريقة القرٱن والسنة في بيان العقيدة في كتابي المخرج وهي التي أفضلها على أني شرحت عدة مصنفات وأنظام فيها بلغت الستة، واقتطع شيئا من كتابي عن الحزبية يتعلق بطاعة الحاكم ومبناه على اختلاف أهل العلم في تعريف دار الإسلام ودار الحرب، والذي ملت إليه هو ما عليه بعض أهل العلم كالشيخ محمد بن إبراهيم مفتي عام المملكة السابق، والشيخ العثيمين في كتابه العقيدة، وقد رجع عنه، والشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره، وغيرهم رحمهم الله، وأنا على خلاف ما ملت إليه من قبل. ومن ذلك ما رأيته من مشروعية تأسيس حزب بقيود خمسة أو ستة ذكرتها وقل أن تتوفر فهي إلى الافتراض منها أقرب إلى الوقوع، ولم يتغير رأيي فيها حتى الٱن، وتجد ما يقرب من هذا للشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره قول الله تعالى: "وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ"، وقد رددت على كلام الشيخ الجابري في تسجيل استغرق ساعة. أما الوكلاء فقد اعتمدوا على بعض علماء المملكة الذين كانوا يرجعون إليهم في الجرح والتزكية، ثم استغنوا عنهم وصاروا إلى رفض تزكيات الخارج بزعم أنهم أدرى بأبناء بلدهم، ثم تفرقوا أيدي سبإ بل شذر مذر لتفرق متبوعيهم ولغير ذلك من الأسباب!! ذكرت هذه الطريقة في التجريح المبتدع لأصل إلى أن الشيخ ربيع رحمه الله كان على خلاف هذا النهج في الكلام على الناس، وأكتفي بذكر أمرين جريا لي معه: أولهما أن بعض الدهماء طلبوا منه كلاما في فقال: لا بد من شيء أقرؤه أو أسمعه من كلامه فأرسلوا إليه بعض كتبي. وقد طرق باب منزلي أحد الموظفين بشركة سوناطراك في الجنوب فسلم علي واعتذر عن وقوعه في وأبلغني رسالة مطولة من الشيخ مؤرخة في رجب /9/2004 ذكر فيها أنه قرأ كتابي: (الاحتفال بالمولد النبوي)، و(السنة التركية)، وبعض فصول من كتابي (أبو راس الناصري حياته وتصوفه من كتابه الحاوي)، وقد أثنى على الطريقة التي سلكتها في بيان ما رأيته صوابا، وذكر أنها طريقة السلف، ولست بحمد الله من الذين يغرهم الثناء. ومع هذا انتقد ترجمتي لأبي راس لأني جمعت فيها بين المحاسن ومقابلها، وطول الكلام في الرد على من يرى إرجاع مجمل كلام المرء إلى مفصله، ومسألة الموازنات وما وافقه عليه الألباني والعثيمين وما خالفاه فيه رحمهم الله. والمقصود أن هذا يدل على تحري الرجل وتثبته في التقويم وهو ما ظهر فيما كتبه في نقده لسيد قطب رحمه الله، وإن خالفه غيره كالشيخ بكر أبي زيد رحمه الله. 19 من المحرم 1447 = 13 جويلية 2025

الخاطرة 643

(3) لا ينفعك في معرفة دينك مجرد شهرة من تسأله، ولا حسن ظنك به، وإن كان حسن ظنك بالمسلم من حقوقه عليك، فكيف تستدل بشيوع ما أنت عليه في الناس؟، والأمر أعظم خطورة في العقائد، قال الله تعالى عن الجن الذين اهتدوا بمجرد سماعهم كلام الله: "وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا". = 17 جويلية 2025

الخاطرة 643

(4) أذكر في هذا الجزء والذي بعده أمرين: * أحدهما ما خلفته رسالتي المسماة (الجمعيات من وسائل الدعوة إلى الله) الصادرة في ، وقد اعتنى بها هذه الأيام أخي أبو يعلى، وأنا لا أعرفه، جزاه الله خيرا، وجمعني وإياه في دار الكرامة. * والثاني زاوية (سيدي) بن عبد الله بمعسكر، وما ترتب على تعليمي فيها. لكني وقد طافت بذهني تفاصيل هذين -الأمرين- استطولتها، فكان أن اقتصرت على القليل منها فقلت: قد أبنت الغرض من رسالتي عن الجمعيات بقولي في ص 13: "لولا ما سمعته من اعتراض بعض إخواني على مشروعية تأسيس الجمعيات والانخراط فيها ما أقدمت على كتابة هذه الورقات...". وفور صدورها نشر بيان باسم المشايخ الإثني عشر في العاصمة، ينتقدها ويعطي لها توجها حزبيا استحدثت الجمعيات مظلة لخدمته، والبيان ليس عندي، لكن هذا ما علمته من مواقفهم فيما بعد، وقد عزمت مرارا بل شرعت في كتابة الرد، ثم عدلت -كما فعلت دائما- لما أعلم من الدوافع، ولأن ما نحن فيه لا يحتاج إلى أن يقام على مشروعيته دليل، إذ ما في الرسالة كاف، وقد قال أهل العلم إن تأسيس الجمعيات من الواجبات الكفائية قبل قرن من هذا الاعتراض. ومن الذي أسسوا الجمعيات الشيخ محمد رشيد رضا (ت:1354) فقد قال بعد بيانه دخول هذا الأمر في التعاون على البر والتقوى ووجه لزومه: اللهم إنك تعلم أننا عنينا بتأليف جماعة يراد بها إقامة جميع ما تحب من البر والتقوى وإصلاح أمر المسلمين في الٱخرة والدنيا وهي جماعة الدعوة والإرشاد اللهم أيد من أيدها، واخذل في من ثبط عنها وأعن المتعاونين على أعمالها، إنك أنت العزيز القادر، القوي القاهر، العليم بما في السرائر". والحق أن الدافع إلى البيان هو الخوف من ضعف النفوذ الوهمي المتمركز في العاصمة كما سميته في موضع ٱخر، فنسأل الله أن يرزقنا الصدق والإخلاص. ومما سجلته أن بعض من أسماؤهم في البيان كانوا ينشطون في الجامعات ومنها مدينة معسكر تحت غطاء الاتحاد الطلابي الحر وغيره، فما الفرق بين أن تؤسس جمعية تختار مضمون قانونها ولك أن تختار أعضاء مكتبها وبين أن تلقي محاضرة أو تنظم دورة علمية تحت غطاء جمعية تعلم حالها الناكب؟ وما في صنعك من الترويج لمنهجها، ثم تشنع على من فعل شيئا من هذا، جاعلا رائدك سوء الظن أو غيره من مكنونات الأنفس؟ ثم إن المعارضين إذا كانت تجمعهم هيئة، فما الفرق بين الذي رفضوه وما فعلوه؟ وقد عمل المشايخ بعد ذلك على تأسيس جمعية وطنية وقدموا ملفها إلى الجهة المختصة، وكانت بواجهة يعرفها الناس، وأخرى خفية!! وتمنيت أن تنشأ، فقد استشارني بعضهم من مدينة أم البواقي في تولي الأمانة العامة فيها، فأشرت عليه بقبولها، مع أنه حينئذ قد تغير علي وانحاز إليهم (!!!) لكن من غير أن يسيء إليّ، فلما مضى على الإيداع شهران وهي مهلة الإجابة ظنوا أنها صارت معتمدة، فأُخبروا أن قانون الجمعيات بصدد التعديل، كما هو اليوم أيضا بصدد التعديل (!!!)، فصدق عليهم المثل (الصيف ضيعت اللبن)، وكان قد صدق على بعضهم مرة أخرى إبان الأحداث الأليمة التي مرت ببلدنا كما تقرأه في الرسالة المذكورة. وقد بلغ هذا الأمر الشيخ ربيعا ولعله قرأ رسالتي فنصحني بتركه لأنه يفضي إلى التحزب كما قال، فبينت له الحاجة إلى الجمعيات في كل نشاط واسع في الدول اليوم، فقال انظر إلى الأثر الذي تركه الشيخ الألباني ولم تكن له جمعية!!! كنت ٱمل أن يقنعهم فيقتنعوا أو يسكتوا للصدام الذي كنت أتوقعه بين المنخرطين في الشعب وبين أتباعهم فأوقفنا إنشاء الشعب البلدية سنوات. لم أكن أعلم في أول الأمر أن لهذا التوجه الغريب العجيب الذي كان عليه إخواني وأتباعهم في غلوهم في الجرح وسيرتهم في صلتهم بالناس ومع المخالفين لهم وتحدثت عنه في كتابي المخرج؛ لم أكن أعلم أن له علاقة بالشيخ ربيع مباشرة، إلا باعتباره واحدا من أهل العلم أو المنسوبين إليه الذين كانوا يتصلون بهم، أما أنا فلم تكن لي يومئذ صلة خاصة بأي عالم من علماء المملكة باستثناء الشيخ أبي بكر جابر رحمه الله، وهذا الذي أذكره هنا عن الشيخ ربيع، ولهذا مضيت فيما كنت مقتنعا به في شأن الجمعيات وغيرها من الأمور فتغير رأيه في، فلم يتجدد لي به لقاء منذ ذلك الحين. يخلط معظم القراء بين كلام المرء عن شخص ما وهو يذكر علاقته به، ومعاملته له، فيأخذون من ذلك ارتضاءه منهجه وطريقته، وأنه يقره، وهذا سوء فهم، وخروج عما يسميه علماء الأصول بدلالات قضايا الأعيان باعتبارها خاصة بمحلها وإلى الله المشتكى. 22 المحرم 1447 = 17 جويلية 2025

الخاطرة 643

(5) رأيت أن أذكر شيئا عن الزوايا قبل الكلام على الغرض الأساس من الخاطرة مما له تعلق بها. صلة الحكم بالطرقية اختلفت في عهد النظام الاشتراكي عنها في عهد الانفتاح الاقتصادي والتعددية الحزبية. وكان الكلام بهذا شائعا على ألسنة الساسة، وقد صدرت جريدة الشعب يوما ما -وهي لسان الحزب الوحيد الحاكم يومئذ- وعلى صدرها بالخط العريض (الطرقية أعداء الثورة)، وفي هذا خلط لا يسع المقام بيانه. ثم تغير الأمر فصارت حليفا بعد اندحار التوجه الاشتراكي الذي كان يقال عنه إنه اختيار لا رجعة فيه، وبلغ هذا الأمر الأوج بعد إيقاف المسار الانتخابي سنة 1992. وسبب هذا التحالف اعتقاد القوى المتنفذة أن التوجه الإسلامي السياسي لا يقف في وجهه غير المنهج الصوفي، فالفكر إنما يحارب بالفكر، فإن عضدته القوة والتضييق فيا حبذا!! ولهذا أسست يومئذ هيئة وطنية للزوايا وغابت عنها زاويتا الهامل وطولقة، وترأس هذا التنظيم الشيخ محمد شنتوف رحمه الله وهو المشرف على زاوية ابن عبد الله موضوع الخاطرة الأساس. ومن المضحكات أو المبكيات أنه حضر يوما ليرأس اجتماع رابطة الزوايا تلك فوجد غيره قد نصب مكانه، والظاهر أن توجهه لم يكن مرضيا للجهات الفاعلة يومئذ. وقد تعاظم دور الطرقية وبخاصة في التأثير على تسلم الوظائف في الدولة، فكان من أراد من المسؤولين ومن دونهم أن يكون حظيا عند الفاعلين مر من هذا الطريق، بل كان فريق من المسؤولين يحضر عند هؤلاء يلتمسون منهم ما لا يلتمس إلا من الله، وقد بعث لي أحدهم يوما يعرض علي أن أذهب عنده ليتوسط في إزالة ما ألصق بي من التهم الزائفة عند بعض المسؤولين فأبيت. ثم استحدثت مخصصات مالية سنوية لشيوخ الزوايا يحظى بها شيخ الزاوية نفسه، وأحسب أنها قد انقطعت اليوم. وقد حضرنا مرتين حفلا بمناسبة ما، أشرف عليه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة رحمه الله، فكان المجالسون للرئيس في موضع الحفل هم شيوخ الزوايا والكثير منهم من الأميين وأشباههم، وكنا نحن الموظفين ومسؤولي الولايات نتابع الحفل بنقل الصور إلينا، وأسكن أولئك في الفنادق الفخمة، وأقمنا نحن في مساكن الطلاب في المدارس والمعاهد، وليس غرضي التأسف على هذا الذي فاتنا فما أتفهه، بل هو تسجيل لما وقع. في ظل هذه الظروف رأى كاتب هذه الأسطر تعيين موظفين من مختلف الرتب في بعض الزوايا لأن أصلها وقف للمسلمين، وإن كان خاصا بمؤسس الزاوية وذريته أو غيرهم من أتباعه، ولأن وجود الموظف أستند إليه في مراقبة الزاوية، ومحاولة إصلاحها من الداخل حسب الإمكان، وزاوية ابن عبد الله بمعسكر من الزوايا التي شملها هذا العمل، فكان من ٱثار ذلك ما ستعلمه مما يتعلق بما رُميت به من القبورية من جماعة التجريح، وأبلغ بعضهم الأمر للشيخ ربيع ليحصل منه على تجريح، وسيأتي الجزء الأخير من هذه الخاطرة. = 20 جويلية 2025

الخاطرة 644

كان سعي أهل الخير والنجدة -وما زال- متوجها إلى توفير ما أمكن من الطعام لينقذوا إخوانهم من الموت أما اليوم فإن الكثير منهم أضناهم الجوع فلم يبق منهم إلا أهب تحيط بالعظام فلا قدرة لهم على جلب الطعام من مواضعه لعجزهم عن الحركة أو المشي ومن ذهب منهم فهو معرض للقتل فأنقذوا ما يمكن إنقاذه أيها المسلمون والله في عونكم ما كنتم في عون إخوانكم، قال الله تعالى: "فَلَا اقْتَحَمَ العقبة وما أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ". = 22 جويلية 2025

الخاطرة 645

- الأدب الأدب في التعقيب الأدب الأدب في التعقيب على ما تقرأون، وما تسمعون، صونوا ألسنتكم عن الإساءة إلى إخوانكم، فإنكم مأمورون أن تقولوا ذلك لعموم الناس بقول ربكم: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا"، وأولاهم بذلك أهل العلم وطلابه. قد تختلفون في النظر إلى أمر ما، فليكن الجدال والرد جامعا بين العلم والأدب. إن اختلفتم في مشروعية بداية هذه الحرب - عجل الله لها بعاقبة خير ونصر للمسلمين - فليس ذلك مسوغا لتقاعسكم عن إسعاف إخوانكم المنكوبين، ولا هو مجوز للنقد الهدام، والاعتراض المتهور، مما لا فائدة ترجى منه اليوم، غير تثبيط الناس عن العون والمساعدة. من أصر على موقفه منكم فليجعل حظا من استنكاره لتصريحات الظلمة والمجرمين، وقد ملأت الدنيا ضجيجا، بدل قصره على جهة واحدة. لقد كلمت في هذا بعض الدعاة، وصارحتهم أني أختلف معهم في لهجة الخطاب، وفي توقيته. إن كان الذين يقودون غزة متغلبين كما هو الواقع؛ فهم حكام كغيرهم، فلم يقتصر النقد والتثريب عليهم، ولا يوجه شيء منه إلى غيرهم ممن أحسن أحوالهم أنهم يتفرجون على ما يجري إلى جوارهم وعلى حدودهم؟، وهذا مني مجرد إلزام لا أريد به مجاراة المهرجين والمهيجين الذين يبتغون للأمة مزيدا من العنت، وإن حسنت نياتهم. وبعد فإني لا أقر أحدا على أن يقرن بين الكلام عني وبين الوقوع في عرض مسلم فضلا عن داع من الدعاة بهذه الألفاظ الفجة الخشنة القبيحة، فلنرجع إلى الاعتدال، ولنستيقن أننا لن نحصل ممن نختلف معهم على شيء مما نريد بهذه الاتهامات والمجازفات، والله الهادي. = 23 جويلية 2025

الخاطرة 646

- وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ قال الله تعالى: "وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا". أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وٱله وسلم ما قالته الجن بعضهم لبعض، بعد أن استمعوا إليه يقرأ القرٱن؛ أن ما اعتادوه من القعود في أماكن من السماء يسترقون بعض ما عند الملائكة من الغيب، فيفضون به إلى الكهنة يفتنون به الناس؛ قد حيل بينهم وبينه، إذ صاروا يقذفون بالشهب. وقد استغربت الجن هذا الأمر الكوني قبل ذلك؛ فطوفوا في الأرض علهم يعرفون ما حصل، فكان ذلك سببا في استماعهم للقرٱن وإيمانهم. كان رجم الشياطين معروفا قبل رسالة الإسلام، فإنه من جملة ما خلق الله لأجله النجوم، كما أخبر عنه بقوله: "وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا للشياطين وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ". لكنه عظم بعد بعثة النبي صلى الله عليه وٱله وسلم إمعانا في حفظ هذا الدين وكتابه الذي حفظ حين نزوله، وحفظ بعد نزوله كما قال تعالى: "وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ"، وقال: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ". لكن الجن وقد علمت تعرض مسترق السمع للإحراق؛ لم ينقطعوا عن المغامرة، ولا تركوا المقامرة. قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: سَأَل رسول الله صلى الله عليه وسلم أُنَاسٌ عن الكُهَّان، فقال: "ليْسُوا بشيء"، فقالوا: يا رسول الله إنهم يُحَدِّثُونَا أحْيَانَا بشيء فيكون حَقَّا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمة من الحَقِّ يخْطفُها الجِنِّي فَيَقُرُّهَا في أُذُنِ وليِّه، فَيَخْلِطُونَ معها مائة كَذِبَة". وفي رواية للبخاري عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الملائكة تَنْزِل في العَنَانِ -وهو السَّحَاب- فَتَذْكُرُ الأمر قُضِيَ في السماء، فَيَسْتَرِقُ الشيطان السَّمْعَ فيسمعه، فيُوحِيَه إلى الكُهَّان، فيكذبون معها مائة كَذْبَة من عند أَنْفُسِهم". وهذا الذي ترك للشياطين تسترقه هو مما يفتن به الناس فيما ألزموا اعتقاده من أن الغيب لا يعلمه إلا الله، ومن ارتضاه من رسله بشرا أو ملائكة أظهره على شيء منه، فإن ما يعلمه هؤلاء منه هم به جازمون، أما غيرهم من الشياطين والكهنة فيظنون ويخرصون. والمقصود أنه ما كل عالم بضرر الشيء يجتنبه، فإن من يقدمون على ارتكاب ما هم موقنون بضرره العاجل أو الٱجل من البشر كثير، يعرف هذا الناس، أما القول بأن الله أنسى الجن أن الشهب ترسل عليهم لما له في ذلك من الحكمة فمستبعد، فالأصل المساواة، مع أن تكليفهم يختلف عن تكليف البشر، وأن الشر فيهم أعظم، والله أعلم. ليلة = 27 جويلية 2025

الخاطرة 648

قال الله تعالى: "إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ"، وقال: "إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِير وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ". يشمل العمل الصالح الأقوال والأعمال بالمنطوق إيجادا، وما ليس صالحا منهما بالمفهوم تركا. وقد أفردا بالذكر في مواضع من كتاب الله كهذه الٱية، وهو مقام إعظام، وأفردا في الأمر بكل منهما ومنه قوله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا"، والعطف أصله المغايرة، وقد يكون تخصيصا بعد تعميم. وما جاء أن الأعمال تعرض على الله في أوقات معينة يشمل النوعين أقوالا وأعمالا، صلاحا وفسادا. فثمة مقامان للأعمال: مقام العرض المرتبط بالوقت، ومقام الصعود والرفع المرتبط بالوقوع، وهذا غير هذا، والله أعلم. أما ٱية سورة فاطر فالضمير المستتر في (يرْفَعُهُ) هو الفاعل، ومرجعه اسم الجلالة قبله، والبارز المتصل في محل نصب مفعول به، مرجعه العمل الصالح. والمعنى أن ربنا يصعد إليه الكلم الطيب وأعظمه ما كان ذكرا له من قراءة القرٱن والتسبيح والتحميد والتكبير، وأعلاه لا إله إلا الله، ومنه تعليم الناس العلم النافع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل الصالح يرفعه الله. واختلاف العلماء في مرجعي الضميرين المذكورين واسع، ويترتب عليه اختلاف معنى الٱية، وهو دليل على الاجتهاد في تفسير كتاب الله بالقيود المعتبرة، وما سبق هو أرجحها، إذ ليس فيه تفكيك مرجع الضمير، وهو الأصل حيث لا ضرورة كما في قوله تعالى: "لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا"، وعلى هذا ابن عطية والطاهر بن عاشور حيث لم يذكر غيره. ومما قيل فيهما أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، أي يكون سببا في رفعه إلى الله، أو أنه يرفع درجته ونفعه، وقيل يرفع صاحبه، وقيل غير ذلك. والعمل الصالح هنا ما ليس كلاما من العبادات كالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وغير العبادات كالإصلاح بين الناس وإطعام الجائع وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم ونحو ذلك، وكثيرا ما يجتمع الكلم الطيب والعمل الصالح في المحل الواحد. والغرض بيان اختلاف التعبير في الكلم الطيب ب(الصعود)، وفي العمل الصالح ب(الرفع)، فهل هو لاختلافهما في مقدار النفع ونجاعة الإصلاح؟؟ قال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله مبينا وجه الاختلاف: "الصعود الذهاب إلى مكان عال، والرفع نقل الشيء من مكان إلى مكان أعلى منه. فالصعود مستعار للبلوغ إلى عظيم القدر، وهو كناية عن القبول لديه. والرفع هنا كناية (عن) القبول عند عظيم، لأن العظيم تتخيله التصورات رفيع المكان"(!!!)، انتهى بحذف يسير. قلت: وهذا مبناه على اعتقاد أن علو الله تعالى علو مكانة ورفعة كما هو قول فريق من الأمة من الأشعرية والماتريدية، فيتعين عندهم تأويل ظاهر كل النصوص التي توهم التشبيه كما يعتقدون، وهو خلاف الصواب. وقبول الله الأعمال الصالحة بقيد اتباع الحق فيها والإخلاص لله؛ ضرورة دينية مستغنية عن الكناية عنها بما قاله الشيخ الطاهر رحمه الله وغيره، وإن كان القبول لازما للصعود والرفع، فدلالة الآية عليه تبعية. والذي سقت كلام صاحب التحرير والتنوير من أجله هو قوله: "وإنما جيء في العمل الصالح بجملة (يَرْفَعُهُ)، ولم تعطف على (الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) في حكم الصعود مع تساوي الخبرين لفائدتين: أولاهما: الإيماء إلى أن نوع العمل الصالح أهم من نوع الكلم الطيب على الجملة، لأن معظم العمل الصالح أوسع نفعا من معظم الكلم الطيب عدا كلمة الشهادتين وما ورد تفضيله من الأقوال في السنة مثل دعاء يوم عرفة، فلذلك رفعه إلى الله بنفسه." انتهى قلت: ولا يخفى أن المشقة والمكابدة في العمل الصالح أظهر وأقوى، وحيث كانت لا بد منها فإن الأجر يعظم بها كما قيل الأجر على قدر المشقة. قال: "وثانيهما: أن الكلم الطيب يتكيف في الهواء، فإسناد الصعود إليه مناسب لماهيته، وأما العمل الصالح فهو كيفيات عارضة لذوات فاعله ومفعوله، فلا يناسبه إسناد الصعود إليه، وإنما يحسن أن يجعل متعلقا لرفع يقع عليه، ويسخره إلى الارتفاع" انتهى قلت: كل من القول والعمل عرض، فكيف يرفع على اصطلاح المتكلمين كما هو قول بعضهم في وزن الأعمال يوم القيامة؟ وأضيف إلى ما ذكره أمرا ثالثا هو تكثير الألفاظ الدالة على علو الله على خلقه علو ذات كما هو الظاهر، فجاء يصعد ويرفع وتعرج واسمه العلي وكونه في السماء وغير ذلك. فإن قيل فأين علو المنزلة والمكانة؟ قيل: لا خلاف بين المسلمين فيه، بل ولا بين الكفار المقرين بوجوده وخالقيته سبحانه، فما الحاجة إلى الدلالة عليه بالكنايات؟؟! أما علو ذاته سبحانه فحقيقة شرعية غيبية لم تبين كيفيتها فهي أولى من الحقيقة الشرعية العملية بالتسليم، وهي التي يقرها المخالفون ويسلمون كما يسلم غيرهم في أنه لا يرجع في تحديدها لغير الشرع، فيقال إن الحقيقة الشرعية الغيبية وهي لم تبين أولى بالتسليم، والله أعلم. أما السياق الثاني فهو فيما يكرم الله به أهل الجنة، فما موقع قوله (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ)؟ هل هو معطوف على الفعل (آمَنُوا) الذي هو صلة الموصول في قوله: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا"، أي أن الله يدخل الذين ٱمنوا وعملوا الصالحات وهدوا..، أم الواو للاستئناف؟ وعلى هذين الوجهين تكون الهداية إلى القول الطيب وما عطف عليه أمرا زائدا على عمل الصالحات، فالمقصود تحصيله في دار التكليف، وهو ما فسره به أبو جعفر بن جرير الطبري ولم يذكر غيره. أم أن الجملة حالية فالمقصود ما يقوله المؤمنون في الجنة من حمد الله وذكره وتسليم بعضهم على بعض كما قال تعالى: "وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ"، وقال: "لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا"، ويقوي هذا الوجه قوله تعالى بعد سياق مشابه في سورة (فاطر): "وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ". ولا مانع عندي من حمله على الأمرين فيكون على أحد القولين بيانا لتفاوت المؤمنين في جمع الاهتداء إلى الكلم الطيب وصراط الحميد؛ كلاهما إلى الإيمان وعمل الصالحات، فيدل على أن الجنة إنما يدخلها ابتداء هؤلاء الذين ذكرت صفاتهم الأربعة إلا أن يشاء ربي شيئا. قلت: ويشير إلى هذا التفاوت بين المؤمنين إجمالا؛ تقسيم أهل هذه الملة إلى فئات ثلاثة كلها في الجنة ابتداء أو مٱلا كما قال الله تعالى: "ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ". والمقصود أن من المسلمين من يعملون الصالحات لكن فقرهم شديد إلى شطر من جنس القول الطيب وهو ما يكون من الصلات بين الناس وإلى الجانب العملي من الدين وهو الصراط الحميد!! = 8 أوت 2025

الخاطرة 649

مما جرى عليه كثير من الناس -وبعضهم من أهل العلم وهو في تزايد مطرد- أن من رغب أن يرد شيئا ويكرهه للمسلمين ومنه الحق والباطل وموضع الخلاف -نسبه إلى هذه الطائفة أو تلك ليذمها به، وقد لا يكون لمن ينتقده علاقة بها، فيكون صنعه تقولا على الناس وظلما، وما كل من وافق مبطلا أو محقا في شيء هو من جماعته، وفي تكثير هذه التسميات مزيد تفرق للمسلمين، بل هو بداية تفريق الدين. والمروجون له إما جهلة مقلدون، وإما راغبون في محاصرة الباطل ورده، وهذا خير متاح لهم بدون هذه التسميات، ومنهم الكارهون للحق يلجأون إليهاك ليتخلصوا منه ويرتاحوا. الطائفية ممقوتة مذمومة، والعجب أن كثيرا ممن يحاربونها هم ممن يروجونها من حيث يدرون أو لا يدرون بهذا الذي قلته. كفانا تشرذما وتمزقا، اتركوا هذا المسار الذي تتايعتم فيه، وأنكروا المنكر واعرفوا المعروف كائنا من كان القائل به والفاعل له، لكن باللين والرفق، إنكم لن تردوا أحدا عن غيه بالشدة والعنف والسب والشتم والتنابز بالألقاب، فأريحوا أنفسكم من التشنج والقلق فلستم بأغير من الله على الحق الذي أنزله، لم يكن نبينا صلى الله عليه وٱله وسلم سبابا ولا لعانا ولا طعانا. عودوا إلى الميزان الحق فيما تقبلون وما تردون مما تقرأون وتسمعون، وهو كتاب ربكم، وسنة نبيكم، وهدي سلفكم، واضعين في الحسبان مصالح أمتكم تحصيلا، وما يضرها دفعا واجتنابا. إن كلام أهل العلم يستأنس به ولا يحتج به، وهم يقولون القول في ظرف وفي حال، وقد يخالف اللاحق من قولهم السابق، لتجدد علمهم بما تحدثوا عنه، أو لظهور ما لم يظهر لهم في زمان قولهم المتقدم وهم يقومون الأفراد والجماعات، فأقلوا من هذه النقول التي تنصرون بها آراءكم من غير تثبت، فهذا يورد قولا لعالم وهذا يثبت نقيضه عن العالم نفسه، إن العصمة لنبيكم ولكتاب ربكم. يظل الباطل باطلا والحق حقا ولا ينتهي الناس إلى الاتفاق على المختلف فيه، ولا ضرر في ذلك إذا كان الأمر موكولا إلى النظر والاجتهاد بالقيود المعتبرة مع حسن القصد، واعلموا أن الحق عليه نور، وهو لا يتغير باختلاف القائل أو الفاعل. اللهم إنك تعلم أني لم أستعمل هذه التسميات قصدا، وإن كنت لا أسكت عن مخالفات من سموا بها أو تسموا عمدا، وقد قلت وقولك الحق: "وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ"، وقلت: "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ". = 10 أوت 2025

الخاطرة 650

- الشرع الحكيم والشرع الأثيم رفع التحفظ عن بعض مواد اتفاقية سيداو (15- 4) ضرر إضافي ألحق بقانون الأسرة الذي هو بقية أحكام الله في بلدنا يزداد به التأيم والعنوسة ويكثر الطلاق والخلع فتتفكك الأسرة وتضطرب، وقد قال ربنا عز وجل: "يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا". العلمة: 2 من ربيع الأول 1447=

الخاطرة 651

- التبرير أولى بالإنكار هل هذا التوضيح أو التبرير الصادر عن (و. أ.ج) إن صح؛ يقنع مسلما، أو يعفي الفاعل من المسؤولية؟ لقد أزيل موجب التحفظ على المادة 15- 4 من اتفاقية (سيداو) بتعديل قانون الأسرة!! لم أجد ما أتمثل به في هذا المقام غير قول الشاعر: خُذا بطن هَرْشَى أو قَفَاهَا فإنه * كِلاَ جَانِبَي هَرْشَي لَهُنَّ طَرِيقُ وهرشى موضع له طريقان، أيهما سلكته الإبل بلغته، وقد قيل إن الشاعر قرأ أواخر سورة الزلزال فقدم ذكر الشر على الخير، فلما قيل له: قدمت وأخرت؛ أبى أن يذعن للحق، وقال ما قال، وهو مخطئ في زعمه تساوي الأمرين، أما قضيتنا فالتبرير أولى بالإنكار. ليلة 2 ربيع الأول 1447=

الخاطرة 652

"وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا"، هذا أمر للنبي صلى الله عليه وٱله وسلم بمتاركة المشركين، وفيه تهديدهم لما هم عليه من اتباع أهوائهم وعاداتهم، وفيه تسلية له أن يلحقه أسى لصدودهم وإعراضهم، ومثله أتباعه ممن يألمون لما يرون ما عليه الناس من مخالفة الحق. "واللعب هو الفعل الذي لا يقصد به فاعله مقصدا صحيحا: من تحصيل منفعة، أو دفع مضرة، كأفعال الصبيان، واللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه"، منقول ببعض تصرف. وقد قرنا في القرٱن مرات بتقديم أحدهما تارة وتأخيره أخرى، ومواضع تقديم اللعب هي المذكورة في قول القائل: إذا سألت عن لعب ولهو * وكم من موضع هو في القران فحرف في الحديد وفي القتال * وفي الأنعام منه موضعان. وقدم اللعب على أصل تطور الأعمار من الصبا الذي هو زمانه إلى الشباب الذي هو وقت اللهو وقدم اللهو في غير المواضع الأربعة لغرض بلاغي. وقد روعي تطور العمر في الأمور الخمسة المذكورة في قوله تعالى: "اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ". ويستفاد من هذا وغيره أن ما قرره جمهور النحاة من أن الواو لا تقتضي الترتيب لا ينفي أن يكون لذكر الأشياء معطوفة بالواو في كتاب الله وفي سنة رسوله نكتة يقتنصها من شاء الله أن يعطيه فهما في كتابه ووحيه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم وهو يرقى الصفا: أبدأ بما بدأ الله به"، أو ابدأوا. وبهذا المعنى الذي للعب واللهو اعتبرت الدنيا القائمة على غير هدايات الله مذمومة لا تساوي شيئا، بل جاء أنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، لأنها دائرة بين ما لا نفع فيه وهو اللعب، وبين ما يشغل الإنسان عما فيه نفعه الحق المستمر الدائم وهو اللهو كما قال الله تعالى: "وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ". وهذه الحقيقة الكونية إذا لم يستيقنها المسلم لم تستقم علاقته بالحياة، فلهذا لم يخبر الله بها فحسب، بل أمر بالعلم بها في قوله: "اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ". ويصدق اتخاذ الدين لهوا ولعبا على غير الكفار ممن يخدمون دنياهم بدينهم بجعلهم نيل عرضها الزائل أكبر همهم، يبتغون الزلفى لدى الحكام أو غيرهم، وما ذا يعتبر من لم يتجاوز في أعمال دينه إلا بعض أشكالها، فلا صورها التزم، ولا نفسه بها زكت، ولا أخلاقه حسنت، ولا وجد لها امتداد في علاقته بالناس فاستقامت!!!. وأبرز ما يتخذ فيه الدين لعبا ولهوا ما يتشارك فيه الناس من الأعمال الاجتماعية كالمواسم والأعياد والذكريات و(الوعدات)، ولذلك فسر بعض السلف الدين في الٱية موضوع الخاطرة بالأعياد، وقال بعضهم لعبا ولهوا أي أكلا وشربا، ولم يورد في الدر المنثور غيره مع أن الظاهر خلافه وإن كان بعضا منه. وقال الكلبي: إن الله جعل لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه لله تعالى، وكل قوم اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا، إلا أمة محمد صلى الله عليه وٱله وسلم، فإنهم اتخذوه صلاة وذكرا وحضورا بالصدقة، مثل الجمعة والفطر والنحر"، وهو في تفسيري القرطبي والبغوي. 10 ربيع الأول 1447=

الخاطرة 653

قال الله تعالى: "إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ"، وقال: "إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ"، ففي الأولى تعريض بالكفار دون ذكرهم، بأنهم صم، وإن كانوا سامعين، حيث لا ينتفعون بما يسمعون، بكم وإن كانوا ناطقين، لأنهم بالحق لا ينطقون، أو لأنهم عن معارضة القرٱن -وهم أصحاب البيان- عاجزون. والثانية حكم صريح عليهم بأنهم شر الدواب، وقال (عِندَ اللَّهِ) لأنه قل أن يتيقن الناس ذلك، فهو خلاف ما عليه معظمهم في تقويمهم لمنزلة الكفار لما تعرفوا عليه أنهم من جملة الناس، والإنسان أشرف من الحيوان، لكن الله أعلم بخلقه، وهو يحكم لا معقب لحكمه. فإن كان من فضل للكفار على الدواب فهو أن مثواهم النار كما قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ". ومن عدل الله أن الدواب نفسها إذا تجاوزت ما لا بد لها منه من الحصول على ما تحتاجه بخلقتها وطبعها اقتص منها لغيرها، يستفاد هذا من قول النبي صلى الله عليه وٱله وسلم: "لتؤدن الحقوق ٱلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء"، هذا معنى ما ذكره بعض الأفاضل فك الله أسره. قال محمد بن علي الشوكاني رحمه الله في ختام باب الأضاحي من شرحه نيل الأوطار تعليقا على قول عبد الله بن قرط رضي الله عنه في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عنه: "وقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم خمس بدنات أو ست ينحرهن فطفقن تزدلفن إليه أيتهن يبدأ بها قال: "وهي معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم حيث تسارع إليه الدواب التي لا تعقل لإراقة دمها تبركا به، فيا لله العجب من هذا النوع الإنساني كيف يكون هذا النوع البهيمي أهدى من أكثره وأعرف؟: تقرب إليه هذه العجم لإزهاق أرواحها وفري أوداجها، وتتنافس في ذلك، وتتسابق إليه، مع كونها لا ترجو جنة ولا تخاف نارا، ويبعد ذلك الناطق العاقل عنه، مع كونه ينال بالقرب منه النعيم العاجل والٱجل، ولا يصيبه ضرر في نفس ولا مال، حتى قال القائل لشدة حرصه على قتل المصطفى: أين محمد؟، لا نجوت إن نجا!!، وأراق الٱخر دمه وكسر ثنيته، فانظر إلى هذا التفاوت الذي يضحك منه إبليس، ولأمر ما كان الكافر شر الدواب عند الله"، انتهى. 15 ربيع الأول 1447=

الخاطرة 654

: اضطراب حبل الولاء قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ". يا حكام المسلمين، ويا أهل السنة والجماعة، ألا تفعلون لنصرة إخوانكم بعض ما يفعله الكفار من قطع العلاقات، واستدعاء السفراء، والمقاطعة الاقتصادية، وحظر رسو السفن، ونزول الطائرات؟، وما يقدمه أهل اليمن من التضحيات: بسبب فرض الحصار البحري، وإرسال الصواريخ والمسيرات؟. إنكم والله قادرون على فعل الكثير مما ذكرت، وما لم أذكر، مع استبقائكم زعاماتكم، والاحتفاظ بمتاع دنياكم، وما تظنونه مصالح بلدانكم، وما هي بمصالح والله في دينكم، فاستحيوا من ربكم أن تكون هذه الدول الكافرة كإسبانيا وفنزويلا وغيرهما من الدول والمنظمات والأحزاب التي لا تربطها بأهل غزة تلك الروابط العامة والخاصة التي تجمعكم بهم. إن لم تفعلوا شيئا من ذلك طاعة لربكم وطلبا لمرضاته -وهذا هو الذي ينبغي أن يقصده كل مسلم- فافعلوا لبدائل أخرى افعلوا لعرقكم ونسبكم، وافعلوا لإنسانيتكم، وافعلوا لقربكم وجيرتكم، وافعلوا لسمعتكم وزعامتكم، وافعلوا لتاريخكم وأخباركم بعد ذهاب مجدكم ومناصبكم. إن مواقف هذه الدول والمنظمات وخطابات مسؤوليها وحماستهم وما يظهر عليهم من التألم والبكاء وما صنعوه من الاحتجاج بالتخلي عن مناصبهم في حكوماتهم وغير ذلك قاض بأنهم أعمق تأثرا بالعاطفة الإنسانية، وأعظم إشفاقا منكم على إخوانكم، وأقوى عمليا في مناصرتهم، أفهم أولى منكم بمضمون حديث نبيكم صلى الله عليه وٱله وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"؟؟. فهل أنتم مستدركون بعض هذا التفريط بعد أن بلغ يأسنا منكم مبلغه في الوقت الباقي من هذه الحرب الضروس التي مضى على بدايتها ما يقرب من السنتين، ولا ندري ما الله قاض فيها بحكمه القدري المحجوب عنا؟؟ إننا لا نفتأ نجأر إلى الله ونسأله أن يعجل بالفرج وأن يجعل عاقبة الأمر حميدة إنه سميع قريب حميد مجيد. 16 ربيع الأول 1447=

الخاطرة 655

- وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" يا قادة العالم الإسلامي، لم أجد بدا من أن أكتب هذا الذي قد لا يتجاوز أثره صفحتي، لكني فعلت لأدفع به بعض ما أحس به من الألم لحال أمتي، من الضعة والهوان، وإن كنت متيقنا أنها قادرة على تجاوز كثير مما أصابها، فهذا ما أقدر عليه في اليوم الذي تنعقد فيه قمتكم في الدوحة عاصمة قطر. لا أذكر هنا ما تجيش به عاطفتي مما أتجاوز فيه ما يحق لي، فلا أبالغ في المطالب التي يعسر تحقيقها، ولا أشكك في جدوى اجتماعكم من أجل هذا الحادث في قطر، وقد حصل قبله ما يفوقه أضعافا مضاعفة، وهو ما كان ينبغي أن يتداعى من أجله المسلمون ليفعلوا شيئا، وأقربه عهدا هذه الحرب الجارية منذ ما يقرب من عامين في غ (ز) ة، فإن علاقة المسلم بدينه وبإخوانه المسلمين لا تقارن بعلاقته بموطنه وحدوده. سوف لا أورد إلا ما أرى تحقيقه ميسورا سهلا عليكم إن صدقت عزائمنا وسمت هممنا: تجاوزوا الخلافات التي لا تخرج عن الإسلام في علاقة بعضكم ببعض، واعتمدوا المصلحة والندية مع غير المسلمين كيفما كانت منازلهم، وقد فعلت هذا دول على ضعفها وقلة مواردها، فاعتبروا بما جرى في أفغانستان وطرد أبطالها لجحافل الأمريكان، وما عليه بعض دول أمر ي كا اللاتينية التي تربض قرب دولة الطغيان، فما ضعفت ولا استكانت. اهتموا بالكفاءات العلمية في مختلف المجالات وثمنوا نشاطاتها وابتكاراتها في نطاق ما ترصدونه من أموال للبحث العلمي لتحدوا من هجرة الأدمغة التي ينتفع بها أعداؤكم واعملوا على تبادل التجارب والخبرات وكثرة زيارات الجمعيات والهيٱت والعلماء والمفكرين العاملين الصادقين. أنزلوا علماء الشرع والدعاة منازلهم واجتنبوا التضييق عليهم، أتيحوا لهم الفرصة لتعليم الأمة دينها ثم لحشد جهودها من ورائكم لمواجهة أعدائها واستعادة بعض أمجادها. تخلصوا من قبضة القوى العظمى بمسار متدرج وأخطرها على دينكم وأمنكم أم ري كا أكبر أعدائكم وأعداء الإسلام في هذا العصر كما بينته الوقائع مما لا يشكك فيه إلا جاهل أو متجاهل، فكم واعدتكم فأخلفتكم، وكم منتكم فكذبتكم، وكم مدحتكم فابتزتكم، فإن كان لا بد لكم من سند فاختاروا من القوى العظمى أقلها شرا. أنصحكم بإنزال باكستان وهي منكم منزلتها، فقد صار الأعداء يحسبون لها حسابا، وما مواجهتها الأخيرة للهند الوثنية بخافية عنكم. ضعوا في الاعتبار القوى الاقتصادية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط فإنها تهيئ لدول المنطقة فرصة للتفصي من نفوذ القوى الدخيلة الطاغية، فليس من الحكمة إهمال هذا الواقع الذي فرض نفسه في السنوات الأخيرة، وصار الغرب بل أم ري كا ترهب جانبه. اغتنموا هذا الحدث لتحيوا التعاون العسكرى الجماعي والثنائي بينكم ونصوا في مواثيقه على صلاحيات محدودة لا تثير عليكم أعداءكم ليتطور فيما بعد إلى صلاحيات أوسع، فإن التدرج سنة كونية وشرعية. استفيدوا من الدول النووية كباكستان وروسيا والصين وكوريا الشمالية في اكتساب المهارات العلمية ومنها إنشاء المحطات النووية ذات الأغراض السلمية وعمموها في بلدانكم. وسعوا نطاق العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري واستثمار الأموال في دولكم لتصلوا إلى التكامل الاقتصادي فأمتكم بسعة جغرافيتها وتنوع مناخها وكثرة مواردها تتوفر على أعظم مقومات هذا التكامل، ولم لا تنشئون سوقا لدول المنظمة لها خصائص تناسب أصولكم وقيمكم؟؟ أليس هذا خيرا لكم من ضخ أموالكم لأخطر أعدائكم سرا وعلنا وإيداعها في بنوكهم، دون أن تحصلوا على طائل، بل المقطوع به أنها من جملة ما يقتل به إخوانكم، وما يكاد به لكم، بل صار هذا العطاء مما يضحك به عليكم الأحمق المطاع، ويتندر به العام والخاص كما علمتم. لقد تبين لكم أن الرد العسكري على اعتداءات محمية الشيطان وأم ر ي كا نفسها ممكن بما عشتموه من تجارب الأفعال وردودها من شمال اليمن وإيران والعراق ولبنان وغيرها من الدول وأذرعها، واختلافنا في تفسير هذه الأعمال ومقاصد القائمين بها لا يمنعنا من الاعتبار بها، فمارسوا هذا الحق كما فعل غيركم لتغيروا سلوك العدو مستقبلا فيكفكف من غطرسته، ويراعي مٱلات اعتداءاته. لا تجعلوا كرامة أمتكم وعزتها رهن الحسابات الضيقة فيما يصيبها من خسائر مادية في الأرواح والممتلكات متى لزم مقاومة العدوان، فكرامة الأمة وعزتها لا تنال من غير مقابل: وساعات الحياة بعيش عز * أجل من السنين بعيش ذلة لتعوض الدول الغنية منكم الفقيرة في المساعدات المالية التي تتلقاها من دولة الطغيان وغيرها، أو لتكن قروضا حسنة أو ودائع طويلة الأمد لتجنبوا بعض أعضاء منظمتكم الضغوط التي تقيد حريتها في اتخاذ المواقف. اعملوا على توطين الصناعات الحربية المختلفة بدل الاستيراد الاستهلاكي المباشر الذي تتحول فيه الأسلحة بمختلف أنواعها إلى خردة صدئة لا جدوى منها كما هو الغالب على بلدانكم. أنشئوا روابط لإعلامكم الحكومي ليتم تنسيق المواقف عند الاقتضاء، وتجنب الخطاب الذي يسمم العلاقات بينكم، واجعلوا حدا لتجاوزات الإعلام الحركي لا يكون سببا في إفساد صلاتكم. اتخذوا موقفا فوريا حاسما من الحرب في غزة وما خلفته من المٱسي التي لا نظير لها في هذا العصر، فأنتم بتوفيق الله قادرون على أن تلزموا محمية الشيطان بوقفها وإنشئوا إدارة تتولى مؤقتا شؤونها بالتنسيق مع القائمين عليها. واعلموا بعد هذا أن ٱخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، فلا شيء يخرجنا مما نحن فيه من الذل والصغار والهوان غير الرجوع إلى الله بالتمسك بالإسلام وبعث فريضة الجهاد بصوره المختلفة التي نقدر على الكثير منها، فهذا الرجوع كفيل أن نحصل به على ما فيه خيرنا وسعادتنا من حيث ندري ومن حيث لا ندري، قال عليه وعلى ٱله الصلاة والسلام: "إذا تبايعتم بالعِينةِ وأخذتم أذنابَ البقرِ ورضيتم بالزرعِ وتركتم الجهادَ سلط اللهُ عليكم ذُلًّا لا ينزعُه حتى ترجعوا إلى دينِكم"، وقال تعالى: "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ". ليلة 22 ربيع الأول 1447=

الخاطرة 656

- من هنا بدأ خلل الترقيم لم أجد ما أروح به نفسي إلا هذه الأبيات لبعض شعراء العرب وهو عمرو بن براقة الهمداني مع بعض الاختلاف، وفيها من الحمية والشجاعة ما يحرك النفوس الأبية، وقد ذكر بيتا منها أحد رؤساء الدول العربية الإسلامية في قمتهم بالدوحة عاصمة قطر في خطاب هو أقصر خطب القمم إذ استغرق نحو الدقيقة: كذبتم وبيت الله لا تأخذونها * مراغمة ما دام للسيف قائم!! متى تجمع القلب الذكي وصارماً * وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم ُ متى تطلب المال الممنع بالقنا * تعش ماجداً أو تخترمك المخارمُ وكنت إذا قومٌ غزوني غزوتهم * فهل أنا في ذا يالهمدان ظالمُ؟؟ فلا صلح حتى تقرع الخيل بالقنا * وتضرب بالبيض الرقاق الجماجمُ ولا أمن حتى تغشم الحرب جهرة * عبيدة يوماً والحروب غواشم!! ليلة 23 ربيع الأول 1447=

الخاطرة 667

اللهم اغفر لعبدك عبد العزيز ٱل الشيخ وارحمه، واجزه عن الإسلام والمسلمين خيرا، واغفر للمؤمنين والمؤمنات، على مدى أوقات هذه الدنيا والساعات، ويسر لنا هذا الذي قلته عن الفريق الثالث من هذه الأمة المرحومة: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ". غرة ربيع الثاني سبتمبر 2025

الخاطرة 668

كذب الذين سموا أنفسهم القرٱنيين، فإنه لا دين إلا بالإيمان بالقرٱن، واتباع من أنزل عليه القرٱن. قال الله تعالى عن أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام : "رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ". وقال عن أتباع نبينا عليه الصلاة والسلام من اليهود والنصارى: "وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ". وقال عن الناس قاطبة: "فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ". ليلة 3 ربيع الثاني 1447=

الخاطرة 669

أركان تحصيل العلم بكماله ثلاثة: الحفظ والكتابة والفهم، والعمل يثبته ويرسخه، والتزكية ذروته. قال تعالى عما أخبرت به الملائكة مريم عليها السلام: "وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ"، والكتاب هو الكتابة. وقال عن دعاء خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام لذريته: "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ". يوم 3 ربيع الثاني سبتمبر 2025

الخاطرة 670

– [طوفان الأقصى] ونظرية المؤامرة صاحبت حرب غزة نظريتا مؤامرة، أولاهما: في تعليل بدايتها، والثانية في السعي إلى إنهائها. يفسر أصحاب الأولى كل ما جرى فيها منذ عامين بل قبل ذلك بأنه خيانة وتدبير منسق مع الأعداء مع تفاوت دركاتهم -ومنهم حكام محمية الشيطان- على قتل الفلسطينيين، وتدميرها وتهجير سكانها متجاهلبن كل التضحيات التي قدموها قادة ومقودين. فاعجب لهذه المؤامرة التي يموت فيها المتهمون بتدبيرها، هم وأولادهم وأقاربهم، داخل بلادهم وخارجها!! فلما استحر القتل فيهم صاروا يقولون إنهم لم يقتلوا، بل إنهم قد أنهوا (مهمتهم) فاختفوا، أو أنهم ليسوا في غزة أصلا، وقد جنح ببعضهم خيال الأوهام إلى حد القول إن الذكاء الاصطناعي قد عمل عمله فيما ظهر للناس من صورهم، فسبحان الله ما تصنع الأهواء بأصحابها، فلا يستطيعون سبيلا، ولا يستقر أمرهم على شيء!!!: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدق ما يعتاده من توهم لا يقول عاقل هذا وإن كان له رأي مخالف في جدوى ومشروعية تثوير هذه الحرب، وأعرف كثيرا ممن يعتبرون الاجتهاد في ابتدائها بتلك الضربة غير المسبوقة لم يكن صوابا، لأنها فاقت ما قبلها، فلا يصح قياسها على ما اعتاده الفسطينيون من الهدن، حيث جرت العادة أن يقبلها العدو في نظير المفاداة، لكن الأخيرة بحجمها جعلت الصهاينة يوقنون أن لا بقاء لهم إذا استمر من قاموا بها في غزة. لا أكتم القارئ أني ممن يرى هذا الرأي وقبل أن يمضي من عمر هذه الحرب أسبوع، لكني لم أره مانعا من اتخاذ هذا الموقف من المناصرة والعون حسب المتاح، ولم أر مصلحة ترجى من إعلانه غير التثبيط والتشكيك، ومنع المسلمين من عون إخوانهم، بل كثيرا ما قلت إن من لم يؤازرهم لأنهم يجاهدون لزمه أن يسعفهم للتخفيف من ٱثار الحرب المدمرة. وأقول إني قد صرحت لبعض الدعاة الذين استشنعوها أني أختلف معهم في أمرين: الخطاب القاسي الشديد وتوقيته غير المقبول، فالتنازع وقت الحرب ضار، وقد نهى الله عنه فقال: "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ". والأقرب أن يكون الغرض من هذه النظرية تبرير الخذلان والتخلي عما هو مطلوب من المسلمين، دولا وأفرادا تجاه إخوانهم، فيكون موقف الخاذلين بناء على هذا هو عين الصواب لأنهم لم يشاركوا في قتل أهل غزة بطريقة ما، فهذا هو الغرض قصدا أو تبعا. أما نظرية المؤامرة الثانية فهي تلك التي تفسر كل محاولة لإيقاف هذه الحرب بأن المقصود منها إجهاض الجهاد بعد أن أصبح (الانتصار) قاب قوسين أو أدنى كما يظنون، وقد جاءت موجة الاعترافات بدولة فلسطين ليفسر أسبابها كل لصالحه، ولأن في إنهاء الحرب تسليم الأرض لمن لا ينبغي أن يحكموها، ولك أن تسأل ما ذا بقي في هذه الأرض من الحكم حتى يعترض بهذا على وقف هذه الحرب مع إكبارنا لصمود بعض دوائر التسيير وممارستها ما تقدر عليه من المهام، وقد نشط متبنوها هذه الأيام، ودفعني إلى كتابة هذه الخاطرة صوتية من اسطنبول يحذر فيها صاحبها من قبول إنهاء الحرب إلا بما يراه هو ومن على شاكلته، فالمصلحة عند هؤلاء أن يمضي القتل والتدمير والتهجير فلا حول ولا قوة إلا بالله، فارفقوا أيها المسلمون بإخوانكم وارحموهم. 6 ربيع الثاني سبتمبر 2025

الخاطرة 671

[تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها] قال أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه (إحياء علوم الدين): "الرجاء يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره، وهو فضل الله بصرف القواطع والمفسدات." انتهى. قلت: الطمع والأمل والتمني من جنس الرجاء، لكن الأمل فيه استبعاد حصول المحبوب، والتمني من غير عمل، فهو دون الأمل، وضد الجميع اليأس والقنوط وقد نهينا عنهما. وقال أبو العتاهية رحمه الله: يا واعظ الناس عما انت فاعله * يامن يعد عليه العمر بالنفس!! احفظ لشيبك من عيب يدنسه * إن البياض قليل الحمل للدنس كحامل لثياب الناس يغسلها * وثوبه غارق في الرجس والنجس تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها * إن السفينة لا تجري على اليبس واعلم أن رجاء العبد ربه لا يتقيد بتوفر الأسباب، وقول الغزالي يدل عليه بقيد (ما ليس يدخل تحت اختياره)، وهذا حيث كان مطيعا له ملتزما حكمه، أو تائبا مما أسلف من المعاصي منيبا إليه. قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات: "الخوف سوط سائق، والرجاء حاد قائد، والمحبة تيار حامل". ليلة 15 ربيع الثاني أكتوبر 2025

الخاطرة 672

المكر قال الله تعالى: "وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ"، وقال تعالى: "وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"، وقال: "وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ"، وقال تعالى: "أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ"، والغرض الكلام على الٱية الأولى. - اختلف في (إن) من قوله (وَإِن كَانَ مكرهم) هل هي النافية، أو المخففة من الثقيلة؟. - فإن كانت الأولى؛ فاللام في قوله (لِتَزُولَ) لام الجحود، فالمعنى على هذه القراءة؛ أن مكرهم ليس بشيء، إذا لا يبلغ أن تزول منه الجبال، لأنه عند الله، فهو العالم بما يدبرون مما يخفون ويعلنون، فيبطله إن شاء. - وإن كانت الثانية؛ فاللام مفتوحة، وتسمى الفارقة (بين النافية والمخففة)، والمعنى على هذه القراءة؛ أن الله عالم بمكرهم مهما عظم ولو كانت الجبال تزول منه. - فإن قيل: فلم ربط مكرهم بزوال الجبال نفيا أو إثباتا بالتوزيع على القراءتين؟. - قيل: السياق في ذكر بعض أهوال يوم القيامة، ومنها تبديل الأرض والسموات، وزوال الجبال تضطرب له الأرض ويذهب استقرارها، والله أعلم. والمعنى أن الله تعالى عالم بمكر الماكرين كيفما كان، موقع عقابه بهم من حيث لا يشعرون متى شاء. - فإن قيل: فما هو المكر؟ - قيل: هو التدبير الخفي الذي يفضي بالممكور به إلى ما لا يحتسب من خير أو شر. - فإن قيل: كيف يقرن مكر الله تعالى بمكر الناس؟. - فالجواب: أن أهل البلاغة يسمونه مشاكلة، ومن أمثلتها قوله تعالى: "يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ"، وقوله: "تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ". - فإن قيل: فما هي المشاكلة؟. - قيل: هي (هنا) الجمع بين كلمتين صورتهما واحدة يراد بأحداهما معنى غير المعنى الذي لمقابلها، والقاعدة التي تحكم هذا وغيره قول الله تعالى: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ". - فإن قيل: هل معنى المكر إلحاق الضرر بالممكور به فقط؟. - قيل: المكر كما مر صالح للنافع والضار ، ودليله قوله الله تعالى: "وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ"، بالاعتماد على مفهوم الصفة. ومنه قوله صلى الله عليه وٱله وسلم من جملة دعائه كما في سنن الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "وامكر لي ولا تمكر علي". - فإن قيل: هل ينسب المكر إلى الله تعالى دون ذكر مقابله كما في المشاكلة؟. - قيل: جاء ذلك في قوله سبحانه: "أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ"؛ حيث لم يذكر مكر الناس، فانفردت نسبة المكر إلى الله ويدل عليه حديث الترمذي المذكور من قبل. - فإن قيل: لم غلب استعمال المكر في السيء منه؟. - فالجواب أنه هو الذي يتعين كتمانه كي لا يعلم به الممكور به فيتوقاه، أما المكر الحسن فلا يحتاج إلى كتمان في الغالب. - فإن قيل: ما وجه تقييد عدم الحاجة إلى كتمان المكر النافع بالغالب؟ - قيل: قد يلزم كتمان المكر المحمود أيضا ولو عن الممكور له لأنه يفسده بالإخبار به فينكشف الأمر ويفوت المقصود. ليلة 20 ربيع الثاني 1447=

الخاطرة 673

بتعطيل مركز الألباني للدراسات والأبحاث قضي على صمام من صمامات الأمان في هذا البلد بقصد أو بدونه فلا شيء يحفظ الله به البلدان كبث العلم الشرعي بعيدا عن التعصب مع الاعتدال والأناة وبعد النظر بلا تهييج ولا تهريج وهو المعهود في القائمين على هذا المركز والمشاركين فيه ناهجين نهج الشيخ محمد ناصر الدين الألباني محدث العصر رحمه الله فليعوض الله المسلمين في هذا البلد خيرا. ليلة 23 ربيع الٱخر أكتوبر 2025

الخاطرة 674

- مراعاة الخلاف وتجاوز الاختلاف أصول مذهب مالك التي انتهى إليها تدقيق أهله أربعة عشر هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس وعمل أهل المدينة وقول الصحابي وسد الذرائع والمصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب وشرع من قبلنا والعرف وخبر الواحد ومراعاة الخلاف. لكن ابن أبي كف رحمه الله في نظمه أحصى ستة عشر أصلا لأنه أدخل في الأصول دلالات ألفاظ الكتاب والسنة، بدرجاتها منطوقا ومفهوما، ولم يذكر شرع من قبلنا، ولا العرف. أما عده خبر الٱحاد في الأصول؛ فلأنه لما ذكر الدلالات المشتركة بين الكتاب والسنة - وهي خاصة بالقول- تدارك بذكر خبر الٱحاد ليدخل القسمان الباقيان وهما الفعل والتقرير. وممن ذكر أصل مراعاة الخلاف ابن خويز منداد والمقري في قواعده، والشاطبي في موافقاته، لكن ابن عبد البر شكك فيه فقال: "الخلاف لا يكون حجة في الشريعة"، وخالفه أبو الوليد الباجي في كتابه (إحكام الفصول) فذكره في كتاب القياس مبينا صحة اعتبار الخلاف علة، وهي مستنبطة، وممن أباه القاضي عياض لاقتضاء مراعاة الخلاف الجريان على خلاف ما يتطلبه الدليل، وستعلم ما يجاب به هذا الاعتراض. والمعلوم أن المسألة الواحدة لا يراعى فيها غير دليلها واحدا كان أو أكثر، وهو مسلم فيما لا خلاف فيه، أو فيما لا دليل قويا عند القائل به، أما إن كانت مختلفا فيها فقد قال الشاطبي يراعى (قول المخالف وإن كان على خلاف الدليل الراجح عند المالكي). ومراعاة قول المخالف هي بالنظر في اللازم مٱلا على مذهب المالكية، ولهذا ذكر الشاطبي هذا الأصل في مسألة النظر في مٱلات الأفعال، وأصل مراعاة المٱل أدلته كثيرة في هذه الشريعة. أما تقييد أصل مراعاة الخلاف بما إذا كان دليل المخالف قويا من غير أن يصل إلى درجة الراجح؛ لأنه إذا كان كذلك لزم القول به؛ فإنه قيد لا يتيسر تحقيقه دائما، أو الاتفاق عليه، لاختلاف الناس في تقويم الدليل. وقد اختلفوا في كون هذا الأصل يعمل به دائما أو لا؟، وإذا تقرر كونه أصلا؛ فلا يصح هذا الاختلاف، لأن شأن الأصول اطراد الاعتماد عليها، أما مراعاة العالم له وعدمها فمتوقف على اطلاعه على دليل غيره وعدمه، واستحضاره هذا الأصل وقت الاستنباط وعدم استحضاره، كما يتوقف على اعتبار قوة دليل المخالف عند العالم وعدمها، إذ إنها كثيرا ما تكون إضافية، فهذه أمور قد لا تتحقق أو لا تنضبط. ثم إن المقصود من مراعاة الخلاف إما بالنظر إلى المٱل كما سبق، وقد يكون لمجرد دليل المخالف القوي، أو للاحتياط كما في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة. ومن الأمثلة على مراعاة هذا الأصل في المذهب: قول المالكية بلزوم الطلاق فيما كان من النكاح مختلفا فيه، بدل اعتباره مفسوخا. وقولهم بمضي النكاح الفاسد لنقص الصداق عن حده الذي حدوه وهو ربع دينار متى حصل الدخول ومثله بعض صور نكاح الشغار. وقولهم بتوريث المتوفى عنها وأخذها المهر إذا تزوجت بغير ولي. وتجاوزوا مراعاة المٱل الى مراعاة الخلاف مطلقا كقولهم بإكمال المتنفل أربع ركعات متى عقد ركوع الثالثة. وقولهم بالمضي في الصلاة ممن كبر وركع تاركا تكبيرة الإحرام. وقولهم بأنه لا سجود للسهو على من قرأ السورة في ركعتي الرباعية الأخيرتين أو في ٱخرة المغرب. وقولهم بصحة سجود السهو قدم على السلام أو أخر عنه. وقول بعضهم باستحباب البسملة قبل الفاتحة لكن لتعلم أني لم أتحدث عن هذا الأصل لمجرد ذكره بل القصد تقرير أمور مهمة تؤخذ من اعتماد المالكية له أبرزها أنه إذا كان هذا الأصل يقتضي الخروج عما يقتضيه الدليل وهو مرتبط بالاستنباط والفتوى فيلزم من قال به أن يتسع صدره للخلاف العالي أعني الخارج عن المذهب، لأنه أهون بكثير من الخروج عن حكم المسألة الأصلي، فكيف بالخلاف المذهبي الراجع إلى أقوال غير مشهورة لبعض أعلامه أو روايات عن الإمام نفسه غطى عليها المشهور؟ وهذا يدل على مرونة عظيمة في مذهب مالك بحيث يكون للمسألة حكمان حكم في الابتداء وحكم بمراعاة المٱل والحكمة منه أن يجنب المكلف ما يترتب على قول المخالف من ضرر، وقد بين الشاطبي أن النظر في مٱلات الأفعال معتبرة مقصودة شرعا سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، والعلم عند الله. ليلة 5 جمادى الأولى اكتوبر 2025

الخاطرة 675

أنصح كل من أرخى العنان للسانه أو قلمه، فصرف كثيرا من اهتمامه للكلام في أهل العلم واستنقاصهم، لما يراه من تقصيرهم في الصدع بالحق في أمر ما، أنصحه مشفقا عليه أن يشتغل بما ينفعه، وأن يترك ما لا يعنيه، وأن يجنب نفسه الإفلاس يوم يلقى ربه، حيث لا دينار ولا درهم، فيأخذ من يكرههم حسناته وقد يفلس. المتكلم في أمور الشرع إما أن يكون عالما بما يكتب أو يتكلم فليقل -إن كان ولا بد- بعلم، وليبين الحق في أدب وحلم، وليحرص على عفة اللسان، وليبتعد عن الفحش والتفحش وإذاية الناس. أما من ليس كذلك فما له ولهذا الذي لا يعنيه؟ بل هو مما يضر به: يغتاب، يشتم، يستنقص، يلمز، يفني وقته، وقد يكون غرضه اكتساب محمدة المتابعين والمعجبين بجرأته، فيبدو بمظهر المناصرين لهذا الأمر أو ذاك ولاسيما الحرب في غزة التي تاجر بها كثير من الناس. حاسب نفسك على ما تأخذه على غيرك، فما ذا صنعت أنت في بلدك حيثما كنت؟ وهل خلا مما تنتقده على غيرك؟ وما عساك تصنع لو كنت في البلد الذي يسكنه من تراه مقصرا؟ وما كنت تفعل لو منعت من القول في هذا الأمر أو ذاك، كما هو واقع بعض البلدان؟ انتبه!! فإن السياسة برق خلب!! فتعلم أحكام الله والزمها خير لك وأبعد عن الاضطراب والتناقض. واسأل نفسك إن كنت راغبا في اتباع الحق: هل ألزم الشرع العالم أن يعلن موقفه من غير قيد بخوف أذى لا يحتمله كالسجن مثلا؟، وهل يجوز الإقدام على أمر يعلم المرء أنه يفضي به إليه؟، ومع اعتقادنا بأن بعض الدعاة والعلماء قد سجنوا مظلومين فك الله أسرهم، فما انتفاع الأمة بالعالم المسجون؟، وإن كنا نرجو لهم الأجر على ما لاقوا في سبيل الله من الأذى والله أعلم بمن خلق، ثم لنسأل أنفسنا عن نسبة هذا الذي يسكت عنه العالم أو ذاك من أمور الدين إلى ما ينفع الناس به من غيره؟، أيعطل هذا النفع العام من أجل شيء قد يكون فيه المنتقد معذورا؟ لنتفق على أن العالم لا يشرع له أن يمدح الحاكم الجائر مدحا عاما يغطي فساده، ويغريه بالمضي في ضلاله، أسأل الله تعالى أن يلزمني وإخواني كلمة التقوى: من يعن بالحمد لم ينطق بما سفه * ولم يحد عن سبيل المجد والكرم ليلة 7 جمادى الأولى أكتوبر 2025

الخاطرة 676

: هيٱت إفتاء دون استفتاء لا أعرف بلدا فيه من هيٱت الإفتاء مثل ما في بلدنا، بعضها أنشئ لهذا الغرض، وبعضها يمكن أن يتولاه، من ذلك المجلس الإسلامي الأعلى، وعمادة المسجد الأعظم، ولجنة الإفتاء بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، وفي جمعية العلماء لجنة مركزية كذلك، والمجالس العلمية الولائية، وسلك الأئمة المفتين، والشخصيات الوطنية العلمية، وقد يضاف إلى ذلك مفت للجمهورية!! لكننا لا نرى أثرا لهذه الهيٱت والأفراد في صلتها بالدوائر الحكومية حسب اختصاصاتها في الشأن العام، ولا تولى تلك الدوائر أي اهتمام لمعرفة أحكام الشرع في الأمور التي تتولاها، فإن احتاج الناس إلى التزام أحكام الله فيها لجأوا إلى المفتين في تلك الهيٱت وغيرها، وكان بالإمكان اختصار الطريق باحترام هذه الهيٱت الحكومية مثيلاتها في تخصصها واعتماد فتاواها، كما تراعي ذلك في التخصصات الأخرى على اختلاف مجالاتها. ومما يثير الاستغراب أن بعضنا يستنكر أن يلجأ المواطن إلى خارج بلده ليستفتي في أمر ما مع وجود من يقوم بذلك داخله، ونتناسى أن الهيٱت الحكومية نفسها لا تقيم وزنا لمثيلاتها في معرفة أحكام الشرع، وقد قيل: إذا أنت لم تقم لنفسك وزنها * هوانا بها كانت على الناس أهونا مؤدى هذا المنحى الخطير هو تثبيت علمنة الدولة لا بالتنظير والتأليف والكلام والمحاضرات، بل بالممارسة والعمل، وهذا أخطر بكثير من الذي قبله، وهو حصر الدين في علاقة الإنسان بالله تعالى، مما يناقض تماما لما جاء به الإسلام. فلنقم الاعتبار لهذه الهيٱت، ولنحذر أن نكون أدوات لتكريس العلمنة العملية بقصر عمل هيٱت الإفتاء على الأفراد، ورحم الله امرأ في مسؤولية ما في بلدنا قوم هذا الاعوجاج وأعاد الاعتبار لهذه الهيٱت فكتب رسالة يستفتيها أو يستشيرها في أمر ما، فهل من سابق إلى الخير؟؟ ليلة 12 جمادى الأولى 1447=

الخاطرة 677

قال الحافظ ابن القيم رحمه الله مبينا ما ينبغي أن يكون عليه العالم من الخضوع للحق وتجريد النفس من التعصب للمذاهب وموافقة الأصحاب ولو جانب الصواب... هذا: "لمن قصده الظفر بالحق، وإعطاء كل ذي حق حقه، من غير ميل مع ذي مذهبه، ولا خدمة لإمامه وأصحابه بحديث رسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم، بل (هو) تابع للدليل، حريص على الظفر بالسنة والسبيل، يدور مع الحق أنى توجهت ركائبه، ويستقر معه حيث استقرت مضاربه، ولا يعرف قدر هذا السير إلا من علت همته، وتطلعت نوازع قلبه، واستشرفت نفسه إلى الارتضاع من ثدي الرسالة، والورود من عين حوض النبوة، والخلاص من شباك الأقوال المتعارضة، والٱراء المتناقضة، إلى فضاء العلم الموروث، عمن لا ينطق عن الهوى، ولا يتجاوز نطقه البيان والرشاد والهدى، وبيداء اليقين التي من حلها حشد في زمرة العلماء، وعد من ورثة الأنبياء، وما هي إلا أوقات محدودة، وأنفاس على العبد معدودة، فلينفقها فيما شاء: أنت القتيل لمن أحببته * انظر لنفسك في الهوى من تصطفي 17 جمادى الأولى نوفمبر 2025

الخاطرة 678

– تعقيب على تعليق طارت مشرقة وطرت مغربا * شتان بين مشرق ومغرب المنشور الأصلي: كتبت منشورا هو: "جمعية العلماء أفضل جمعية وطنية خدمت الأمة من غير توجه حزبي ولا طموح سياسي". * فعلق بعضهم على المنشور قائلا: "وهذه من أخطائهم التي جرت الويلات على الأمة وتمكن من رقابها الإشتراكيبن فساسوها بالقوة الحديد والنار وحلوا جمعيتهم وسجنوهم ومات جلهم تحتى الإقامة الجبرية وقتل الشيخ مصباح حويذق وإلى اليوم تفع أمة فاتورة زهد الجمعية كما تقول من طموحهم السياسي وكأن السياسة خلقت لأعداء الله ومشرعي القوانين الوضعية والعلماء مكانهم الزوي والجوامع. هذه هي العلمانية المبطنة ومذهب الصوفية البدعي ومنهج مرجئة العصر أدعياء السلفية الذي ابتدعوا لنا قواعد جديدة في الإرجاء من السياسة ترك السياسة ومن الجهاد ترك الجهاد ومن الإعداد ترك الإعداد وسموا خصومهم بالحركيين لأنهم ساكنين لا يتحركون إلا لتسكين الحركيين ولهذا ينكرون على المقاومة في الفلسطين وبل وعلى كل من جاهد لدفع الصائل والله المستعان. * تصحيح: الخطأ الصواب الإشتراكيبن - الاشتراكيون بالقوة الحديد - بقوة الحديد تحتى - تحت تفع أمة - تدفع الأمة الزوي - الزوايا الذي ابتدعوا - الذين ابتدعوا لأنهم ساكنين - لأنهم ساكتون في الفلسطين - في فلسطين وبل - بل * التعقيب على التعقيب تثبت قبل التعقيب، ولا تخلط بين النقد الموضوعي النافع، وبين التخفيف مما يثقل قلبك من الإحن والأضغان والأحقاد على هذه الجماعة أو تلك، فإن كنت لا تعلم فتعلم، وإلا فاصمت. فليس المراد من هذا أن السياسة إن كانت بحق تتنافي مع هذا الدين، لا يقول هذا من يعرف شيئا من أصوله، وسيرة النبي صلى الله عليه وٱله وسلم، فالمراد من نفي الطموح السياسي عن جمعية العلماء باعتبار شخصيتها المعنوية، وبالنظر إلى قانونها الأساس الذي بمقتضاه اعتمدت، وسمح لها بممارسة النشاط المحدد فيه، فالاشتغال بالسياسة بمعناها الذي يفهمه عامة الناس -وهو السعي إلى تولي السلطة- يتنافى مع مهامها في نظر ذلك القانون، لا مع الدين، ومثلها سائر قوانين الجمعيات، في مقابل الأحزاب السياسية وبعض الجمعيات التي تعضد وتدعم حزبا ما في الظاهر أو في الخفاء. وإنما كتبت تلك الأسطر لأن بعض أصحاب النفوذ من أهل المكر والكيد يستغلون مواقعهم في مراكز الحكم للإيقاع بها في الخفاء، وهي التي يقر كل الناس أنها أقدم جمعية وأعرقها في هذا البلد، لكن الواقع غير ذلك، فهذا هو الذي حدا بي إلى ذكر تلك الحقيقة عنها منذ أن عرفتها من الداخل قبل أزيد من عشرين سنة، وما شهدت إلا بما علمت. ولئن كان هناك شيء يخالف ما ذكرت بحكم الظروف التي مرت بها بلادنا فقد تجردت منه منذ أكثر من عهدتين واتجهت إلى خدمة أهدافها المعلنة لا غير، وحققت الكثير منها، وأحسب أن الضبط فيها والتنظيم قد فاق بعض القطاعات الرسمية، فيا خسارة أهل المكر والخداع، والله المستعان، وما أسرع الناس إلى الكلام فيما لا يعلمون!! "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ". 17 جمادى الأولى 1447=

الخاطرة 679

العفو عن بوعلام صنصال قال الشوكاني رحمه الله مبينا مشروعية الحبس والداعي إلى اللجوء إليه: "والحاصل أن الحبس وقع في زمن النبوة وفي أيام الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الٱن في جميع الأعصار والأمصار من دون إنكار، وفيه من المصالح ما لا يخفى، لو لم يكن منها إلا حفظ أهل الجرائم المنتهكين المحارم الذين يسعون في الإضرار بالمسلمين، ويعتادون ذلك، ويعرف من أخلاقهم، ولم يرتكبوا ما يوجب حدا ولا قصاصا حتى يقام عليهم، فيراح منهم العباد والبلاد، فهؤلاء إن تركوا وخلي بينهم وبين المسلمين؛ بلغوا من الإضرار لهم إلى كل غاية، وإن قتلوا كان سفك دمائهم بدون حقها، فلم يبق إلا حفظهم في السجن والحيلولة بينهم وبين الناس بذلك، حتى تصح منهم التوبة، أو يقضي الله في شأنهم ما يختاره. وقد أمرنا الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بهما في حق من كان كذلك؛ لا يمكن بدون الحيلولة بينه وبين الناس بالحبس كما يعرف ذلك من عرف أحوال كثير من هذا الجنس"، انتهى نقلت هذا الكلام في مشروعية اللجوء إلى سجن من يخشى منه الإضرار بالناس ولم يرتكب ما يستوجب حدا بعينه، وقد كان اللجوء إليه قليلا في عهد النبوة وما تلاه، ثم تدرج الناس في اعتماده إلى أن أصبح في هذا العصر هو العقوبة التي لا يعرف غيرها، عدا التعويضات المالية، بعد تعطيل الحدود، وإنما كتبت هذا حتى لا تخلو هذه الخاطرة من فائدة علمية فإن أصلها هذا التعليق الذي غالبت في كتابته: (لئن كان العفو عن السجين المدعو بوعلام صنصال استجابة لشفاعة حاكم دولة تربطنا بها مصالح سياسية واقتصادية في هذا الظرف الخطير، مع ما ارتكبه في حق بلدنا من خيانة، فإن العفو عن الدكتور محمد بلغيث هو شفاعة أهل البلد لدى رئيسهم مع الفارق الكبير بين أسباب القضيتين وشخصيتي المسجونين، فنرجو أن يعجل الله للدكتور محمد بلغيث بالفرج وأن ييسر ذلك لرئيس البلد). ليلة 23 جمادى الأولى نوفمبر 2025

الخاطرة 680

أعظم ما يتوسل به إلى الله تعالى أسماؤه الحسنى كالعليم والحكيم والقادر والرحيم، وصفاته العلى كالعلم والقدرة والحكمة والرحمة، قال الله تعالى: "وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا"، ومن تعظيمه أن يحلف بها أيضا، بخلاف صفات أفعاله سبحانه كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار، فإنها لا يتوسل بها ولا يحلف بها. ومن أجمع ما جاء في السؤال المفتتح بالتوسل إليه سبحانه بصفتي العلم والقدرة هذا الدعاء العظيم: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، اللهم وأسالك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الإخلاص في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسالك الرضا بالقضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين". ليلة 25 جمادى الأولى نوفمبر 2025

الخاطرة 681

- نعمة الغيث والماء لقد جمعنا ربنا مع الأنعام في منته علينا بإنزال الماء، وإخراج النبات، في العديد من الٱيات، بل جمعنا معها في ثلاثة أمور هي المتاع والأكل والسقي!!!. قدمت الأنعام في الذكر تارة، لأنها تعيش على النبات، ونحن نعيش عليها وعليه، كما في قوله: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ"، والأرض الجرز التي انقطع نباتها، فجمعنا معها في الأكل، وإن اختلفنا عنها في التحويل والصنعة والتدبير، لكن الأهم هو علو الهمة وتسفلها حتى يكون هذا البشر أدنى من الحيوان في أكله وشربه وتمتعه كما قال تعالى: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ"، ومثله قوله تعالى: "وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا"، انتبه!!، كل منهما يسقى، وإن اختلف المسقى، ومثل هذا جمعنا معها في التمتع في موضعين من كتابه، كما قال: "مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ"، ومتاع كثير من الناس كمتاع الدواب بل أحط منها، فقد صار كثير منهم إلى إيثارها على جنسهم في أخص خصائصهم، وقال تعالى: "هوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ"، أي ترعون أنعامكم ودوابكم. وفي سياقات أخرى قدمنا عليها لأنه ملكنا إياها لكن كثيرا ما تكون خيرا من مالكها، قال تعالى: "إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ". وذكرها وحدها في سياق بداية خلق الأرض وتهيئتها لاستقرار البشر، كأنما خلقت قبلنا، قال الله تعالى: "وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا ومرعاها"، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه -وقد اختلف فيه- وهو في صحيح مسلم رحمه الله أعني خلق الدواب، والظاهر أنه لا تعارض بينه وبين القرٱن كما قيل. لكن ربنا عمم بذكره الخيرات التي قدرها للخلق كلهم في سياق الإخبار بخلق الأرض في قوله: "وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ"، وذكر ما ترعاه دون ذكر ما لنا في قوله: "وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى"، يعني يابسا قد تغيرت خضرته حتى قاربت السواد. رحمة ربنا بخلقه في الدنيا عامة وقد رحم العجماوات فأخرج لها المرعى وعباده الذين استخلفهم في الأرض ورباهم برسالاته وفيهم الصالحون العابدون أولى بلطفه، قال الشيخ الطاهر ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: "وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا ومرعاها" قال: "يدل على لطف الله بالعجماوات، فيعرف منه أن اللطف بالإنسان أحرى بفحوى الخطاب، والقرينة على الاكتفاء قوله بعده: "مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ". وقد جمع النبي صلى الله عليه وٱله وسلم في دعائه بين طلب السقيا للعباد والبهائم فقال: "اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ، وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ المَيِّتَ"، وروي أن سليمان بن داود صلى الله عليهما وسلم وعلى نبينا محمد وسائر الأنبياء خرج يستسقي، فرأى نملة مستلقية على ظهرها تقول: "اللهم إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكنا"، فقال لمن معه: "ارجعوا فقد سقيتم بدعاء غيركم"، وفي الحديث الذي رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه مرفوعا: "...، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا". فاللهم اغفر لنا فإنك أهل المغفرة، وارحمنا يا ربنا، فإن رحمتك وسعت كل شيء، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، يا ربنا إن حالت ذنوبنا بيننا وبين سقياك، فاسقنا تبعا لمن لا يذنب، والحمد لك على كل حال. ليلة 27 جمادى الأولى 1447=

الخاطرة 682

- أتنكر العدد أم المعدود؟ -[رد على بروبي] قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، وقال تعالى: "رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا". استمعت إلى الشيخ شمس الدين بوروبي -وفقني الله وإياه إلى إيثار الحق على الخلق- في تعليق له على جواب أحد العلماء عمن أنكر تقسيم التوحيد إلى الأقسام الثلاثة التي هي توحيد الإلهية والربوبية والأسماء والصفات. وقد اعتبر جوابه تكفيرا له بقوله إنه ملحد لمجرد إنكاره هذا التقسيم، فكتبت أبين ما في هذا الأمر من لبس باقتضاب. إن الذي لا يختلف فيه المسلمون هو أن أركان الإيمان ستة، وأصلها وأعظمها الإيمان بالله، وهو يشتمل على أربعة أمور يلزم الإيمان بها ولا بد: أولها: الإيمان بوجوده سبحانه، وهو الذي يقر به كل الخلق، إلا من شذ كفرعون والنمرود بن كنعان في المتقدمين، وأضرابهم بعدهم ومنهم من يسمون في هذا العصر ملحدين، ومن قالوا بوجود الظلمة والنور إلهين. والثاني: الإيمان بإلهيته وهي كونه المعبود بحق دون سواه، ويلزم من هذا أن على كل مسلم أن يعرف معنى العبادة حتى لا يصرف شيئا منها لغير الله، لأنه شرك. والثالث: الإيمان بربوبيته، فهو الخالق الرازق مالك الملك المتصرف في الخلق. والرابع: الإيمان بأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا يشبهه أحد من خلقه فيها. فهذه الأربعة لا يختلف فيها المسلمون، ومن أنكر واحدا منها فليس منهم، وقد لا يعرفها عوام المسلمين الذين يكفيهم العلم الإجمالي. أما الاختلاف في تقسيم التوحيد أقساما ثلاثة فلا يدل على جواز الاختلاف في مشمولات الإيمان بالله التي ذكرتها. فإذا جاء عن عالم من علماء المسلمين القول بأن منكر دخول تلك الأقسام في التوحيد كافر لأنها يلزم الإيمان بها، فمراده إنكار المعدود لا إنكار العدد مجردا، وإن كان لا يمكن انفكاك هذا عن هذا. وعليه يقال لمنكر التقسيم: هل تنكر العدد، أو المعدود؟ فإن أنكرت المعدود فبين ما تنكره منه، فانقص منه أو زد عليه، وإن أنكرت العدد أعني مجرد التقسيم فلا بد لك من أن تقر بالمعدود، ولا عليك أن تذكر الأقسام نسقا بالواو العاطفة بدل أن تقول الأول والثاني والثالث لتتخلص من موافقة خصمك في هذه البدعة كما سميتها؟!!! فالحاصل أن من نسب إلى عالم تكفير المسلمين الذين ينكرون مجرد التقسيم فقد افتات عليه وقوله ما لم يقل، فكيف إذا تجاوز ذلك إلى ربط هذا الذي قاله بالأحداث المؤلمة التي وقعت في بلادنا، وضم هو إلى كلامه -أو ضم غيره- صورا فاجعة مؤلمة قتل فيها ظلما وعدوانا مجموعة من النساء في منطقة من بلادنا رحمهن الله، فلنتق الله فيما نفعل ونقول ولنجعل قصدنا بيان الحق بعلم وحلم، فإن الباطل زهوق. 28 جمادى الأولى نوفمبر 2025

الخاطرة 683

– منزلة أهل العلم قال أبو الوليد الباجي في وصيته لولديه بعد حضهما على طلب العلم، والصبر على ما يلحقهما في تحصيله من المشاق، قال مبينا مكانة العلماء في عهود الأمة الزاهرة، وبعض ما ذكره لا يمكن تجريد أهل العلم منه بعد انقلاب الموازين: "والعلم ولاية لا يعزل عنها صاحبها، ولا يعرى من جمالها لابسها، وكل ذي ولاية وإن جلت، وحرمة وإن عظمت، إذا خرج عن ولايته، أو زال عن بلدته، أصبح من جاهه عاريا، ومن حاله عاطلا، غير صاحب العلم، فإن جاهه يصحبه حيث سار، ويتقدمه إلى جميع الٱفاق والأقطار، ويبقى بعده في سائر الأعصار". 18 جمادى الٱخرة 1447=

الخاطرة 684

- في عقد النكاح كتبت هذا الذي أنشره هنا في شرحي المسمى العجالة في باب النكاح وتوابعه في الطبعة الأولى قبل ثمان عشرة سنة مع شيء من الزيادة والتصرف بمناسبة ما أثاره هذا الذي اشترط أخذ المال في مقابل إشرافه على عقود النكاح. قلت: ويحسن أن أذكر هنا اعتياد الناس دعوة إمام مسجد أو من يظنون أنه من أهل العلم والصلاح ليتولى الإشراف على العقد، وجرت العادة أن تلقى كلمة بعده يرى بعضهم لزومها والعقد بدونها ناقصا، أو باطلا، فكان من اللازم على من يدعى لهذا الغرض أن يبين أن لا دخل لكلمته في العقد، بل إن الخطبة نفسها من ولي المرأة ومن الزوج أو وكيلة إنما هي مستحبة، ومما قاله مالك رحمه الله عنها: وكانوا يستحبون أن يحمد الله الخاطب ويصلى على نبيه، ثم يخطب المرأة، ثم يجيبه المخطوب بمثل ذلك من حمد الله والصلاة على نبيه ثم يذكر إجابته"، وقال: "الخطبة في النكاح مستحبة وهي من الأمر القديم، وما قل منها فهو أفضل"، بل مذهب المالكية أن الإشهاد على النكاح غير شرط في صحة العقد، لكن لا يجوز الدخول إلا بعد الإشهاد، وعلى هذا المشرف ان يهتبل الفرصة لتعليم الحاضرين شيئا من دينهم، لا أن تكون الكلمة محفوظة تكرر في كل العقود كما عشناه ردحا من الدهر، مع ما فيها الأحاديث الضعيفة بل الباطلة، وقد سمعنا من يفتري أن مهر حواء كان صلاة ٱدم عليهما السلام على نبينا صلى الله عليه وٱله وسلم، وأنصح أن يتدرج المشرف على العقد ليصل إلى فصل هذه الكلمة عن عقد النكاح، وأقل ما يفعله أن يترك المداومة عليها، فإن المخالفات هذا شأنها: تبتدئ خفيفة ثم تصير عادة، فينقلها الناس إلى حيز السنة، ثم يغدو تاركها مخالفا للحق، ويعتقد بعضهم لزوم قراءة الفاتحة خلال العقد أو بعده، ويغتر بتسميته فاتحة، وهو اصطلاح، ويختار بعضهم صيغة للصلاة على النبي صلى الله عليه وٱله وسلم بألفاظ متكلفة، وفي بعضها غلو فيه بأبي هو وأمي، ومنها صلاة (الفاتح) المبتدعة، مع دعوى تفضيلها على كذا ختمة من القرٱن الكريم، وحكم هذا واضح ممن قاله إن يكن قد اصطلم، مع ترك صيغة الصلاة الإبراهيمية التي لا يختلف المسلمون فيها، ومما لا يجوز أن يقال عن الصداق إن المطلوب هو صداق الرجل الفلاني لشخص يعظمونه من أصحاب الضرائح، وقد سمعت ذلك في عقد قال فيه والد الزوج: "الصداق هو صداق الولي فلان سلطان البر والبحر"!! فقلت له الذي له الحكم والسلطان في هذه المنطقة هو المسؤول الفلاني وذكرت رتبته، فغضب، ومما يعتقده بعضهم أنه يحسن بولي المرأة لا يجيب الخاطب حتى يكرر مناداته ثلاث مرات، ومن المستهجن أن يجمع المال من الحاضرين للذي يشرف على العقد، قد اعتاده الناس حتى صار حقا لهذا المشرف، ومن أهم ما ينبغي أن ينظر فيه أن هذا الذي يسمى الفاتحة يجري بعد توثيق العقد في الحالة المدنية بالبلدية بعد أن منعت وزارة الشؤون الدينية الموظفين التابعين لها من الإشراف على هذه الفاتحة قبل توثيق العقد، فلا وجه لتسميته في هذه الحال عقدا ولا فاتحة حسب المراد منها، فلا يشرع أن يجري فيه الإيجاب والقبول، لأنه مجرد إشهار، وليكن ذلك بين يدي ضابط الحالة المدنية قبل الأمضاء، والله الهادي. 19 جمادى الٱخرة ديسمبر 2025

الخاطرة 685

- علم المنطق ووسائل التواصل اختلف العلماء في جواز تعلم المنطق على أقوال: ثالثها الجواز للحاذق الذي تمرس بالكتاب والسنة، وعرف دينه ولاسيما ما عليه أن يعتقده من تفاصيل أركان الإيمان الستة، فهذا هو الذي قد يستفيد مما فيه من نفع إن كان، ويجتنب ما فيه من ضرر، وقد قيل عن هذا العلم إنه لا يحتاجه الذكي ولا ينفع الغبي. قال الباجي رحمه الله يحذر ولديه من قراءة المنطق والفلسفة: "وأحذركما من قراءتها ما لم تقرٱ من كلام العلماء ما تقويان به على فهم فساده، وضعف شبهه، وقلة تحقيقه، مخافة أن يسبق إلى قلب أحدكما ما لا يكون عنده من العلم ما لا يقوى به على رده...". وقد أشار الأخضري رحمه الله إلى هذه الٱراء الثلاثة في تعلم المنطق فقال: والخلف في جواز الاشتغال ** به على ثلاثة أقوال: فابن الصلاح والنواوي حرما ** وقال قوم ينبغي أن يعلما والقولة المشهورة الصحيحة ** جوازه لكامل القريحه ممارس السنة والكتاب ** ليهتدي به إلى الصواب كتبت هذا بعد أن اطلعت على قرار السلطات الأسترالية الذي منعت بموجبه الأطفال الذين هم أقل من ست عشرة سنة من إنشاء حساب على وسائل التواصل الاجتماعي، ويبدو أن الغرض منه أنها تصدهم عن التحصيل في دراستهم وهم لما يصلوا إلى السن الذي يعرفون فيه مصالحهم، فيضعف المستوى العلمي في البلد وهو أساس نهضتهم المادية. أما نحن المسلمين فلا يقتصر الأمر عندنا على ما قد يكون هو الدافع إلى قرار أستراليا، بل يتجاوز إلى حمايتهم من ضياع دينهم وفساد أخلاقهم، ومن أخطر وسائله هذه الحسابات. مما يجب على المسلمين أفرادا وجماعات ودولا صيانة أفراد مجتمعاتهم من كل ما يشيع فيهم الشر والفاحشة، لوجوب الأمر بالمعروف والمنكر عليهم، ومنها هذه الوسائل، وكذا بعض ما يظن أنه علوم ومعارف ينخدعون بها فتفسد به عقائدهم وتجرهم إلى ضروب من التفكير والتقويم للحياة تخالف دينهم وتشككهم في معتقدهم، وما معهم من المعارف الدينية محدود جدا لا يكسبهم المناعة اللازمة، ومن ذلك دراسة الفلسفة في المرحلة الثانوية، وقد كان الكثير من علماء الأمة الأوائل يحرمون الاشتغال بعلم الكلام مع اعتماد كثير من أهل العلم عليه للمنافحة عن عقائد المسلمين، كما كانوا يظنون، والمنطق جزء منه والفلسفة أعم منهما جميعا. ليلة 23 جمادى الٱخرة ديسمبر 2025

الخاطرة 686

(1)- عاقبة الطغاة قال الله تعالى: "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً". قيل إن الخطوب تذكر وتنسي، وقد أذكرني اختطاف قوات أمريكا رئيس فنزويلا مادورو - أو اختطاف جنرالاته له لتسليمه للقوات الأمريكية بغطاء حمايته - مقالا للعلامة الشيخ عبد الحميد ابن باديس عليه رحمة الله، بين فيه فضل العرب وما على المسلمين عموما نحوهم، وما كانوا عليه من القوة في عهد عاد الأولى، قبل أن تنحط منزلهم بين الأمم أحقابا من الدهر، ثم عاد إليهم ذلك المجد في سياق مختلف تكتنفه هداية الله فجمعوا بين القوة والحق الذي لا بد له منها، وقد قال الله عنهم: "لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ". قال الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في ذلك المقال: "فالنظرة التاريخية المجردة في هذه الٱية وفيما ورد في موضوعها ترينا أن عادا بلغت من القوة والعظمة مبلغا لم تبلغه أمة من أمم الأرض في زمنها، حتى إن الله عز وجل لم يتحد قولهم: "مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً"؛ إلا بقوة الإلهية التي يخضع لها كل مخلوق، ولو كانت في أمم الأرض إذ ذاك أمة أقوى منهم لكان الأبلغ أن يتحداهم بها، وإن أمة تقول هذه الكلمة بحالها أو مقالها؛ لهي أمة معتدة بقوتها وعظمتها"، انتهى. وقد يقال إن الله تعالى إنما تحداهم بذلك، لأنه وإن كان على الأرض أمة أقوى منهم فإنهم إن لم يسمعوا بها لا يحتج عليهم بها. ومما يبين أن قوة عاد لم يبلغها غيرهم في زمانهم قول الله تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ"، فإن (أل) في (الْبِلَادِ)؛ يحتمل أن تكون عهدية أو جنسية، وهو الأقرب. ومما أحتج به ابن باديس على قوتهم في الصناعة أنه حمل المصانع على أماكن الصناعة كما تعارف عليه الناس اليوم، وذلك في قوله تعالى: "أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ". وقد كانت العرب تعني بالمصانع القصور والحصون الضخمة، وقوله تعالى في الٱية (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) قرينة على ذلك متى احتيج إليها، وقال لبيد: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع * وتبقى الديار بعدنا والمصانع والذي ساق لأجله الشيخ رحمه الله الٱيات التي جاءت في عاد؛ غير ما سقتها لأجله أنا، فإنه مع قوة عاد هذه أهلكها الله كما كانت سنته في إهلاك الطغاة بالنوازل السماوية، قبل رسالة موسى عليه الصلاة والسلام، وقد أهلكت عاد بالريح التي الغالب عليها اليسر والهون والنفع، فقال تعالى عقب ذكر قولتهم تلك عاطفا بالفاء التي هي للتعقيب والتسبيب: "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ"، وقال عن فرعون عقب ذكر قوله (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى): (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى)، وقال بعد ذكر عاد وثمود وفرعون وما كانوا عليه من القوة والطغيان في العالم: "فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ". ولا أحسب حاكم الولايات المتحدة الأم ري ك ية إلا أكبر طغاة العالم في هذه السنوات، ولئن انقضى وقت انتقام الله من الطغاة ومن شايعهم بالقوارع التي تأتيهم من حيث لا يشعرون؛ فإن سننه لا تتبدل فيهم بما فيها من الأنواع كما قال: "وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا". لكني دأبت على تعزية نفسي بهذه الأبيات أرددها حين أسمع أخبار الطغاة وأهل الجور من الحكام في هذا الزمان الذي لم يعد فيه للحق قوة تسنده، إذ نحن في عصر حق القوة، بدل قوة الحق، وهو قول بعضهم في هلاك عاد الأولى: فدعا هود عليهم * دعوة أضحوا همودا صرصرت ريح عليهم * تركت عادا خمودا سخرت سبع ليال * لم تدع في الأرض عودا = 06 جانفي 2026

الخاطرة 686

(2) لا زلت لم أفهم هذا الذي حصل في فنزويلا، فبهذه السهولة يعتقل رئيس دولة يعلم هو ومن معه أن أمريكا معادية لهم منذ زمن طويل، فأين قوتهم العسكرية التي من المفروض كيفما كان الفارق بينها وبين خصمها أن تحمي رئيسها؟ وأين مخابراتها التي من مهامها أن تعد طريقة التكتم على مكان وجوده لا يعلمها إلا من استثني؟ فهل ثمة عملاء من الجنرالات سهلوا المهمة؟ أم أنهم هم من اختطفه تحت غطاء نقله هو وامرأته إلى حيث يأمن ليسلموه إلى عدوه؟ نعم إن أمريكا تمتلك من التكنولوجيا ووسائل الرصد والتنصت ما لا يمتلكه غيرها، لكن أين كانت هذه الأمور في الحرب التي استمرت على غزة أكثر من عامين فلم تمكنها من معرفة موضع أسير واحد ومنهم أمريكيون فيحرر من غير اتفاق أو تبادل؟، وما ذا لو قلنا إن قوة أمريكا الضاربة المسماة ب(الدلتا) المعدة للمهام الخطيرة الدقيقة؛ قد جاست خلال ديار غزة؛ فلم تظفر بطائل، بعد أن أيقنت أن ما اعتادته في العراق وأفغانستان وغيرهما لا ينفع في أرض غزة، فانسحبت، وقد سبق أن انتكست في الصومال، وما أعظم الفارق بينها وبين فنزويلا في القوة والتسلح، فتأكد أن النافع ليس امتلاك السلاح على اختلاف درجاته ومستوياته، بل المهم هو مستعمل السلاح ومالكه، وتماسك النظام وتعاون أفراده وسلامة داخله. وما حدث وإن كان خاصا برئيس فنزويلا ودولته بدعوى ترويجه المخدرات في أمريكا وإدخال السلاح إليها؛ فالدافع الأكبر ثروات هذا البلد كما صرح به غير واحد في أمريكا نفسها ومنهم منافسة ترامب على كرسي الرئاسة، ومن الأسباب احتضان فنزويلا خصوم أمريكا كروسيا والصين وإيران. رغم هذا فترامب قد استغل نجاحه في اختطاف مادورو ليرهب خصومه من القوى العظمى النووية كروسيا والصين وكوريا الشمالية فذكر أن يده مطلقة في العالم يفعل ما يشاء، ومن طغيانه أنه هدد الكثير من قيادات أمريكا بأن يحصل لهم مصير مادورو، وبلغ به الأمر أن أوعد أعضاء في حلف النيتو الذي بلاده أكبر أعضائه. ومن تصريحاته التي وجهها إلى روسيا قوله: لست سعيدا من بوتين فقد قتل الكثير من الناس، وقال: عندما أشاهد تلك الحرب في روسيا تستمر وتستمر، والجميع يموتون، أجدها بدائية ومروعة"، وهذه استهانة بمستوى التسلح في روسيا، وقال وزير خارجيته: الدول الأجنبية لن يكون لها موطئ قدم في نصف الكرة التي فيها أمريكا! ومن طغيانه قوله: أخبرني عسكريون حقيقيون أنه لا توجد دولة أخرى على وجه الأرض قادرة على القيام بمثل هذه المناورة، وقوله: لا أحد يستطيع إيقافنا لا يوجد من يمتلك قدراتنا"!! = 06 جانفي 2026

الخاطرة 687

قال الله تعالى: "قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"، وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ"، وقال:ألَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنْ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ". من جملة ما أعطى الله الانسان؛ الأعضاء (الزوجين): منها اليدان والرجلان والاذنان والعينان والشفتان والكليتان والمنخران والخصيتان والمبيضان والثديان مما ينيف على العشرين زوجا، على اختلاف ما خلقها الله لأجله: من النظر وتحصيل العلم والمعرفة، والسماع ومن البيان، ومن البطش والمشي، ومن التصفية، ولتناسق القوام، ولبقاء النوع بالتناسل، ومن غذاء الأطفال، ومن ربط الأعضاء بعضها ببعض، وغير ذلك. وكثيرا ما يتفاوت هذان (الزوجان) في القدرة على ما خلقهما الله له، فيحمل أحدهما عبء الٱخر دون علم الإنسان، وقد يعيش المرء بواحد منهما كالكلية، فلا يكتشف الأمر إلا بعد عقود، وربما عمر ثمانين سنة وهو لا يعلم أن إحدى عينيه لا تغني عنه في قراءة ولا في مشي معتاد؛ حتى إذا عطبت الأخرى؛ تفطن للأمر. وقد صار أطباء العيون ينصحون بتغطية العين الأقوى أياما لتنشط العين الكسول عند الأطفال، فتزداد قوة البصر بذلك، وكثيرا ما تترهل عضلات الجسم وتضعف عند من اعتادوا الرياضة الخاصة ثم تركوها، وربما ركب الخرف عقل الإنسان بالانعزال فقد ذكروا من أسبابه قلة النشاط وإن كان نادرا. وقد وقد روى الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "من قرأ القرآن لم يُرَدَّ إلى أرذل العمر، وذلك قوله : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، قال: إلا الذين قرأوا القرآن"، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب للمنذري"، وهذا قد يكون المراد منه المداومة على تلاوته مع تدبره وتعلمه. وقد سألت أحد أطباء العيون عن سر عدم تفطن المرء لضعف العين في الغالب؛ فأخبرني أن الدماغ لا يكلف نفسه جهدا يقتضيه التعامل مع الضعيفة (!!)، فاستحضرت في نفسي أنه يضطر إلى التعامل مع اليد الضعيفة والرجل الضعيفة لأن عملها لا يتأتى إغفاله (!!)، ومن الأمثال الشعبية عندنا (الناس مع الواقف)، يعنون القوي، وأخبرني بعض الأصدقاء هذا الصباح أنه لا يحس بالضرر في رجله المعطوبة إلا إذا أصيبت السليمة!! والختام قول ربنا عز وجل: "وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ". ليلة = 10 جانفي 2026

الخاطرة 688

علق بعض إخواني جزاه الله خيرا على خاطرتي رقم 687 التي ذكرت فيها الأعضاء الزوجية ومنها العينان فرأيت نشرها لما فيها من مزيد الاتعاظ والاعتبار بما في نفوسنا من الحكم والأسرار، معتذرا عما وصفني به مما يعظم علي نشره لولا داعي عدم التصرف في كلامه، والله عليم بذات الصدور، قال: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، أحسنتم وأجملتم في هذه الخاطرة التأملية العميقة، التي تذكر بنعم الله الجليلة وتدعو إلى التفكر في آياته في الأنفس. لقد أثرتم – وفّقكم الله – نقطة بالغة الأهمية، وهي حكمة الله تعالى في خلق الأعضاء زوجًا، وما فيها من توازن وضمان للبقاء، وحكمة تفاوتها في الأداء أحيانًا، وهذا التفاوت والتكامل بينهما من دلائل قدرة الصانع الحكيم، فلو كانا متطابقين تمامًا لكان العطب فيهما معًا أسرع، ولكان فقدان الوظيفة أسهل، وقرنتم هذه الحكمة التشريحية الخفية بحكمة أخرى تربوية نفسية، وهي ميل النفس البشرية – والممثلة هنا في تعامل الدماغ – إلى الاعتماد على الأقوى والأيسر، وإهمال الضعيف ما أمكن. وهذا مما ينطبق على كثير من شؤون الحياة: فالنفس تميل إلى الاعتماد على الموهبة الغالبة وتهمل الأخرى، وعلى العادة الراسخة وتترك الجديدة، وعلى الرأي السائد ولا تبحث عن المختلف. وهنا تأتي الحكمة من التشريعات الربانية التي تحرّض على الموازنة، وتنهى عن الإهمال، وتأمر بإعمال كل ما أعطى الله الإنسان من قدرات: ففي العبادة موازنة بين الجوارح والقلب، وفي التعلم موازنة بين الحفظ والفهم، وفي الدعوة موازنة بين المنطق والرحمة، وفي الحياة موازنة بين الحقوق والواجبات. كما أن تنشيط العين الكسول بتغطية القوية، وتدريب العضو الضعيف، ومجاهدة النفس على الخير حتى يصير معتادًا، كلها صور عملية لمعنى مجاهدة "الكسل الدماغي" أو "النفسي" الذي تفضلتم بذكره. وصدق الله العظيم: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ). وختمكم بالإشارة إلى أن المداومة على تلاوة القرآن وتدبره تحفظ العقل والقلب من "خرف" الجهل والغفلة والانعزال عن نور الوحي، هو ختم بليغ يجمع بين حكمة الخلق في الأعضاء الظاهرة، وحكمة الهداية للأعضاء الباطنة (العقل والقلب). أسأل الله أن يزيدكم بصيرة ونورا، وأن يجعلنا من المتفكرين في آياته، الشاكرين لأنعمه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين"، قلت: ٱمين. = 11 جانفي 2026

الخاطرة 689

- في مدينة سبدو اجتمع في مدينة سبدو جمال الموقع وأهميته، وعراقة التاريخ ومجده، وعمل الإصلاح وأثره، فلأهمية موقعها أقام فيها العثمانيون حامية عسكرية للدفاع عن حاضرة تلمسان الواقعة جنوبها بأزيد من 30 كيلومترا مع قربها من حدود سلطنة المغرب الأقصى. ثم اختارها الأمير عبد القادر موقعا لإقامة قلعته بعد مبايعته تحت شجرة المغراوي، لتصير بعد ذلك ثكنة عسكرية على يد الجيوش الفرنسية، التي أحرقت الشجرة لمحو رمزيتها في إبقاء شواهد جهاد الجزائريين للغزاة الفرنسيين الذي استهل بحرب الأمير سبع عشرة سنة، ثم تجدد في أنحاء البلاد، ليختم بالثورة الجهادية سبع سنوات ونصفا، تحملت منطقة سبدو قسطا من أعبائها وتضحياتها، وهي التي تقع في المنطقة الخامسة التاريخية بقيادة العربي بن مهيدي الذي هو من أعلام من جاهدوا فرنسا أنواعا من الجهاد عليهم رحمة الله. اما عن الجانب الاصلاحي الحديث فقد أقامت بها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مدرسة تشفع ما أنجز في تلمسان من دار الحديث، ومن المستبعد أن لا يكون قد زارها بعض أعلام الجمعية كالشيخ محمد البشير الابراهيمي رحمه الله، كيف وقد لبث بتلمسان مدة يبث العلم وينشر الإصلاح، وقد زار تلمسان العلامة عبد الحميد بن باديس ليفتتح دار الحديث. ومن معالم سبدو المسجد العتيق الذي كان موجودا قبل سنة1931 وقد وسع بعد ذلك، وهو يحمل اسم الشيخ الفضيل الورثيلاني أحد أعلام جمعية العلماء. ويظهر أن عمران المدينة قد تسارع وسكانها قد تزايدوا بوتيرة كبيرة منذ بناء هذا المسجد يشهد لذلك أن عدد مساجدها اليوم سبعة عشر. زرت هذه المدينة ثلاث مرات آخرها في التاسع من رجب ديسمبر 2025، رافقت فيها بعض إخواني من معسكر ومازونة والمناور وبلعباس مع ابني عبد القادر، فسرني ما وجدت عليه مضيفينا من عناية بنشر الحق ونفع الخلق بتحفيظ القرآن الكريم ومدارسة المتون العلمية وتربية النشء على الاخلاق الفاضلة والسلوك الحميد، وأخص بالذكر جمعية المعالي للعلوم والتربية، والجمعية التربوية الثقافية: أجيال الغد، فليبارك الله في القائمين عليهما والمتعاونين معهما من أهل الإحسان بأنواعه ودرجاته. ومما أفرحني ما علمته من تجاوز الجمعيات بهذه المدينة نشاطاتها الخاصة إلى أعمال أرحب أفقا منها تلك التي يحافظ بها على زينة المحيط ونظافته ومساندة مجلسها البلدي. وقد يسر الله لي إلقاء محاضرة عنوانها (أركان نجاح المسلم) تضمنت الإلماع إلى أثر السيرة النبوية في التربية، مع تأملات في سورة العصر، وتم عقد مجالس ثلاثة جرى فيها التعليق على الوصية الولدية لابي وليد الباجي رحمه الله تعالى، وهي نصيحة جامعة اشتملت على ثمانين مسألة في العقائد والعبادات والمعاملات والتربية والسلوك والأخلاق، وما أجدرها أن تعتمد في تربية أولادنا. فشكر الله لإخواننا في هذه البلدة الطيبة إكرامهم ضيوفهم وأعانهم على المضي في طريق الدعوة إلى الخير والثبات على الحق، وجزى الله خيرا سلطات هذه الدائرة على إذنهم وموافقتهم على القيام بهذا النشاط الدعوي، ولعل مدينتنا هذه سيتحقق لها عما قريب الاستقلال بإدارتها باعتبارها إحدى ولايات بلدنا العزيز. 23 رجب 1447= 12 جانفي 2026

الخاطرة 690

- بقرة شافت رومي !!! ليعذرني القراء الكرام بارك الله فيهم ومن زلت به قدمه، ومن استخفه رفقاء السوء، فغلب على عقله الذي كرمه الله به، فاحتفي بهذا المؤثر الأمريكي المسمى سبيد، ليسمحوا لي أن أمازحهم بالربط بين الحفاوة التي خصوه بها، وبين هذا المثل الشعبي العريق الذي يقال في بعض جهات بلادنا، يضربونه مثلا لمن رأى شيئا فانبهر به، وليس جديرا بالانبهار، كأنه لم يره من قبل، يقولون: (بقرة شافت رومي!!!)، شافت = رأت، الرومي = غير المسلم، مع اعتذاري مجددا لإخواني المؤمنين الذين غلبوا على أمرهم، فإن لكل جواد كبوة، أما غيرهم فالبقر أحسن حالا منهم، كما قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ"، وقال: "إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا". = 18 جانفي 2026 1 - Oumouadene Rabah المقاطعة والتصويت بـ لا ، الواقع أنّ كليهما رفض لدستور الهلاك، لكنهما يفترقان في طريقة الرفض؛ فإذا كان التصويت ب: لا قد عبّر صراحة عن رفضه لهذا الدستور بما تبرأ معه ذمة من يرى أنّه يجب تغيير المنكر والاعتراض على هذا المشروع، فإنّ المقاطعة لا تقل تصريحا عن رفض هذا الدستور كذلك، بل تزيد عليه احتراسا من ارتكاب المحاذير من عدّة جهات: 1- المقاطعة لا تلتزم الحدود التي رسمها النظام لإنجاح مشروعه، من ذلك الإسهام في إنجاح الانتخابات، بإضفاء الشرعية عليها، لأنّ النظام لا تهمه ثنائية نعم/لا ، ولكن يهمه الاقتراع لكسب الشرعية كما استفاض عنه في طريقة تنظيمه للانتخابات. 2- المقاطعة أسلوب واع في الرفض بحيث يتجاوز -في التعبير عن ذلك- التصريح وفق الآلية التي قيد بها النظام الإرادة الشعبية، ليشمل رفض الدستور والقيود معا، إنها ثورة واعتراض على الدستور وعلى الآلية والدور الذي حدده النظام للمنتخبين، فهي بذلك تكرس مبدأ: "التفكير خارج المربعات"، أهم خاصية تنتهجها المراكز والهيئات الواعية وأجهزة التخابر عبر العالم، لفهم ما يجري حولها من أحداث، وهي عمدة بناء التصورات التي عليها مدار الحكم. 3- إذا اتفقنا على ضرورة التصريح بالرفض، فإنّ ذلك ينبغي أن يوصل بمنطق المقاصد في التقليل من المفاسد وتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح في الواقع، فالمعوّل عليه هو إفشال مشروع التعديل الدستوري وعدم تمكين السلطة من ذلك، لتبرأ الذمة أمام الله عز وجل الذي يعلم المفسد من المصلح، وليس أمام النظام الذي لا يرقب فينا إلّا ولا ذمة، بل اعتباره في ظل السياق القائم لا أثر له، ولا ينبغي أن يوضع في الحسبان. 4- إذا حققنا المناط فإنّ المقاطعة ليست سكوتا ولا موقفا سلبيا، بل تصريحا من شكل آخر، أكثر استيعابا للحادثة، وأكثر وفاء لقضية إنكار المنكر والسعي لإزالته والتقليل من مفسدته، ولا تسمح للنظام أن يستغل سذاجة المؤمنين ويلتف حولها بأحابيله وحيله، مدركة أنّ مفرزات الأنظمة الشمولية، ومن خلال برامجها السياسية، لا تسمح للصالحين والشرفاء أن يكونوا حاكمين بل محكومين دوما، فإنّ الجولة عند هؤلاء للرجل السياسي الشرير الذي لا يتورّع عن استخدام أيّة وسيلة لضمان انتصاره على بعض (المغفلين) الذين يقيمون وزناً للاعتبارات الخُلقية كما نبّه مالك بن نبي رحمه الله. 2 - أرمّ الرجل: سكت، وكلّمهم فأرمّوا كأن على رءوسهم الطير، وتكلموا وهو مُرِمّ لا ينبس. أساس البلاغة ١/‏٣٨٧ - الزمخشري (ت ٥٣٨) وقال في "الفائق" 1 / 296: الإرمام: السُّكُوت. قَالَ: ... يسرون والليلُ مُرِمٌّ طَائِره. وفي "ر م م" من تاج العروس": وأَرَمَّ سَكَتَ عامَّةً؛ وقيلَ: عن فَرَقٍ. وفي لسان العرب 14/ 27 (أذى)؛ وتهذيب اللغة 15/ 54؛: قالَ المُغِيرةُ بنُ حَبْناء: إِذا رَمى آذِيُّهُ بالطِّمِّ * تَرى الرِّجالَ حَوْله كالصُّمِ * من مُطْرِقٍ ومُنْصِتٍ مُرِمِّ --------------- ------------------------------------------------------------ --------------- ------------------------------------------------------------